الرئيسية » نقد » ادب » شوقي يوسف بهنام : حجازي سجينا ؛ قراءة نفسية لقصيدة “السجن”

شوقي يوسف بهنام : حجازي سجينا ؛ قراءة نفسية لقصيدة “السجن”

shawki yuosif 4يعد السجن رمزا لأقصى حالات الاقصاء الاجتماعي وتليه عملية الاعدام التي اختلفت المنظورات نحوها من مؤيد إلى معارض . والمسجون في هذه الحالة شخص يعيش حالة النبذ والرفض والإهمال بسبب سلوك ما . والتشريعات القانونية هي التي تجيز هذا السلوك و لا تجيز غيره . فالقانون هو الذي يحدد عقوبة السجن أو العقوبات الأخرى  من دونها . وكلنا يعرف العمل الكبير الذي قام به المفكر الفرنسي ” ميشيل فوكو ” الذي حاول رصد ظاهرة السجن وميلاده في الحضارة الغربية (1) . والشعر العربي الحديث زاخر بالنصوص التي عالجت موضوع السجن . حتى ان الباحث يحتاج لعمل اكاديمي مستقل لرصد هكذا ظاهرة . وطالما تحددنا بقراءة حجازي فلنبق إذن معه فحسب . ولنقرأ قصيدته الموسومة ” السجن ” يقول الشاعر :-
لي ليلة فيه
وكل جيلنا الشهيد
عاش لياليه
فالسجن باب ، ليس عنه من محيد !
(الديوان ، ص 256)
*************************
لا اريد ان اعلق على مفردة ” ليلة ” حتى لا يعتقد المتلقي ان هذه المفردة تقف عند مفهوم ليلة واحدة لا غير . وحتى لا يذهب هذا المتلقي ايضا ان الشاعر إنما بنى خبرته النفسية وتصوراته عنahmad abdulmoati hijazi السجن لكون اكتفى بالقول انه عاش او بقي فيه لمدة ليلة واحدة . ان التاريخ الواقعي الزمني للشاعر هو الذي سيكون الفصل والحكم في ذلك . والشاعر في هذا المقطع يرى في السجن رمزا من رموز النظال . صاحب القضية الحقيقي ينبغي ان يكون من زواره أو مقيميه . المهم هو السجن باب من ابواب المواجهة .. بل وسيلتها وخاتمة مطافها . الشاعر هنا ليس استثناء من هذه القاعدة التي وضعها له ولجيله الشهيد . كم من الشهداء من جيله كان زوارا او مقيمين للسجن ؟؟ . السجن حتمية ضرورية لا بد منها إذن . ولكننا نجد في المقطع الثاني تصورا يتبناه او يرسمه الشاعر لفكرة السجن . ترى ما هي معالم تلك الفكرة . يقول حجازي :-
والسجن ليس دائما سورا ً ، وبابا من حديد
فقد يكون واسعا بلا حدود
كالليل .. كالتيه ِ
نظل نعدو في فيافيه ِ
حتى يصيبنا الهمود ؟
وقد يكون السجن جفنا ً ، قاتم الاهداب ٍ نرخيه
وننطوي تحت الجلود
نجتر حلم العمر في صمت ٍ ، ونخفيه !
(الديوان ، ص 256 -357)
************************
هنا يضعنا الشاعر في مفاهيمه وتصوراته الجديدة التي قد تكون اقسى واشد الما من السجن المتعارف عليه . العالم الذي من حولنا عالم مفتوح لانهاية او بداية له . فكيف يكون هكذا عالم سجن بنظر حجازي ؟؟ الا تستطيع ان تتجول مثلما تشاء او ان تطير مثل الطير او العصفور او النحلة كما تشاء وانى تشاء . ولكنه عندما يكون هذا العالم الواسع الافق مثل الليل او التيه يكون هو السجن بعينة . صحيح ان حر في ان تطير ولكن هل تستطيع الطيران او التجوال في ليل بهيم حالك . لا ضوء يرشدك ولا شمسا تهديك بشعاعها ولا قمرا ينير لك دربك في العالم الذي تعتقد انه بلا اسوار ولا ابواب حديدية . اليس هو السجن بعينه . انت في وطنك ولكنك لا تستطيع ان تنبس ببنت شفة . اليس هذا سجنا او معتقلا او زنزانة عظيمة . وقد يكون السجن جفنا . انك ترى ولا تستطيع ان تقول ما تريد . وتغوص في تجاعيد جلدك المتراخي الواهن .. اجترار الحلم واخفاءه هو أكبر سجن في العالم . الصمت هو بوابتك الكبرى للعالم .. الصمت هو السجن بعينه ايضا . موجود ولكن غائب الحرية وفاقدها وانت طليق في العالم .. تمشي بل تعدو ولكن لا تدري اين سوف يتنهي بك الدرب . في المقطع التالي ينقلنا حجازي الى عالم الجسد الانساني لكي يجول في اسراره . واعني به الساق . يقول الشاعر :-
والساق سجن ، حين لا تقوى على غير القعود
يشدها مكانها .. والقلب ترميه مراميه
لعالم يعطي المنى ، و لا يزيد !
(الديوان ، ص 257)
************************
kh ahmad hijaziينقلنا الباحث اللبناني صاحب معجم الرموز الى عوالم واسرار الساق حيث يقول :-
” الساق ، عضو السير ، رمز الرابطة الاجتماعية . فهي تسمح بالتقارب ، وتحث على الاتصالات ، وتقرب المسافات ، ترتدي أهمية ذات بعد اجتماعي . من هنا ، دلالتها الباطنية كواسطة زواج ، لدى بعض الجماعات ، التي تقربها من الجنس (الحياء) والانف واللسان . تعتبر هذه الاعضاء الاربعة مسؤولة عن التماسك الاجتماعي وعن الخلخلة . هناك تكامل رمزي بين الساق والفخذ (نحو الجنس) ، وبين الساق والقدم (نحو الارض) . الساق رمز القرابة الرحمية والعلاقات الاجتماعية . وهي على غرار الصولجان أو القضيب رمز حيوي : تعني الساق العارية إظهار القوة ، قوة الرجولة ، قوة الأنوثة . أما رفع الساق في وجه آخر ، وهز الرجل أمامه ، فيرمزان إلى التحدي والاهانة ” (2)  .
حجازي يربط في مقطعه هذا بين الساق والقلب . وبين عالم يقهقه بالامنيات . في ما نعتقد ان الساق في هذا المقطع معطل الحركة . لهذا السبب أو ذاك . وفي الوقت ذاته هناك قلب نابض بالحياة يهوى ما يهوى .. يريد .. ما يريد .. يرغب ..ما يرغب . إذن هنا شلل في الجسد يعيق تحقيق ما يصبو اليه القلب . ترى اليس هذا سجنا بادق ما تعنيه المفردة ؟؟ . سوف ينتقل حجازي الى العلاقة مع الآخر . وسوف يرى في فقدان تلك العلاقة او تشوشها او تسطحها او خلخلتها .. الى ظهور مشاعر بان الحياة ما عادت غير سجن لا يطاق . يقول حجازي :-
وان نعيش دون حب ، دون انسان ودود
نغلق أبواب البيوت خلفنا
لأن أرضا لا تضم أهلنا ليست لنا
والوجه ان لم يحتفل بنا ،
بدا مسطحا .. بلا خدود
ضاعت معانيه
فلم يعد فيه
باب يقوده لدفئه البعيد !
(الديوان ، ص 357 – 358)
********************
ينقلنا حجازي في هذه المقطع الى خبرة الحب . وبلغة علم النفس ان ’تحب و تحـِب . ان تكون محبوبا وان تكون قادر منح الحب للآخر . اي خلل في هذه المعادلة … يعني خللا في التواصل مع الغير . حياة من هكذا أو بهكذا كيفية .. تعني البؤس بعينه والشقاء بملئه . افلا يكون يكون إذن هذا النمط من الوجود ضرب من ضروب السجن . الشاعر يشير الى ظاهرة ” صد الوجه ” . وفي المأئور الديني قول يرى ” اياكم وصد الوجه ” . الا يقول ذات المأثور ” ابتسامتك في وجه اخيك صدقة ” ؟؟ . وظاهرة ” صد الوجه ” هي ظاهرة نفسية سلوكية تعبر عن مشاعر الرفض من خلال تقاسيم وإيماءات الامتعاض البادية على تظاريس وجه من الوجوده . كيف تكون حال الانا ، والمعني هنا الشاعر ولا شك ، وهي موجودة وتعيش بين وجوده صادة لها .. رافضة لوجودها حتى !! . وهذا هو الذي يقصده الشاعر عندما يقول ” وجه بلا خدود ” . اي بلا تقاسيم او تعابير دالة على موقف ما . الارض التي يعيش بين جوانحها الشاعر ليست له أو لأهله .. فلمن عساها تكون إذن ؟؟ . الشاعر هنا يعيش ليس فقط ظاهر صد الوجه  بمعناه اليومي بل يعيش الاغتراب وهو في ارضه . اليس هذا هو السجن … بل السجن الاكبر عند الشاعر ؟؟ . بعد هذه المقاطع التي بثها الشاعر في قصيدته هذه والتي طرح بين ثناياها وجهات نظره حول مفهوم السجن .. نراه في المقطع الاخير يعيش حالة من اليأس الشديد إزاء الاشكالية الكبرى في حياته كرجل وليس كمناضل او صاحب قضية . اعني وجود الآخر في حياته اي المرأة التي شكلت هما من همومه العديدة والكثيرة . ها هو يقول مخاطبا اياه .. او اياها :-
من أين آتيه ِ
حبي الوحيد
من أين آتيه ِ
والليل يغلق الحدود !
(الديوان ، ص 258)
******************
ضاقت السبل لدى الشاعر .. ضاعت كل الامنيات .. اختفت تباشير الامل في حياته .. حتى خطواته ما عادت تلك الخطوات التي كان يتكأ عليها وهو في بواكير شبابه .. خطوات ضيعها التعب وضيعتها السنون .. وجعلها شاردة في هذه الارض .. لا طريق يسير على هديه الشاعر .. لا ضوء يتبع خطاه .. فمدينته معتمة الليل .. ودنياه محض ظلام والليل قد غلق الحدود بين وبين ذلك الحبيب الذي بقي اسيرا في الوطن الاخر .. وشاعرنا لم يعد سجينا لليلة واحدة بل صار سجين الدهر كله بل السجين الاكبر في هذا العالم .. بل في هذا الوجود بأسره !! .

الهوامش :-
1- فوكو ، ميشيل ، 1990 المراقبة والمعاقبة ، (ولادة السجن )  ، ترجمة : د. علي مقلد ، مركز الانماء القومي ، بيروت ، لبنان ، ط1 .
2- د. خليل ، احمد خليل ، 1995 ، معجم الرموز ، دار الفكر اللبناني ، بيروت ، لبنان ، ط1 ، ص 86 -87 .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *