شوقي يوسف بهنام : حجازي عاريا ؛ قراءة نفسية لقصيدة “لا احد”

shawki yuosif 5يعتبر الباحث اللبناني الدكتور خليل أحمد خليل ” العري NUDITY ” رمز من الرموز الانسانية التي لها دلالاتها الخاصة . ويستعرض هذا الباحث تلك الرمزيات على النحو التالي ” يمثل العري الجسدي رمزية الحياة الحسية والانحلال المادي ؛ ويدل على الهبوط من مستوى إلى آخر ، من مستوى المثال الى مستوى الجسد : فتح الآفاق أمام الجسد الحي ، العاري (المنفتح ) .
1-  يرمز العري إلى عودة الجسد لحالة ” ربي كما خلقتني ” . هنا معنى تطهير بعض الرهبان والنساك أجسادهم العارية بالماء والثلج والهواء النقي (الشينتو) . التعري يرمز الى الفصل الملغي بين الانسان والعالم المحيط . وانتقال الطاقات بينهما بلا شاشة (بلا واسطة) .
2- العراء أو الكشف يرمز إلى إنكشاف الحقيقة ، والمعرفة البحتة ، في ما يتعدى الوهم (المايا) : آدم وحواء في جنة عدن .
3- يرمز العراء إلى البساطة واللطافة في الجوهر، والانفتاح المعرفي على كل شيء.4ahmad abdulmoati hijazi– في المألوف الشعبي ، للعراء دلالة قبيحة : الخجل والعار . الا ان المأثور الرياضي يؤثر العري في السباحة والمصارعة والالعاب الاولمبية والمسرح والاداء الفني عموما . من الحكم الشعبي على الفنانة واستقباح دورها .
5- يرى العرفانوين ان العراء رمز للمثال الواجب بلوغه . المقصود عندهم هو عري النفس ، لا عري الجسد . رداء النفس ، حجابها وسجنها . هذا يستلزم نظرة الى رمزية اللباس .
6- للعراء الانثوي قوة رهيبة ، ساحرة يخشاها الذكر ، ويسعى لحجبها وتحجيبها باعتبارها عورة كليا او جزئيا ؛ ثم يستحلها بشرائها (المهر ، ثمن البضاعة) . ليستقوي على سحر جسدها ، بسحر ماله (ذهبه) او سيفه أو جسده .
7- العري الحديث رمز لاستملاك الانسان جسده الحر ، والتصرف به على نحو بدائي متجدد تسويغا وتسويقا .. (1) .
والشاعر في هذه القصيدة يعيش ما يمكن فوبيا الجنون Lyssophobia وهو خوف مرضي من الجنون وتوهم الشخص أنه سيصاب باضطراب عقلي (2) . لنصغ ِ الى الشاعر وهو يعيش تحت طائلة مثل هذه المشاعر :-
رأيت نفسي اعبر الشارع ، عاري الجسد
أغض طرفي خجلا من عورتي
ثم أمده لأستجدي التفاتا عابرا ،
نظرة اشفاق على من أحد
فلم أجد
(الديوان ، 381)
***********************
الشاعر على العموم يعيش أزمة الثقة بالآخر . فهو معه على طرفي نقيض . ويبدو ان الاختلاف معه كان كبيرا الى درجة جعلته ان يتبنى تصورا عن نفسه وعن الآخر لنتيجة هذا الاختلاف . والشاعر يعتقد بذلك فعبارته ” رأيت نفسي ” هي التي تجبرنا على ان نقول بأن الشاعر راسخ الاعتقاد وليس انفعالا عابرا يمكن ان يعيشه الجميع . الشاعر محروم من جسور التواصل مع هذا الآخر . فهناك نصوص سوف نتوقف عندها يعبر فيها حجازي عن ازماته معه . وهي كلها تدور على إشكالية الشعور بالاغتراب لديه . فهو كما رأينا مطارد من الحارس في ليل مدينته الجرداء . وها هو الآن يعبر الشارع عاريا .. ومع ذلك لم يأبه به أحد .. لم يسخر منه و ضحك عليه مثلا على الرغم من انه كان يمده ليستجدي عطفا واشفاقا منه . ونعتقد ان النص متخيل يريد من خلاله ان يحضى بقبول من الآخر . وكان هذه العري عملية جذب انتباه لا غير . وبالفعل لم يجد احدا يلتفت إليه مما دفعه الى ان يخرج بنتيجة مفادها انه مهما يحل من ويلات ومصائب فليس هناك من احد يهتم به . تلك هي اقسى حالات التهميش والعزل على الاطلاق . وحتى لا نتجنى على الشاعر دعونا نستكمل نصه حتى نهايته . ها هو يقول :-
إذن
لو أنني – لا قدر الله – أصبت بالجنون
وسرت أبكي عاريا .. بلا حياء
فلن يرد واحد علي ّ أطراف الردا
(الديوان ، ص 381-382)
********************
kh ahmad hijaziإذن لايزال الشاعر يتمالك زمام نفسه وضبط انفعالاته ولايزال محتفظا باستبصاره لحالته العقلية . وما خروجه الى الشارع عاريا الا تحديا واستجداء في آن معا . ان يرى الناس انسانا عاريا أمر لاتقبله الاعراف الاجتماعية .. اقصى الاحتمالات هي ان يأتي رجال الشرطة لايداع مثل هذا الرجل في المصح العقلي .. لأن في سلوكه خدشا للحس العام . الامر مختلف تماما مع شاعرنا على ما يبدو . فهو يفترض إذن انه لو خارج الى الشارع فلن يجد احدا يهتم به ولأمره مهما حدث له . الشاعر يضع الآخر تحت طائلة اللامبالاة بالمشاعر الانسانية وموت التواصل والتعاطف بين الناس . المجتمع إذن كما يريد ان يصفه الشاعر متخم بالانشغال بالذات . كل يمضي الى غايته . جسور التواصل بين الناس مقطوعة تماما . ويستمر حجازي بوصف كوارثه المحتملة وموقف الآخر منها . انه يقول :-
لو أنني – لا قدر الله – سجنت ، ثم عدت جائعا
يمنعني من السؤال الكبرياء
فلن يرد بعض جوعي واحد من هؤلاء
……………
هذا الزحام .. لا احد !
(الديوان ، ص 383)
*****************
خبرة السجن كما يصفها في نص يحمل عنوان ” السجن ”  من الخبرات المألوفة والمتوقعة لدى اولئك الذين يحملون ويتبنون خطابا مغايرا لخطام الزحام اذا استعرنا مفردة الشاعر نفسه . ويفترض الشاعر انه لو سجن وجاع فلن يهتم احد . الشاعر بهذا المنظور معزول عن العالم او الزحام .. حتى لو جاع فلن يسأل احدا . كان في المقطع الاول قد تعرى لكي يستجدى شفقة من احد . الآن وقد غمره اليأس عاد الى شموخه وكبريائه . عاد الى هويته وتذكر انه شاعر وليس كالشعراء يعيشون على الاستجداء . انه جبل أشم لن يتسلقه احد .

الهوامش :-
1-    د . خليل ، احمد خليل ، 1995 ، معجم الرموز ، دار الفكر اللبناني ، بيروت ، لبنان ، ط1 ، ص 114-115 .  وايضا راجع  مادة العري في : مارزانو ، ميشيلا ،2012 ، اشراف ، معجم الجسد ، ترجمة حبيب نصرالله نصرالله ، المؤسسة الجامعية للنشر ، بيروت ، لبنان ، ط1 ، ج2 ، ص 1232 ومابعدها .
2-    د. الخولي ، وليم ، 1976 ، الموسوعة المختصرة في علم النفس والطب العقلي ، دار المعارف ، القاهرة ، جمهورية مصر العربية ، ط1 ، ص 284 .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الرزوق : الخطوط الرئيسية لروايات قصي الشيخ عسكر.

منذ عدة أيام وصلني مخطوط رواية قصيرة جديدة من قصي الشيخ عسكر عنوانها “أسماك وأصداف”. …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.