د. فاروق أوهان : مراثي بني غامد وزهران (رواية بأسلوب التداعي والتخاطر) (4)

farooq aohan 76

عندما استلم بُراق رسائله، انتقل معها كلياً إلى الأرض الأخرى، كأنه يغوص من خلال كل منها في حلم، ينقله بعيداً عن هذه الأرض التي لا يألف فيها أحد. حتى قصة عاثر، ومريم الحديثة التأثير على الكل بما فيهم هو نفسه، وتلاشى كل ما حوله فنسي كل ما يحيط به زومط، زيدان، عوض، مسعد، رياض،  مجدي، قارن، وحتى صديق الروح يوسف، لأنه على اسم أخيه. فتح الرسالة الأولى وكانت من أخيه المغترب الذي تركهم مضطراً للهجرة إلى بلاد الغرب، وبُراق لم يكن قد ولد بعد، لكن الرسائل والصور التي لم تنقطع بين يوسـف، وبين أهله. بل إن الوالدة المتعلقة به، تغرز ذكراه في ذهن الصغار، ولم تدع مجالاً للبرود بين المغترب وبين إخوانه، وأخواته، بل إنه كان الشفيع البشري، أو العائلي لهم في كل أزمة يتصورنه متواجداً بينهم، بل ويستشيرونه في كل واردة وشاردة، رغم أنهم يدركون أنهم لو فعلوا غـير رأيه، لما تبدّل أي شيء، لأن أخيهم قد ذهب بـلا عودة، وقد تزوج وتوالد وصار له أحفاد. وتذكر بُراق أنه قبل أقل من ساعة كان قد عنّ عليه خاطر بالرحيل إلى بلد شفيعه يوسف المتصور في حلم يقظة، لكنه لم يرد ذكره علناً خوفاً من أن تسرق الفكرة، وتكتب في رواية، كما فعل صديقه السنجاري عندما نشرها في كتاب بعنوان مذكرات حكيم، فاستبعدها حتى عن خاطره، عندما كان يهوّم مع حكايات محمد زومط، ولم يناقش في عقله كيف يكون الشـفيع، وهو لا يعرفه، ولم يره، ما يعرفه فقط هو اسم الشفيع فقط. لكن رسالة أخيه هنا حفزت معاني الشفاعة، إذ لم يكن قد مر بخاطره غير صورة وصوت، وحديث أخيه يوسف، الذي لا يحق لأحد، ولن يقدر أحد أن يحمله غير بُراق نفسه، فهو ما يزال في ذهن أخيه أصغر الأخوان. ويوسف في ذهن بُراق هو الأكبر والأقوى، والأكثر بأساً في كل الشدائد. هكذا رضع مع حليب أمه هذه التعاليم عن الأخ الأكبر، لكنه لم يناقش حتى الآن سبب هجرته، لأن أمه هي الأخرى لا تستوعب، ولم تستوعب سبباً لتلك الهجرة. وكم توسطت أمه بأصدقاء أخيه أيام زمان بأن يشجعوا يوسف على العودة، إلا أن لا أحد جرأ حتى على توضيح سبب بقاء يوسف في المهجر. لكن عدم انقطاع الأخ عن أهله، ومواصلة مراسلته لهم كانا الهاجس الدائم للكل، حتى والدهم الذي لا يعير هذه الأشياء أي اهتمام، ويعتبرها نوع من التدلع، أو نوع من أنواع ضعف الإنسان، فالسوء يحدث مرة واحدة في الحياة، أما قلق الجبان فيكون كل لحظة، لهذا فإن الجبان، والقلق يموتان في كل لحظة، أما الشجاع، ولا يقول البطل، فإنه يموت مرة واحدة، فلماذا تقلق زوجته، ما دام لم يصل أي خبر، وهذا لا يعني غير أن الخبر المفقود لا يشير إلا للخير. لذلك لا يريد والده أن يتربى أولاده على الضعف، أي نوع من أنواع ضعف الإنسان، وتخيل والده في هذه الحالة غير المبالية، وقد عض لسانه على سيجارته في طرف فمه، ولف رأسه بمنشفة الوجه مصغياً بإذن، وغافياً بعين، وقد أنصت لكلمات آخر سطور رسالة الابن البكر، قرأتها زوجته من رسائل ابنهما المغترب، الذي كسر ظهر الأب بتخليه عن رفع حمل العائلة معه، ويتظاهرالأب الآن بنصف إغفاءة مظهراً أسنانه التي تحتك ببعضها بصرير قاسي، يجعل أمه لغضبها، وغيظها، وحيائها توقظه، وهي تلاحظ انزعاج الكل من إفساد الأب لنومة قيلولة الصيـف المفـترضة، أنها مخصصة لسماع أخبار الأخ من رسائله، أهم أكثر من مائة مرة من درس صرير الأسنان، ولم يدر بُراق لمَ شـبه الآن فقط حالة والده هذه ببعض تصرفات ابن عازب، وبُراق هو بطل التشبيهات المعروف، فكيف فاتته كل هذه الفترة دون أن يفطن لهذه المقارنة. إن صرير الأسنان، يفسد حتى متعة سماع أبيات من شعر للمعلقات، أو سماع رواية لسيرة بطل ما، لكن صرير أسنان الوالد بهذا العناد، والتعمد يثير الغثيـان، ويشوه كل صورة جميلة سيتخيلها السامع، بالإضافة لتشويه صورة الأب نفسه في عيـون أولاده، لكن لا مبالاة الأب، وعودته للنوم من جديد يقفلان كل نافذة في جو الغرفة، فيهرب الجميع إلى النوم .
كان بُراق يلحظ مدى تأثر والده الصامت عندما يرد ذكر غياب يوسف، وانقطاعه، أو تأخر رسائله. هاهي سطور الرسالة تبرز أمامه، كأنها أحد القطارات السريعة التي تخرج بعد اختناق من نفق طويل، تجأر وتنفذ دخاناً حبيساً. تصور بُراق من خلالها لحظة اللقاء الأول له مع أخيه يوسف، بعد تخرجه هو من الجامعة، ذهـبا هو ووالدته لزيارة أختها المغتربة في تركية، وجاء يوسف هو الآخر من مكان غربته ليراهما معاً، بعد أن قطع رحلة طويلة بالباخرة، وفي الوقت نفسه لـترى زوجته أهلها هي الأخرى، تذكر بُراق الرجفة التي اعترته قبل موعد اللقاء، لكن ما خفف خوفه، أنهما التقيا أخيه في الميناء، وكان هذا يلوح من النافذة، وبُراق يقتفي حركة التلويح من جهة، ويتبع مرمى إشارة سبابة أمه التي كانت تؤكد وجود الأخ في النافذة الرابعة من الطابق الثاني. فقد امتصت هذه الملاحقة الرجفة الأولى للقاء، عرف بُراق على الأقل، من خلال تلك الملاحقة شكل أخيه من بعيد. ولون بدلته، وموديل قبعته. وشكل زوجته المرافقة، رغم أنهما معروفان لديه في الصورة، وتساءل بُراق كثيراً، وهو يلاقي أخيه، ويحتضن كل منهما الآخر بطريقته، وموقفه: أيعقل أن تكون الصورة والأصل متطابقان؟ وينفي بشدة بكلمة كلا، ليس التطابق حرفياً، فللروح قوام يتشكل عليها الجسد، فتضفي الروح عليه هيبة من نوع آخر. لهذا لم يكن بُراق متـأكداً من تشخيص الأخ، واعتقد بأن الأمر يشمله هو وأمه، ولو بدرجات متفاوتة، فعلى الرغم من أنهما يريانه يؤشر إليهما من فوق، فمن يقول أنه يقصدهما، وأنه يراهما بالصورة المقربة جداً، ربما  كان يؤشر كعادة كل المسافرين، يؤشرون لمجرد التأشير، كأنهم يودعون شـيئاً خفياً آآآآآآه. كـم يحس الآن بغربة أخيه. وكم سمع من أخيه ما قاساه في الغربة، ليس من العمل، وإنما من قسوة الفراق وعذاباته. وجدها بُراق وقتها، على أنها حكايات ممتعة، لكنه عرف الآن ما معنى ما قاساه أخيه في الغربة، ولعل عنصر الغربة المشترك. هو الذي وحدهما معاً.
أما ما شغل ذهن بُراق هو ساعة اللقاء في المكان المقصود فلكل مكان خصوصيته، ومن حسن الحظ أنه يحتفظ حتى الآن بعدد من مجلة سياحية مصورة التي وضعت تحقيقات مصورة عن بعض المعالم السـياحية المهمة في الجنوب الغربي للقارة الأوروبية حيث إقليم “أندلوثيا”، الأندلس، ومدن مثل “سبيل” إشـبيلية، وبرشلونة ود بُراق أن يزورها قبل غيرها، فهي بلد خوان ميرو. وهي مزارات لم يقرر لا الشرق، ولا الغرب حسم انتمائها، إن الصور هي الوسيلة الوحيدة التي يستطيع فيها المتفرس الماهر التحديق من خلالها في عيون الناس، لاكتشاف السمات، والصفـات المتذكرة من خلال صور لا تعكس بالضبط لا ألوان البشـرة، ولا الملابس ولا نوعيتها لأن المكونات فيها مصورة بالأسود، والأبيض، تعكس للمتفرس فقط المعاني الكامنة وراء الحركة، والإيماءة التي تشير إلى دلالات عميقة في الصور، وتوظف التوضيحـات الخاصة لرموز وتعبـيرات، وحركات اتكائية في الصورة، ولو تسنى مشاهدة هذه الصور متحركة كما في السينما لأضاف هذا الفن عنصر الصوت، فيتعرف المشاهد من خلال نبرة الصوت، وهفوات اللسان، على عوالم، ومميزات البيئة البشرية في المكان المصور، والتي لا يمكن رصدها إلا في المواجهة المباشرة، تماماً كما اكتشف بُراق وقتها تأتأة كلام أخيه يوسف، وتفاجئ بشكل أسيف لهذا الوضع، فبررت والدته هذه العاهة بأنها من بقايا حمى التيفوئيد التي أصابته بسبب وفاة عمته فأثرت نتائج الحمى على يوسف. وعليه هو بُراق، أن يتقبل ذلك منذ اللحظة الأولى للقاء، وأن لا تتشوه الصورة التي رسمت في خياله لأخيه، فالصورة من غير فعل حيوي لا تعني أكثر من انعكاس لا يرقى لما تفعله المرآة، أو الظل في أسوا حالتهما، ولم يقتنع بُراق بتبرير والدته، لعقدة أخيه في اللفظ، إذ  ربما كان مرجع تأتأته راجع إلى خوف قديم من المجـهول الذي أخذه إليه، وارتد بُراق متوكأً إلى مرجع آخر وهو رابطة الدم، هي التي سوف تلغي بينهما الحواجز، وتجعل الاثنان ينطلقان إلى بعضهما دون الغير، وبلا خلط، أو سهو، خصوصاً وأنهما سبق أن التقيا لفترة عابرة قصيرة.
وسحبه حلم للحظة بأنه تائه بين المحطـات، ينتظر قطار، وما أن يستعد للركوب حتى يكون القطار قد أقفل أبوابه، بعد أن لفظ ما به من ركاب، على عجل وهو لا يدري هل يركب أم ينتظر، ففي الوقت الذي يقرر فيه الركوب، تقفل الأبواب على عجل. وعندما يريد البقاء، ربما لانتظار أحـد ما، تبقى الأبواب مشرعة، والسائق يماطل في الوقت الاحتياطي لديه، لكن بُراق يرى فجأة أنه يحمل رزمة من الأوراق، ويحمل إشارة خاصة. كأنه في موقف لموعد حزبي، أو جاسوسي يتعرف العناصر ببعضهم من خلال هـذه الإشـارات. بلا تخاطب، ولا تذكر حتى صفات المقابل، فقد أداء الدور بتسلم وتسليم شحنة الأوراق، وحسب، فداخ من تكدس الوقت، وملل الانتظار، وكثرة المراقبة، للقادم ذي العلامة. وللمراقب من رجالات الحرس السري وتكدس الأوراق، وهي تتزايد لديه، وفكر في حلمه، هل يجوز أن يتقمص أحدهم دور لم يمارسه في حياته اليومية، ولعبه في حلمه فقط لأنه سمع عنه، أو رآه في الأفـلام. فما بال تأتأة أخيه تلتصق به منذ الطفولة، ولم يستطع حتى ألان تجاوزها، فتاق بُراق بشدة لاسـترجاع صناعة اللحظة التي سيتشكل منها لقائهما الأول: هو وأخوه، وهما رجلين، بل لقاء بين كهل، وشاب، جمعهما رحم واحد، ذلك البكر، وهذا هو الأخير. ولا زال بُراق يعتبر اللقاء عقبة لا بد له من تجاوزها. فهذا الأخ في الطرف الآخر من العالم. لا يعتبر بالنسبة له أكثر من كذبة. أو وهْم، لولا أنه تأكد من وجوده من لقاء عمه ليوسف في ستوكهولم. لكان آمن الآن، وتيقن من الوهم لكنه عزى ذلك لطول مدة الفراق، التي تجعل حتى الحقائق كالأماني بعيدة المنال، أو أنها ليست إلا نوعاً من الأحـلام أو أضغاثها، وتساءل في نفسه: وماذا لو جاءته رسائل من أخيه، إن ذلك كله لا يشفي الغليل. وقد يكون أحدهم ممن عرف، أو وقعت في يده الرسائل وردودها. يحاول بنوع من العطف الإنساني، أن يعزيه بمتابعة المراسلة. وربما تكون حالة أخيه قد أثرت على زوجته، فواصلت المراسلة، وهنا ساور بُراق الشك، وبدأ يظن أيضاً حتى في مصداقية لقاءه مع أخيه، وزوجته في ستكوهولم أليس ممكناً أن جمعيـة الرحمة بمن لهم مغتربين يبحثون عنهم. أن يرسلوا شبيهاً للمغـترب يطمئن السائلين؟ ألم يقرأ ذلك في مسرحية تعالج مثل هذه الحالات؟ فقال بُراق بصوت شبه مسموع: آآآآه نعم، للإسباني كاسونا، آآآآآه لو أن هواجسي صحيحة فما أغباني، وأنا ألاحق أملاً كالسراب.
فماذا يفعل؟ لو قيل له ألا وجود لشخص يدعى يوسف، أو ماذا يستفيد هؤلاء من تطمين الآخرين؟ وماذا ستكون النتائج لو عرف الطرف الآخر بالكذبة، إنها ستكون كمن يصعق عندما يقال له: بأن ما تؤمن به لا وجود له، فماذا يحدث لو أن أحداً يؤمن بتوحد دول السوفيت إلى الأبد، ويأتي أحدهم ليقول له بعد ربع قرن منذ الآن، سوف لن تجد إلا بقايا ما كان يدعى بالاتحاد. وإن من فكك هذا الاتحاد هو زعيمه، وإن الدويلات التي آلت إليها المجموعة قد بدأت تتناحر؟ فإن السامع سوف يُجن، بل إنه سوف يصف محدثه بالجنون. وربما العمالة، أو الجهل؛ لعل هذا النوع من الجمعيات لها أغراض أبعد من الرحمة، ولكن لماذا تتكون جمعيات كهذه؟ فمثلاً ماذا تجني جمعية الرحمة، التي تساعد المريض المعذب بتسريع موعد موته؟ وماذا تجني جمعية الرفق بالحيوان؟ وهل تختلف من قريب، أو بعيد عن رؤى هتلر المجنونة لتحسين الجنس البشري عن طريق القتل؟ بإفناء غير المؤهلين في نظريتهم، فمن جعلهم حكام على أن يكون هذا الجنس هو الأقوى؟ ولقد فسّر فريدريك نيتشه على طريقته هو، من هو الإنسان المتفوق، فما هكذا كان نيتشه يعني، لأنه هو نفسه كان معذباً في بداياته حياته، عانى من الجنون، ومن المصحات التي اعتبرها كالسجون، وكالسلطات الحاكمة، في حين يحتاج المريض إلى الرحمة، فجسد نيتشه هو الذي كان ضعيفاً، أما عقله فمن العقول المتفوقة، فكيف لحزب فاشي، شوفيني أن يحور النظرية لصالح أهدافه، ويقلبها رأساً على عقب، صحيح أن هناك حالات لمرضى مستعصية تستوجب التخلص منها، فيما لو وصلت حالة المريض لطريق مسدود، فإن تلك الجمعيات الإنسانية تبيح مساعدته على إنهاء حياته للتخلص من العذاب اليومي المرير، أما التصرف بعكس ما تريده الطبيعة في نظرية البقاء للأفضل، فهو برزخ خطر، لأن أية من الجماعات البشرية سوف تعتبر نفسها هي المتفوقة، وسوف تبرر قتلها للآخرين كنوع من أنواع تحسين وضع البشرية، للأسف فلقد وجدت هذه التعاليم في الأساطير العبرية، وما تزال، وهي ما تبرر به إفناء الجنس الفلسطيني، وأي جنس آخر يعيق مشروع شعب إليوهيم المختار.
وداخ بُراق مـن سرعة التوارد، وتواتر الأفكار، وقوة ردود الأفعال، والإيغال فيها، بعمق وتأثر؛ فغابت السطور عن ناظره للمرة الألف. وهو يعيد السطرين الأولين مراراً، وعاد يفكر من جديد: إن كل شيء جائز ألم يقم هو نفسه بخدعة، انطلت على صديق طفولته؟ وجعله كفأر اختبار يعيش سنين على الآمال؟ فهل من الغريب أن يخبره الطرف الآخر بوجود أخ له في المهجر؟ أيكون يوسف هذا قد مات في عملية انتحارية؟ أو أغتيل، أو سُجن مدى الحياة. صحيح أن لا شيء يأتي من فراغ لكن السـّر قد يكون عند والديه، أو بالأحرى لدى والدته، لأن أخيه الأكبر من مطلقها. وأبوه هو زوج أم أخيه، وضحك من فذلكته وهو في هذه المحنة الحقيقية، لربما تعلق أحدهم بهذا الخيط السّري، وهذه العلاقة المطاطة، جمعية كانت أم دولة أم فرد. فتتم الكتابة لأهله على ضوء هذه المعلومات بداية، وبعدها تتطور، وتتوطد من خلال ردود الأفعال. والمواقف المبنية عليها من قبـل الطـرفين. وقد يكون المراسل روائياً يحب جمع معلومات. أو جهة سرية حكومية. أو غير حكومية ترغب بتحليل مادتها. عن طريق مراسلة غير مشبوهة لبلد المغترب الأصلي. لكي تستقي ما تريد من معلومات بعد تحليلها. وهـذا لـم يكـن يرد في خاطر بُراق أبداً. لا؛ لا؛ لن يحاول قراءة الرسالة بعد الآن. ولن يرد عليها أبداً لأنه قد يقع في مصيدة لا يمكنه الفرار منها أبداً. وخاف بُراق من تلصص الأعين حوله. ولأول مرة أحس بما حوله وهو في الطريق، ولكن لفترة وجيزة، فقد عاد سريعاً وبغض النظر، إلى تساؤلاته مفكراً: ألم يتورط في متابعة مراسـلة صديق الطفولة غسان، بعد أن راسله على أنه أي بُراق فتاة من هواة التعارف، عندما وجد صورة غسان وعنوانه في مجلة العالم المصورة في ركن التعارف، وكان قد دبر كل شيء مع صديقه الرسام نجدت. فأرسل إلى غسان عنوان بيت صديقه نجدت، واتخذ من اسم أخته حجاباً ساتراً له. وهو اسم ميسرة، لكن بُراق ملّ بعد المحاولة الرابعة، لأن المراسـل من الجهة الثانية لم يضف أي شيء أكثر من الشوق واللوعة، وتقديم فروض الطاعة التافهة للتعرف على الفتاة، كانت مضحكة، بل ومقرفة توضح ذلك الشوق الطفولي، وتلك الملاحظات المنقولة من دفاتر المراسلات. كم سـقط من نظره صديق طفولته غسان، فلم يعد يتذكره في كل أحلام طفولته، لأن عقله الباطن يقوم بتحاشيه كل مرة، بينما التصق أكثر بغيره، وهما إدمون العصامي، الذي توفي، وتوأمه عصام الإدموني في حادث سيارة، كل هذا الرفض، والابتعاد عن التفكير في زميل الطفولة لم يكن باعثه غير تشوه الصورة المرسومة لصداقة الطفولة، لأن بُراق كان يتصور غسان أكثر نضجاً، وأكبر من مما تكشف له في المراسلة السرية. يا ويلاه أيبلغ الأمر ببعض الرجال أن يضعفوا هكذا. ويكتبوا عن أنفسهم أشياء غير واقعية. كم شعر بالذنب وقتها، ووخزه ضميره لأنه سرق أسرار صديق طفولته، لكن هذا الدرس علمه الكثير، فقد تكشفت أمامه أمثولة لجيل كامل هو واحد منه، ولكنه في واد، وهؤلاء في واد آخر. أجل علمته تلك التجربة أن لا يبيع الصدق، والعواطف بثمن رخيص، كم كان يسخر، بل ويحتقر من هؤلاء الشبان معه في الدراسة الذين يقفون لمجرد مرور فتاة، أو أن يتكلم مع واحدة بنفس ما يتكلم مع الأخرى. وأن يعدها بنفس الديباجة، ونفس الكلمات تخرج من فمه كاللبان الممضوغ حد الملل. والأنكى من ذلك أن هذه، أو تلك تصدقانه، رغم وضوح عدم إيمان المتكلم بكل مـا يطلقه لسانه. لقد عزّ عليه هو بُراق أن يجرح أو يخدش مشاعر أية فتاة يعجب بها، وكان وهو في طريقه إلى المدرسة، لا يستطيع سـماع كلمة من تلك الكلمات، التي كان زملائه يدربونه عليها فيأبى الانصياع، بل إن فتاة انزعجت لطول ملاحقته لها؛ دون فائدة، ولا كلمة، أو تقدم، بل لربما احتقرته دون معرفة سبب صمته. كان في كل تصرفاته، يتصور أن الفتاة التي سوف يفاتحها، أو سيكلمها، أو يغازلها هي نسخة من زوجته المقبلة، أو أخته، أو أمه، أو المرأة المثالية. لذلك كان يكثر التقصي والبحث عن أصل. وتفاصيل حياة الفتاة. حتى أن أحدهم سخر منه قائلاً: وهل ستتزوجها إنها ليست إلا علاقة عابرة، ويذهب كل إلى حال سبيله.
ودّ بُراق أن يصفعه، ويبصق عليه، لكن ذلك الزميل كان أكبر وأقوى وأكثر نذالة من كل الزملاء. وعاد بُراق من جديد ليتأكد فيما لو أن أخيه هـو فعـلاً أخاه، ربما لو تذكر نبرات صوته، أو لعل صوته في الهاتف يفيد، لكن من أين له تلك المكالمة في هذا الجحر العميق في العالم، ولن توصله الخطوط لأكثر من حدود بلدة البطن، إضافـة إلى تلك التكاليف الباهظة الثمن، فمن يجرؤ على استعمال الهاتف، لحديث عابر حتى ولو كان مهماً كخبر الوفاة مثلاً، ربما كانت البرقية تختصر كل شيء آنذاك. ولكن ليس باليد حيلة، وانتبه إلى أن من يدعى بأخيه لم يفكر حتى بذكر رقم هاتفه لو وجد أصلاً، وفكر بُراق وهو يتابع السطور التي كتبها يوسف، بلغة عربية ركيكة التي تخلط بين الفصحى، والتعابير العامية للهجات العروبة كلها، بأنها أكثر صدقاً من كل هواجسه، فهي تفصح عن مكنونها الدافئ، وحرارة صدق كاتبها، بكل هفواتها الإملائية، والخلط المتعمد، أو غير المقصود، ربما بين أحرف الضاد، والضاء. وبين الزاي والذال، والثاء والسين. إضافة لعدم التميز بين المذكر، والمؤنث. فهل تلك الجهة التي تصورهـا بُراق بهذه العبقرية؟ لكي تدرس كل هذه الأمور، وتضعها في الحسبان  لكي لا يقع أي لبس، أو شك ليس من قبل أهل المغـترب المفـترض، أو من قِبل رقابة البريد لبلد أهله، لم يستبعد ذلك، بل وإن شكه بدأ يتجسد مع الأيام. وقام بُراق ليفكر في طريقة متأنية، بل ومنتبه لكيفية كتابته للرسائل أي أن لا يضع فيها أية معلومات مفيدة، أو مكشـوفة على الأقل. هكذا علمه إخلاصه لوطنه ولأرضه، ولربما تكون بعض هذه الكلمات البريئة مصدر إشعاع، وتحليل مهـم للغـير. ألم ينتبه، وهو يتجول مع وفد من الإعلاميين الأجانب، إلى كيفيـة صيـاغتهم الأسـئلة؟ ليس للمسؤولين، ولكن لسواق السيارات، والخدم، وعمال الصيانة، والباعة وحتى المتسولين. لكن بُراق عاد من جديد، ليفكر على النقيض مما تجره هواجسه، فيفرح لأنه الوحيد الذي يختزن بداخله كائن أكبر منه بكثير، هو يوسف أخوه، وليس بأبيه، أو أي شخص آخر. ويفكر بُراق لمرات في ذلك اللقاء الذي وعده به يوسف. في جنوب القارة الأوروبية. حيث سيلتقيان في الإقليم البائد، لمجد أجدادهم الغابر، في هذا الصيف. حينذاك سيختبر، إن كان هذا الأخ أخاً حقيقياً، أم هو وهم مصور، أم مبعوث مجند، لا يبدو في الظاهر له أهمية كبيرة، ولكن لا يعرف أحد ماذا تخبئه الأيام، وإلى ما تقود القوى الخفية قدماه. وفي هذه الحالة عليه أن يبحث عن الأخ الأصلي. دون مواربة، ولكن دون مجابهة، لأنه ربما سوف يلاقي نفس مصير أخيه، سوف يتتبع عن بعد وبتمثيل البلاهة، عن مصـيره عن، وعن.. آآآآآه.
ملّ بُراق من كثرة التداعيات، وكأنه قد مر بحالة أرق قاسـية، فقـام ليستحضر مكان اللقاء مع أخيه، فيختار مرة محطة باصات، ومرة أخرى محطة قطار، وثالثة في مطار، لكنه يعود ليلغي تلك المحطات الثلاث، فيضـع الموعد في فندق، ثم يستبعد ذلك لأن المدة حتى الموعد في العطلة الصيفية طويل، وسوف يتيسر له المجال للتفكير بمكان اللقاء، وسوف يستعين بكثير من صور المجلات التي تكرس بعض أعدادها للسياحة. لكن بُراق لم يتوصل في كل تصوراته إلى مكان للقاء يوسف، إلا أن يستحضر معه مشهد اللقاء في محطة قطار. ربما لأنها أسهل في اللقاءات، وأكثر دلالة، أو لأنه يراها دائماً في الأفلام مكاناً مناسباً للقاء الأحبة، وفراقهم. وما دام كل منهما مسافر، ومغترب فليس أحق عليهما أن يلتقيا إلا في محطة، أو مطار، إذ لن يصادف أن يصل كلاهما معاً، وحتى لو وصلا معاً، فسـوف تضمهم المحطة، أو المطار، أما لو وصل أحدهما قبل الآخر فإن الأول سوف يستعجل لقاء الثاني، في أول نقطة تحط فيها رجل أخيه في ذلك البلد. هي المحطة، أو المطار بالتأكيد.
وحاول بُراق تصحيح معلومته لأن هاجسه، ادعى أنها ليس أول منطقة يدخل فيها القطار في ذلك البلد، على عكس الطائرة، وأجاب نفسه، بنفسه: ولكنها أول نقطة يسـتطيع المسافر من خلالها لقاء أهله، أو مستقبليه بعد تجاوز نقطة جوازات السفر. بل ونقطة التفتيش الكمركي. هكذا هي قوانين الحضارة الحديثة. أن يكون وجود المستقبليَن، والمودعين معاً، في محطة القطار التي تمثل هي الأخرى حالة القدوم، أو العودة. أو السـفر بـلا شـك وبالعكس. بالإضافة إلى أن كلا الطرفين، سيكون لهما المجال الكافي للنظر في الوجوه، والتفرس بها والتحديق في العيون، لاكتشاف السمات، والصفات المتذكرة من خلال الصور، ومعاني ما بين السطور في الرسائل، ودائماً كما هو معتقد في الغالب، بأن رابطة الدم، هي التي سوف تلغي الحواجز. وتجعل الاثنان ينطلقان إلى بعضهما دون الغير، وبلا خلط، أو سهو. كانت كل هذه الأفكار تدور بخلد بُراق بينما كان ينحدر، من الطريق الذي وصلت إليه عربة البريد. لكنه لم يحسب كم من مرة، عثرت قدماه بصخرة من الصخور. التي يتمنى حسن زيدان من اعتلائها. ويأسف لأنها متباعدة هكذا في البرية، لربما نشأت لديه في الأيام القريبة هواية جديدة هي تجميع فئة من الصخور، وبأحجام مختلفة لمناسبات متعددة، تتناسب وأطوال الناس الذين يقف معهم، ولو كان مدرس رياضيات لما توانى عن برمجة مقاييسها، المناسبة، بل والبحث عنها في قواميس الأحجام، والكثافات، ولربما يتيسر له وقت، لأن يحمل حقيبة خاصة، يضع فيها عدة أحجام من الحجارة ينتقيها كلما وقف مع أحد.
وفيما بُراق ساهياً في تداعياته، وهو يسير متملياً الرسائل، كان قد سهى حتى عن رد السـلام على المارة الذين تصادفهم في طريق عودته، ولربما كانوا قد سألوه عن مجئ عربـة البريد، أو أية أسئلة أخرى، لكن حالته جعلتهم يغضون الطـرف عن ملاحقته بالجواب. ما دام منشغلاً بالقراءة، أو متورطاً في شبه قراءة، وفاتت بُراق أيضاً، متعة التيه بين أشجار اللوز وهو يمر في الممر الضيق في المنحدر، الذي نزله الآن، ونام فيه مرة، دون أن يعي قيمة الوقت، فقط إن ما شغله حالياً، هو التفكير بأن هذه البناية التي تركها خلفـه كم تحتوي، أو تبيت على العواطف والحكايات، والأشواق، والأخبار. حتى تصل إلى أهلها. وتمنى لو أنه يشتغل هناك. لما خرج أبداً من تلك البناية. بل أنه كان سـيبتكر طريقة لتأخير الرسائل، لليلة واحدة عـلى الأقـل، لكي يقرأ ما بداخلها، أو أن يتعرف على هواجس الناس، وأسرارهم. لكنه أبعد ذلك الخاطر المريض، بل هجا نفسه من جديد، بعد أن كان قد أقسم يميناً بأن لا يعاود ما فعله مع صديق الطفولة غسان، أو كما تفعل معه الآن جهات غـير معلوم مركزها؛ أو أهدافها. وخشي أن يتعرض لمكروه، لكون أنه ربما يكون مرصوداً من قبل هذه الجهات، وإلا لماذا سهلت عملية تعاقده مع حكومة هذا البلد، ولماذا لم تمانع دولته في إعارته بعد فوات موعد التقديم؟ ولماذا أوحى له أحد خريجي دفعته بضرورة السفر؟ وبالذات إلى هنا. وداخ بُراق من جديد، بل لم يجد نفسه إلا وهو قريب من البئر الذي ترتوي منه أشجار اللوز، ومزارع البرسيم. فجلس على حافتها يخشى النظر إلى أسفل، ليرى عمق الهوة قبل الوصول إلى الماء. فماذا لو أنه سقط فيها؟ هل كان سيموت، كما حصل لعاثر؟ وتأفف من عودته إلى الواقع بمجـرد ذكر اسم عاثر. هاهي سـاعات اللذة قد انتهت، وساعات اللحظات السارحة قد أوشكت على النفاذ، فماذا يفعل؟ وتمنى لو أن رسائل أخرى قد جاءته. رسالة من أختـه، أو أمه مثـلاً. فهما الوحيدتان اللتان تكتبان له من العائلة في الوطن. هاهي الأفكار تراوده من جديد كأنها خيالات، وأحلام يقظة يتذكر من خلالها طفولته السعيدة، والمتحررة من كل مسؤولية.
ويسحبه الحلم بعنف من جديد فيركب عجلة كبـيرة دوارة، مثل أسطوانة ماكينة طباعة الورق، والورق الذي لديه يـتزايد من جديد بفعل عملية دوران الأسطوانة حتى يدوخ فيرى الأسـطوانة مثـل عجـلات اللونابارك تتمهل في دورانها البطيء، تأخذه ليلف حول العالم في قطار يدور حول نفسه محطات أرضية للقطارات، ومعه الأوراق تتزايد، وتملأ كل ما حوله. لكن ما يدور تحته ليس في الحقيقة إلا ساحة الميـدان التي أضحت الآن مثل قرص دوار فوق جماجم المنفيين، يهصرها القرص الدوار بهذا البطيء القاتل، وببرود قاسي يعتبره بـرد لا يعرف له مصدر، فينظر لا إرادياً إلى فوق فيرى السماء تندف قطناً يتكوم وسط القرص الذي يؤدي إلى فجوة تحته في الوسط، فيها مجموعة أسواق كل منها محطة لبلد زاره يوسف، وتعلق بذاكرته هو، من خلال بطاقات البوست كارت، المحفوظة في ألبوم صنعته العائلة خاصاً بمسارات أخيه حول العالم، فبعد أن اختفى من مطعمه في يافا خطفاً بسنين، فأُتهم بمساعدة الفلسطينيين بتخزين السلاح في مطعمه، وما أن لفظه السجن مع أو ل دفعة، بعد حرب 48، غاب لسنتين لكي يظهر في مدغشقر، ثم سيلان، وبعدها إلى شرق أسيا، في كل من كمبوديا، وبروما، والفلبين، قبل أن يصل إلىى السويد، ومع كل بطاقة مصورة تصلهم، تقول يومها والدته أن يوسف قد ضاع في هذه الدنيا. لكن إحساس بُراق بالبرد الذي يتأجج بداخله، بحرارة تصل حد الغليان عكس المألوف، ربما يفعلها عود ثقاب، فيحترق كل القطن الذي تجمع وسط القـرص، وسط ساحة التحرير قرب نصب الحرية. فيخاف بكل جوارحه، فينسى المحطـات، والقطارات، ولا يكون همه إلا البحث عن عود الثقاب المفترض، والذي بدأت ناره تحفر عميقاً في أكوام القطن الُمقمى، ذلك ما شعره من رائحة الانتماء. غير أن وصوله غير سهل إلى مصدر، فمجرد الوصول إلى المركز عليه أن يجد أحد الأبواب المؤدية إلى المركز فيه بين الأبواب والوجوه، وكلما تيقن بأنه قد وجد الباب المناسب تدفعه دوامة الداخلين، والخارجين، الناتجة عن هستيريا الهروب الجماعية، من القوى الغاشمة التي تحتل البلاد فيدور في طوفان الأبواب والوجوه من جديد. والأكتـاف تدفعه إلى أين؟ لا يعرف يؤدي، ويحس ببرد شديد، وإن شيئاً ما يطير منه لعلها الرسالة التي يحرص على قراءتها، وقد تناثرت أجزاؤها مثل ندف القطن، أو أوراق المناشير السياسية السرية.
يفيق بُراق وكأنه قضى أعواماً ودهوراً في تلك الأنفاق وقد انحسرت فيها الرؤية وضاق به التنفس؛ ومقـابل كل ذلك عليه أن يحافظ على ما تبقى رزمة الأوراق، التي لا تعدو عن كونها هذه الرسـالة التي غفا وهو يقرأها، فمسكها بقوة كأنه يخش أن تطيرهـا نسـمة هـواء مهما كانت خفيفة، وعليلة. لكنه ضحك من نفسه لأنه لو مر أحدهم وهو في حالة الإغفاءة هذه، لأخذه هو، وليس الرسالة لوحدها.
وتذكربُراق فجأة أن كل الأفكار التي دارت بخلده هـي التي قادته للحلم؛ فقام ليسير منحدراً في الطريق، وقد اندمج من جديد في الرسالة. وعاودته الأفكار من جديد كأنها خيالات، وأحلام يقظة يتذكر من خلالها طفولته السعيدة  والمتحررة من كل مسؤولية، إلا من كابوس الانتظار، وصلاة الأم اليومية لعودة أخيه الغائب أبداً، فمكانه على السفرة، وملعقته لم يفارقا دائرة العائلة حول صينية الأكل. وهو الضائع في أحلامها، وحكايات يقظتها. تولول وهي مغمضة العينين وتخرج الهمهمات غامضة مرة وشديدة الوضوح لمرات. على شكل لفظة واحدة لا تتغير وهي: حرامي .. .. حرامي سرق ولدي .. الحقوه لقد سرقني. لقد أخذوا ولدي، أخذ الحرامي ولدي .. .. حرامي .. .. ررررررراميييييي.
إلا أن كابوس الانتظار، وصلاة الأم اليومية لعودة أخيه الغائب أبداً الضائع في أحلامها والذي كلما تأخرت رسائله تتكرر بلا توقف، إنما تتغير عبارات الاستنجاد فقول أمه: ضاع ابني . ضاع يوسف . ضاع الولد. فكم بكوا جماعياً مع أمهم، هو وأخواته على دموع أمهم الحنونة، فكلما ضاقت بها الدنيا، كانت تقول: لو أن أخاكم يوسف هنا، لما حصل لنا ما حصل.
ولو أن يوسف موجود، لما تطاول علينا فلان، ولما غبننا فلان. حتى تمل من كلمة اللو. غير أنها كانت بالنسبة لبُراق إكسير الخيال، وينبوع الأحـلام، فهي تعزي نفسها برسالة جديدة، وبُراق يعزي نفسه بحلم جديد، لكن حاله الآن قد أصبح مثل حال والدته. آماله محددة بانتظار الرسائل، من أي جهة، فعزاءه هو الهروب إلى عالم الرسائل، وبواسطتها إلى الوطن. ولما كانت عربة البريد لا تأتي إلا بالأسبوع مرّة، فإن الانتظار أسبوعاً كاملاً له معاناته هو الآخر.
كان بُراق؛ ولا يدري مـن غـيره من المدرسين الآخرين؛ يصوم الأسبوع كله عن رحلة الخيال. والحلم خصوصاً في طريق العودة من دار البريد، في أعلى تل في بداية قرية العنق حتى بئر اللوز. ولا يخرج من ملله، وأحلامه، إلا عندما يرى عربة البريد الحمراء قادمة، وقد رصدها من نافذة بيت محمد زومط بعد محاضرة مكررة عن طريقة الخبز، وهكذا تعاد الرحلة في كل أسبوع. بينما يكون سريره هو مركب أحلامه الليلية، وتلك أحلام من نوع آخر رغم اختلاف التنفيس. فقد أصبحت آماله محددة بانتظار الرسائل، من أي جهة كانت، حتى ولو جاءت من جهنم. حتى ولو أنها لا تحمل أية أخبار جديدة، أو مفيدة، بل إن لون الورق، وتكرار الدباجة، وتقلص السطور صارت علامات مميزة لرسالة أخيه  يوسف لأهله، لكن ماذا يفعل وعزاءه الوحيد في هذه الغربة ليس إلا الهروب إلى عالم الرسائل، وبواسطتها إلى الوطن، ويتمنى وهو في طريقه إلى دار البريد، أن تحمل له الرسائل أفضل، وأكثر الأخبار، وأن يكثر عدد مراسليه، وهكذا يبقى بُراق طوال الأسبوع يفسر، ويحسب عشرات المرات، ويكتب، ويرسل. حتى تعود أن يرسل الرسائل بنفس يوم قدوم العربة، فما فائدة أن تقبع الرسالة في دار البريد على الربوة لعدة أيام؟ ويعرف أنها لم تتحرك من هناك بعد، وليس من طريقة لوصولها، إلا أنها أعلى من منزله، وأفكاره، لأنها فوق الربوة، ولطالما يندم لقرار تسليمه الرسالة، قبل موعد قدوم العربة التالية لأنه غالباً ما سـيتذكر أشياء نسي كتابتها، ويعرف أن الرسالة هنا، في ذلك الدار. لا مجال لأخذها، وإعادة الكتابة فيها، تماماً كما لا يستطيع عابر الحدود مد يده، حتى لمسافة الشبر الذي عـبره ولو في فضاء الجهة أخرى، فـلا يستطيع أياً منا العودة للثانية التي مضت. ولا للامساك بها، إنما أيضاً لا يستطيع حتى تصحيحها، فما فات قد فات، وانقضى أمره، وهذه كارثة الإنسان الحقيقية، عندما يمر به الوقت، يرسـم له آثاراً، ولا يحس بنفسه، إلا وقد هرم، وشاخت أعضاءه واستعدت للرحيل الأبدي، لذلك يخاف الإنسان من تقادم الزمن، من ساعة إلى أخرى، ومن ثانية إلى غيرها يعدها وهي تمر، لكنه كلما أحصى عددها، ساعد في إحصـاء ساعة عمره الماضية، ووقت رحيله القادم، لذلك يخاف الناس من مجرد ذكر العمر، وذكر الزمن، ذلك الشيء الوهمي الذي يعود، شيء يسرقنا على مهل، ولا نجد ضده أي تجريم. ولا يصبـح الـزمن حقيقـة، إلا عندما يتوقف معه عمر الإنسان، لذلك فإن قضاء الحـدود وأحكـام عبوره كقضاء الزمان، واللا عودة، إلا بعد الحصول على تأشيرة جديدة للعودة، وكأن هذه الأرض التي خلقت واحدة لا يختلف شبراً فيها عن الآخر، فقد غيرها المالكون وحقلوها على هواهم، كما ميزوا الإنسان، ولم يهتموا لكل أحكام المبشرين، والرسل، والأنبياء، والفلاسفة، وأصحاب المدن الفاضلة، لكن ما يعزي في عبور الحدود، أن له عودة بتأشيرة على غير العبور الـزمني الذي لا تفيد معه أية تأشيرة عودة مهما كانت، وليس خوف الإنسان مما مضى لكنه خوف من الآتي، وهو نفسه خوف  بُراق، ولو لا هذا الخوف لما تطور فكر الإنسان، وأنجز ما أنجزه فكراً، وحضارة، وثقافة: في العمارة والفن، والأدب، والفلسفة، والعلوم كافة: طب، فيزياء، إن ترسيم الحدود حول تواصل البشر مع بعضها له مداه المحدد، ونهاياته الحتمية القريبة، فما دام فكر الإنسان فاعل، فإنه سوف ينشئ لنفسه عالم خيالي مع الآخر في طرف الدنيا الأقصى، ليس بالتخاطر النفساني، وإنما بالأجهزة الدقيقة التي يخترعها الإنسان بنفسه، فتنقل صورته بذاته لذاته، وهو جالس في مخدعه، أما الآن فكل شيء مؤطر بالوسائل المتاحة، ومؤجل إلى حين لأن السلطات تريدها على مقاساتها، بريد يدوي، لا صور، لا تلفزيون، ولا هاتف، سوى مذياع يرسل الأصوات عبر أثير مغبر.
لذلك يكـتب بُراق الرسائل، لكي يرسلها إلى شتى الاتجاهات في الوطن، أو إلى خارجه، كأنه غريق يستنجد بالآخرين بكلمة، أو عبارة يطلب منهـم أن ينجدوه، وينجوه. وكثيراً ما يصرخ في الحمام دون وعي منه. أو في جولته عندما يكون وحيداً في البرية ببلدة الصدر، وصرخ بكلمة: النجدة. تتردد في الوديان السحيقة، لكن صداها لا يعود كما أصدرها بُراق على خلاف ما يحصل مع الآخرين، بل إن صـدى كل كلماته تعود كلها ما عدا صدى كلمة الننننججججدة، ولم يعرف لذلك أي سّر، ربما لصغرها، أو لعظمة تأثيرها، أو بعد مداها، فقد يعود الصدى في يوم ما، ولكن بعد أن يكون هو  بُراق قد رحل، وعاد هو إلى الوطن نفسه، ولربما يكون منجديه الآن بعيدون كثـيراً، أو أنهم لا يريدون نجدته حقاً، فيقومون بحبس كلمة النجدة عنه.
ويعود بُراق لحساباته مع الوقت، ليتعرف على تأريخ الإرسال الحقيقي من ختم الـبريد نفسه، كم تتأخر الرسائل، أما هنا فمعروف من الختم الكبير، وأين تذهب بدورة استثنائية تعرج على محطات كثيرة، وربما تتعرض للفتح، والقراءة من فضـوليين، أو رقباء غير مسؤولين، وغالباً ما تنزع طوابعها بشكل فج، وقسـري فتتيه على بُراق للحظات متعة التقاط بلد الرسالة، ولكن أكثر ما يحُزنه هو عدم مجيء عربة البريد لذلك الأسبوع، وهو الذي تهيأ لاستقبال الرسالة المتوقع قدومها، وبقيت لديه رسائله التي جهد كثيراً في كتابة طوال الأسبوع، وهاهو القادم برمته غير مهم، وطويل فلا رسالة تُقرأ، ولا رسالة تُكتب، وفوق هذا حيرة فيما كتب من الرسائل، ولم يرسل، حيرة في الحفاظ عليها، وحيرة في مكان حفظها، ليس في مكتب البريد، فقد يحتاج الأمر لإضافة ما، وليس فـي أي مكان من البيت فقد تتعرض للفتح، وسرق الأفكار، والتعرض للنقـد والتجـريح . وربما اللوم.
وعندما قرأ بُراق ما جاء في رسالة أخيه أخيراً، فلم يجد فيها الكثـير، فكل ما فيها ديباجة مملة، ومكررة، وفيها سؤال الأخ على الوعد بتحديد مكان اللقاء المرتقب. ولعل بُراق يقدر هو نفسه ما يمكن أن يحصل، لذلك يعزي نفسه بالرسائل التي يتعرف من خلالها على البلد القادمة منه، وذلك من الطابع الملصق أعلى الحافة اليمنى من المغلف.

7

كانت عملية شطف البئر، وشفط الماء منه، بالمضخة الساحبة، التي تعمل بالديزل قد جذبت بضجيجها الفضوليين من القرى المجاورة، فتجمعوا أفراداً خائفين، ومتوجسين مما قد يشاهدونه بين فينة، وأخرى. ربما يد مهترئة، أو ساق مجذومة، أو عين مفقوعة، أو كلية منفجرة، زاكمين أنوفهم عن الرائحة المتوقع شمها بين لحظة وأخرى، ناظرين إلى مشهد هدر المياه على الأرض العطشى، وبكل أسى وحزن يفكر أحدهم: لو أن هذه المياه تروي الأشجار اليابسة في حقله، فالأرض هذه السنة لم تذق طعم الماء كما في السنين الأخرى، فقد كان المطر سيلاً عارماً. وفكّر مدرس وهو يرى إلى الماء المهدور من البئر، ولا مطر سوى إعصار لا يدوم سوى دقائق، ذلك الذي لم يكن قد خبره في بلاده، فالأمطار تترك آثارها لمدة طويلة، من خلال الأوحال في المدن، والأطيان اللزجة في أرياف الوطن، أما هنا فقد جاء المطر فجأة وذهب بلا أثر، كأنه لم يأت. وقد خاف الكثير من أهالي البلد من شحة الماء في صيف هذه السنة، وتفقد مالكي الآبار كل بئر على حدا، وغطوها بالأعشاب خشية طمع المتطفلين، وحرارة الجو وهم يصفقون يداً بيد خوفاً من كارثـة غـير متوقعة، وكثرت الأقاويل، والأحاديث عن سنين مماثلة، وسوء الحال الذي لا يطال الزرع فقط، وإنما أيضاً الحيوانات، وكل منهم يخشى على ماله، وثروته. فمالك البئر يأسف على الماء التي تدر عليه أرباحها، وصاحب الأرض يـستحيف على المنتوجات التي كانت ستدر عليه فوائدها، ومالك الماعز يخشى على إنفاق ماعزه وبيعه لها بأبخس الأسعار، وهكذا فالكل يخاف: المزارع يخاف من الجفاف الذي سيطال زرعه، ولن يجد من يشتريه، والراعي سوف يستعجل بيع ما لديه، ويكتفي فقط بتلك التي ستعوضه في الربيع بجيل جديد. ويقول ابن سيحان معلقاً على هذا الوضع: المآساة ليس هنا، إنما تكون عند اشـتداد الحاجة، وكثرة الطلب بلا نتيجة.
وارتفاع الأسعار، أو قلة الشيء مهما ارتفع السعر. إنها دوامة يحكيها، ولا يمل منها هؤلاء، من ذوي الذكريات، عن أية حادثة صارت، وكثيرة هي الذكريات، خاصة إذا ما استحثتها حادثة مثل هذه التي أمامهم الآن، فالخبرة تجعلهم يخافون من كارثة تحل عليهم .
ورغم ضيق الحيلة، فهم يفكرون بالمصير المتوقع على الأقل، وهاهي الأرض المجاورة للبئر تشرب الماء المشفوطة بسرعة فائقة، كأنها حصان منهوك القوى من طول سباق، أو جمل قطع طريقاً طويلة في الصحراء، ولا يجد بُداً من اقتحام نبع واحة فاجئته، والدخول حتى نصف جسده، لـترتوي كل مسامات جسمه، إضافة لفعل الشرب، أو بالأحرى ابتـلاع الماء، وكأن العطشان لم يذق الماء من قبل، لكن جسده هو الآمر لا إرادياً لهذا الفعل.     وتذكر بُراق نزواته عندما يشاهد المياه المنسابة في نهر، أو جدول، محاولاً القفـز فيها، للارتواء، أو السـباحة، رغـم معرفته البسيطة بها. ولم ينس حادثة تعرضه لغرق حقيقي عندمـا غطس في دوامة مائية قديمة لساحل ضحل، وقد شدته ملابسه الشـتوية المبللة إلى أسفل، لكن حلاوة الروح، والخجل من انكشاف سـره في التظـاهر بمعرفته للسباحة، ساعدته على النجاة، عندما نط إلى الجانب القـريب.  فانهار على حافة الجرف بعد نجاحه في النجاة. أما هنا قرب بئر فإن الماء السائحة المسكوبة على الأرض، ليست في عيون المتطفلين إلا كشيء من النجاسة لا غير، ما دامت قد حوت جسد رجل أجرم لمرتين: الأولى بقتله لزوجته. والثانية بقتله لنفسه. والنجاسة أيضاً تأتي من فعل بقاء الجثة المتعفنة في ماء البئر، فلا ضرورة إذن لهذه الماء القذرة، لا شرباً، ولا سقياً، ولا تغسيلاً، ما دامت نجسة، وقد تحللت فيها الجثة وتفسخت أعضاؤها. غير أن الجمع المتفرج من المشاهدين لم يخفوا شعورهم بالحيف على الماء المسكوبة هدراً في قرارة أنفسهم، لأن قلة الأمطار لهذه السنة قد جعلت كل ما حول الناس يابس كالحجر الصلد، والمعدن اللماع نتيجة انعكاس أشعة الظهيرة الصارمة، ورغم أن الأحجار هنا تسمى كذلك، لكن  بُراق لم تصدق عينيه، وهو يرى إلى تلك الأحجار المتشابهة باللون، والشكل، فهي مسطحة على الدوام، خشـنة يغلب عليها الرمادي الداكن، أو الأسود المخضر، تلمع من بين هذا السواد شذرات بيضاء، وعندما تقدم في إحدى المرات لرفع إحدى الأحجار. كان بخبرته في رفع أحجار بلده أن وزنها التقديري ليس ثقيلاً، فقد فوجئ بثقلها غير الطبيعي، فتخيلها الصخرة التي رفعها غلغامش في حلمه، فلم تتزحزح من مكانها، رغم قوة باه البطل الأسطزري، وقد علل ذلك مدرس الفيزياء مجدي بقوله: إن الكثافة النوعية لهذه الأحجار أكثر؛ ربما لاحتوائها على معادن صلدة أكثر عن عناصر مادة الحجارة الأصلية نفسها.
على غير ما خبر وزن الأحجار النوعي في بلاده، فكل حسب كتلته، وكل حسب حجمه، وقد عرف مفسراً كنه السبب لأصدقائه، وطلبته، فالأرض هنا غنية بالمعادن، وما سبب عدم توقف المياه في الأرض، إلا وجود ثغرات تغور فيها المياه بسرعة، تذهب كأنها تدخل آلة عجيبة. تبتلع كل ما يسهل تسربه من بين مساماتها، ولم ينس بُراق ذلك السيل الهائل الذي فاجأهم، وهم في طريقهم إلى هذه البلدة، فقد كانت السماء ملبدة بالغيوم ولا أثر لمطر على امتداد النظر في الطريق الوعرة، لكن سرعان ما انبسطت الأرض أمامهم بلا مدى، وبعد أن نظر سائق الباص الخشبي صوب اليمين، توقف قبل وصولهم منتصف المسافة بين بلدة الكـتف الأيمن الأعلى، وبلدة الصدر. ولم يقدر وقتها المسافة، لا بُراق، ولا زملائه الذين تعرف بالكاد على أسمائهم الأولى: مجدي، ومسعد، ورياض، ويوسف، إبراهيم، وعبد الصمد، لكنه قدر آنذاك أنهم في بداية منتصف سـهل، إذا تجاوزوه إلى نقطة الصفر في الوسط كانوا عرضة للسيل، ولكن أي سـيل هذا، فلا علامات لمطر غزير، أو ذوبان لثلوج في جبال حتى ولو كانت بعيدة عن مدى رؤياهم، أي سـيل بـلا دلالات، أي سـيل والأرض صخرية رملية جافة. إن بُراق يعرف أن السيل يأتي مع الأنهار، في موسم الربيع، بعد ذوبان الثلوج، أما في مناطق الينابيع، فهو يأتي من مسارب العيون، وأماكن تواجده، ويسمى في بلدة مسقط رأس بُراق السيب. وعندما استفسر بُراق، ومَن كان معه، مـن السائق عن سبب التوقف غير المناسب، فاجأهم بإجابته: إنني أنتظـر السـيل.
وفكروا ربما أن السائق لم يفهم سؤالهم، أو أنه يمزح، أو أنه يتعلل لكي يبتزهم بالأجرة  أو أنه ينتظر من يساعده عليهم ليسلبوهم، ما داموا لا يعرفون البلد، وما داموا غـير مقيدين رسمياً في إدارة المنطقة التعليمية التابعين لها، وكانت المفاجأة أن توقف رتل كبـير من السيارات وراءهم ظنوهم للوهلة الأول قطاع طرق، من أعوان هذا السائق، لكن ظهور رؤوس معممة، وأخرى حاسرة، وغيرها من أبناء الجاليات العربية طمئن قلوبهم، ورغم أن أياً من الذين بقوا معه في بلدة الصدر، لم يبادر للإفصاح عن كوامنه، لكنهم عندما تذكروا تلك الحادثة لمرات فيما بعد، فإن كل منهم أبدى ما كان يتوجسه، وأصبحت تلك الحادثة وما تبعها من النوادر التي يتمتعون بتذكرها. فالباص الخشبي كان قد امتلأ بعفشهم الذي اشـتروه من مركز الكتف الأيمن لأربعتهم، إضافة لما جلبه كل منهم من أمتعته الشخصية من بلده الأم، ولأمتعة الاثنين اللذين تبعهما، وهما يوسف، ومدرس المطاولة إبراهيم، ولو كان معهم أحد ممن درّسوا في السـنة السابقة، لهان الوضع، لكنهم كانوا آخر دفعة من المتعاقدين، وهذا ما جعل إدارة المركز مضطرة، لارسالهم إلى هذه المنطقة النائية، متأسفة على خبراتهم كل في اختصاصه. وبعد انتظار ظنوه سيطول ربما لليلة، أو بأقل من نصف ساعة، كانت الغيوم الملبدة القادمة من اليمين والتي وصلت عند خط الأفق إلى الأرض، أو هكذا بدت لهم، فقد رأوها تزحف متقدمة، وقد سبقها هدير بدأ يعلو تدريجياً، ظن البعض أن ما هو آتٍ ليس إلا جيش مدرع على الناظرين احترامه وقوفاً. تماماً كما يقف مضطـراً، سائقو السيارات عند وصولهم إلى موقع سكة حديد أقفلت الحواجـز أمامها، وخلفها علامة X وإشارات حمراء متقطعة تعلن قدوم القطـار، سريع كان، أم أقل بطئاً من سير السلاحف، بعربة واحدة، أم بعشرات منها، وعلى المنتظرين أن يحصوا الأعداد، ويضبطـوا الساعات، ويعدوا الوقت بكل هدوء، وطول بال. وحتى تفرج الأمور، لكن ما كان هنا غـير ما رآه الجمع، فهو شيء أقرب للخيال، بل إنه بدا كالأسـطورة. فما أن مرت الغيوم، وأظلمت السماء، عج كل شيء، وطلب السائق من المسافرين أن يحتموا بالباص كأفضل حل، فدخل هو أولاً، وأمطرت السماء شـلالات عظيمة، مما هيج ذلك مشاعر الركاب أكثر هو صوت الهدير الذي لا ينقطع عن الدوي. واضطر السائق بناءً عليه لإشعال أضواء السيارة، لعله فكر أن مشهداً كهذا لم يمر، ولن يمر بالركاب، وفعلاً شاهد المسافرين معه كالحالمين موجات عالية من الماء تسير أمامهم، وبعلو الباص، وعلى بعد مائة متر لا أكثر. تجرف معها أشجاراً، وحيات، وصناديق. فما أن نظر السائق من جديد إلى اليمين، حتى أطفأ الأضواء ونزل من الباص، وبدأت الضياء تسطع من جديد. والهدير الذي وصل إلى حد صم الآذان، بدأ بالتلاشي كأنه كابوس مرّ وعفا عليه الزمن. وحلم متداعٍ يحتاج لتفسير، وتأويل في خاطر حالم لم يصدق هذا الذي اجتازه، ونزل سائقو السيارات الأخرى راكضين، لينجدوا سائق عربة نصف النقل سحبه السيل أثناء مروره ومن إشفاقه على نفسه سارع السائق إلى الصعود إلى أعلى نقطة في السيارة، وظل متشبثاً بالحديد خوفاً من أن يجرفه التيار معه، فإذا حصل ذلك لن ينجوا أبداً.
في هذا التداعي بين من كان مع براق، ومنهم مسعد، فقد وردت فجأة إلى خاطره، تلك الحادثة التي رواها له فراش مدرسته محي الدين داهش التي حدثت له في ريف الجزيرة الجنوبي، وقد تعجب وقتها من رواية داهش الحماسية، والحميمة، بل المأساوية، فقد اضطر لأخذه على نياته مرغماً على سماع تأويلات تصورها مبالغة منه، وسرى في خاطر مسعد شك من عدم التصديق لتفاصيل ذكرها داهش. بدا هنا من خلال هذا الاستدعاء بأنه كان قد أجحف حق داهش في الرواية. وتعجب مسعد لسرعة اختراق تفـاصيل الحادث المفجع لذاكرته في هذه اللحظة. وتذكر صورة داهش، وأمه، وزوجته وطفليهما، الذين يعيشون في كوخ على سفح جـبل ظفـاري، داهمهـم السـيل في إحدى الليالي، وفيما العائلة نائمة يصعق داهش بانهيار مفاجئ، لم يحس إلا والمياه تتداخل من انهيارات فوق رؤوسهم، وبلمح البصر لم تتح الفرصة لداهش لكي ينتبه لصوت الأم التي يبدو أن الانهيار قد لفها بسرعة وجرفها التيار، لكن الزوجة وقد استفزها الخوف على الوليد الذي تحتضنه، ومن خوفها عليه نسيت نفسها، فجرفها التيار بسرعة هائلة، ولم يكن لديها المجال للتعلق بشيء، فيداها متشبثتان بالوليد، والتيار يجرفها، والأشياء تتقلب. ولم يكن لديها من سلاح إلا الصراخ، وهو دليل الباحث عنها. كل ذلك حصل وداهش يرتطم من جذوة إلى أخرى، ويحاول من جهة اللحاق بالأهل، بالزوجة، والوالدة. ومن جهة ثانية التشبث بعرق ينقذ الكل، عندها تتاح الفرصة لهم بالتعلق به، ولكن كل الأمور تسير بسرعة فائقة، ولما عثرت يداه على جذر تمسكت به كان قـد فات الأوان. فبمجرد التثبت كان التيار المار سريعاً يجرف ما معه، وابتعدت المسافة بين داهش والعيال، أحسه هو من ابتعاد الصوت، وتلاشي الصراخ، بينما تمر الأشياء فوق رأسه كالصواعق المدمّرة، مياه مختلطة بكل شيء جرفته معها، حتى غاب عن الوعي، ولم يعِ إلا بعد أن كان كل شيء قد جف وهدأ، فاستقرت الأمور، قام داهش ليتفقد ما حوله، فلم يجد أحد حتى على بعد مئات الأمتار، يركض هنا، ويصرخ هناك، ويولول في مرة، ويكتئب لمرات، ولا أحد يسمعه، أو يراه، حتى الطيور فزعت من الأمر فغابت عن المكان، ولم يحس داهش حتى بما حوله من منكوبين غير عائلته، ولم يفكر بهم. فقام من جديد والجروح تدميه من كل صوب، وركض كالمعتوه في كل صوب، ينادي، ويصرخ، ولكن لا أثر لأية بارقة، ولا حياة، فانهار مجدداً من شدة الإعياء والتعب، والجوع، والحزن. ولما أفاق في الصباح التالي، لم يتعرف على ما حوله، وقد تنكر لكل ما صار، فإذا ما انتبه لبقايا البيت، سحبه بعيداً صراخ الزوجة، ومنظر الطفل وهو والأشـياء تهرسه تحتها. وإذا ما تناسى كل ما حدث، وتجّبر عليها، بل كابر على نفسه، لم ينس منظر أمه، وهي تتلاشى كأن آلة عجيبة شفطتها، وقد لفتها الحصيرة التي كانت تنام عليها كأنها في تابوت قد صمـم خصيصاً لها. وصار بذلك غير راغب على البقاء، فنزل إلى الوادي، ومن ثم هـاجر إلى المَدر حتى اشتغل فراشاً في مدرسة. وفكر مسعد سـاخراً من القدر. فلو أن ما حصل لداهش حصل لهم وهم في منتصف الوادي؛ لكانوا الآن في عداد الأموات، وعجب كيف صبر سائق عربة النصف نقل وتحمل حتى أنقذه الآخرون، وكان وقتها قد تمنى، وهو يراقب قوة تدفق التيار حول، وفوق العربة بكل قسوة وعنف، بأنه لو تيسر لفرقة إنقاذ سماوية أن تحط هنا فوق السيل، وتنزل حبالها لكي تنقذ روح الغريق أولاً، تاركة كل ما هو ثمين بلا تحيف على المال.
إن هذه الخواطر التي مرت بمسعد لم تكن وحدها التي جاءت لتشـغل باله، وإنما حصلت مع مرور الأزمة، واستئناف السيارة لمسيرتها، فقد سها بعضهـم عن بعض في حالات صمت لا يدرك طولها، وقسوة تأثيرها إلا السائق الذي مرت أمامه، ومعه حالات كثيرة مشابهة لناس نقلهم بنفس هذه الظروف، خصوصاً وإن مجال تعارف الركاب الآن كان منذ فـترة قصـيرة، جمعتهم أولاً محنة مراجعة وزارة التعليم، ثم التقوا هنا في هذه السيارة. فهذا مجدي نادر يروي خواطره عندما سرد الحكاية أكثر من مرة بعد أسبوع قائلاً: عندما بدأت السماء تمطر ونحن في طريقنا إلى منطفة الساحة، وقد امتلأ الباص بعفش ستة ركاب فقط، كان المطر اعتيادياً . لكن السائق بعد أن سار فترة تحـت المطـر، وبعد أن وصل إلى منطقة منبسطة، توقف وفكرنا نحن الستة في البداية بأن شيئاً ما قد حدث لميكانيكية الباص من جديد، لكن السائق بعد أن تفقد أبواب الباص ونوافذه المغلفة بالجيلاتين ربط يشماغه الأحمر حول رأسه، عند ذلك توجست شـراً، لكـني ولعدم تعرفي الكامل عليكم، لم أبح بهاجسي هذا، فعندما جلس السائق خلف مقوده، تصورت أنه ينتظر قدوم أحد من أعوانه. المهـم أن جلسته كانت توحي بأنه في انتظار أحد ما، وبلا حركة مبالية، أخـرج غليون التمباك وحشاه تبغاً بلدياً أوحى لي من جديد أننا في إحدى دوريات الفدائيين التي تنتظر قدوم قافلة جيش الاحتلال فينقضون عليها من كل صوب كل بطريقته ومن مكمنه، وعندما سألت السائق عن سبب توقفه قال بلا مبالاة: إنه لا يستطيع التقدم أكثر لأن السيل قادم. وإن هذا السيل أسرع من حركة الباص، وهو أي السائق يتوقعه بين لحظة وأخرى. فزاد ذلك من غموض الحالة، وكثرة التوجس. فنظرت في عيونكم، لكنني لم استطع قراءة علاماتها، لا سلباً، ولا إيجاباً، لأن الضياء الطبيعية كانت أقل من اللازم بفعل المطـر، والغيوم السوداء التي تتقدم بسرعة هائلة. ومما زاد الأمر تعقيداً أنني  لم أعد أحس بحركة السائق، بعد أن انزلق في مقعده، يبدو تارة كمن يريد النوم، وتارة أخرى كمن يتمترس في مكمنه، وثالثة كمن يرصد ردود أفعالنا، ليس كما تصورنا وقتها، بأنه  قاطع طريق، وإنما لكي يرى الدهشة الأولى على سيمائنا، وردود أفعالنا. ولم أر في عينيكم أي تعبير مباشر، مما زادني حيرة، ولم أصدق ذلك،  لكن تعليق رياض المتهكم وقتها على الحالة، أثار فيّ نفحة من الشجاعة، وأعاد إليّ ثقتي بنفسي لم تدم طويلاً، لأننا جميعاً بهتنا عندما وجدنا أمامنا مرتفع من الماء، يتقدم قاطعاً أمامنا الطريق طولياً، وقد جرف أشجار العاكول، والعليق، والغاف، والقرم، والعوسج، والسدر وفي ثوانٍ صار منظر الماء أمامنا كالبحر الهادر، وخلفنا توقفت كثير من العربات، ونزل المسافرون، لكي يتفرجوا على الطبيعية، كأنهم يشاهدون منظراً تكرر أمامهم لمرات عديدة، لكن حالة الرعب اعترت الناس عندما أعلن أحد السواق بحركة واضحة الاحتماء بالسيارات، من الموج الذي بدا أعلى من ما يمكن أن يتصور، فاحتمى الكل  بالسيارات، لكن بعض الفضوليين، والمتجاسرين لم يدخلوا السيارات مما امتص قلق الكثير من الركاب الغريبين مثلنا، كما أن تزايد عدد العربات القادمة من مدينة الكتف، ساعد هو الآخر على كسر حاجز الخوف، وظل الجمع يشاهد المنظر مدة لم تتعد النصـف ساعة حتى بدأ الماء بالاضمحلال، وبعد فترة وصل إلى حد التلاشي فصارت الأرض المنبسطة أمامنا صافية رقراقة، تلمع ذرات الرمل فيها كأنها أخذت منشطاً، أو حماماً دافئاً، وصعد سائق الباص إلى مقـوده ليحركه، بينما أسـرع ركاب السيارات الأخرى خلفنا يستعجلون طريقهم.
أما بُراق فقد ظل مندهشاً أكثر من غيره، لسرعة، وقوة، وهول الحدث وغرابته، كأن ذلك يحدث في الأحـلام، وفرك بُراق عينيه أكثر من مرة، بل وقرص خده ليتأكد بأنه ليس نائماً، وأن ما يحدث ليس بحلم، وفجأة تعالت أصوات السيارات، وزمرت كـل الأبواق، وهرج الركاب كأنهم خرجوا لتوهم من زفة عرس، أو أنهم ذاهبون إليها، حتى المندهشين منهم، وتعالت الأحاديث في الباصات الأخرى، كل يروي انطباعاته عن سيل أقوى لكن باص بُراق وأصحابه تفاعل بشكل آخر، فرغم أن عقدة ألسنتهم قد انطلقت بعد هذا الحدث بلا مجاملات كثيرة، بل بأكثر ودّ، وبحميمية أقوى، لكنهم عجزوا عن تفسير هذه الظاهرة، رغـم أنهم مدرسو علم، وظلت ردة فعل الحدث حبيسة فـي صناديق صدورهم، لم يطلقها حتى ذلك الماء الهادر، وربما كانت هذه الحادثة هي التي وحدتهم على الأقل في السرّ، كيف لا وإن الإنسـانية لا توحدها إلا الأحداث العظام، كالموت، والزلازل، والحروب. ولم يكادوا يصلون إلى بلدة البطن في منطقة الساحة، حتى وحدهم المصير هو الآخر فوجدوا أنفسهم راحلين إلى نفس المدرسة في بلدة الصدر، بل ونفس البيت الذي بناه ابن سيحان، ودون تخطيط مسبق، أو كأن ذلك من قدريات حكايات العصر اليوناني.
إن المدهش أيضاً، أن المجموعة المسافرين، لم يكونوا يتصوروا عندما خرجوا من الطائف، بأن الطريق إلى بلدة الصدر طويل إلى حد المبيت ليلة كاملة في الطريق، وقد اكتشفوا أيضاً أنهم لم يكونوا يسيرون بالباص لوحدهم كما تصوروا، بل إنهم كانوا ضمن قافلة سيارات لم تكن قد ترتبت عند خروجهم، لكن شيئاً، فشيئاً، وعند حادث السيل بالذات زادت السيارات، وانتظمت على شكل قافلة، وبدا ذلك علناً عندما بـات الجميع في خيام البدو. إحدى الاستراحات التي يبدو أنها نقطة لمنتصف الطـريق، بين الطائف، ومنطقة الساحة، وبلدة الصـدر من بلاد غامد، وزهران، قبل صعودهم الطرق الملتوية في الجبال الوعرة التـي تقـود للمنطقـة الإدارية لمنطقة الساحة، هناك قضى الجميع ليلتهم، وقام مسعد ليفتح علبة لحم بلو بيف، وقدم  بُراق علبة من سمك السردين، أما رياض فقد قدم الفول المعلب، ولم يكن لدى مجدي غير لب البطيخ، أما والدة رزقالله فقد كانت قد حملته له مع زوادة من المعمول، والزيتون، وبرتقال حيفاوي. وحصلوا على الخبز والشاي بريالات خضراء من صاحب الخيمة مع أجرة المبيت، رغم أنهم لم يستخدموا أياً من أفرشة الاستراحة، لأنهم استخدموا أفرشـتهم التي كانوا قد اشتروها من الطائف العاصمة الشتوية، هذا ما نصحـهم به الرسام نصييف صديق رزقالله الرسام، وأعلمهم أن من يذهب إلى منطقة جبال الجسد، عليه أن يشتري كثير من الأشياء لأنها غير متوفرة هناك.
كان العشـاء الإجبـاري على الرغم من بؤسه قد ملأ أمعدتهم، وعرف محمد رياض الآن فقط ماذا كان يقصده السائق، عندما طلب أجرة مضاعفة التي كانت في نظر مجدي، ورياض، ومسعد، وبُراق نوعاً من الابتزاز، لكن قضاء ليلة في الطريق ما كانت في البال، ولم يكن يعن على خاطر السائق أن يشير لهم بذلك، لأنه خمن أن الركاب عرفوا السياق العام للرحلة، أو على الأقل سمعوا عنها. لذلك لم يكن يهم السائق الإشـارة لذلك، حتى ولو احتج الركاب فما الفائدة. ويبدو أن الموظف المسؤول في الطائف، قد تعمد عدم الإشارة لنوع الرحلة  لكي يهون الأمر على المتعاقدين، ولم يُشر أيضاً لُبعد المسافة، ولا لطول، ووعورة الطريق، إنما أشار إلى أنها تبعد مسافة مائتا كيلومتر لا غيرها.
في ذلك المبيت الصحراوي تحت سماء صافية، وكأن السيل الذي مر شمال المنطقة لم يحدث إلا في الحلم، فإن السـماء كانت مرصعة بالنجوم، والبرد ليس شتوياً، وسرعان ما خدرت أطراف الركاب وأخذتهم غفوة نوم عميقة، غطوا فيها على حين غرة من شدة التعب، والقلق، وطول الرحلة، ليس من طول المسافة، ومنطقة جبال الجسد هذه فقط، وإنما هي أيضاً لحالة سفر كل مسافر، وبخاصة لمن لا يعرف البلد الذي سيسافر إليه، هذه الرحلة التي بدأوها منذ خروجهم من بلادهـم قبل أسبوع، وحتى الآن، حالة تتلبسهم كما تتلبس المهاجرين، أو الرعاة البدو، حيث لا مستقر، وقلق دائم في البحث عما هو أنسب، وأكثر طمأنينة.
كانت أحلام بُراق مطرية، لكن فـي أرضه الشمالية، فإنه يرى أشجار الرمان عارية، باسقة. أغصانهـا يتغزل بها الشعراء، عندما يصفون قامات الحسان، فبعد شتاء قارس، ومطر آذار الغزير. يكون لشهر نيسان شأو آخر، ألا وهو تحريك الأمطـار لبعض الثلوج التي تميعت، وذابت فصارت أكومها المتراكمة كميات كبيرة من المياه التي لا تستوعبها مساحة لتحتضنها، ولا وادي ليبتعلها وأرض لتمتصهـا، فتسير هادرة من أعالي الجبال، وتتقدم كجيوش بربرية، تقرع طبولها، وتنشد من ورائها، وحولها الأجواق، وتلتم هذه الجوقات من كل عشب، وشـجرة، وأثر منجرف مع التيار العارم، حتى الأدوات، والأغنام، والأفاعي السابتة. تركب كلها موج السيل، وقد جرفها معه لتعزف على طبول غاراته، هذا العرس المجنون في رغباته، الدموي في نواياه، المدمر في نتائجه. ويرى بُراق نفسه ممدد على ظهره باتجاه تيار السيل في وادي عين “حفكنيش” تحت سور المستوصف الصحي الذي كان سـوراً رومانياً قديماً بالأصل، ويرى بُراق أيضاً، منظر خروج المياه الدافئة من حمام السوق المجاور للمستوصف بعينه اليمنى، سرعان ما تختلط أبخرتها الكبريتية بهواء وادي عين حـفكنيش، بينما يتلذذ  بُراق بهواية النوم باتجاه السيل، كما كان يفعل جده دائماً، فعندما يتقدم السيل باتجاهه، فسوف يرفعه السيل عالياً كأنه ينام فوق سرير مائي رقيق، ويكون الجد قد خرج لتوه من الحمام التركي الدافئ، ومن تحت أيدي المدلك هارون، ذو الأصـابع الطويلة، واللمسة الشافية. ويأتي ماء السيل كشلالات سماوية تبعد كل تقلص، وتشنج، وتعب. ويعود الجد أكثر نشاطاً، وحيوية ليمارس الحب مع زوجته الثالثة، بل إنه في الصباح يقوم ليخاصم أقوى من فـي سـوق الحدادين، ويدافع عن ابنه الحداد الذي يحب الخصام مع أي ممن يتصوره خصم، فهو كما تقول زوجته مخطة من أنف أبيه. ويهيم فينسى أنه من لحم ودم، خصوصاً إذا ما التم عليه أكـثر من مخاصم.
وكم صور الجد منظر السيل القادم باتجاه الأراضي العطشى على أنه أفعوان جائع يهجم بكل هياجه باتجاه الفريسة، وقد فغر فاهه على أوسع أشداقه. لكن السيل الذي جاء إلى بُراق في المنام بسرعة أكبر، لم يرفعه إلى الأعلى، ولم يجرفه معه، وإنما جعل الماء يطفو فوقه، وهو يرى بعيون صافية ماذا يحدث فوق السطح. هاهي كل الأشياء المنجرفة تمر من فوقه، نعم هذه مجموعة كراسي، وفوقها جلست مجموعة نسوة ما زلن يتحدثن، بل إن إحداهن ما تزال تقلب فنجان القهوة بيدها، وتردد كلمات لم يستطع بُراق فهم كنهها، لأن الموكب يمر بسرعة فائقة لا تساعد على رؤية متأنية. لكن بُراق خمن أنها قارئة فنجان، ولربما فاجأهن السيل، وهن في وله هذا الاندماج، ولأن كل شيء لم يتغير فيما بينهن، في هذه العجالة، لم يحسسن بالسفر الفجائي، بل إن بُراق تأسف لشيء واحد افتقدنه، وهو متعة مشاهدتهن المناظر سريعة المرور من حولهن، والعجيب إن بُراق حتى الآن لم يحس بالاختنـاق، بل لم تسعفه سرعة الأحداث للتركيز على فكرة الاختناق نفسها التي تحدث من طول مكوثه تحت الماء، فتنفسه طبيعي، ورغم أنه يعلم، بأنه حالم حتى الآن، لكن لا شيء يقلقه من هذا الجانب أبداً، بل إنه ولكثرة تشوقه، والتهائه، تمنى أن يمر موكب مسافر آخر من فوقه، ربما بعض الحسان، أو حوريات مسحورات كن اختفين في كهوف الجبال القريبة، طالما خوّفه أهله من الذهاب إليها، لكن فأله جاء له بكوكبة من الحيات الملتفة حول بعضهـا لم تُخف بُراق، ولم يتأثر بمنظرها، لأنها لا تكون مؤذية في هذا الموسم، بعد سبات طويل، بل إنهـا الآن ملتهية في حالة تزاوج فعالة. ورأى بُراق ذيولها الكثيرة، غائصة إلى تحت في الماء. أما رؤوسها فمرفوعة إلى فوق، ولم تسعفه سرعة مرور الموكب، من عد كم زوج تحويه هـذه الأنشوطة العجيبة، كأنها جديلة ساحرة أشورية اقتطعتها قوة تيار السيل، سوف تلحق الساحرة في أثر السيل، تبحث عن جديلتها، وعن سارق الشعر، أو ربما بدأت الساحرة الآن بشـرب ماء السيل من محلها، لكي تسحب كل ما جرفه معه، وبضمنه جديلتها، وربما تسحب معها بُراق نفسه. وفجأة ساوره الآن خوف حقيقي، وارتجفت أطرافه، ولم يعرف في ارتباكه كيفية الخروج عن التيار، أو حتى القرار الحاسم لأي موقف، فأفاق فجأة، ووجد الهدوء من حوله، كل شيء صافٍ، والسماء مرصعة بالنجوم لا يعكرها حتى شخير نائم، أو نباح كلب حارس، فسحب الغطاء الذي كان قد انحسر عنه، مما جعله يرتجف من البرد. وسرعان ما ذهب في إغفاءة جديدة.
كان منام مسعد قلق، فها هي الأرقام تمر من أمام ناظريـه، وقد صارت لها أجنحة، كل رقم فردي بجناح طـائر صغـير: شـحرور، بلبـل، عصفور دوري، أما الأرقام المزدوجة، فأجنحتها لطيور أكبر منها: مثل الإوز، والبط، والدراج، والقبـج. والأرقام، ذات المراتب الثلاثية، أجنحتها ثلاثية، وهذا ما استغربه وفوجئ به، لكنها لطيـور مثل: اللقالق، والعقبان، أما الأرقام الرباعية، فلم يميز مسـعد إن كانت لها أجنحة رباعية أم لا، لكنها لطيور لم يستطع تميز أنواعها. وهكذا تابع مراتب الأرقام الخماسية، فالسداسية، فالسباعية، وفي كل وجبة مئوية تمر، يسجل الأعداد، ويضربها بحاصل ضـرب الأرقام التي جمعها، لكن الطيور فجأة عادة، وبسرعة أكبر لتولول بوقوقيها فوق رأسه، ولكثرتها صار النظر للوراء صعب، بل إنها صارت كالغمامة السوداء، حجبت كل شيء، وتحولت معها أصوات الطيور إلى هدير رهيب، لسيل جارف، فصارت أجنحة الطيور أصابع طويل تشير لقادم مجهول، وتراكض القوم من حول مسعد، كل يطلب النجدة، وهو منشغل في ترتيب حساباته الرقمية، ومحاولة تجميع كل هذه الطيورفي محفظة نقوده، قبل أن يأتي السيل عليها، وعليه معاً، لكن بعضها كان يزوغ من بين يديه، بل أن قسم منها، تحول بسرعة إلى أسماك. استعدت للغوص في ماء السيل القادم. وهربت من مسعد، وهو يثب وراءها هنا وهناك. بينما تطير بعض الأسماك كأوراق النقود التي تفلت من اليد في طريق ممتدة، معرضة لتيارات هوائية، ولم يجد محمد مسعد نفسه، إلا وقد جرفه السيل، لكنه بقي معلقاً بين الأرض والسماء، كأنه يسير فوق الماء، ربما لأن أحد الطيور قد رفعه بمخلبيه مثلما حصل مع سندباد، لكن الخطر الآن هو فيما لو ابتعد الطائر بمحـمد مسعد عن السيل، فأين سوف تسقط قدماه. ورأى من تحته مواكب الناظرين إلى مغامرته، وليس من هاربين تخيلهم، ولا ماء، ولا طـائر عمـلاق يحمله، لكن ما تعلق به ليس إلا طائرة شراعية لهواة الطيران، وهو أحد المتسابقين، ولكن أين المتسابقين؟ لا أحد أمامه، ولا خلفه أبداً، بل إن كل ما هو فيه ليس إلا خداع، أو حلم؛؛؛ فأفاق وسحب نفساً عميقاً، وفرح لأنه وجد نفسه على الأرض. وقام ليسير في الخلاء لا يريد لغيره أن ينافسه فيه، وأشعل لنفسه لفافة تبغ اشتهاها في هذا التوتر، متحاشياً إيقـاظ أحد، ولما انتهى منها عاد لينام باستقرار.
وكان وضع رياض، رياضي حتى وهو يستلقي على الفراش الذي لم يكف طول أرجله، بل إن السرير الذي استخدمه في غرفته في البيت فيما بعد، كان أطول من أسرة غيره، صنع له خصيصاً من الخشـب، لكن قدما محمد رياض الآن تأبى أن تستقيم، أو تتسع لطول اللحاف المؤقت، وقد كانت بداية أحلامه. منطلقة من ملعب لكرة السـلة، تناول محمد رياض الكرة من الفريق الآخر، وباندفاعة سريعة وثب حتى مرمى الفـريق الخصم، فوضعها كتفاحة في فم المرمى، لكن المرمى، ولأن الشبكة التي تحيطه حمراء اللون، تحول إلى فم حقيقية لامـرأة مكتحلة الحاجبين بدأت تلوك التفاحة دفعة واحدة. وأنتظر رياض أن ترمي الغانية قشور التفاحة من فمها، والنوى، إلا أنهـا ابتلعتها كلها. وانتبه محمد رياض إلى أنه كان قد تعلق بحواف فم الهدف، فأمرته الفتاة أن يبعد يديه عن شفتها السفلى، لأنها لا تستطيع البلع بحرية، وإن أحمر شفاهها قد تلوث بيديه وهي الآن بحاجة لمن يعيد لشـفتيها أصباغها. فحاول أن يترك يديه ليقفز إلى الأرض، إلا أنه انتبه لأن السـيل قد بدأ يعلو تحته، وأن الفريقين المتخاصمين ما زالا منتظرين نزول السيل، لأنه يعيق حركتهم في اللعب. وهاهي الكرة تعلوا وتهبط، والفريق يغرق في الماء . وتردد رياض في القفـز، لكن الماء أخذ يجرف الفريقين، وهما يدعوانه للهبوط، واللحاق بهما. لكنه في مأمن الآن مادام محتمياُ بما يرفعه عن الأرض، وعن السـيل، ولما التفت رياض ليرى مستوى علو الماء عن عارضة الهدف، تفاجأ بأن العارضة هي الأخرى تسير، لكن أبطأ من تقدم الفريقين، فقد جرهم السيل بسرعة أكبر، حتى لم يعد ريـاض يميز سمات أعضاء فريقه، وهم لا يزالون يلعبون، ويلحون عليه بالهبوط. وبين هذا الـتردد والخوف من السقوط . أفاق محمد رياض ففتح عينيه، وبلحظة هدأ لأن كل شيء كان هادئاً من حوله، والسماء زرقاء صافية كالبلور، فتوازن تنفسه، ونهض ببطئ،  ليبحث عن زير الماء ليشرب. فوجد بعض المصلين ما زالوا راكعين، فعرف بأن الفجر آيل للقدوم.
سحب عبد الصمد غطاءه الجديد فوق رأسه، حتى احترت عظامه فغفى وطارت به الأحلام إلى قمة جبل العمادية، فرأى نفسه وهو فوق المدينة، بأن مدينته نفسها تنحدر إلى السهل، ولم تعد معلقة كالصحن الطائر على قمة الجبل، فانزلقت بكل مكوناتها، البيوت، والشوارع، والدكاكين، بينما وفقت السيارات في مكانها، كأن كابح المقود يحصنها من الانزلاق، وصارت العمادية مدينة تتوسط السهل، منبسطة في السهل، وما هي إلا ثوان حتى انحدر سيل عارم من الجبل وراء المدينة المنزلقة، والمسطحة الآن، لم يقدر عبد الصمد من اتجاه، وإلى أي اتجاه يجذف، وأخذ يضرب يديه إلى أمام وإلى الخلف في حالة سباحة، يود أن يعوم على صوت استنجاد ابنه المتبنى، وهو يسحب أمه التي تعلقت برقبته، بينما هي لا تعي أي شيء لأن حالة الغرق قد سرقتها من وعيها، ومقاومتها، وقد عامت على ظهرها، تمنى عبد الصمد أن يغور في الأعماق ليرفعها فوق الموج، وأن يجعلها ترى بعينيه ما يراه، وفكر عبد الصمد بما يمكن لزوجته أن ترى في غيبوبتها الآن، وهي هائمة بين الحياتين، وهي ترى من وراء زجاج العينين، فطار عبد الصمد بحلمه ليدخل من عيني زوجته المفتوحتان، وأقفلهما وراءه، فرأى نفسه في مياه مضيق دهوك يعوم على أجنحة ملائكية، وهو يبتلع الماء كأنه أكسير ماء الحياة الذي يعيد الشباب، أو على الأقل يعوّض ما فاته من زمن بعد وفاة زوجته، ويحس عبد الصمد أن الأكسير يسري في أحشائه، وقد منحه حرارة خاصة، فتعرّق جسده، فرفع عن نفسه الحاف، وأفاق ففتح عينيه على صوت مؤذن الجماعة يدعو الكل إلى صلاة الفجر، فتمتم عبد الصمد لنفسه، بأنه لا يستطيع أن يصلي لنجاسة بدنه، وسحب الغطاء فوق رأسه وغط في حلم جديد.
وعلى شخير عبد الصمد، تداعت الأمور في حلم إبراهيم الذي وصل إلى شواطئ بحر النيل في مثلث أم درمان، الخرطوم، وخرطوم بحري، فوجد أن الأمواج هي سبب الشخير العالي، وذلك لتصادمها في عقدة يلتقي فيها النيلان المنحدرين شمالاً، ليتوحدا في النيل العظيم، وأحس إبراهيم وكأن الموج يعلو كألسنة متحركة، تقترب من عنقه، متسلقة إلى فمه وكأنها علقة ديزنتاريا تريد الدخول عبر فمه، لا لتمتص دمائه، وإلا لاستخدمت أسهل الطرق، وهي التسلل من خلال شقوق الأقدام أو صفاقها، ولكن لكي تملأ الفراغ فيه، فلم يتسن لإبراهيم أن يأكل أي شيء غير موزة منذ الصباح الباكر قبل ركوب الباص بدل عن شرب الماء، لهذا فإبراهيم صائم على لحم بطنه، لأنه لم يجد في نفسه رغبة، أو مشتهى لا للطعام، ولا للشراب، متوتر الأعصاب، يحس بكل خلاياه متحفّزة، تقلصت عضلاته، وانكمشت أطرافه تحت البطانية الجديدة، فعكف كيفيه، وقدميه لتلتصق بمكان قريبة من معدته، ومن ثم وجد من الأهم أن يضع كفيه الاثنتين فوق مكان تهيّج المعدة، ونغزاتها المؤلمة التي اعتصرتها الحوامض، فرأى علقة كبيرة تفتق بلعومه بعرضها، وتحاول امتصاص الحوامض من معدته، فأحس بألم شديد مما جعله يفيق، ويفكر بأن هذا الحلم هو الذي يراوده كثيراً كلما هاجت عليه معدته، فقام ليشرب ماء من المقهى، فوجد الزير فارغاً، فاضطر لشرب ماء التغسيل، وعاد لينام.
وأحس عبد الله السائق في حلمه بفرقعة عنيفة في مؤخرة باصه الخشبي، لأن الباص قد غرق إلى نصفه بماء السيل، فزحف عبد الله على ظهره تحت الباص، وقد سحب نفساً عميقاً لعله يعرف ما السبب، والباص متوقف، ربما يمر السيل عاجلاً لكي يفتح عبد الله فمه، وأنفه. وبعد قطعه مسافة تحت الباص، خمن أنه وصل لموقع العطب قرب الدفرنشر، فاضطر لفتح عينيه مرغماً لأن نفسه بدأ يضيقه، لعل الماء سينحسرً ليفتح فمه، ومنخريه ويسحب نفساً أعمق لو اضطر لذلك، فسره أن الماء قد انزاح عن نصف جسده، ففتح أنفه بكامل منخريه بسرعة ليسترد شهيقاً عميقاً، لكن ما سحبه مع الشهيق هو كمية من الزيت التي لفظها الدفرنشر المعطوب، وكاد عبد الله أن يختنق، لكنه مازال يتنفس، فتعجب من الأمر، إذ من المفترض أن يختنق بفعل شهقته لمحلول الزيت، وإلا لماذا يقح بعنف، والزيت يملآ معدته، وراى عبد الله إلى المرآة وجهه قد صار كوجه الشياطين ملون ببقع سوداء، فعرف أن هذا هو أحد كوابيسه، فنهض ليصلي الفجر.

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *