الرئيسية » نقد » ادب » د. أسماء غريب : تجلّيات الجَمَال والعِشْق عند أديب كمال الدين (الجزء الأول)

د. أسماء غريب : تجلّيات الجَمَال والعِشْق عند أديب كمال الدين (الجزء الأول)

Asma Gheribبِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ

“قلْ لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ
أَنْ تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَداً”
سُورة الكهْف آية ﴿109﴾

الفصلُ الأوّل
الطريقُ إلى الجـَمَــال
1.1    عن الجَمَال
لِـمَاذا كُلّما رأى الإنسان منظراً جميلاً تحرّكت بداخِله في مُعظم الحالات مشاعر جيّاشة من الدّهشة والرّقة، وفِي حالات أخرى انتابَه شعور بالغُموض والجُمود والدّخول في مدارات الغيبة والتطلسم والسّؤال؟ ربّما لأنّ المَوْضُوع الذي يُصبحُ محطّ تأمّله وتفكيره لهُ من الشّكل واللون، أو الطّعم والرّائحة، أو الصّوت واللاشكل، أو اللالون واللارائحة، أو اللاطعم واللاحركة ما يُثير كلّ أنواع رُدودِ الفعل الوجدانيّة بشكل يترتبُ عليه مُحاولة الإنسان التعبير عن كلّ هذا الكمّ الضّخم من الأحاسيس المتناغمة والمتناقضة فيما بينها، فإمّا ينجح عبر الكلمة أو عبر الصمت، وإمّا عبر السّكون أو الحزن، وإمّا عبر الموت احتراقا بنور الجمال. لكلّ هذه الأسباب تظلّ التجربة الجمالية من أقوى أنواع التجارب وأشدّها وطأة على عقل وقلب وفؤاد الإنسان، إذ من خلالها يتمّ التعبير عن وعْي المُدركات الجمالية بكافة أشكالها وألوانها من خلال الوظيفة البصرية والسّمعية الظّاهرة والباطنة.
ووعيُ الجمال يَمُرُّ بمرحلتين أولاهما الشّعور به وثانيهما استيعابه والاستمتاع به، وهما معا مرحلتان متداخلتان ولا يوجد بينهما فاصل زمني، فما إن يُشعر بالجمال يُستمتع به مباشرة . وهذا الوعي يكون في كلّ الحالات متأثراً بعوامل عدّة أهمّها العامل النفسي، ناهيك عن عوامل أخرى شديدة الارتباط بالمجتمع أو بالحقبة التي يعيشها الإنسان أو بمختلف معتقداته بما فيها الدّينية والرّوحانية. ويُعدّ الإنسان الفنان بكلّ انتماءاته الفنّية والإبداعية، أكثر النّاس مسئولية عن التعبير العميق والخلاق عن التجربة الجماليّة بشكل عام، لذا فهو معني أكثر من غيره بالقدرة على تحقيق التوازن بين الضروريات النفسيّة وضرورات المجتمع وممارسة هذه الأخيرة بشكل إنساني قادر على تتبّع الفكرة والتقاط الإشارة الإبداعية مع امتلاك القدرة على التحليل والتركيب والتقويم والتأليف والتقييم لإيصال ما استوعبه من مظاهر جمال الكون وإظهاره لغيره من النّاس في شكل إبداعيّ باهر وبارع. وإذا كان الفنان المستوعبُ للجمال والمنتجُ له في شكل آخر من أشكال الجمال مبدعاً، فإنّ المتلقّي يكون مبدعاً هو الآخر. إذ لا قيمة لما يقدّمه المُبدع في غياب المتلقّي.
adeebوتجدُر الإشارة إلى أنّه على الرّغم من كون العديد من المدارس التي تهتمّ بعلم الجمال قد حاولت التقليص من دور الخيال والإلهام في عملية خلق الجمال الفنيّ، إلا أنّه لا يُمكن بأيّ شكل من الأشكال شطبُه من العمليّة الإبداعية، كما لا يُمكن نفي العقل وحُضوره القويّ بكل ميكانيزماته التفكيرية والعقلانية الثابتة في كل خطوة من خطوات عمليّة الخلق الإبداعي لكلّ ما هو جميل.
والجمال جزء من الفلسفة، والإنتاجُ في إطاره كفنّ خلاق هو ليس فقط صورة للإبداع الخيالي ولكن للإنتاج العقلي الذي يتمّ عبر أربع عمليّات يُمكن تلخيصها في الاستعداد والإفراخ والتـبلور والنـسج، الشيء الـذي يـؤكد ما للإرادة من دور فعّال في عملية إنتاج العمل الإبداعي من خلال الوعي الإنساني بظاهرة الجمال وكنهها العميق ولا أدلّ على ذلك من التجربة الشعرية الجمالية الروحية الفنية الأدبية التي من أجلها كُرّس هذا الكتاب والخاصة بأديب كمال الدّين، الشاعر الصوفي الذي وهب نفسه وعقله وقلمه وقريحته وكل جوارحه لأسمى علم في الوجود: علم الجمال المطلق أو علم الجمال الإلهي.

    إن الله جميلٌ يحبُّ الجَمَال
لا شكّ أن معرفة الله سبحانه وتعالى بالجمال والعشق كانت ولا تزال وستبقى من أرفع وأعظم أنواع المعارف منزلة وقيمة عند الخالق وذلك لأنها وُهِبَتْ وبدون منازع للمُخلصين من عباده، إذ عندما يَرْفـَعُ البارئ برحمته الإلهية الحُجُب الجثمانية يحصلُ لمن يـخْتَصُّ بهذا النوع من العلوم ما يسمّى بالسّلب والجذب والخطف فيقعُ الاصطفاءُ ويُصبح العبْدُ العالـِمُ خِلا للحضرة الإلهية فيعشقُ صانعه ومُبدعه ويفنى في بحار بهائه ثم يصحُو ليتحقق له البقاء في حدائق الكمال والحُسن والوداد بفضل سرّ قوله تعالى؛ ما وسعتني سمائي ولا أرضي ولكن وسعني قلب عبدي المؤمن، الذي إذا تقرّب مني شبراً تقرّبتُ منه ذراعاً وإذا تقرّب مني ذراعاً تقرّبت منه باعاً وإذا أتاني يمشي أتيته هرولة. هكذا هو العالِمُ بالجمال والعارفُ بالعشق الرباني فإما هو مِن زمرة مَن صاح “أنا الحق” أو مِن مَجمع مَن هتف: “جنّنني بي فمتُّ ثم جنّنني بي فعشتُ ثم جنّنني عنّي وعنه فغبتُ ثم أوقعني في درجة الصّحو وسألني أحوالي فقلتُ الجنون بي فناء والجنون بك بقاء والجنون عني وعنك ضياء وأنت في كل الأحوال أولى بنا”  أو من فتية كهف “اجتمعتِ الحاءُ بالباء فكان الكون” . ولا غرابة في كون الجميل يُعدُّ من بين أسماء الصفات الأكثر محبة وتأثيرا في قلوب العارفين وقد صدق خير الأنام حينما قال: ((إن الله جميل يحبُّ الجمال))  سبحانه لا جميل يضاهيه في الجمال بل لو كان جمال الخلق كلّهم على رجل واحد منهم وكانوا جميعهم بذلك الجمال لما كان لجمالهم قط نسبة إلى جمال الله بل لكانت النّسبة أقل من نسبة سراج ضعيف إلى حذاء جُرم الشّمس (ولله المثل الأعلى)
ومن صفة واسم الجميل تنبع بقيّة أسماء الصفات الإلهية الدائرة في فلك النور والجلالة والظهور والكمال والبهاء، إذ لجمال الحقّ سبحات من النور من عاينها احترقت عين سرّه وإلا ما كان قال عليه أفضل صلاة وسلام (( لله سبحات من النور لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما انتهى إليه بصر خلقه))  وكشفُ الجميل لجماله هو مقام للشوق والعشق، فيه تلوحُ أنوار الحق وتتزاحمُ داخل قلب العارف غابات من المعارف الشعشعانية كي تدل على الوحدانية من عالم الملك والملكوت، فيصيرُ بهذا صدر العارف مشكاة، وقلبه زجاجة، وعقله مصباحاً لا ينطق إلا بكلمة التوحيد التي تورق بداخله شجرة زيتونة لا شرقية ولا غربية، شُبّهت في سورة إبراهيم بالنّخلة التي أورقت وأينعت واخضرّت حينما قال البارئ ساعة الكشف والظهور لأحبابه: ((كنتُ كنزاً مخفياً فأحببتُ أن أعرَف)) فغرَف بعد ذلك من بحار الكاف والنون ومحيطات الحاء والباء غرفتين وصبّهما في إناء القدرة واستوقد تحته نار العشق والمحبّة فالتهب الإناء وتأجّج حوله زبدُ الحدوثية فصار هُوَ هُوَ المُضيء بنفسه ((وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ، نُّورٌ عَلَىٰ نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَن يَشَاءُ))  . هذا النّور بل هذا الجمال والعشق الذي فتن كلّ أهل العرفان والمحبّة لا يُمكنه سوى أن يثير الفضول داخل فكْر كل باحث اطّلع على التّجربة الجماليّة الخاصّة بالشّاعر أديب كمال الدّين كي ينتهي به الأمر إلى الرّغبة في معرفة كيف فعل جمالُ الله بالشّاعرِ كلّ هذا لدرجة أنه أبدع للقارئ 15 ديوانا لا يُتحدّث فيها سوى عن الله واسم الله وجمال الله؟ هذا ما سيُطّلع عليه عبر القادم من صفحات هذا الكتاب.
1.2    صور النّقطة والحرف
kh adeeb kamal aldin  قيل الكثير والكثير عن الصّورة في الأدب العربي والعالميّ على السّواء، ويبدو أنّ أوائل فطاحلة نقاد الغرب لم يبدأوا في الاهتمام الفعليّ والحقيقيّ بمفهوم الصّورة إلا عند العقد الثالث من القرن العشرين هادفين في ذلك إلى السّعي نحو تأكيد الجانب الرّمزي للصّورة في النّص الأدبي شعرياً كان أم نثرياً، والجانب اللغوي المجازي بوصفه عنصراً جوهرياً في النّص وعاملاً رئيساً في المعنى والبنية.
وتُعدّ الناقدة الإنجليزية “كارولاين سبيرجن” (Caroline Spurgeon) من بين أهمّ مَنْ أبدع من النقاد في الاعتناء بالصورة الفنية حينما وهبت كل طاقتها الفكريّة والإبداعيّة لدراسة الصُّور الشعرية عند “شكسبير”  بإخلاص مُنْقطع النّظير ممّا أسفر عن نتائج مُذهلة فتحتْ للقارئ أبواباً جديدة جعلته يطّلع من خلالها على عُمق التجربة الفنية والأدبية الفذة لهذا الأديب الإنجليزي وعلى عقليته الجمالية ورُوحه الإبداعية .
أمّا فيما يتعلقُ بالدّراسات الأدبية في النقد العربي الحديث للصّورة فهي لم تتخلف زمنياً عن قرينتها في الأدب الغربي إلى حدّ كبير، وإن اختلف البعضُ عنها من حيث العناوين التقليدية التي يغلبُ عليها الطّابع التراثي والمنظُور البلاغي والبياني، بشكل يتمّ فيه ربط الصّورة بصفتها” البلاغية” أو “البيانية” وأحياناً أخرى بعُنصر مُفرد من عناصرها، فتجدُ العناوين تدلّ على دراسة التشبيه أو الاستعارة أو المجاز، ويُجاوز عدد منها ذلك إلى “الصّورة الفنية” حيثُ الاتساع بدلالة الصورة إلى ما رواء اللغة المجازية من أنماط ونماذج ورموز أو صور ذهنية ، وفي أحيان أخرى يتمّ ربط الصّورة بالنوع الأدبي للنّص.
والصّورة عند أديب كمال الدّين، هي تجسيد لشعوره المتدفّق من حنايا تجربته الشعرية التي تفاعلت في نفسه عبر سنين طويلة من الخبرات والمكتسبات الشعورية والحياتية بشكل جعل منه بوثقة نار ونور انصهر بداخلها كلّ ما اعتراه ولم يزل من مشاعر محوّلا إيّاها إلى كلمات تصويرية ناطقة حيّة تتشكل في إطار التجربة بواسطة “التدفق الثرّ لكلّ ملذات اللغة”  تدفقاً أصبحت معه صور الشّاعر حمضاً نووياً يُخَزّنُ فيه كلّ المعلومات الخاصّة بقصيدته بما فيها التراثية والتاريخية والسياسية والدّينية والصوفية والأسطورية والطلسمية والنفسية والروحية، ولا أدلّ على ذلك من قصيدته (الكثير من الصور)  التي تُعدّ مفتاحاً لبابٍ لابدّ من دخوله لكشف أغوار العديد من القضايا الجمالية والفنية الخاصّة بمُختلف التقنيات والأدوات التي تقوم عليْها الصّورة الشعرية عندَ أديب كمال الدّين، وذلك لأنّ هذه القصيدة بالذات تطرحُ إشكالية تعامُل الشاعر مع الصّورة كمفهوم عام وكيفية اعتباره لهذه الأخيرة قناعا يخفي وراءه الحقيقة التي طالما تمنّى أن يُعبّر عنها بدون أيّ لون أو غطاء. وكون هذه القصيدة ستكون مدخلاً فهذا يعني أنها ستُمهّدُ لما سيتمّ وضعُ اليد عليه عبرها من الخيوط الأولى الموصلة لماهية الصّورة عند الشّاعر لا بمفهومها الصّوفي فقط ولكن بمفهومها الأدبي والإبداعي. لذا فإنّه سيُحاول في البداية فهم ما يعنيه أديب كمال الدّين بالصور المسطورة داخل أحرف هذه القصيدة ثم بعد ذلك تسليط الضوء على مختلف مستويات الصورة الأدبية والفنية للشاعر وهو يمخُر عباب محيطات الحرف والنقطة.
يقول الشاعر:
“التقطنا معاً،
يا صديقي الحرف،
الكثيرَ من الصورِ التذكاريّة
قرب الجسر
وقرب باب المدرسة
وقرب محطة القطارِ النازلِ إلى الجحيم.
وعلى مائدةِ النقطة
وكأسها المترعِ بالشوق
التقطنا صوراً عاريةً
إلا من الألم،
صوراً عاريةً إلا من صرخاتِ الليل،
صوراً عاريةً إلا من قميصِ الله.
نعم،
التقطنا صوراً ملوّنةً
بلونِ الغروبِ عند البحر
أو بلونِ الأمطارِ الأستوائية
أو ملوّنةً بغيومِ الشتاءِ البعيد
أو بظلالِ النساء
أو بنورِ الشمس
وهي تتعرّى على امتدادِ المحيطِ العظيم.
هذه الصور تسمّيها أنت،
وأنتَ على حقّ،
تسمّيها قصائد.
وأنتَ فرحٌ بها
لأنكَ ابتكرتها
وكنتَ فيها الظاهِر والباطِن.
أما أنا فسأموتُ دون أنْ أكتب
قصيدتي التي أقولُ فيها الحقيقةَ عاريةً
دون صور،
دون صورٍ من أيِّ نوعٍ كان!”
تبدو القصيدة في ظاهرها بريئة حدّ الموت، وخالية من أيّ فخ يكون قد نصَبه الشاعر عن قصد أو غير قصد للقارئ، وبراءتُها هذه هي التي تجعل منها نصّا في حاجة إلى قراءة مضادّة تقوم على التشكيك المعرفي وتكون المحلول الذي ستُنقع بداخله بيتا بيتا كي يتم الكشفُ عمّا بين ثناياها من رُموز وصُور جمالية.
يقول الشاعر في مطلع القصيدة: “التقطنا معاً،/ يا صديقي الحرف،/ الكثيرَ من الصورِ التذكاريّة / قرب الجسر / وقرب باب المدرسة” وهي مقاطع يبدو فيها الشاعر وكأنه يخاطب صديقاً ما أعطاه اسما ربّما يكون وهميا كي يغطّي به اسمه الحقيقي. صديقا يُحتملُ أن يكون قد عرفه منذ سنين الطفولة وشاركه اللعب والذكريات البعيدة عند الجسر وعند باب المدرسة. لكنّ الأبيات التي تلي مباشرة هذا الجزء تجعل المتلقّي يشعرُ وكأن كلّ ما قدّمه لهُ الشّاعر من أفكار ومعلومات هي الآن على وشك أن تُنسف الواحدة تلو الأخرى أو كأنه أمام سلك كهربائي عارٍ ما إن تمسكُ به يدُه المبللة بماء البحث حتى تُصعق بتيار حارق يولّد بداخله سيلا عارما من الأسئلة:
ـ عن أيّ قطار يتحدّث الشاعر؟ بل كيف لهذا القطار أن يسافر بطفلين صديقين مازالا على عتبات المدرسة إلى الجحيم؟
ـ كيف تكون للنقطة مائدة ومَن أو ما تكونه هذه النقطة؟
ـ بل كيف يُمكن لهذين الصّديقين أن يلتقطا صوراً مع هذه النقطة وهم حول أو فوق مائدتها؟
ـ هل هذا الصّديق هو شاعر أيضاً، مادام قد سمّى الصّور التي التقطها مع صديقه بالقصائد؟
ـ وهل النّص يحملُ بين ثناياه هوية شاعرين أحدهما يكتب القصائد والثاني مازال لم يكتب قصيدته العارية إلى اليوم؟
يؤسفني أن أقول لك أيّها القارئ أن كلّ علاماتِ الاستفهام هذه لا فائدة منْها تُرجى، لأنّها تبدو وهماً أو سراباً بعيداً ما دُمنا أنت وأنا لم نضعْ يدنا على أهمّ صورة التقطها لاوعي الشاعر وقدّمها لك مفتاحا على طبق من فضّة كي تتمكّن من حلّ لغز قصيدته هذه بل قصائده جميعا: وهي الصّورة التي يسمّيها أهل البلاغة والنقد بالتشخيص أو الأنسنة، وذلك لأنه مشى على نهج تقنية نقل الكائنات الحيّة والجمادات التي تدرَكُ بالحواسّ المختلفة من عالمها الحسّي إلى عالم حسّي جديد تكتسبُ فيه صفات البشر، فتصبح شخوصاً ناطقة بالضّبط كما أصبحه “الحرف” هنا في قصيدة الشاعر، فهو شخص يتبادل الحديث والذكريات مع الشاعر عن قصائده العديدة أو صوره التي التقطها والشاعر في مواقف ومراحل حياتية مختلفة ومتنوعة.
فمن يكون هذا “الحرف”؟ وما جوهر هذه “الصور” التي التقطها مع الشاعر؟
يقول الناقد أ . د. عبد الإله الصائغ في كتاب (الحروفي):
“استطاع الشاعر أديب كمال الدّين خلق شعريته الخاصة من جهة التعامل الدؤوب مع الحرف والنقطة حتّى أنسن الحرف وأنسن النقطة! فأنت لا تقرأ حرفاً خالصاً كما تراه أنت أو أنا! وإنما تقرأ الحرف كما يراه الشاعر! وليس ثمة سوى التشفير أحياناً والتماهي مع الحرف أخرى وتمجيز الحرف ثالثة في فضاء لانهائي تتوحد فيه الأصوات والمرئيات والمشمومات والمجرات والحبيبات حتّى يعسر وضع حدود بين المحدودات! إذن (الحرفنقطة) باختصار واتساع شديدين عالم القصيدة والقصيدة أيضاً عالم الحرفنقطة! الحرف كلّ شيء وكلّ شيء الحرف! السماء حرف والأرض كذلك! القتلة حروف والمقتولون حروف! الحبيبة الطاهرة حرف واللعوب الغادرة كذلك! الثنائيات حروف الليل والنهار الموت والحياة الإبداع والأتباع حرف! ليس ثمة مشكلة على مستوى الرؤية! ولكن كلّ المشكلة في مشغل القصيدة! أن تحوِّل المحسوس مجرداً والمجرد محسوساً! أن تؤنسن مفردات الطبيعة أو تعيد مفردات الإنسان إلى الطبيعة!”
نعم، لقد صدق د. عبد الإله الصائغ حينما قال إنّ المُعضلة الكبرى هي مشغل نصوص أديب كمال الدّين ذاتها باعتبارها جسداً يضمّ وحدات تصويرية بعضها كلّي وبعضها جزئيّ يصوغها الشاعر بالاستدعاء الوجداني فتصبح أحياناً وكأنّها وحدات تعبيرية صغيرة تمثل لقطة فنية تصويرية خاطفة وأحياناً أخرى تصبح جزءاً من تصوير مركّب أكثر شمولية تتشكل بداخله صور مركّبة وشديدة التعقيد وبعيدة الأثر كما هو الحال في الصور التي ضمّها هذا النّص.
ما الذي دفع الشاعر بأنسنة “الحرف” أولاً و”النقطة” ثانياً؟
للجواب عن هذا السؤال سيتمُّ تحليل اللقطات الفنية التصويرية الخاطفة أولاً ثم بعد ذلك الصور الأكثر تركيباً وتعقيداً:
يقول الشاعر في بداية النّص:
” التقطنا معاً،
يا صديقي الحرف،
الكثيرَ من الصورِ التذكاريّة”
•    التقط + نا + معا
من البديهي ألا تكونَ هناك بين الفعل ونون الجماعة أيّة مسافة أو فاصل، فالعلاقة حميمية ومتماهية لدرجة الذوبان، وإضافة الشّاعر ل “معا” ماهي إلا بدافع التأكيد على درجة الحميميّة الكُبرى بينه وبين الحرف، هذه الحميمية التي تصبح أكثر وضوحا وتجليّاً حينما يُضيف عبارة “يا صديقي”.
والنتيجة المتحصل عليها يمكن تشكيلها إذن كما يلي:
التقط + نا
الفعل هنا يدلّ على السّرعة في تخزين الصور، لكن (الشاعر لم يتحدث عن “العنصر المُصوِّر”) هل هو عدسة آلة تصوير حقيقية أم هو عدسة العين المجرّدة؟
وفي هذه الحالة منْ كان يُصوّر منْ؟ هل الشاعر هو الذي كان يصوّرُ الحرف، أم العكس؟ أم أنهما معاً (مادامت “نا” هنا تدلّ على المعيّة والجماعية في القيام بالفعل ذاته) كانا يصورّان صورا كلٌّ بعينه أو كلّ بآلته التصويرية.

معا
يبدو أن هذه ال “معا” مشكلة حقيقية هنا، فهي وإن كانت من الناحية الإعرابية حالاً مؤوّلاً بمشتقّ «مجتمعين» منصوباً وعلامة نصبه الفتحة لفظاً والثانية للتنوين، فمِنَ المُحْتمل أنْ تكونَ حالاً كاذباً لهُ بزيفه هذا أن ينْسف علاقة الحميميّة التي سبقت الإشارة إليها قبل قليل:
ولو افتُرض أن كلّ طرف من أطراف الفعْل قد التقط لوحده صورا، فمن الممكن جداً أن تكون صُور كلّ واحد من الاثنين مختلفة عن صُور الآخر ومن الجَائز أيْضاً أن تكون المَعية هنا مَعية رفقة أو صُحبة في القيام بذات الفِعْل فتُصبح بذلك عبارةُ “يا صديقي الحرف”.حمّالة أوجه وتفسيراتٍ مُختلفة. فإلى أي حدّ يُمْكن اعتبار هذا الأمر صحيحاً؟
يُكمل الشّاعر ويقول:
•    “الكثير من الصور التذكارية”
يعني أن الصّور كثيرة ومتنوعة، وبالتالي فإن العلاقة الجامعة بين الطّرفين استمرّت على طُول وامتداد فعل التقاط الصّور.
حتى عبارة “التذكارية” هنا لها من طابع الحميمية والقرابة ما يجعلُ القارئ يتساءلُ عن نوعيّة ودرجة هذه الصّداقة التي راكمَ الشاعرُ وصديقه الحرف بداخلها وعلى طولها كلّ هذه الصّور أو هذه الذّكريات.
ما الذي يقصدُه الشاعر بهذه الصّور؟
يجيبُ الشاعر سريعاً عن هذا السّؤال القلق فيسردُ لائحة من الصّور ويحددّ مَكانها ويرْمي كرة تحديد زمانها في ملعب المُتلقّي: إذن فالصّور مأخوذة قرْبَ الجِسر / قرب باب المدرسة / قرب محطة القطار النازل إلى الجحيم / على مائدة النقطة وكأسها المترع بالشوق.
لكن ليس هذا فقط فهو يمُدّ المتلقّي بعُنصر آخر ومعلومات أخرى عن هذه الصّور: فهي جميعُها عارية (إلاّ) من الألم / من صرخات الليل / من قميص الله. ولكنها في الوقت نفسه ملوّنة بلون الغروب عند البحر (أو) بلون الأمطار الأستوائية / بغيوم الشتاء البعيد / بظلال النساء / بنور الشمس وهي تتعرّى على امتداد المحيط العظيم.
كلُّ هذا يعني أنّه حَانَ الوقتُ للتوقف عند كلّ عنصر على حدة، وسيـُبدأ أولاً بعنصر المكان كدالّ على عُنصر الزّمان، ثم سيتمُّ الختمُ بالتوقف عند عنْصُري العُري واللون عبْر سؤال آخر يُحاول معْرفة كيْف يُمْكن الجمْع بين هذين العُنصرين المُتناقضين، أيْ كيْفَ يُمكن للصّور أنْ تكُون عارية وفي الوقت نفسه مُلوّنة؟

•    عنصر المكان

الجسر

باب المدرسة
قرب
محطة القطار
النازل
إلى الجحيم

يبدُو أنّ تعبيرَ “باب المدرسة” هو مفتاح هذه المعادلة المكوّنة من ثلاث صور مختلفة الشّكل والمضمون. فالمدرسة كدالّ لغوي وثقافي تحيل على فترة التعليم الأوليّ الذي يبدأ من سنوات الطفولة وحتى سنوات المُراهقة بكلّ مراحلها وصعوباتها النفسية والفكرية والروحية. إذن فمن الدالّ المكاني أصبح الآن بالإمكان التحدث عن الدالّ الزماني. وهو الأمر الذي سيُسهب في معالجته في الجزء المتعلق بالعنصر الزماني.

على        مائدة النقطة وكأسها المترع بالشوق.

هل هذه النقطة امرأة؟ هل مائدتها مائدة خمرة؟ إذا كان الأمر كذلك فمن هم ندماؤها؟
إنّ الجَواب عن هذه الأسئلة ومحاولة وضع اليد على مفاتيح مكنونات هذه الصورة في معزل عن بقية أبيات النّص يُعدّ محاولة لا تُحْمدُ عقباها ومحكوم عليها بالفشل منذ البداية، ذلك لأنّ الاكتفاء بصورة أنسنة النّقطة في هذا المقطع لن يمدّ المتلقّي بأيّ تفصيلٍ ولا تأويلٍ ولن يقوده بأيّ شكلٍ من الأشكال إلى استخراج عُنصر الزّمان حتى وإن كان الأمرُ يوحي منذ الوهلة الأولى بمرحلة أخرى من حياة الشاعر تلت مباشرة سنوات قسوة الشباب والحرب ومقابلة الموت وجها لوجه لأكثر من مرّة وبشكل متكرّر.
يُكْمل الشّاعر أبياته ويقول:
” التقطنا صوراً عاريةً
إلاّ من الألم،
صوراً عاريةً إلا من صرخاتِ الليل،
صوراً عاريةً إلا من قميصِ الله.”
قراءة هذه الأبيات تمدّ القارئ بعناصر جديدة يتوجب التوقف عندها عنصراً عنصراً:
ـ عُنصر العُري: وهو يتمفصل إلى ثلاث درجات تصاعدية تتجاوز بداية عتبة اللباس (الغطاء) ثمّ عتبة الجِلد (ما تحت الغطاء) وبعد ذلك عتبة الجسد الداخلي كي تتوقف عند درجة (داخل الدّاخل) أي قلب وروح الصّور حيث يوجد: الألم/الصراخ/ قميص الله.
الوصول بالأبيات إلى هذه النافذة يعني أنه تم العثور على عنصر الزّمن والذي منه سيتمُّ الانطلاق نحو البحْث عن هويّة “النقطة” و”الحرف” اللذين أنسنهُما وشخّصهُما الشاعر بهذا الشكل العجيب.
•    عنصر الزمان
لقد تمّ تحديد زَمَن بداية التقاط الصّور وهي مرحلة الطّفولة أو قرب “باب المدرسة” حيث بدأت أسفار الشاعر وصديقه الحرف. لكن ماذا عن “الجسر”؟
الجسر ما هو إلا ذاك البرزخ الفاصل بين سنوات حياة الشاعر الأولى والسابقة عن زمن مرحلة التعليم المدرسي، ولعلّها إشارة لبداية علاقة الشاعر بالحرف داخل البيت الذي رأى فيه النور على يد مُعلمه “الحرف الأكبر” أو والده الذي كان ولم يزل البئر التي شرب منها أول كأس حروفية.
أصبح من الجائز الآن بعد هذا التصريح الحديث عن زمنين: زمن البيت وزمن المدرسة. وهما معا يشيران إلى الطفولة وبداية سنوات المراهقة.
ماذا عن القطار النازل إلى الجحيم؟ إنه يشير إلى سنوات الشباب بكل ما سبقها من ثقل تجارب الطفولة القاسية:{موت الأب بين يدي الشاعر الطفل المراهق آنذاك (طالع المزيد من التفاصيل عن هذا الحدث  في باب حوارات وعلى وجه الخصوص في نصّ الحوار الذي أجراه معه الأستاذ عبد الغني فوزي) وتجربة أولّ حبّ فَشِلَ وطارتْ فراشاته بدون عودة. (انظر قصيدة “حب” بديوان تفاصيل)}. وبكلّ ما حدثَ خلالها من تجارب أخرى أشدّها قسوة على قلب الشاعر، تجربة الحرب الإيرانية ـ العراقية، ولا أدلّ على ذلك من الكلمات التالية التي صرّح بها في نفس الحوار المشار إليه قبل هنيهات:”وفي شبابي التقيتُ بقتلى الحرب: الحرب العراقية الإيرانية. وكان مشهد القتلى القادمين بالعشرات بل بالمئات بل بالألوف- حين يشتدّ أوراها- يقلقني بل يمزّقني من الأعماق. كان الموت نشطاً جداً في حصد الرؤوس، رؤوس الشباب من الجنود العراقيين ومن الإيرانيين أيضاً. لماذا؟ كانت الأبواق الإعلامية العراقية تصوّر الحرب نزهةً! وتصورها انتصاراً تاريخياً! وكان عليّ أن أصف الموت وأتعايش معه- فأنا جندي أيضاً- وأخْفي ملامحه في قصائدي لتستطيع القصيدة أن ترى النور في زمن البروباكندا الإعلامية الشريرة التي استمرّت شديدة الصّخب في حرب عبثية ما بين (1980- 1988) لتنتهي الحرب بصيغة لا غالب ولا مغلوب. والحقيقة الصارخة كانت تقول بخسارة البلدين خسارة هائلة إذ مات الملايين من الجنود وأهدرت المليارات من الدولارات لشراء الأسلحة الفتاكة. وإذ خرجتُ من الحرب سليمَ الجسد لكن شيئاً ما قد مات في داخلي! لقد مات شبابي، إذ أنفقت عشر سنوات من أجمل سنوات عمري في مؤسسة الجيش الغبية وحرب العبث الأغبى هذه!”
بقي الآن الحديث عن عنصر آخر من عناصر اللحظات التي التقط فيها الشاعر وصديقه الحرف صورهما، إنه الليل، (انظر عبارة “صرخات الليل”)، فالنقطة إذن تستضيف ندماءها ليلاً وتسقيهم كأس الشوق في حضرة الألم والصراخ وتحت عين الله وقميصه. ما معنى هذا كلّه ومتى تعرّف الشاعر وصديقه الحرف إلى هذه النقطة؟ هذا ماستتمّ محاولة التوصّل إليه عبر الآتي من الصفحات.
الليل إذن هو رحم النفحات الربانية ومهبط الأسرار النورانية ومجمع الأخلاء، لكن ليس أيّ أخلاّء ولا أيّ ندامى، إنهم ندامى رموا كلّ ثوب وكل عالق أو حاجز وراء ظهورهم ودخلوا محراب النقطة عارين من كلّ شيء إلا من الله والألم والآه. وفي كلّ هذا إشارة إلى المرحلة الثالثة من حياة الشاعر، أي المرحلة التي لبس فيها خرقة العرفان أو كما سمّاها هو بنفسه “سنوات الثمانينات” في أكثر من حوار . والليل إذا جاء واقفاً بين يدي العارف، وقف هذا الأخير بين يدي ربّه وقد رمى وراء ظهره كل علم وصورة، وصرف عنه كلّ شيء حتى يتمكن من رؤية النزول الرباني. أي أنّ العارف حينما يقف الليلُ بين يديه، عليه أن يلبس خرقة الجهل (قميص الله). لذا فلا معلوم في هذه الوقفة إلا الجهل الذي هو الحجاب الأدنى لله متى تجلّى في حضرة الليل أو حضرة السكون الذي يصبح فيه العارف طوع الشهود الوحداني غير ملتفت إلى علم أو إلى صورة حتى لا يأخذه البلاء الذي هو حرمان العارف من الله ومن مجلسه ورتبته ونوره.
إن السّؤال الذي تضرب مطارقه الآن هو: كيف احترق الشاعر أديب كمال الدّين بنار ونور النّقطة بل كيف تعرّف إلى جمال الخالق من خلالها وكيف عانقته النقطة وأدخلته إلى حدائق بهجتها؟
يقول الشاعر في مقطع آخر من قصيدة أخرى خاصة بالنقطة:
“مددتُ يدي إلى الله
إلى ما شاء الله
وإذ نظرَ إليّ برحمته التي وسعتْ كلّ شيء
لم يضع في كفّي المتوسلة ذهباً
ولا دنانير فضّة
لم يضعْ فيها سوى حرف صغير
كان يلتمع أملاً كعيدِ طفلٍ يتيم.
وإذ نظر الله إلى دمعتي الحرّى
وقلبي المحطّم
سارع ليضع وسط الحرف نقطة
فامتلأ قلبي ذهباً ودنانير فضّة
حكمةً وبهجةً ومحبّة.
هكذا كنتُ صحراء فكانَ الحرفُ جَمَلاً
هكذا كنتُ ضياعاً فكانت النقطةُ معنى
هكذا كنتُ حتّى امتلأتُ
هكذا طرتُ أنا وجَمَلي
طرتُ كغيمةٍ من نور. ”
هنا يبدو جليا أن شرط التعرّف إلى النقطة يقتضي التقرّب من صاحب النقطة وهو التقرّب الذي عبّر عنه الشاعر من خلال هذا المقطع: ” مددتُ يدي إلى الله / إلى ما شاء الله”، مقطع بليغ يبدو فيه الشاعر عابداً ملحاحاً لا يكلّ ولا يملّ، فهو لم يشرط تقرّبه هذا لا بمكان ولا بزمان، لذا تراه حصل على العناية الربّانية عبر عين الرّحمة التي وسعت كل شيء، فكافأ صبره ووضع في يده أو في صحرائه الحرفَ، والجمل السفينة، ثم وضع وسط الحرف أو فوق ظهر الجمل النقطة التي صـارت معنى وغيمة من نور فكيف تكون إذن النقطة هي المعنى وما كُنه هذا المعنى؟
في ديوان (أخبار المعنى) يمدّ الشاعر أديب كمال الدّين القارئ بالجواب عن هذا السؤال فيقول: “ووصلتُ إليك أخيراً يا معناي، تعرّفتُ إلى أشكالكِ ذات الوقعِ اللّغزي: مربّع أطيافكِ، خطّ الحسراتِ الممتدّ إلى دائرةِ المنفى، ومثلثِ رغبتك الحيّ كما الأفعى، ومعين الضحكِ الأعمى، وزوايا فجركِ، ليلكِ، نومكِ وقت صراخ الشمس. تعرّفتُ إلى أشجاركِ: أشجارالجوعِ، الموتِ، الغضبِ الأسودِ حتّى أمسكتُ بأنهارك مستتراً من عريي الأزليّ: فرات الأطفالِ يطيرُ بعيداً عنّي، أغرقُ فيه، أضيعُ وأجلو عن لغتي ألماً يعصرها، قيظاً يوقدها تنمو، أتباركُ فيها، أدخلها فتنامُ بساقٍ غامضةٍ نحوالأعلى فأدوخُ وأبكي، يهبطُ فجر من قلبي وأدندنُ: جاءَ الطيرُ أخيراً من منفاه إلى كفّي، استتري فيّ ولا تنهمري. صاحَ فراتُ الأجدادِ المكتهلين بموتِ اللامعنى: انتبهِ اليوم لسرِّ الحرفِ بموضعها وتموضعْ فيها واثمرْ فالعمرُ حديثٌ خَرِفٌ يهذي…”
معنى الشاعر هو معنى أمة لغة الضّاد والوحْي بأسرها، هو نقطته وهو فجر يهبط من قلبه فيجعله يدندنُ قائلا: “جاءَ الطيرُ أخيراً من منفاه إلى كفّي، استتري فيّ ولا تنهمري” ليعود بهذا يهتف ويؤكّد من جديد ما قاله سابقاً عن الكفّ المتوسّلة التي يضع فيها الله حرفاً ثم نقطة في وسطه فتصير بذلك نوناً، فما علاقة النقطة إذن بالمعنى وبالجمال وبالحرف وبالجمل وبالصحراء وبالغيمة ؟
يبدو ألا معنى فيما ليس بمعنى يدلّ على المعنى، فالمعنى كعنوان لشيء يدلّ على شيء آخر له معنى غير ظاهر في معناه، وذلك لأنّ له معنى آخر غيبياً أعطى له معنى كونه شيئاً يُعنى به شيء، فذاك هو المَعنى الذي يسعى إلى مَعرفة أسباب الكوْن والخالق والاتصال به ومعه، لذا فهُو معنى فوق كلّ فلسفة أو تفلسف، وهو ما يسمّى عند أهل العرفان بالعلوم اللّدُنيّة أو الفهوم الإرثية. والنقطة هي حقيقة المعاني كلها بل حقيقة حقائق الحرُوف ونسبتها للحرف هي كنسبة الذات الإلهية إلى الصّفات لذا فهي تظهر في كلّ حرف بما يقتضيه حُكم الحرف والذي هو أولا وأخيرا نقطة بإزاء نقطة إذ ما الحرف إلا مجموع نقاط ولولا النقطة ما ظهر الحرْف كما لولا الذات ما ظهرت الصّفات. ومعرفة الحرف فرع من معرفة النقطة ومعرفة الكلمة فرع من معرفة الحرف ومعرفة معاني الكلام فرع من معرفة الكلمة (وما قدروا الله حق قدره).
أما عن تجلّي الجمال من خلال النقطة ففيه بحر من الكلام لا ينتهي مداده ولا يحدُّ أشجار أقلامه حدّ، لأنّ الأمر يتعلق بالتجلّي الذاتي الإلهي الذي هو الذات في الذات بشكل لمْ تقو الموجودات على حمل سرّ هذه الذات ليس لأن الله استأثر بذاته ضنّا على المخلوقات، ولكن لقصور هذه الأخيرة عن علمها، إذ لو فُرض جدلاً أن ظهر الله للوجود بلمحة بارق من بوارق التجلّيات لانعدمت الدّنيا والآخرة في أسرع من رمشة عين، وبهذا يمكن التعرّف إلى مدى رحمة الله بعباده ورغبته في بقاء وجودهم، وكما أن الذات الإلهية لا تُدرك، كذلك النقطة لا تُدرك، إذ ليس في مقدور أحد أن يتوصّل إلى ما في النقطة من كمالات وأسرار، وليس في طاقة أحد أو شيء من الموجودات أن يتّسع لها، أما صورة النقطة في عالم القدس عند الله عز وعلا فهي الحقيقة المحمدية، أو الصورة التي أشار إليها الحروفي أديب كمال الدّين بصاحب الصحراء أو السفينة الجمل أو الرّجُل الذي صار غيمة من نور. فهو إذن النقطة المتّصفة بحقيقة سائر الموصوفات وهو الحاوي لما حوته النقطة بل هو الحقيقة النُّقطية، فهل ثمة في الوجود من يضاهي محمداً في الجمال والبهاء والكمال من البشر وغير البشر؟ (بعثت لأتمم مكارم الأخلاق). محمّد مهبط الوحي ومنزل الملائكة ومظهر الصفات الإلهية، محمد الذي تنتسب نقطة ميمه البيضاء إلى النقطة المطلقة كما ينتسب العرش من الاستواء، إذ كما أن العرش محل الاستواء الرحماني فكذلك الميم المحمدية هي محل النقطة وظهورها، وكما أن هيكل نبي الرحمة ظاهر في الوجود بالصفات الإلهية الكمالية فكذلك باطنه الموصوف، لذا فالنقطة وإن تعدّدت حروفها فهي حقيقة واحدة كما يتعدد الأشخاص مـن النوع الإنـساني.
لكن مهلاً، مادامت هذه هي النقطة وسليلها الحرف فما سرّ بعض التصريحات التي باح بها الشاعر لأكثر من ناقد، نشرت في أكثر من حوار وعلى أكثر من موقع وصحيفة؟ ما سرّ قوله للدكتور شاكر نوري:”إنّ العالم ممثل كله في القرآن، والقرآن كله في الفاتحة، والفاتحة في البسملة، والبسملة في الباء، والباء في النقطة، وأنا النقطة.”  وللأستاذ علي الإسكندري: “أنا النقطة وأنا الحرف حامل السرّ الإلهي دون شك”
هذا هو ديدن أديب كمال الدّين، إذ ما إنْ يُسهب في توضيحِه لمفهومٍ ما داخل مقطع ما من مقاطع قصيدته، حتى يُسارع مباشرة إلى نسفه، تاركاً القارئ والنّاقد غارقيْن في بحار من الذّهول والارتباك، كيف لا وهو القائل:     “حبّكِ ناطحةُ سحاب / حلمتُ بها / وخططتُ لها وبنيتها طابوقةً طابوقة / وحين اكتمل البناءُ العظيم / نسفتـُها من الأعماق.”!
كون النقطة حسب تعريفات التراث الصوفي الإسلامي هي مركز الكون وكونها كامنة في الصورة المحمدية والباء العلوية فكيف لها أن تصبح هكذا فجأة وبدون مقدّمات أديب كمال الدّين نفسه؟ إنّ هذه التصريحات على قدر ما تبدو خطيرة إلا أنّ لها علاقة حميمة بما يسمّى في علوم العرفان بمفهوم التّماهي مع الشيء، وهو في حالة الشاعر له مستويان من القراءة، الأوّل يخُصّ التّوظيف الشعري للنقطة والحرف كرمز يستمدّ طاقته من التراث العربي الإسلامي بكل منابعه الأسطورية والتاريخية والدّينية واللغوية، والثاني يهُمّ التوظيف الصّوفي الخاصّ برحلة الشّاعر الشّخصية في عوالم العرفان وطريق خرقة العشق وعصا الجمال، الشيئ الذي يعني أنّ الشّاعر من كثرة جُلوسه ليلاً على مائدة النقطة وشُربه من كأسها المُترع بالشوق وبالحروف العاشقة انْصبغ بها وصار هو نفسه نقطة وحرفا سرى في كل حرف من حروف الأبجدية، وهذا ما يفسّر كون أديب كمال الدّين يبدو للقارئ تارة ألفا وتارة نونا وتارة باء وتارات أخرى ياء وهكذا دواليك. وذلك لأن الحروف سرت فيه حتّى استولت عليه وهو أمر يُرى جليّاً في هذا النّص المُستلّ من ديوان (أقول الحرف وأعني أصابعي):
“قالت حروفُ الحقّ
وهي تناقشُ في الألفِ الشاب:
هل سَيُكْتَب له أن يعيش؟
بل هل ينبغي أن يعيش
أو ينبغي- ربّما- أن يموت!
قالت حروفُ الحقِّ كلاماً كبيراً
وكلاماً كثيراً.
نصفه غامضٌ ولا تذكره الذاكرة،
ونصفه لا يُفسّره إلا العارفون.
وحدهُ الحاء
قال: اتركوه فهو شمسي.
هو مَن سيذكرني كلّما هلَّ اسمي.
وسيكتبُ عن رأسي وقد تناهبه الغبار
وحُمِلَ فوق الرماح
من بلدٍ الى بلد
ومن عطشٍ إلى عطش
ومن واقعةٍ إلى واقعة.
بل إنّ رأسي سيكون قصته
ودمي لوعته
وأنيني نبض قلبه.
قال: اتركوه.
هل ستناقشون أخطاءَه؟
نعم، سيقعُ في الخطأ
لينجو إلى خطأ آخر
وسيقعُ في الظلام
ليرتحل الى ظلامٍ جديد.
لكنّه مثلي
سيموتُ غريباً
في البلدِ الغريب.
وستطفرُ دمعته
كلّما غابت الشمس
حزناً عليَّ وعلى آلِ سرّي.
قال: اتركوه فأنا منه وهو منّي! ”
لكن هناك شيء آخر أكبر من كلّ فهم وتفسير في هذا النّص، فهو لا يريدُ القولَ فقط بأنّ الشاعر قد اصْطبغ بالحرف وصَار حرفاً ولكنّه حرف تناقشت أمره الحروف الأخرى طويلا إلى أن قرّرت حاء أحمد ومحمد، وحاء الحُبّ والفرح أن يخرُج عنها أو عنْ نفسه كيْ يكتب عن محمد وآل سرّ محمد وعن قصة الرأس وغربة أهل الرأس المقطوعة . ومن هذه الحقيقة تلمع بارقة أخرى تسأل في إلحاح وتقول: “هل يحقُّ للحرف أن يخرج عن الحروف الأخرى؟” والجواب نعم، يُمكن لهذا الأمر أن يحدث وفي هذه الحالة يُسمّى العارفُ الخارج عن نفسه خارجاً عن الحرف بفعل تجلّ إلهي وهو لذات السّبب يُعتبر من أهلِ الحضرة، وهو في الوقت نفسه من أهل موقف السّؤال المعنوي، أي أنّ العبْد بعد التجلّي يصبح قابلاً لتلقّي العلم اللّدني، فيسأله الله ويعلّمُه ويبدأ العارِفُ رحْلة الجواب بعد حُدوث التعرّف ثم ينتقل بعد ذلك إلى رحلة الإخبار عن الله وهذا المسار هو الركيزة التي يقوم عليها ديوان (مواقف الألف)  الذي هو مجموعة من مواقف تنتمي كلها إلى السّؤال الذي يليه الجواب مباشرة. وكلّ هذا هو مدعاة لما يسمى بفرح الحرف، ذلك أن أولى ظهورات الحرف تدخل في حركة الزمن الرّاقص المؤشّر عن ظهور حركيّة متناغمة خارج ما يسمّى بعوالم الفوضى.
وبالعودة إلى النّص الأول الذي تمّ الانطلاق منه، يبدو جليّاً بعد هذه الرّحلة التحليلية، أن من كان كلّ هذا العمر يلتقط الصور العارية هو أديب كمال الدّين نفسه ولا أحد غيره، فهو الشاعر وهو الحرف الصديق في الوقت ذاته وهو النقطة أيضاً، وما بين كلّ هذا كانت هناك رحلة شعرية طويلة ومختلفة ومتنوعة في الإفصاح عن كمّ العذاب الهائل الذي عاناه وهو في العراق من الحروب والحصار والاستبداد والطغيان وتكميم الأفواه والاستخاف العجيب بمصيره وبأهله، فصار لزاماً أن يُفصح ويشير، وينطق ويبوح بما لا ينبغي أن يُباح به سيما وأنه هو نفسه مادة هذه المعاناة والمركز الذي ناء بها .
الصّور إذن التي التقطها الشاعر كانت عارية إلا من كل ّهذا الألم وصراخ الليل وحرف الله ونقطته، لكنّ أديب كمال الدّين يقول إنّ هذه الصور تجمع إلى عنصر العري عنصر اللون أيضاً:
“نعم،
التقطنا صوراً ملوّنةً
بلونِ الغروبِ عند البحر
أو بلونِ الأمطارِ الأستوائية
أو ملوّنةً بغيومِ الشتاءِ البعيد
أو بظلالِ النساء
أو بنورِ الشمس
وهي تتعرّى على امتدادِ المحيطِ العظيم.
هذه الصور تسمّيها أنت،
وأنتَ على حقّ،
تسمّيها قصائد.
وأنتَ فرحٌ بها
لأنكَ ابتكرتها
وكنتَ فيها الظاهِر والباطِن.”
كما توضح الأبيات، فالألوان في هذا النّص خمسة:
ـ لون الغروب عند البحر
ـ لون الأمطار الأستوائية
ـ لون غيوم الشتاء البعيد
ـ لون ظلال النساء
ـ لون نور الشمس
وهي كلّها ألوان تدلّ على سفر الشاعر الطويل مع الحرف والنقطة، لذا فمن الجدير التوقف مليا عند كلّ لون:
1)    لون الغروب عند البحر
هذه صورة تشكيلية تتكوّن من لونين أساسين: لون الغروب ولون البحر. ويوجد بداخلها عنصران مهمّان مستتران: الشمس والسماء. وبعبارات أكثر وضوحا يمكن تفكيك الصورة بهذا الشكل:
ـ الألوان = أحمر+أزرق
ـ الشمس = النقطة / السماء= المائدة
ـ الغروب / وجميع عناصرالصورة تقود كلّها إلى بداية النّص الشعري الذي تحدّث فيه الشاعر عن (النقطة وكأسها المترع بالشوق)
فالنقطة إذن هي الشمس المكتملة، وهذا دالّ يجد صداه في المعادلة التي تمّت الإشارة إليها قبل لحظات:
“الشمس = النقطة / السماء= المائدة”
لكن على الرّغم من هذه المحاولة التفكيكية البسيطة إلا أنّ المعنى مازال يكتنفه الغموض، والصّورة لا تزال تغوص وسط كتل من الضبابية والإبهام، لذا يتوجب التوغّل أكثر وأكثر في نصّ الشّاعر بل في بقية المجاميع الأخرى علّ صنّارة الدّارس تعثرُ على سمكة تحمل في بطْنها جوابا على الأسئلة التي تحُوم حول صورة الغروب هذه، وعندي اليقين بأنك لن تخيب أيها القارئ الصيّاد المتلحّف بخرقة الصّبر، فالحرف العربي وشجرته لهما من الكرم والجود ما يفوق أيّ تصور وخيال ودليلي على ذلك هذه الليرة الذهبية التي أحملها لك الآن بين يدي وأقصد بها قصيدة (غروب النقطة)  ففيها الجواب الوافي عن كلّ ما يكتنف صورة لون الغروب من غموض، وهي التي سيتمّ التوقف عند أجزائها ومقاطعها مقطعا مقطعا:
يقول أديب كمال الدّين:
“أنا النقطة،
أنا الشمسُ المكتملة،”
هذان البيتان يحلاّن لغز من يكون البحر؟: إنه الحرف. والحرف كما تمّ إيضاحه سابقا هو الشاعر: “التقطنا معا / ياصديقي الحرف / الكثير من الصور التذكارية”.
والشمس أو النقطة هي مكتملة والبحر لانهائي كالسماء التي يستمد منها لونه، السماء التي هي في الوقت ذاته المائدة والكأس المترعة بالشوق، والشوق لونه أحمر، لون النقطة الهابطة الذائبة في البحر.
وأنتَ البحر اللانهائي،
أيّها الحرف،
أهبطُ فيكَ شيئاً فشيئاً
حتّى أختفي تماماً
هذا المقطع مليئ بالحركة والإيقاع:
الهبوط هو نزول، والنزول كان من الممكن أن يكون له دويّ قويّ لولا أن تدخّل الشّاعر واستخدم عبارة “شيئا فشيئا” التي توحي بحركة ولوجية هادئة عبر باب الرّحمة واللطف، وإلا لكان نزول النقطة في الحرف قد أودى بحياته أو بحياة الشاعر نفسه. الحركة إذن أو الدّوي المتوقع يتحوّل إلى صمت كامل عبر عملية الاختفاء التام الذي هو مرادف للذوبان أي لفناء الشيء في الشيء، وانصباغ الشيء بالشيء مادام الحديث هنا يدور عن الألوان. (انظر الجزء الذي سبق فيه الحديث عن انصباغ الشاعر بالحرف وبالنقطة).
لا تفوتني الإشارة إلى طبيعة اتجاه الحركة والتي يمكن تقسيمها إلى نوعين: حركة ظاهرة (من فوق إلى تحت/ من الخارج إلى الداخل) وحركة مستترة تتم في كل الاتجاهات (شرقا وغربا / شمالا وجنوبا / داخلا وخارجا / وخارجا وداخلا) وهذا يتطابق من فكرة الامتزاج والتمازج بين الألوان.
أما عن فكرة الصّمت فإنه لا يقصد بها الصّمت المتعارف عليه ولكن الصّمت الذي يحمل في داخله صوت الصّخب الذي تنقله الموجات “المافوق صوتية”، فنزول الأحمر في الأزرق يستمد صوته الصاخب من حركة النور والظل الذي يحمله كلّ لون من هذه الألوان، ناهيك عن الصّوت الذي يُحدثه الجسمُ المُنصهر في المادّة السائلة (الماء)، وعمّا قد ينشأ عن الانصهار بفعل الحَرارة والتمازج بين جسم حارّ وآخر بارد من أفعال تخليقية وتخلّقية لها أصواتُ كلّ حرف من حروف الأبجدية وخاصّة منها ذات الطبيعة النارية الحارّة.
يستمر الشاعر في الإلقاء ويقول:
لتصبح أحمرَ بدمي،
بمحبّتي،
بطيورِ طفولتي.
لون النقطة (الشمس) إذن أحمر، ولون الحرف (البحر) أزرق وذوبان الأحمر في الأزرق وفقا لنظرية الألوان وتقنية المزج لابدّ وأن تعطي لونا ثالثاً هو (البنفسجي). لكن ريشة الشاعر تتحدث عن البحر الذي أصبح لونه أحمرَ. هذا يعني أن البحر انصبغ بالنقطة، مع العلم أن البحر لم يكن أبداً أزرق اللون، وإنما له لون الماء، أي لون الحياة المتخلقة من الماء أو لون القصيدة التي يخطّها لنا الحرف ويلقيها الشاعر على مسامع المتلقّي سواءً عبر الكتابة أو عبر الصوت:.”أيها الحرف/ يا من تقرأ لوح حياتي، أعني قصيدتي/ هكذا أختفي فيك وبك ومعك، لأكون لانهائية فيك وبك ومعك” (انظر المقطع الثاني من القصيدة نفسها)
هذا من جهة أما من جهة أخرى فإن كل هذا الحدث الكوني والتخلّقي عبر ذوبان النقطة في البحر أو دم الشمس والجَمال في ماء الخليقة لا يمكن إلا أن يكون حدثا سعيداً تشدو له عَصافير الطّفولة الملونة بالمحبّة الحمراء التي يصفُها الشاعر في المقطع الثالث من قصيدة (نوم)
” المرّة الوحيدة التي أفقتُ فيها من النومِ سعيداً
كانَ الوقتُ عيداً
وكانَ حذاءُ الطفولةِ الأحمر قرب مخدّتي
يحرسُ سعادتي!”

2)    لون الأمطار الأستوائية
ربّما تكون أوّل بادرة تخطر بذهن القارئ ساعة وقوع عينه على هذه الصّورة، هي ربط فحواها اللغوي بالمنطقة التي يعيش فيها حتى اليوم الشاعر أديب كمال الدّين، باعتبار أن المناخ الأستوائي هو السائد في نحو ثلث مساحة أستراليا بأسرها، لكن ثمة سؤال تقضم دابّته في صمت منسأة البحث ويقول:”إذا كان الأمر كذلك، فما علاقة أستراليا ومناخها الأستوائي بلون غروب النقطة في البحر؟”، الحق أقول، أن السؤال قد يبدو غريباً أو غير ذي فائدة، لكن على غرابته وربّما عدم جدواه، فإنه يحمل عناصر قيّمة تستندُ على عصا التفكيك الدلالي علّها تمكّن من الوصول إلى ما قد يكون المَعنى الحقيقي الكامن وراء هذه الصّورة الغارقة في الماء. ويبدو أنّ كلمة “الأستوائية” هي المفتاح الأول لفتح باب المعنى على مصراعيه، مادامت كل كتب الجغرافيا تقول بأنّ المناخ الأستوائي يتميز بالحرارة المرتفعة والأمطار الغزيرة التي تسقط طوال العام. وسبب هذه الأمطار الغزيرة يرجعُ إلى استواء أشعة الشمس على مناطقه في فترات معينة من السّنة؛ والمؤدي بالتالي إلى ارتفاع نسبة التبخّر.
إن العنصر الأقوى في هذا التعريف المبسّط لأهمّ خصائص المناخ الأستوائي هو عبارتا “الحرارة المُرتفعة” و”ارتفاع نسبة التبخر” لأنهما تقودان مباشرة إلى البيتين اللذين سبق الوقوف عندهما (أهبط فيك شيئا فشيئا/ حتى اختفي فيك تماما) وإلى ما حُكي بصددهما عن مفهوم الهُبوط الصّامت مجازاً، مادام هذا الصّمت يحملُ بداخله صخب الانصهار والتخلّق. الانصِهار الذي يعْني وُجود حرارة مرتفعة جداً وهذا بدورِه يعني وُجود عملية تبخّر والتبخّر يؤدّي إلى تراكُم كيميائي للسّحاب والضّباب الأحمر، مادام هو صَاعدٌ من البحْر الذي ذابت فيه النقطة وأعطته لون دمها، والسّحب المتراكمة تعني سقوط أمطار غزيزة حمراء وربما أيضاً سوداء أو صفراء ناتجة عن استواء أشعة الشمس أو النقطة.
فالأمطار الأستوائية إذن لها لون دم الجمال كما قال الشاعر في إحدى قصائده:
“كانت النقطةُ دمَ الجمال
دمَ المراهقة
دمَ اللذة
دمَ السكاكين
دمَ الدموع
دمَ الخرافة
دمَ الطائر المذبوح.
كانت النقطةُ دمي
أنا تمثال الشمع.”
النقطة إذن هي الدّم الذي سال نوراً من الله المطلق الديمومي الأزلي الجمال، وهي جوهر النور الذي اهتزت له الظلمة وتزلزلت فخرج منها أول شكل في الخلق دالا على جمال الذات الإلهية الشريفة المتمثلة بالرقم الواحد (1) رمز الأحدية وبالحرف الملك (ألف) تصديقا لقوله تعالى: {قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ (1) اللَّهُ الصَّمَدُ (2) لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ (3) وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ (4)} فوقع الاحتراق ومنه تولد عنصر النار وعنه تبخّرت الغازات الطيّارة فكوّنت دائرة أصبحت النقطة مركزها وتشكل حرْف النون وأقسم الله عز علاه بهذا الحدث وقال:{ن وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ} فسالت النقطة وصارت ألفاً وصار الألف قلماً يُسطّر كلمات الله الأزلية ومن أبخرة دائرة النقطة والنون تكوّنَ الماءُ والهواءُ أو ما يسمّيه أهل الفيزياء بعُنصر الخلق والتخلق. وتلتهُ بعد ذلك النّار ثم التراب فاكتملت لهذا كله دائرة الرمز السرّي للخلق والجمال الإلهي، فتعرّف الله إلى حقيقة نفسه واحتفظ بحقيقة معرفتِه لهُ وحده لا يشاركه فيها أحد.

3)    لون غيوم الشتاء البعيد

الشّتاء هو ربيع  والرّبيع إذا بعُد صَار لهُ طعمُ الذكرى والذكرى إذا كانت نديّة بالغيم الحابل بالمطر وخضراء بلون المَحبّة وحمراء بلون العشق والحياة صارت دالة على الطفولة  طفولة الشاعر وطفولة الكون باعتباره جزءاً من قلب الشّاعر العَارف. وليستْ هذه هي المرّة الأولى التي يتحدّث فيها أديب كمال الدّين عن لوْن الشتاء البعيد بل ثمّة قصيدة مغرقة في البعد أيضاً كتبها في أوّل ديوان صدر له وسمّاها (النبي الصغير) وهي التي سيمكن الوصول من خلالها إلى ما يقصده حقا الشاعر بهذا اللون وهذه الصورة. يقول أديب إذن في مقطع منها:
” الشتاءُ نبيّ صغير،
ملعبٌ للزمانِ القديمْ،
لحظةٌ للفراشِ المغطّى بلونِ القصائد  عند اللقاء الأخيرْ.
الشتاءُ نبيّ صغير
أطفأ الضوءَ لكنه عادَ وقت المساء الوحيد
مثل أرجوحة بللتْها الظهيرة.
///
الشتاءُ نبيّ صغيرٌ فلمّي التي صوتها
غابة من زئير البنفسج
صوتها النوم في بركةٍ للطفولة
والتي غادرتْ ليلها مرّةً
فاشترتْ دفتراً سجّلتْ فيه أشجارها
سجّلت فيه شيئاً ونامتْ
مثلما الطفل عند اشتهاء البكاء الأخير.”
المقطع كلّه موزع بين قاموسين رئيسين: قاموس الشتاء بمائه ومطرِه وربيعه (البركة / الضوء / الفراش / غابة / البنفسج / الأشجار)، وقاموس الطفولة (صغير / ملعب / الزمان القديم / أرجوحة / للطفولة / الطفل عند اشتهاء البكاء الأخير) وهذا مايمكن تسجيده عبر التخطيط التالي:

البحر
تمّ الانطلاق من عنصر البحر باعتباره المكان
الذي انصهرت فيه النقطة وصعدت منه الأبخرة التي
صارت غيوما وأمطارا أستوائية ثم شتاء بلون الربيع والطفولة

الغيمة                    +                المطر

غابة+أشجار+بنفسج
+
الأرض
(لم يتم ذكر اسم الأرض لكنه
عنصر موجود وإن كان مستترا
فلكي توجد الغابة والشجر والبنفسج لابد لهم
من الأرض التي هي جسد الكون
وجسد القصيدة وجسد الشاعر)
=
الطفولة

لا شكّ في أن المشيَ على هذا الحبل الشائك والخاصّ بالطّفولة الكونية وبمراحل التّخليق والخلق الكوني سيؤدي إلى الوصول إلى أخطر المواقف وأشدها وطأة على الشاعر إنه موقف المطر والماء وما يتبعه من غرق بل من أمل في النجاة من هذا الغرق.
يقول أديب كمال الدّين في ديوان (مواقف الألف) :
“أوقَفَني في موقفِ الماء
وقال: قِفْ على الماء.
فقد جعلتُ من الماءِ كلَّ شيءٍ حَيّ.
فَوقفتُ.”
هذا المقطع قائم على سورة قرآنية هي المفتاح الأكبر لآية الخلق والتخليق برمّته، وهي لها صلة وطيدة بما سبق شرحه عن لون غروب الشمس وسط البحر وما تلاها بعد ذلك من تفاعلات كيميائية أدت إلى حدوث المطر الأستوائي. فأديب كمال الدّين منذ بداية قصيدة “الكثير من الصور” ومرورا بقصائد أخرى تصبّ في القصيدة نفسها محطّ الدرس وصولاً إلى نصّ “موقف الماء”، يريد إيصال فكرة علمية عظيمة مفادها أن أولّ الخلق جميعاً هو المَاء تصديقا لقوله تعالى في سورة هود (آية 7): ” وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ “.
لكن يبدو أن صُورة الوقوف على المَاء في هذه الأبيات، لهَا وقع أكبر وأعظم على نفس المتلقّي من الفكرة العلمية ذاتها، إذ أنها تُؤذن بوقوع خطب خطير وهو “الغرق”، فالمتكلّم هنا يبدو وكأنه في مرحلة الحبْو، فهو يتلقى الأمر التعليمي الإرشادي من اليدِ التي توقفه على المَاء ثم تحيطه بالعناية الكاملة حتى نهاية السّفر المائي. قد يتبادر إلى ذهن المتلقّي بأنّ في الأمْر مبالغة أو محاولة للتشبه أو التماهي مع من وقفوا أو مشوا على المَاء من الأنبياء والقديسين، كالنبي عيسى (ع)، إلا أنّ أديب كمال الدّين أظهر في أكثر من نصّ بأنه غير مشغول بالتشبه بأحد ولا بالتماهي مع أحد فقد أقفل باب النفس عن كلّ مظهر من مظاهر الغرور والتفاخر، والدليل على ذلك المقطع الشعري نفسه، فهو قال: “أوقفني” أي أنه لم يقف لوحده على الماء.
ويكمل ويقول في قصيدته:
“ثُمَّ قال: امشِ. فمشيتُ.
مشيتُ حتّى الخطوة الثانية
وفي الثالثةِ غرقتُ.
فمدَّ لي يداً من نور”
الموقفُ في ظاهره موقف ماء، لكنه في باطنه موقف جنيني يُفصّل مراحلَ التكوين بدءاً من التّلقيح إلى التخصيب داخل رحم الكون، وصولاً إلى الغرق وسط ماء الكون، هذا الغرق الذي حدث لأن العارف اكتفى في بداية الطريق بالسلوك والعبادة والمجاهدة كلوح تُرجى من وراء ركوبه السّلامة، لكن هذا لا يعني أنّ من شروط النّجاة ترك العبادة، بل المُراد هو أن يُترك اعتبارها من القلب، لأن في ذكرها منّة على الله تعالى، ولأن المُعوّل عليه يجبُ أن يكون المُسبّب (يدا من نور) لا السّبب.
ثم يقول:
“فقال: انجُ. فنجوتُ.
وفي الخطوةِ الأربعين زُلزِلتُ
حتّى عبرَ جسدي بحرَ الظلمات
قِطَعاً قِطَعاً.
وصارتْ كلُّ واحدةٍ فوق جزيرة
فدعاهنّ فجئن
على هيئةِ طائر
ثُمَّ على هيئةِ طفل
ثُمَّ على هيئةِ إنسان.
ثُمَّ فتحَ لي باباً وسط الماء
وقال هذا باب النجاة.”
في هذا المقطع يبدو وكأنّ المتلقّي أمام خليل الله إبراهيم (ع). أو بتعبير أصح أمام تجربة إحياء الموتى بعد واقعة الغرق. ويبدو الشاعر وكأنه أحد تلك الطيور الأربعة التي صرّها إبراهيم إليه ثم أرسلها إلى الجبل ثم دعاها إليه فعادت حية تُرزق، فتحقّق له كما تحقّق للشاعر فعل الإحياء وفعل التّخليق بكل مراحله من الطفولة حتى الوُصول إلى صورة الإنسان الكامل.
ثم يختم القصيدة ويقول:
“فانزعْ عنكَ كلَّ حرفٍ إلا حرفي
وكلَّ نقطةٍ إلا نقطة نوني.
واخرجْ فإنّكَ عريان
خُلِق الساعةَ كي يمشي فوق الماء.
لن تغرق بعد الآن.
فافرحْ لأنّي جعلتُ الماء
يتبعُ خطواتكَ أنت
ويمشي بإشارةِ قلبِكَ أنت،
قلبك الذي هو قلب الماء.”
لا حرفَ إذن إلا الألف ولا نقطة إلا النّقطة المحمدية، ولا ماءَ إلا حليب الكاف والنون، ولا لونَ إلا لون نور الشمس الذي هو قلبُ الشّاعر العارف بل قلب الماء (وهو اللون الذي أشار إليه الشاعر حينما حدّد مختلف ألوان صوره، لذا فسيُتجنّبُ التطرق إليه فيما سيأتي من التحليل تفاديا للتكرار والإطناب في القول). لكن ما للشعر والماء في قصائد أديب كمال الدّين؟
يتعلق الأمر بمفهوم “العارف الطفل”، الذي يعشق الكون (الأمّ)، قبل أن يعرفهُ ويراه، لذا تجد الشاعر يصفُ بحماس هذا الكون ويُظهر تجاهه فضولاً دائم التجدّد، وهو شعور لا يمْكنُ أن يوصف إلاّ “بالبَنَويّ”  وهذا هو السّبب الرئيس الكامن وراء كون قصائد الشّاعر هي قصائد سائلة بامتياز، تنطلق في سيلانها هذا من قوة إسقاط الخيَال أو من القوّة التي تستولي على كلّ الصّور التي اختارها الشّاعر كي تضعها في المنظور البشري الأكثر نقاء: منظور الأمومة، ولعلّ هذا فيه تعويضٌ لغيابٍ أليمٍ عن طريق إعطاء صفة اللاّمحدودية لصُور البحْر حتّى يجْعل منهُ استعارةً جديدة للحُبّ القديم الذي يحمله كلّ إنسان في قلبه: الحُبّ الأمُومي .
إذن كلّ ماهو سائل في نصوص أديب كمال الدّين هُو في الأصل ماء وإن كان ثلجاً، أو موجاً، أو كان بلوْن الدّم أو العسل الأسْود، ولعلّ هذا ما يُعطي للنّص هذه القوّة الخارقة القادرة على التجدّد والتخلّق باستمرار.
وهذا ما يبدُو جلياً من خلال الرسم الكرافيكي التالي، والذي يُحاولُ أن يسلّط الضوءَ على عُنصر السيلان الذي تعوم فيه قصائد أديب كمال الدّين :

الصورة رقم 1
النتيجة تفوق كلّ تصور وخيال: لقد تساوى الماء والمطر (248) والبحر (248) في نصوص الشاعر وتبعه تدفق الدّم (219) ثم الدّمع (188)، وهذه حقيقة تقودُ مباشرة إلى أوّل لون تحدث عنه أديب كمال الدّين في قصيدته “الكثير من الصور”: لون الغروب عند البحر. إذن فالشاعر يُقدّم صورة البحر الكوني ليس فقط بشكل شاعري وأدبي وإنما بشكل فيزيائي أيضاً، ولا يحرمُه أبداً من عنصر الضّوء والنّور وذلك حتى يمكّن المتلقّي من رؤية ما لا يُرى بالعين المجرّدة أو من رؤية المُكوّنات التي يتمظْهرُ الخيالُ الماديّ منْ خلالها، لذا فإنّ صورة الماء والشّمس الحاضرة التي تذوب وتصيرُ دماً وسط البحْر في كلّ الدواوين هي صورة مادة صافية تحتضنُ كل عناصر الخلق والتخليق بشكل يجعلُ منك ومني ـ أيها القارئ الكريم ـ مُشاهداً يستحمُّ وسط النّورِ بانتشاء فيزيائي، لأن هذا يُذكّرك ويذكرني بقديم رغد العيش وبعذوبة الغذاء الأوّل حينما كُنّا أنت وأنا مجرّدَ ذرات دسمة تفتح فمها كي تمتصّ في كسل نسغ الحياة وسط مشيمة الكون الأكبر.
4)    لون ظلال النساء

الماء المتدفق نهراً أو موجاً، دماً أو دمعاً، عسلاً أو خمراً بكلّ هذا الإحساس البَنويّ الهائل كان لابدّ له كي يصبح أكثر جمالا وعذوبة وسحرا من حضور عُنصر “المرأة” أو “الأنثى”، فحضور “لون النساء” إذن وإن كان مجرّد ظلّ، هو ضروري، وإلا لكانت كل الألوان قد غرقت في مللها الفيزيائي والفلسفي والوجودي. فالمرأة هي نقطة الروح وهي كأس الحبّ المقدّسة ولولاها لكان ماءُ الكون هذا مليئاً بالضجر بدلا من السّعادة والمسرّة، ولولاها “لضاع المعلم والمعلّم وضاع السرّ وحامل السرّ وكاشف السرّ.” . هي وحدها عبارة “ظلال النساء”، أضْفت الحياة على هذا البحْر العظيم الذي غرقت فيه أو سقطت وذابت فيه النقطة أو الشمس، فالنساء حينما سكنّه حوّلنه إلى كون مليئ بالحياة والرغبة والجمال والحُلم وبالموت أيضاً. لكن لماذا كلمة “ظلال”؟ إنها مسافة تفصلُ الشاعر وتبعدُه عن المرأة مادام الظلّ شيئاً بعيداً في الذاكرة، أو حضوراً استدعائياً لشيء مُغرق في الغياب عبر الظل وليس عبر المادّة الجسدية نفسها. الجوابُ عن هذا السؤال قد يكون هنا، في هذه الكلمات:  “المرأة لوحدها هي التي تستطيع أن تكسر حاجز الملل، لكنّها عند الشاعر تستطيع أيضاً أن تكسر حاجز الصّوت أيضاً! وهي تستطيع أن تصبّ في روحه الفرحَ صبّاً مثلما تستطيع أن تكسر له زجاج روحه ليبقى ملتاعاً حتى النفس الأخير. هذه هي الأنثى: جسد ورماد، قصور وخرائب، حياة وفناء.
أما عن الانسجام بيني وبين الأنثى، فأنا آخر مَن يحق له الحديث عن هذا الانسجام! لأنه انسجام لا وجود له من قريب ولا من بعيد! ربما يكون الحديث عن علاقة الارتباك مع الأنثى أو التضاد هو الأدق. وسترى أن قصائدي تكافحُ من أجل أن يسود بيني وبين الأنثى، بأشكالها المعقدة وبأسمائها المختلفة، نوع من السّلام الداخلي، حتى وإن كان سلاماً بالاسم فقط”
يبدو أن رحلة الشاعر مع الصور والذكريات الكونية في نص “الكثير من الصور” قد وصلت إلى محطتها الأخيرة لذا تراه يختمها بهذا المقطع الموجز في الدقة ويقول:
“أما أنا فسأموتُ دون أنْ أكتب
قصيدتي التي أقولُ فيها الحقيقةَ عاريةً
دون صور،
دون صورٍ من أيِّ نوعٍ كان!”
إنّ ما قاله الشاعر هنا هو عين الصدق، فهو لم يكتب أي نصّ يقول فيه الحقيقة عارية من الصور أو الألوان، ولربّما لن يفعل ذلك أبداً، ولو فعل فإن كلامه لن يكون لا فنّاً ولا أدباً. وهذا أمر قد انتبه إليه منذ أوّل ديوان له، فهو أكثر العارفين بما تتوق إليه النفس الإنسانية بشكل عام ونفس المتلقّي بشكل خاص، باعتبارها تنفُر بطبيعتها من الصّور التقريرية الفجّة والقاسية، وتميلُ إلى الصّور المجازية المزخرفة بشتى ألوان الإبداع. ولربّما هذا ما يجعلها لا تنتظر من شاعرها سوى أن يُعيد لها بقصائده ونصوصه خلق الواقع من جديد وبصور جديدة تفوق الواقع نفسه جمالاً وتأثيراً. لذا تجدُ أديب كمال الدّين قد بلغ في التعبير عن جمالية محبّته للمتلقّي مبلغاً عظيماً لدرجة أنه صاغ له، إضافة إلى تجربته الفذة في التقاط الصور، طريقةً جديدةً في عرض نوع خاص من صور أخرى اعتمد فيه أسلوبَ التعري من كلّ أثر صوري أو لوني: ويقصدُ بهذا النوع من الصور، صورة حرف خاصّ وشريف، سيتم التعرف عليه في الآتي من الأسطر.

هوامش :

[1]  عبد الرؤوف برجاوي، فصول في علم الجمال، دار الآفاق الجديدة، بيروت 1981، ص 105.

2-  أبو يزيد البسطامي، المجموعة الصوفية الكاملة، تحقيق وتقديم: قاسم محمد عباس، دار المدى، دمشق 2004، ص 48.

3- أديب كمال الدّين، نون، مطبعة الجاحظ، ط1، بغداد 1993 ص 64.

4-  صحيح: أخرجه مسلم (91) في الإيمان، باب: تحريم الكبر وبيانه، من حديث ابن مسعود ـ ض ـ وقد أخرجه أبو أمامة وابن عمر، وجابر، وأبوسعيد، كما في صحيح الجامع (1741 – 1743).

5-  عماد زكي البارودي، أسماء الله وصفاته العليا من كتاب ابن قيم، المكتبة التوفيقية، ط1، القاهرة 2000، ص 141.

6- رواه مسلم في باب قوله عليه الصلاة والسلام:”إن الله لا ينام”. رقم الحديث (189).

7-  القرآن الكريم، سورة النور، آية 35.

  8-الدراسة النقدية المعنية بالأمر في هذا المقام هي التي وسمتها الناقدة بالصّورة الفنّيّة عند شكسبير وما تنبئنا به (Shakespeare’s imagery and what it tell us). وقد صدرت سنة 1935 بإنكلترا عن جامعة كامبريدج.

9- وقد تلا هذه الدراسة بحثان على قدر عال من الأهمية: الأول ل “إدوارد آرمسترونج” (Edward Armstrog) وفيه تم التركيز على الخيال باعتباره مرادفا للصورة الفنية وهو الكتاب الموسوم بخيال شكسبير (Shakespeare’s imagination)، أما الثاني فهو ل “وولفجانج كليمن”(Clemen Wolfgang) ويحمل عنوان تطور الصّورة عند شكسبير (The development of Shakespeare’s imagery)، وهي الدّراسة التي قادت الناقد إلى تتبع تطور وظائف الصورة عند “شكسبير” وفقاً للتطور العام لرواياته الدرامية من خلال دراسته للوحدة العضويّة في الأعمال الشكسبيرية

10-  رولان بارث، لذة النّص، ترجمة محمد خي البقاعي، المجلس الأعلى للثقافة 1998، ص 19.

11-  أديب كمال الدّين، أقول الحرف وأعني أصابعي، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان 2011،. ص 65.

[12-  د. عبد الإله الصائغ، “أديب كمال الدّين ومشاغله العتيدة”، من كتاب الحروفي، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت 2007، ص 63ـ 71.

13- انظر قسم حوارات على موقع الشاعر وخاصة الأجزاء التي يتحدث فيها عن بدايات تجربته الحروفية.

14- أديب كمال الدّين، “محاولة في البهجة” من ديوان النقطة، الطبعة الأولى ـ بغداد 1999، الطبعة الثانية ـ عمان ـ بيروت ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر2001 وهي النسخة التي أخذت منها هذه الأبيات. ص 91.

15-  أديب كمال الدّين، (جزء مقتطف من نص “وصول المعنى”)، ديوان أخبار المعنى، دار الشؤون الثقافية العامة، بغداد 1996، ص 79.

16-  من حوار الدكتور شاكر نوري للشاعر: جريدة القدس العربي اللندنية 9 – 10 – 1999

17-  من حوار علي الإسكندري للشاعر: نشر في صحيفة الاتحاد الكردستانية بتاريخ 09/10/2009.

18-  قصيدة “قاف”، من ديوان نون، مطبعة الجاحظ ، بغداد 1993، ص 4.

19-  أديب كمال الدّين، “الحاء والألف” من ديوان أقول الحرف وأعني أصابعي، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان 2011، ص 67.

20- أديب كمال الدّين، مواقف الألف، الدار العربية للعلوم ناشرون- بيروت، لبنان، 2012.

21-  مقتبس ومتصرف فيه، (انظر حوار علي الإسكندري للشاعر: نشر في صحيفة الاتحاد الكردستانية بتاريخ 09/10/2009)

22-  أديب كمال الدّين، “غروب النقطة”، من ديوان شجرة الحروف، دار أزمنة للنشر والتوزيع، عمّان، الأردن 2007، ص 110.

23-   أديب كمال الدّين، “نوم” من ديوان الحرف والغراب، الدار العربية للعلوم ناشرون، بيروت، لبنان 2013 ص 29.

24-  أديب كمال الدّين، “محاولة في دم النقطة” من ديوان النقطة، الطبعة الأولى ـ بغداد 1999، الطبعة الثانية ـ عمان ـ بيروت ـ المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2001 وهي النسخة التي أخذت منها هذه الأبيات. ص 17.

25-  يقول ابن منظور في لسان العرب (باب: ربع): “والشتاء كله ربيع عند العرب من أَجل النَّدى، قال: والمطر عندهم ربيع متى جاء، والجمع أَرْبِعةٌ ورِباعٌ.”

26-  راجع عبارة (باب المدرسة) التي وردت في بداية هذه القصيدة محط الدراسة وعبارة (كان يلتمع أملا كعيد طفل يتيم) من قصيدة “محاولة في البهجة” الواردة داخل متن هذا التحليل نفسه، ثم عبارة (طيور طفولتي) من قصيدة “غروب النقطة”.

27-  تأمل جيدا هذه العبارة، ففيها جواب عمّا تم طرحه من تساؤل حول سبب تطرق الشاعر إلى لون الصور أو لون القصائد التي أصبحت فراشا يسافر نحو النور ويحيا به وفيه.

28-  أديب كمال الدّين، “النبي الصغير”، من ديوان تفاصيل، النجف، مطبعة الغري الحديثة 1976، ص 56.

29-  أديب كمال الدّين، “موقف الماء” من مواقف الألف، الدار العربية للعلوم ناشرون- بيروت، لبنان 2012، ص 69.

Marie Bonaparte, Edgar Poe: Etude psychanqlitique (Paris: Denoël et Steel, 1933), P.30- ].

31-   لتعميق هذا المفهوم الأمومي عند الشعراء عامّة اطّلع أيضاً على على:

Pierre Saintyves, Corpus du folklore des eaux en France et dans les colonies françaises (Paris: E: Nourry, 1934), P.54 32-

33-  لاستخراج نسبة التدفق والجريان المائي في قصائد الشّاعر، تمّ اللجوء إلى عملية حساب كل المصطلحات الدالة على عنصر الماء بكل أشكاله وألوانه وحالاته في كل نصوص الدواوين الشعرية بدءا من ديوان تفاصيل وصولا إلى ديوان مواقف الألف.

34-  من حوار الشاعر أحمد رجب، نُشر في مجلة ريم الالكترونية الثقافية العدد الأول سبتمبر 2006، وكذلك في صحيفة الحقائق اللندنية بتأريخ الأول من أيلول – سبتمبر 2006

35-  مقتطف من حوار: عبد الكريم كيلاني، الشاعر أديب كمال الدّين والحروفية الشعرية، جريدة الزمان اللندنية بتأريخ 30 -11- 2004 العدد 1978.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *