د. فاروق أوهان : مراثي بني غامد وزهران (رواية بأسلوب التداعي والتخاطر) (2)

2farooq aqhan   8

خرج بُراق من غرفة مرسمه بعد أن سمع طرقاً على بابه، فوجد أحمد عبد الرحمن ابن الكافي معاون المديـر بانتظاره، بعد أن قد قام بتفتيش الطـلاب، والإشراف على إدخالهم إلى صفوفهم فوقف يحييه قائلاً: هل سمعت يا أستاذ؟
فأجاب بُراق مسـتفهماً بـبرود أثقـل، كوجه معاون المديـر الثلجي: نعم؟
حاول بُراق تعمد الإجابة على قدر السؤال، دون الخوض في بواطن الأمور، تحاشياً لما قد يجره إلى نقاش غـير مسـتحب. فحاول أن يبقى على الحواشي، يجيب حسبما يرى الشخص فقال معاون المدير: إنه مجنون.
قال بُراق بصراحة، بعد أن تأكد له أن الدخول في صلب الموضوع شيء لا يخشاه:  إنه عاقل، وأعقل من الكثيرين.
أراد بُراق أن يخبره هذا بأصل المشكلة بين الزوج والقتيلة، لكنه تذكر قراره في لا جدوى الإفصاح، والإعلان. وقاطعه معاون المدير دون استِئْذان. كأنه يريد أن يفرغ كل المعلومات التي التقطها دفعة واحدة، دون الخوض في تفسير أو تأويل، أو نقاش حول الموضوع. وكأن الحكاية لها وجه واحد، وأنه ليس سوى مبعوث في مهمة خاصة جداً. أو مكلف بحالة إخبارية معينة. أكثر من الواجب المقدس. يقوم بتوصيل مهمته. خشية أن يبقى أحد دون علم بالقضية، وكما يريدون له أن يبثها، وهي تعميم حالة العقدة السحرية، والعجز الجنسي الذي تسببه.
المعاون: إنها مشكلة حقاً. لقد رمى نفسه في البئر. وأعتقد أنه قد مات الآن. إذ لا يمكن لإنسان يسقط من ذلك العلو، دون أن تتهشـم أطرافه. فلا يقوى على السباحة. هل تعتقد أنـه يقـاوم السباحة لساعات؟ حتى لو كان صحيح الجسم؟ نعم، نعم لقد مات. وهذا شيء أكيد. لأن ملابسه قد وجدت طافية على وجه الماء.
اقتنص بُراق فرصة انقطاع أنفاس معاون المدير، وسأل بسرعة: وكيف رمى نفسه في البئر؟
فرح معاون المدير لهذا السـؤال، لأنه أولاً أعطـاه مجـال لاسـتعادة أنفاسه. وثانياً لأنه وجد بُراق يعيره انتباهاً خاصاً في سؤاله لأول مرة. لم يعتده من قبل. وهذه فرصة لا يمكن أن يفوتها أبداً، لكي يقوم بسرد بقية ما سمع. وما يمكن أن يتصوره مفيداً لكي يضيفه كابتكار خاص به لأجزاء القصة المتداولة الآن. فتصبح مجموعة الحوادث مبنية كرواية ينسجها خياله. وربما هي إضافة لما أضافه الرواة قبله. إذ من غير المستبعد أن تكون هذه الحكاية، قد تناقلتها عشرات الألسن. حتى وصلت إليه. وليس أغرب لو أضاف من نقل له. أو من نقل لمن نقل له أجزاء يريدها. أو يعتقد صواب حدوثها، فلماذا لا يكون له هو الآخر دوره. فقال منتشياً: في الحقيقة والواقع، إن عاثر بن مساعد عطية الهامي، المعروف بالهيمان.
بُراق: من عاثر هذا؟
حاول المعاون التأثير على بُراق باسـتخدام اللقـب الذي يكنيه به ابن عيظة فقط وهي عبد الحق: الجاني يا أستاذ عبـد الحق الجاني. نعم، kh farooq  4ولكن أرجوك لا تقاطعني، ودعني أنتهي بسرعة فلدي، أعمال في الإدارة. أين كنت يا أستاذ عبد الحق.
بُراق: عفواً .. عفواً . في الإدارة قبل أن تأتي على ما أعتقد.
المعاون: لا، لا، .. في القصة، في الكلام.
بُراق: لم تبدأ بعد، يا سيد أحمد.
المعاون: حسناً، حسناً، في الحقيقة أن عاثر بعد أن ذبح زوجته مريم.
لم يقاوم بُراق الرغبة في مقاطعته، فسأله باستئذان كأنه تلميذ يطلب الخروج عاجلاً لقضاء حاجته: عفواً، هذه المقاطعة فقـط. إذن اسم القتيلة هو مريم؟ يا للأسف.
وقال معاون المدير محتجاً: ما هذا يا أستاذ عبد الحق. كل هذه المقاطعة لكي تعَبر عن أسفك؟ بالله لا تفسد علي هذه المتعة. أين كنت، هه نعم، نعم إن عاثر بعد أن ذبح زوجته مريم أراد الهروب من أهل قرية الرأس الذين تتبعوا أثره. ولما أحس بهم، التجأ إلى البئر التي يعرف مكانها جيداً. لأنه راعي ماعز، وهذه بئر مهجورة لا يعرفها إلا القليلين غيره.
قال بُراق: ربما كان ينوي الهرب، وليس الانتحار؟
قال معاون المدير مستبقاً الكلام، مؤكداً فهمه: إنها نفس الفكرة التي راودتني، لكنه عندما رأى الجماعـة مقبلين عليه عجل برمي نفسه في البئر، متخلصاً من العذاب الذي سيلحقه.
قال بُراق بعد أن وجد أن لا جديد وراء كلام معاون المدير،  وأن كل الهالة التي وضعها أحمد الكافي حول موضوعه؛؛ لا تعدو عن خبر واحد أضاف إليه تعابيره، وإشارات من يديه، وفمه وعينيه. وكأن بُراق هو الآخر أحس بأن معاون المديـر هذا ينتظر أن يخـتم بُراق الموضوع لينقذه بعد أن وعى الاثنان حقيقة الموقف تجاه بعضهما: دمه في رقابهم.
المديـر ينـادي عليه: الله يرحمهما. أرجوك تأخرت، إلى اللقاء.
ودخل أحمد الكافي مسرعاً إلى غرفة الإدارة، فسمع بُراق المدير يؤنبه على إهماله هذه الفترة. ويحاسبه على تأخره، مستفسراً عن المكان الذي كان فيه. فلم يجد معاون المدير بداً من الكذب ليقول للمدير بأنه كان في دورة المياه، لأن لديه مغص حاد، لا يدري ما سببه، ربما من أخبار الحادث، وقد تعمّد أن يدخل موضوع الحادث ضمن سياق حديثه، لعل المدير ينسحب للاستفسار عن آخر التطورات، وينسى محاسـبته، التي لا تتعدى نوع من التسلط، والعنجهينة. وجدها أحمد الكافي فرصة جيدة لكي يبدأ بإعادة الموضوع على أسماع المديـر. وكما اتفقا على نشـر الإشاعة، غير أن ابن قارن الذي يعرف طريقة المعاون جيداً؛ أسكته بلباقة وتخلص من الإعادة، عارفاً بأنه سوف يسمع من ابن الكافي، إعادات لمداخل الموضوع وتطوره، ولن يصل إلى النتيجة إلا بعد أن تنقطع أنفاس كليهما: أحمد من سرعة الكلام، والمدير من الملل لطول الإنصات لموضوع مكرر، ومُعاد دون تطوير وإبداع يُذكـر. لذلك اختصر عليه الطريق بإشارة بإصبعه مرتين. للدلالة على أن المرتين هما اللتين تجاوز فيهما ابن الكافي سرد الحكاية من أولها. وهو ما لا يمكن أن يطيـقه في جلسة واحدة. وبادره ابن قارن مباشـرة للاستفسار عن وقع الإشاعة على مجموعة الناس، الذين وجهه إليهم لكي يبثها بينهم. وما أن سـمع بُراق، صوت المعاون من جديد، يعترف للمديـر عن نجاحاتـه في تصوير الواقع الذي يراد له أن يُعمم، حتى انسحب ضاحكاً في سـره، وقال محدثاً نفسه: إن كلام الكافي هو اقتباس سيء لما توارد لدى المدير بشكل لا يصدقه العقل، فالكافي لا يعدو أكثر عن بوق قديم صدئة إسطوانته، كما أن المدير بترديد أنه لا يطيق سماع الخبر مرتين، حتى ولو كان مفارقة، أو نكتة هو الآخر اقتباس سيء لما يردده بُراق نفسه؛؛ فمن عادة بُراق أنه إذا سمع نكتة لأكثر من مرة، يبتسم، ويقول للجماعة الجالسين بأنه قد سمعها مرتين فقط. وهذا يعني أن النكتة غـير قابلة للسماع من جديد. لأن سماعها أكثر من مرة يكفي لإفسـاد روحيتها، لكن بعضهم يُصر على الإلقاء، خصوصاً صديق الدراسة عادل الذي يلقي النكتة مباشرة بعد راويها، ويُضحك الجميع أكثر من ضحكهم قبل قليل. عادل هذا مفطور على النكتة، فهو يضيف عليها بهاراته الخاصة، كما ساد التعبـير عنه بينهم. وببديهته يضفي أجواء، ومداخل. وأسباب لم تكن عالقة في ذهن الراوي الأول. ولا في تمهيداته.
ولكن ما هذا الذي جاء ابن الكافي ليخبر به المدير، إن أخلاق بُراق لم تسمح له لكـي يبطئ في خطواته وهو يسير إلى غرفته، وإلا لسمع بعض مما يؤكد تخميناته، وما جزم به أمام زملائه مجدي نادر، ومحمد مسعد، ومحمد رياض، ومدني. فقد كان المدير فعلاً قد التفت نهائياً إلى أحمد الكافي، تاركاً، أو ناسياً محاسبته. لكي يستعلم منه عن مصير الدعاية عن مجنون، ودليل قرية الرأس، عن القاتل والقتيلة، عن عاثر، ومريم. عن الدسيسة التي تتعرض لمريم، والحقد على عاثر. كل ذلك كتمه ابن قارن على معاونه، وهو يوجهه ظاناً في سره. أن الناس وحتى معاونه التابع الذليل. نسي ردود أفعال ابن قارن، وهو يرى كيف فضلت مريم الراعي عاثر على ابن قارن، مدير مدرسة نفسه.
قضى بُراق وقتاً طويلاً في غرفة مرسمه، والأسئلة تتناحر في ذهنه منشغلاً أثناء الحـصص العصريـة الباقية. أيقن بناء على المعلومات الواردة، بأن الأمر لا يتعدى عقـدة إجرام متأصلة داخل عاثر. فمن أين له بهذه الحالة؟ طالما يعيش طليقاً مع أغنامه. إن بُراق لا يتصور روح هذا الشاب إلا كروح شاعر، فكثـير من هؤلاء الرعاة يكونون خياليي، ينسجون القصة، والروايات، أو يعزفون على الناي بصوت عذب ساحر، أو يتأملون كثيراً، فتجدهم قليلو الكلام. وعندما يتكلمون يكون كلامهم موجزاً. لكنك تجد لكلامهم ألف معنى، ومعنى لما وراء السطور رغم الاختصار. وقد تصور بُراق شخصية عاثر الهامي، تقترب من الأسطورة. ولم يعرف ما هو الهاجس الذي جعله يحكم منذ البداية بهذا الحكم. عسى الأيام تساعده على صدق هواجسه، أو تقربه من الصورة المناسبة لها. ولكن من أين له في هذا المرتع الخصب للشغب، والادعاءات الباطلة أن يستوضح جلية الأمور، ولا يعتمد إلا على الهواجس.
ولقد تعجب بُراق من طريقة سرد المعاون ابن الكافي للحكاية التي تحملها على عاتقه. كأنها إحدى مهماته السرية التي تكلف بها، وتبنى حتى أكاذيبها. حتى صارت جزء من مصداقيته، ولقد كان سرده لها، وكأنه حاضر كشاهد عيان، ناسياً أن كثير من التعابير تخونه. خصوصاً من حيث التوقيت، والحالـة الشعورية، والدوافع، وردود الأفعال. إن حالة القتل التي يتحدث عنا ابن الكافي قد صارت أكيدة في وقت لا يمكن له أن يتتبع نهاياتها. أو إعادتها كما رواها في المرة السابقة. غرضه في ذلك أن يُسمعها لأي كان، أي أحد مهما كان شكلها، وكيفية إلقائها، أو مداخل حوادثها ونهايات أبطالها، وسوف يمضي وقتًا طويلاً،  حتى يكتشف الأهل والناس الهدف مما رواه الرواة بما فيهم ابن الكافي. وسيكون ذلك من حسن الصدف أيضاً، إنه لمن سـوء الحظ، أو حسـنه أن يظن بعض الناس أنه عندما تُسمع صرخة أحد في بيت ما، لا يميز الجيران من ذلك الصراخ، ولأول وهلة ماهية الحادث، سواء أكان حريقاً، أم قتلاً، أم سرقة. ولا حتى عناصر الحدث أيضاً، ولا شخصوها، لكنهم يحسـون بأنها صوت استغاثة. وقد يمضي وقتاً طويلاً جداً، قبل اكتمال الاستيعاب، مع استمرار الصراخ، وتطوره. فتقوم عناصر الفرد الداخلية بالتباحث عن ماهية مصادر الاستغاثة. وقد يتبرع مَن يقوم بترجمة القضية مع مجموعة رموزه المختزنة. وبالتالي سيقرر العمل على ضـوء الأحـداث المفسّـرة، وهذا الذي يحدث لا يمكن أن تسير أموره بشكل منظم كما نقرأه في القصص، أو الروايات. ومن جهة ثانية فإن حالة عاثر الهامي لا يمكن وصفها الآن قبل الحادث، أو بعده، ما لم تتم مشاهدته عن قرب والحديث معه، إذا ما سُنحت الفرصة إلى ذلك.
هكذا وجد بُراق نفسه سارحاً، لا يقوم بأي عمل، فقد ظلت الفرشاة تدور في مساحة صغيرة واحدة تحت يده، والأصباغ ممزوجة على الباليت في اليد الأخرى. فقام ليعيد كل شيء إلى محله، وتهيأ للخروج من المدرسة، حتى ولو لم ينته الدوام، فقد أراد أن يهرب من هذا الجو المفعم بالدسائس سواء وجدت جريمة قتل، أم لم توجد، فإن حالات كثيرة أقسى من القتل تحدث من حوله، واغتصابات تدور هنا، وهناك لا يميزها الآخرون، إلا عندما يضعون أيديهم في نارها، فيكونوا هُم الآخرون وحدهم، وبلا مسـاعد قـد أحسـوا بـالحريق يلتهمهـم. يتفرج الآخرون عليهم، كما فعلوا هم مـع غـيرهم وكأن الأمر لا يخصهم، أو يعنيهم.
سحب بُراق شهيقاً طويلاً، هو نوع ممزوج من الحسـرة، والضيق لكنه عرف، أن شهيقاً يروح عن النفس آلامها المبرحة، لا يمكن أن يجده إلا في الخلاء، حيث اعتاد الوصول إلى نهايات السفوح المطلة على جبل الهامة البعيد، وما إن خرج من بوابة المدرسة، وتوجه إلى الطريق الضيقة التي تحيطها أشجار اللوز، حتى انفرجت أساريره، وغابت عن نفسه الهموم. وزال الثقل الذي اعتراه إلى درجة الغثيان، الذي يصيبه غالباً عندما يتضايق من منظر مؤلم، أو يُجبر على مشاهدة حادثة لم يتوقعها، كانت هذه الحوادث قد حُفرت عميقاً في ذاكرته لا يود استعادتها، رغم إلحاح الآخر عليه، وإلا لفقد صوابه، وقد ساعده في ذلك الخروج عن طريق هذا الممر الصخري المحفوف بزهور أشـجار اللوز على اجتياز عقباته النفسية، وكأنما صار الممر بوابة شفائه، لأنه يوصله إلى البرية حيث الخلاء، والتقائه بالطبيعة وجهاً لوجه. فالهواء نقي، بكل ما تعنيه الكلمة من معانٍ. وهكذا أنِس لوحدته، ونقاء الجو من حوله. وافترش الأرض تحت شجرة لوز يمرغ وجهه ببقايا عشب ندي، وغط في النوم عميق.
رأى بُراق نفسه أمام المرآة يغسل أسنانه، لكن فرشة الأسـنان تتفتت في فمه، وعندما اسـتعان بالمـاء لتنظيف فمه من شعيرات الفرشاة، بقت الشعيرات في فمه، فيبصقها مرة تلو الأخرى، لكن الشعيرات لا تنتهي، ويظل يبصق الكمية تلو الأخرى ولكن دون جدوى حتى تحولت في نهاية الأمر إلى شعر لم يعد يبصقه فهو نابت في حلقه، ومن أعماقه كما يبدو. بل إنه عندما يمد يده ليقتلع بعض الشعيرات، لا تسعفه، فيستعين بلمقط، ليقتلعها من الجذور. وتذهب يده إلى أقصى حد، فتدخل أحشائه، فيحس بأن ما يجده في الداخل عبارة عن مزرعة من الشـعر تتجاوز بلعومه. ويظل بُراق يلح في التخلص من هذا المصير الذي وصل إليه، وتبدو الحال كأنها أعواماً عديدة قد مضت عليه، فيقرر بأن الأمر يستحق الاستعانة بحلاق، أو حفافة تقتلع هذا الشعر من الأعماق. لكن وجه زوجته المتوفاة، يظهر مكان وجهه في المرآة ،كأنه وجه أمه أيضاً، ويحار في حلمه من كونه متزوج، وهو العازب الباكر حتى الآن، لكنه يستمر في حلمه، ليعرف نهاية قصة زوجته المتوفاة، وأمرها، فتبدأ بتأنيبه مع والدته، بالتناوب على اسـتعانته بالغرباء، وبكلمة الغرباء، يُصار الحلم إلى صيغة الغربة، فيدور حوار زوجته، وأمه عن تعمده الترغب، وتركهما دون أخذ رأيهما على الأقل، وهما الخبيرتان في تنظيف الأعماق من كل البراثن، وتطلب زوجته أن يتبعها فيدخل وراءها في المرآة، وتقفل وراءهما البوابة، بينما لا يحس الآن بوجود أمه، ولا ظلها، وكأنهما قد أصبحتا شخصية واحدة، عندهـا يحس بالاختناق. فتعاتبه زوجته لأنه تركها تنتظر طويلاً حتى اسـتجاب لها أخيراً، فقد ملت من الوقوف وطول الانتظار، وتعبت قدماها. وها قد جاء اليوم الذي يسعدا به معاً لهذا تذهب لتقفـل النافذة الوحيدة الباقية في المرآة؛؛ والتي تصله بالعالم. ومع إقفالهـا يظلـم كل ما حوله ولم ير أي شيء حتى زوجته المتوفاة. وهنا مرّ عاثر بغتة أمام بُراق النائم، فتأمل وجه هذا الشاب العميق التعابير، وتوهم أن الرجل قد مات، فما باله وهو يواجه الموتى أمامه، هاهو بُراق يداعب كلب عاثر، والكلب يركض وراء عاثر وكأنهما يهربان من مصيرهما، وهذا يلملم أغراضه، ليعود إلى مستقره الجديد في البئر النائية، طالما القوم مشغولين بقصة غيابه هو، وبتلك الحكايات التي سوف تنتشر، وتتضخم يوماً بعد يوم حوله، وحول مريم، كما انتشرت الشائعات حول ابنة عمه رمانة، أيام مرضها، فلم يرحموها، ولا ناقتها حتى نشفا، وماتا سوية، ماتت رمانة بعلتها، وماتت ناقتها كمداً عليها رغم أدوية الدكتور الملقب بالقرش، ابن كركريان.
ظل بُراق نائماً مكانه تحت شجرة اللوز ينام نوم الحالم، فبعد أن عم الظلام منتشراً في جوف المرآة. جاءه صوت نـأي عذب هبت على أثره نسمة تحمل معها نسمات أريج من ربيع مزهر بالخزام. ورأى على أثره وجه مريم ينادي كأنه صوت حورية تبحث عن حبيبها، وحظها العاثر، وما تزال تنثر الخزام أينما تحل. فأقتربت من الحالم كأنها تسأله عن حبيبها، وعن مكانه، وتعاتبه على تركها مسجية وحدها منذ ليلة أمس، مخضبة بدمائها. وتطلب من بُراق أن يتوسط لدى عاثر لكي يخرج من مخبأه، فليس هو بذلك الخائف، ولا المخطئ، وإنما العتاب على القدر. وتذكرها  بُراق فجأة، بل وعرفها، فهي تلك الراعية الجميلة التي طالما تصادفها تلهو، وتركض بين الروابي وراء خروف شارد، وكلبها يلاطفها بالدوران حولها، بل ويعمد مرات في سبيل إغاظتها إلى عض الخروف لأنها انصرفت بانتباهها عنه، هو الكلب الذي يدافع عنها، ويحميها. لكنها سرعان ما تقوم برميه بحجارة قريبة منها. فيتراجع مغموماً حتى تعود لتصالحه، وتلاطفه. ويقـترب وجه مريم من حافة المرآة بشكل يجعل إطارها لا يستوعب إلا شفاهها، ترجوه أن يبحث عن عاثر، ليرسله إليها لأنها قد استوحشته. وإنها تخاف دبيب الأرض من أن يُفسد الكحل في عينيها، وُتسر لبُراق أخيراً بكلام غامض، خال بُراق، أنها تدله على المكان الذي يختفي فيه حبيبها، لكنه عندما أراد الاستيضاح ماداً يده ليلامس خدها، طارت كفراشة وقد تركت وراءها بقايا الخزام لكي يعطر المكان برائحته الزكية، وتذكر أن نسمة أخرى مرّت عليه، وهو في مكانه هنا، ولكن خارج الحلم، إن روح مريم تسري هنا في هذه الأجواء لتلحق بحبيبها الهائم عاثر، لعلهما يعيشان بروحيهما في جسد واحد الآن، فعاثر يتبع روح مريم، وروح مريم تتبع جسد عاثر، وتخاف عليه من نسمات الهواء مهما كانت عليلة، ورقيقة.

3

خرج يوسف رزق الله من المدرسة مجتازاً البوابة الخارجية لها متوجهاً إلى الدار، وقد انتهت الحصص كلها، ولم يبق إلا طـلاب السـنة المنتهية كان قد أعد لهم حصة إضافية. عندها زاحمته الأسئلة فبدأت تتناحر في ذهنه. لكنه انشغل عنها عندما رأى مجموعة من أطفال يلتفون حول بعضهـم على غير عادتهم. تصورهم يلعبون، لعبة خاصة بهم، لكن الأمر لم يكن كذلك فالكل يحوطون إبراهيم عوض، من قرية الكتف القريبة جداً من بلدة الصدر يتكلم وهم منصتون، ساهمون، لا شيء يعوقهم غير سماع ما يرويه إبراهيم. وبدا على بعضهم الخوف، خصوصاً وأنهم آخر التلاميذ الباقين هنا، وقد جذبهم الفضول، والفزع، والمغامرة . لكن أكثر ما جذبهم هو أسلوب إبراهيم في الرواية؛ كما عرفوه في الصف. حديثه فيه نوع من التشويق، وبعض من التأليف الشخصي، بقصد إبراز الدور المميز له أو لأهله، ورثه ربما من جدته. أو جده. وهاهو يوسف يتوقف ليسمع من حديث إبراهيم لصغار مثله، افتعل حجة انشغاله في معاينة أحد أنواع الأعشاب البرية، وكان إبراهيم وقتها ينتظر أخاه خليل الذي بقي مع طـلاب الحصة الإضافية، وبقي الآخرون من قريته معه، لكي يسيروا في جماعة إلى قريتهم. خوفاً من أي عارض يحدث لهم في الطريق، خصوصاً وإن الطريق ترابية كثيرة الوعورة، وتكثر فيها الأعشـاب البرية اليابسة. هنا استطاع يوسف أن يسمع صوت إبراهيم، عندما حاذى الرهط، واستند بيده اليسـرى على أحد فروع شجرة لوز مكسور، متظاهراً بفحصه للبراعم في يده اليمنى، وقد أدنى أنفه منها، لا ليشم البرعم الذي يتنفس الولادة، وإنما لكي يشم الأخبار التي يسيل لها لعابه فقال إبراهيم: عندما رآني، قال أدخل، أدخل هناك ذئب قادم.
وهنا انتبه إبراهيم إلى وقوف الأستاذ يوسف قريباً جداً منهم فسكت، ولولا حالة الشغف في سماع بقية الحكاية، حتى ولو كانت مختلقة، أو ملفقة لهرب الكل من أمام الأستاذ، احتراماً، أو خوفاً. أما بوجود الحالة الطارئة فقد تغيرت المواقف بين الفئات، وزالت بعض الحواجز، بوجود موضوع مشترك، ما دام هناك شاغل يلف الجميع فلا يوسف حسب لموقفه، وموقعه الحالي أدنى حساب، ولا التلاميذ انتبهوا لذلك. وبدا على إبراهيم وكأنه يخفي شيئاً يعرفه، ويحرص على عدم البوح به، أو يخشى بالأحرى أن يقال: إن ما ذكره من مبالغات، غالباً ما تكون من تأليفه، فلا يصدقونه، كما هي الحالة في الصف عندما يشـير الأساتذة إلى رواياته الغريبة، على كونها تحتوي على بعض المبالغات غير المعقولة، وفوجئ هذه المرة أيضاً بالأستاذ يوسف ينـبري إليه ليسأله: ماذا تقول يا إبراهيم؟
ولم يجب إبراهيم، ولا مَن حوله، وبقي كافة الأطفال في حيرة من أمرهم، يوزعون أنظارهم بين الأستاذ، وبين زميلهم إبراهيم، ولسـان حالهم ينبئهم بفوات الفرصة على سماع البقية المشوقة مهما كانت . فقد كانوا سيتنافسون مع الكبار في إضافة رواية مكملة لما يرويه الأهل في البيت، حتى ولو كان فيها مبالغات، لكن حضور الأستاذ قد حرمهم من اللذة، والمتعة في سماع أجزاء حكاية إبراهيم الأخرى، رغم أن الكثـير من أجزائها قد سمعوه يوماً بيوم على ألسنة الكبار والصغار.
أما يوسف فقد وجد في إبراهيم، ورهط زملائه معين لمعرفة المتناقضات في رواية الحكاية، وهي فرصته الجيدة لمعرفة بعض الحقائق. فعمد مصراً على التمعن في السؤال، خصوصاً وأنه التقط أجزاء من حوار إبراهيم الأخير، فاستدرجه سائلاً: من قال هناك ذئب؟
إبراهيم: أهه ! ذئب؟
يوسف: أجل ذئب.
إبراهيم: ذئب حقيقي؟ أم ذئب ليلى والذئب؟
تضاحك الرهط على مضض لكلام إبراهيم الذي أسرع القول، وقد انفـرط هاجسه في التحفظ حتى نهايته: ذئب حقيقي، صحيح أنني لم أره، ولكنه ذئب أشار إليه عاثر بشـكل أفزعني، فدخلت الدار، لكنني راقبت من خلف الجدار.
وبينما هرع الصبيان كل إلى وجهته، بقي يوسف مسمراً في المكان، محاولاً تذكر الحكايات، والأساطير الشعبية في وطنه، وهذا ما جعله يسترجع بعض الذكريات حولها، لكن تداعياته ذهبت إلى أقرب أيام تواجده في الوطن قبل الرحيل. فتذكر يوسف لأول مرة قراره في المجيء إلى هنا، فأخرج مفكرته، بدأ باسترجاع ما دونه فيها هنا، عن أيام استعداده للسفر، خفية للملاحقات التي تجري عنه في رام الله، فقد استعاد وهو هنا في بلدة الصدر، مذكرات قبل أشهر من الآن، أي في نهاية تشرين أول 1966: فيقول في دفترته: في هذا اليوم، وقبله بأيام، أعدت أمي حقائبي، بعيداً عن أعين أخوتي الصغار الذين قد يستجوبهم عملاء سلطة الاحتلال، ففي الوقت الذي كانت أمي تضع ملابس قليلة لرحلة مؤقتة، وكأنها تتوقع عودتي بعد أيام، كنت أنا أنظر إليها بأنها حاجياتي التي سترافقني لرحلتي الطويلة، بلا عودة، وعلى الرغم من أن محطتي الأولى تبدأ بعقد سنوي، لعام دراسي سينتهي في حزيران1967، لكنني أعددت نفسي لمراحل في المنافي، سيكون أبدي، حالي كحال كل المهجرين، غصباً، أو طوعاً، وبين توديع بعض من الأهل في الخفية، وقلق الوالدة، والأخت، وبناتها، فقد كان ركوب الباص إلى عمان ليس بالأمر السهل، وهو تدقيق أمر العبور، وعلي في عمان أن أرى ابن خالتي الذي حجز لي موعد للمقابلة مع مندوب وزارة التعليم شبه الجزيرة الكبيرة.
إن الاستقرار على مقعد الطائرة المطاطي المريح، ورؤية سماء عمان، ومن ثم نهر الأردن، والغور من نافذة الطائرة كان شيئاً مذهلاً، وأمراً مأساوياً لا يوصف. فقد بدأت ألوان الأرض بالتغيير والغيوم المعلقة في السماء، ونحن ندخل فيها، وكأننا في مطعم أرضي خطفته برهة من الزمن المسروق.
في إدارة المطار بعد هبوطنا في مطار جدة العاصمة الدبلوماسية، جرى التدقيق، وفحص الحقائب، والكتب، ثم وصلت بسيارة أجرة إلى فندق الشاطئ القريب من ساحل البحر الأحمر، حيث رائحة الأسماك، والماء الأسن، وأول  ما لفت انتباهي هو التوقيت ليس بسبب اختلاف خطوط الطول جغرافياً، وإنما الذي تغيير هو التأريخ، في أسماء الأشهر، وعدد السنين، وكذلك العملة النقدية، فقلت في نفسي علي أن أتأقلم على كل شيء، فالريال ورقة نقدية اتخيلها شيكل مرة، ودينار ثانية، وليرة مرة ثالثة، ريال في المقهى، وفي الفندق، وفي السوق يختلف ليس تصريف العملة، وإنما التصرف، والنظرات، وردود الأفعال، ليس من توجس هنا من بوليس إسرائيلي يلاحقني، لأن الخوف، والظن ما يزالان مزروعان في داخلي، ولكنني بدأت الآن فقط أشم رائحة جديدة، هي رائحة الأهل، والآصحاب، وكأنني أعيش بين أهلي. رغم تأصل الأمور التي تأقلم عليها الفرد، والتي لا بد أن ترافقه من محل إلى آخر، ربما إلى فترة محددة، ففي مقهى الشاطئ الواقع على شاطئ البحر الأحمر، ويديرها الإيطالي ألبرتو انتشرت روائح الطعام المختلفة، والتي توحي وكأن الأمم كلها وصلت فعلاً معي إلى هنا، وبهذا المقهى بالذات ولأن كل شيء مُحضّر، فقد استرعى انتباهي الكريم المثلج التي ندعوها “دوندرمة”، وكأنه هو الآخر مستحضراً، قد وصل للتو بالطائرة الإيطالية، وفي باحة هذا المقهى انتشرت الكراسي، والموائد التي توحي بالأجواء الشرقية، وقد التف حولها الزبائن، وأغلبهم مدرسون من السودان والعراق، وسوريا، ومصر، ولبنان، وأردنيون، وكنت أنا برفقة زملائي الذين سبقوني إلى هنا من الضفة، وبعضهم من غزة، أما أهل البلد فهم ممن يرتدون الزي الوطني الرسمي، وهي دشداشات فضفاضة، ليست كدشاديشنا، أكثر أناقة، وبياض، وبياقات عالية، والأكمام مطوية بعناية خياط ماهر، وغطاء الرأس لا بد أن يكون أحمر، ومن غير عقال في غالب الأحيان.
بدت هذه الأمور مسلية، وغامضة في نفس الوقت، ولكنها تضحكني للغرابة، والمفارقة بين الأمس، واليوم، بين حالي في رامالله، وحالي الآن، وأمر آخر، وهو أنني قد حققت مجازفتي في السفر، والابتعاد عن كل ما هو احتلال، رعم أنه مزروع بداخلي إلى الأبد، ومفاتيح معنوية مغروزة بصدري، لا يمكن أن تضيع، أو يستعملها أحد. ولم يبق لي الآن إلا أن أحصي أيامي الطويلة التي لم يتسن لي أن أعدها، وهي سنين عمري التي قضيتها، وأنا أعاني من تداعيات الاحتلال، وعلي الآن أن أحصي سنين عمري في الغربة، وهي الأخرى معاناة بلا شك.
في المقهى جلست مع زملائي، وأصدقائي الذين استقبلوني، وهم فلسطينيون بالطبع، الرسام أحمد عيطة، الذي وصل قبلي بشهرين، ولولا تأخر معاملتي في الأمن لكنت معه في الدفعة الأولى، ومدرب رياضي تعرفت عليه من غزة، وهو مقيم منذ العام السابق شارك زميل دفعتي نجيب منصور في نفس السكن، فقد أوصوني بأن أسكن معه لو بقيت في جدة.
وجاءت نسمات راكضة إلى وجوهنا مع تداعي الليل، والزمن الذي سيمر مسرعاً، من غير النظر في ساعة اليد، فهنا يعرف الناس الأوقات التقريبة من أصوات المأذن، أكثر مما لدينا.
أما أمر رحيلي إلى الطائف فقد تقرر مسبقاً، بأن يكون بالطائرة هو الآخر، وقد وجدت الناس، بما فيهم المدرسون مكتظين على موظفي الخطوط الجوية، ولأول مرة أرى كرة أرضية كبيرة من نحاس، تدور آلياً داخل المبنى، وقد عُلّمت المواقع التي تزورها الخطوط الجوية الجزيرية في القارات الخمس، وهذا شيء يثير الدهشة، والحيرة معاً مما سمعته عن أن الأرض في إقليمي الحجارة، ومجد ما تزال منبسطة في الأذهان، لا في الواقع.
بعد التجول في الشارع الرئيسي، حيث الأناقة والبهرجة، ومن ثم العبور للسوق الكبير حيث ترى كل شيء من كل الأجناس، ومن أقطار العالم كله، جلست مع وّضاح في مطعم نداء الفروج المشوي المملوك ربما لأميرة لؤلؤية على ما أعتقد، وحسب الشائعات، فهي ابنة إحدى محضيات أحد الأمراء. كانت فعلاً جلسة رائعة، شعرت لأول مرة أنني أجلس على كرسي ملوكي، عندما انحنى المضيّف لي، وهو يسأل عن نوع الطعام، وقبلها عندما انحنى خادم البوابة، وفتح لنا ظلفته لندخل بكل أبهة، ورسمية، فترددت، ونظرت ورائي كأني خلت أن التحية لضيف جليل خلفنا، وعجبت لاحمرار وجنتي الغلام المرتدي للطربوش الفاسي، فعزيت ذلك لشدة احمرار الطربوش، وانعكاسها على وجنتيه القرمزيتين، وكأنه طائر جنة حط هنا لاستقبالنا. أما الأنوار، والموسيقى الحالمة الفرنسية الخافتة، وطريقة تقديم الأكل فلم أمارسها في رام الله قط.
ولأني كنت قلقاً على موعد اقلاع الطائرة الباكر ليوم الغد، غادرنا المكان متأسفين، وتأملت في زيارة قريبة في إحدى العطل الطويلة، وفي الصباح نزلت إلى المقهى لأشرب الشاهي الذي رأيته غير ما نشربه نحن، فاتح بلون البرتقال، فنظرت بهدوء إلى نفسي في سماء الوحدة التي أعيشها هنا، وعلي أن أجاري كل المتغيرات، ومنها سماع أصوات الباعة المتجولين التي تختلف كلية عن هتافات باعتنا، وهم في الغالب من حضرموت، وعدن على ما سمعت من النادل.
وصلت المطار مع شخص يدعى عبد الصمد، وهو مفتش عراقي تعرفت عليه في مقر الخطوط، وأوعز إلي بأنه متوجه إلى بلاد زهران، فتعجبت من الاسم، وقلت له: ألست مغادراً إلى العاصمة الشتوية، فقال عبد الصمد: إن وجهته أبعد بكثير، في وسط جبال الحجارة أقرب للجنوب منها للشمال، وأنا سوف أعمل هناك بوظيفة مفتش لغة عربية، للمدارس الإبتدائية، وما اختصاصك؟
فقلت: أنا مدرس جغرافيا،
فسأل عبد الصمد: ولماذا لم تعمل في بلدك، أقصد رامالله،
قلت: حسناً أنت قلتها، في رام الله محددة وظائف التدريس، أنا تخرجت في جامعة دمشق، وفي الضفة لا يسمحون لنا أن ندّرس، لكي لا نفسد عقول الطلاب، كما يدعون، الأمور معقدة جداً، دعها لحين نستقر.
وبين المجاملات، والتعارف الجديد، حيث الأسئلة تدور فقط عن موعد اقلاع الطائرة، إلى السؤال عن البلد، والبلد الأم، قال أنه كردي من قضاء العمادية، مدرّس في ثانويتها، ولأنني أسمع لأول مرة بهذه الأسماء، سكت.
كانت الوجبة التي تناولناها في الجو، وجبة صباحية، على أزيز الطائرة المضجر، الذي يشبه نوعاً ما أزيز سيارة لوري قديمة، أو سيارة مازوت متنقلة، لأن الطائرة من نوع داكوتا القديم، هذا ما عرفته لاحقاً. فقد فكرت: إن الانتقال إلى جو الصحراء المحروق بالغبار، والانتقال من سماء جدة الشديد الرطوبة يعكر المزاج، ويخلق حالة من التوتر، خاصة، وإنني أتحضر لمقابلة جديدة مصيرية لتحديد مستوى المدرسة التي سأنظم إليها، غير أن منظر البحر أسرني من السماء، وعن قرب أذهلني بعمق ألوانه، وسكونه، ففوق سطحه تلمع حبات الماء مع نور العصر والمغرب، والبيوت كعلب الكارتون، وبعد أن استقرت الطائرة في الجو أحسستها كبيت يلبسني، ولم أعد مندهشاً كما حصل معي في رحلة عمان إلى العاصمة جدة، خصوصاً وإنها ليس بأكثر من نصف ساعة، قطعنا خلالها بعض من جبال الحجارة، وهبطت الطائرة في سهل بعيد عن العاصمة الشتوية، المدينة، والمطار لا يتعدى محطة قطار صغيرة، له إدارة بيضاء غير مسييجة، يدخلها الذباب من كل جانب.
شعرت وأنا في المحطة، أقصد المطار، وكأنني في طائرة الداكوتا التي اختلفت كلياً عن طائرة عمان، جدة بإنهما ولصغرهما (المطار، والطائرة) لا تعدوان عن معطف مطري ارتديته في رحلتي هذه.
وعندما وصلت حقائبنا بالعجلة اليدوية، في المطار جاء من يجمعنا لنركب معاً في باص خشبي قديم، سيقلنا، لا أدري إلى أين، ولقد رأيت علامات الاستفهام مرسومة على بعض من شابهني في الهدف، من سمات العمر، والهيئة، والأغراض التي يحملها مثلي، ولربما طار فكرهم مثلي إلى أننا سنذهب إلى محجر ليس بسياسي، وإنما لمن جاءوا مؤخراً بعد انتشار مرض الهيضة. لكن سقوط امرأة من على درجة الطائرة، أفزع الكل، كما أرهبني، وصرت أقارن الأمور بين هنا، وبين رام الله، ولم أتأقلم إلا بعد فترة طويلة، وقام زوجها، ومن هو قريب منها بانهاضها، وجرت الأمور بسهولة، في حين أسرع موظف الأمن، وممرض لملاقاتها، والاعتذار لها.
لهذا قررنا أنا وعبد الصمد أن نستأجر تاكسي، فأصر صاحبها بأن يأخذ ثلاثة أضعاف المبلغ المقرر، وهي خمسة وأربعين ريالاً، عوضاً عن خمسة عشر ريال، والمسافة أربعة وعشرين كيلومتراً إلى مركز المدينة.
وعلى أنغام أسطوانات محلية سمعنا لأول مرة صوت مطرب، وملحن رائع، وهو يغني لنا، أغنية ترحيبية باسم المدينة، وكأن السائق يعنيها، وبالالتفات إلى جانبي الطريق مررنا بقرية عصرية، ثم اخترقنا معسكر،، فسمعنا أغنية يا سارية وخبريني، فسألت السائق عن اسم المغني، فأشار إلى اسمه باعتزاز، وشموخ، ألا تعرفه إنه طلال مدّاح.
أما الطريق فكان مسفلتاً، وقد اخترق جبال بركانية مشقوقة بألات حديثة. وفي المدينة أخذت السيارة تجول بنا في ضواحيها، فرأيت قطع إعلان عن فنادق، بعد قطعة الترحيب الشكلية: مرحباً بكم في العاصمة الشتوية.
كان المقرر أن أتجه إلى فندق عرفات الذي يؤمه الأساتذة العراقيين، منهم محمود نصييف مدرس الرسم المتخرج معي من جامعة دمشق، وهو فنان عراقي، ولكن عبد الصمد أراد أن نذهب إلى فندق آخر، ولست أدري لماذا أصر عبد الصمد عليه، ربما لرخص ثمنه، وهو خائف أن تتبعثر نقوده في رحلته الأولى، ولربما لا يوفق في التوظيف، أو ليتخلص من كل ما يمت له بالعراق، بعد أن عرف أن فندق عرفات فيه كثير من العراقيين، ربما لكي لا يتذكر ما جرى له، عند اغتيال زوجته التي دفنها عند سفوح جبال العمادية التي ولدت فيها، وأعاد ابنه الذي تبناه من أخيه إلى والده، وهرب إلى هذه الدنيا، ربما لكي ينسى بابتعاده ما جرى له، حاله كحالي، وآخرين هنا.
ودخلنا الفندق، كان صاحبه يجلس في الصالون، له ذقن طويلة، ويعتمر عمامة بيضاء، وأولاده هم من يدير الفندق معه، ظهر من بعض مفرداته، أنه تعلم العربية عن كبر، فلهجته ملحونة، وفيما بعد عرفت أنه بخاري من سمرقند، وصل مع والديه ليحج أيام الثورة البولشفية، وبقي مع والديه، واستقر في هذه المدينة ليكون قريب من بيتالله كما قال. وبعد التعامل على الأجرة، والتعارف، صعدنا الدرج إلى غرفتنا التي يشغلها سريران مغطيان بأفرشة صوفية رقيقة.
نرلنا لنذهب إلى السوق، وللسؤال عن بعض المعارف الذين أحضرنا لهم رسائل، فتجولنا في السوق الرئيسي، وسألنا عن معهد المعلمين، حيث كان المقرر أن نقابل مسؤولين من مديرية التعليم هناك، وكان عبد الصمد  يسأل عن أحد المدرسين الملقب بالسامرائي.
وصلنا بعد جهد، وطول سؤال من المارة، أخذنا متبرع إلى مديرية تعليم المدينة، وبعدها راجعنا مديرية الجوازات لتسجيل أسمائنا، وتوثيق وجودنا هنا، فقالوا لنا بأننا لا نستطيع تسجيل أسمائنا ما دمنا غير منسبين لمدراسنا، ولما كان عبد الصمد منسب إلى بلدة المطاولة في منطقة الساحة، من بلاد زهران، فعليه أن يسجل في الساحة نفسها، أما أنا فغير معلوم أمري حتى أرى أين هو تنسيبي من خلال قوائم التنسيب في المعهد، وقام الدليل مرة ثانية بعد الاستفسار من رجل يحمل مظلة شمسية، تسير إلى جانبه امرأة ملفوفة بطول من القماش، تحاشينا النظر باتجاهها.
وفي المعهد دخلنا من مدخل مظلم إلى باحة، وصعدنا الدرج، فدلفنا غرفة المدرسين الجدد، المقاولين، فقابلنا المسؤول، وتعارفنا هناك على مدرسين سوريين، وأحد السودانيين الذي أذهلني طوله، وقسوة نظراته، وقد ارتدى الجلباب السوداني الوطني، وتعمم بلفاف أبيض ناصع كثير اللفات، زاد من سمار وجهه شدة بياض اللفاف.
أخذنا أحد المدرسين إلى فندق عرفات أخيراً، وفي الطريق مررنا بسوق الطائف الكبير الذي يحوي على كل المتناقضات، ونحن نرافق المدرس الذي ابتغى شراء الخبز، فهنا نساء تبرز عيونهن فقط، وهن ينفخن جلود الحيوانات المتخذة لأشكال القرب، وفي الطرف الآخر إسكافي يعبث بسكين الجلود، وهو يقطع الصول اليماني، وقد برزت لحيته البخارية، بينما مررنا بمطعم سفري يبيع الفول في قربة كبيرة من الفخار، والمنادي يصرخ، فول، فول، تميز من بين الناداءات الأخيرة، وأصوات المطارق، وفجأة دخلنا إلى زاوية خلت من كل صوت، فاستقبلتنا دكاكين الأقمشة بأطوالها الزاهية، والملابس الجاهزة، والعطور العربية، والبخور الهندية ولأجنبية.
خرجنا من السوق إلى فسحة كبيرة أمام جامع هرع الناس إليه، بعد أن بدأت الدكاكين كلها بإقفال أبوابها مؤقتاً من خلال سحب ستارة عرضية تثبت بالطرف الآخر لباب الدكان، فصوت المنادي لا يمهل، وقد انطلق أكثر من رجل ذو لحية حمراء، وبيده عصا خيزران يتجول في السوق، وينقر على حافة كل دكان بالتوالي، ويسمي الباعة بأسمائهم، ويقول: هيا يا محمد، وأنت يا مصطفى، صلوا يا مسلمين، هداكمالله، صلي يا شيخ، يا صككر أنت وابنك هيا عاجلاً، ودعوا أمور الدنيا جانباً لدقائق، وأنت يا شيخ مبارك هيا للصلاة.
وصلنا فندق عرفات ركضاً قبل أن يتمكن أحدهم من سحبنا من بين ذلك الجمع المتواجد في السوق، والذين سار بعضهم بلا مبالاة مثلنا. وفي الشقة التي أجرها السامرائي، ويبدو أن فندق عرفات فيه غرف، وشقق للإيجار أيضاً، وهنا في هذه الشقة التقيت صديقي نصييف الذي أنهى معي الدراسة في جامعة دمشق كما أشرت، وكان لقاء رائعاً، وكأننا أخوة قد افترقا، والتقيا صدفة، وقد أخبرني نصييف، أنه يدرس في معهد المعلمين، وسوف يسعى لبقائي هنا، ونستعيد زمالتنا كما في دمشق، حين سكنا في حي النجمة ببيت مؤجر للعزاب، ولكي يغيرني، قال نصييف: أتمنى أن نكون سوية، أتعرف أن إمام اليمن يسكن في إحد طوابق الفندق، وله أكثر من شقة لعائلته، وحراسه.
لم انتبه وقتها لما يعنيه، ولكنني تذكرت أن السلال كان قد طرد الإمام، وما تزال الحرب بين الإمامييين، والجمهوريين قائمة، والإمام لاجئ هنا.
عندما راجعت في اليوم التالي مديرية التعليم في اليوم التالي أشاروا إلي بأنني منسب لمدرسة بلدة الصدر في منطقة الساحة من بلاد زهران، ووجدت بعض المدرسين هناك، فقالوا لنا في المديرية علينا أن نستأجر سيارة لذهابنا، ولما كان عبد الصمد بالأصل ذاهب إلى مدينة الساحة نفسها، فلسوف يكون مرافقي للرحلة هو الآخر، قال الموظف: سوف نساعدكم، وندلكم على طريقة السفر، وسوف تتكفلون بدفع الإيجار، وستقوم المديرية في منطقة الساحة التعليمية بإعادة المبلغ لكم.
ولما راجعنا في اليوم التالي، قال الموظف الذي جلس على منضدة عريضة في باحة المديرية الخلفية، وقد التف بكوفية بيضاء، شاربه لا يكاد يرسم علامات الرجولة علي وجهه، وقد تجمهر ثلة من الفراشين حوله، كل يحكي كلام ما، وكأنه المسؤول عن كل الأعمال في المديرية، وجاء آخر بعكاز يسلم على الموظف، ويسألنا من أين أتينا، فعرفنا منه أن اثنان من السودان سوف يذهبون معنا إلى منطقة الساحة، وبهذه الحالة ستوزع الأجرة على كل فرد، وعرفنا أن السائق يطلب خمسمائة ريال، ونحن أربعة، فخمنت أن الأمور سوف تكون مناسبة ما دامت المديرية في مدينة الساحة سوف تعيد الأجرة لنا، فأكد الموظف ما قاله زميله البارحة.
في هذه الأثناء دخل اثنان بجلباب السودان، ومنهم الشاب الطويل، وقد لبسا زيهم الوطني كانهما يحضران زفاف ما، بدا زميل الشاب الطويل، أكبر عمراً، ولكنه أكثر نعومة، ومراس في الحياة بانتا من خلال عينيه الجوزيتان الواسعتان، وقال الموظف ها هما زملاء رحلتكما، وقمنا فوراُ بالتعارف، سمى الثاني اسمه إبراهيم، مدرس الرياضة، والأول الطويل عدّل من السترة التي قام ليلبسها فوق جلبابه بأنه مدني الحاج، مدرس الرياضيات، وإنه مسافر معنا إلى مدرسة  بلدة الصدر في منطقة الساحة، مثلي، بينما وجدنا إبراهيم متوجه لمطاولة، وهي نفس وجهة عبد الصمد نفسه، ففرح عبد الصمد لوجود من يرافقه أخيراً. وقد وعدنا الموظف بأنه سيحضر السيارة عصر هذا اليوم، لكي نكون صباح اليوم التالي في مدينة الساحة قبل انتهاء الدوام الرسمي للدوائر، وإلا سوف نضطر للمبيت في الطريق، أو في أي مقهى قذر. لذلك فالأفضل المبيت في الطريق قبل الوصول.
بعد أن عدنا إلى فندق عرفات، ودعت بعض الأصدقاء، جلست في إدارة الفندق التي تقع في الطابق الأول منه أنتظر مع عبد الصمد كل من إبراهيم، ومدني اللذين سيأتيان بالسيارة التي ستقلنا إلى الساحة، لهذا فضلت أن ننزل إلى مدخل الفندق المفتوح، وهو يعلو بعدة درجات عن الطريق، وفجأة ظهر موكب مهيب، لثلة من حرس، يتوسطهم رجل متوسط القامة، له عمامة ملونة من عدة كوفيات، وعلى كتفيه غطاء مطوي ليصبح مثلثاً ثخين، ويرتدي سترة، وزبون، أو تنورة مثل رجال إسكتلندا، مروا أمامنا داخلين، وارتقى الرجل  الدرج لأن شققه في طابق الميزان، ولا أحد يمر عليها من رواد الفندق، ولا منفذ لها غير هذا الدرج، لهذا وقف الحرس بعد أن صعد، وسلموا عليه بعبارات بلكنة لم أتعلمها حتى خالطت بعض اليمانيين، فهمت منها أنه هو الإمام بعينه، كان هادئاً، وقوراً، وكأن لا شيء يحصل في بلاده، بل هو غير مهتم بغير حال أسرته فقط، ويبدو أن السلطات هنا قد سمحت له البقاء على أراضيها، ولكن بشروط، منها الابتعاد عن دوائر الإعلام، والأمور السياسية المحتدمة، ما دامت الأمور قد حسمت لصالح السلال بشكل قطعي. تعجبت وقتها حين انبرى عبد الصمد يهمس في أذني، وكأنه يقدم لي اعترافاته الجان جاكروسية، لعله فكّر أن هذه هي الدقائق الأخيرة نجلس لوحدنا قبل مجيء الباص بركابه من زملائنا في الرحلة، وربما لعام كامل فقال: هذه الحروب الإقليمية، والنزاعات كانت بدعاوى التغيير من الملكية، والأبوية إلى الأنظمة الجمهورية، ولكنها تبدلت إلى أنظمة عسكرية، توتالتارية، وبدساتير مؤقتة، كل جيش في بلد عربي يجري انقلاباً باسم الشعب الذي يستيقظ في الصباح على أزيز الطائرات، وتعلن القوة المسيطرة في بيانها الأول أنها باسم الشعب قد ثارت على الطعمة الحاكمة المستبدة، وبعضها يجيئ باسم حزب شوفيني ليبيد معارضيه، وليس هناك في كل الأحوال استفتاء، أو محاكمات عادلة، كلها محاكم تفتيش عسكرية، وسجون في معسكرات الجيش، أما السلطة المدنية، والسلطة التشريعية، والبرلمانات فمعطلة لحين استتباب الأمور، وزوال المعوقات العربية، والإقليمية فصارت أكثر ملكية، كلهم يعلقون تعطيل الدساتير على شماعة تحرير فلسطين التي أصبحت أفيون الشعوب العربية لكثرة ما رددها الحكام حتى فرغت من معناها، والشعوب العربية تنتظر، فلو كان الأمر بيدها لحسمت الأمر منذ عام 48.
ركبنا السيارة في الساعة العاشرة عصراً، وهو التوقيت الذي كان علي أن أعتاده منذ الآن، وهو ما يقارب الثالثة ظهراً، أو ينيف عنه، أي الثالثة والنصف، وتوجهت بنا السيارة على التو إلى الطريق المؤدي إلى ما يسمى بمنطقة الساحة في بلاد غامد وزهران، التي لم تكن حتى هذا الحين غير مجرد اسم، ورغم أنني مدرس جغرافية، إلا أنني لم أسمع عنها أكثر من معرفتي لبلدتي جيزان، ونجران، المدينتين المتنازع عليهما بين الدولتين الجارتين، والشقيقتين، أثناء الاستيلاء على سنجق مجد، وسنجق الجسد في جبال الحجار، وتبعت المدينتين نهائياً للدولة الشمالية أثناء حروبهم القبلية واستقلال الجزيرة تحت نظام ملكي منذئذ.
وبعد أن انتهت شوارع المدينة المسفلتة، نزلت بنا السيارة، وهي باص خشبي، تئن خشباته مع قرقعة الطريق تحت عجلاته، وها نحن فوق طريق صخري صلد كحافات السكاكين، يجعل السيارة تتحرك، منطنطة، وقافزة بدلاً من المرور، وتندفع يميناً، وشمالاً دون إرادة السائق. وما هي إلا مسافة ساعة حتى تغير الجو من حولنا كلياً، فهربت الشمس أمام ازدحام الغيوم السوداء الكثيفة، وأعتم كل ما حولنا، فانهمر مطر شديد، أسرع من حركة السيارة، وأراد السائق عبد الله أن يجاري سرعة المطر بزيادة سرعته لكنه فشل، واضطر لاستخدام الكوابح لقتل زحزحة الطرق المصخرجة، وتراكم وحول آنية، وفي منحدر، تراجعت السيارة بدلاً أن تتقدم، وبسمل عبدالله، وتعجبنا أنا وعبد الصمد، بينما ارتعب مدني، وإبراهيم لعلها المرة الآولى التي يرون فيه أمطار، وقال مدني: دا شنو يا زول،
وكأنه كان يحدث نفسه، ولم يتكلم عبدالله بل تأفف بنغمة متحسرة، وتوقفت السيارة، وقال السائق بأن الدفرنش قد انكسر، ولم أعلم ساعتذن ما المقصود بالدفرنش. ودون إطالة عدنا بإحدى السيارات العائدة إلى الطائف برفقة السائق تراكين أمتعتنا في العراء، ولم أنس تفكيري الدائم طيلة الفترة، كيف تركت حقيبتي التي تحتوي على كل كنوزي هناك، تحمل كل ما له اتصال بيني وبين أرضي التي ربما لن أراها مجدداً، فيها حفنة تراب من أرض القدس.
عدت مع عبد الصمد إلى الصديق نصييف، واستضافنا في شقته، فنمنا أنا ونصييف تحت غطاء واحد على الأرض، بينما احتلى عبد الصمد سرير نصييف.
وفي الصباح انتظرنا عودة السائق، فوصل بعد العصر بساعة، وكنا في هذا الوقت قد زدنا بشخص سوداني آخر هو بشير الذي وجهته هو الآخر الساحة، وفي شقة نصييف تعرفت على بُراق مدرس الرسم الذي قال نصييف أنه وصل اليوم، وكان قد تأخر في إجراءات مملة في العراق، وكم تمنيت أن أكون من يعرفكما إلى بعض، وقد تحققت أمنيتي على حساب تأخرك يا يوسف، وها أنت الآن قد كسبت صديقاً لرحلة عام دراسي على الأقل.
ركبنا السيارة من جديد، وتأكدت قبل كل شيء من أن حقيبتي لم تكسر أقفالها، ونظر إلي السائق عبدالله، وقال لي: لا تخف، فهنا لا أحد يجرؤ على السرقة، فالسارق، (وأشار إلى يديه) تقطع يديه الاثنتين.
وقتها اعتبرتها مزحمة، حتى شاهدت بأم عين المشهد في سوق الساحة، وبحضرة طبيب المستوصف.
في السيارة، ومع الكلام الكثير ربما لبعثرة فقاعات القلق عن كل منا، من مجهول يترصدنا في الطريق، ومن ثم في اليوم التالي، حتى نستقر في مدرستنا في بلدة الصدر، من أعمال منطقة الساحة، ورغم هذا كان كل كلامنا مجرد تعليقات، وجمل مبتورة.
فجاءة توقف عبد الله بالسيارة، وتبعته فيما بعد سيارات أخرى، أمام سهل منبسط من الرمل الأبيض، سهل عريض بعرض السماء التي أمامنا، ونزل عبدالله، وركع كأنه يؤدي فروض الصلاة، ولكنه وضع أذنه اليمنى على الأرض، وكان وقتها إبراهيم يغني أغنية سودانية، وهي: يا معاين من الشباك لمحمد عثمان، فصرخ عبدالله على غير عادته به ليسكت، ومع الصمت أدار عبدالله أذنه اليسرى لينصت من جديد، وأصاخ السمع طويلاً، ونظرنا إليه بحيرة، وكأننا نقف أمام جيولوجي يختبر التربة ليرى أين مواقع المياه، أو النفط، ولكن الأمر مختلف هنا فكل سيارة كانت تقف، ينزل سائقها، ويمارس نفس العملية، حتى اصطفت سيارات عديدة في نسق عرضي، وكأننا نستعد لاستقبال ضيف مهم قادم لزيارة البلاد، أو كأن هناك سباق خيول، أو هجن، أو رالي سيارات، ولكن كل هذا لم يكن يمت للحقيقة بشيء، فمن خلال حوارات السوّاق المقتطفة، عرفنا لماماً، أن الزائر ليس بزائر عادي، وإنما هو سيل قادم، ومع اتساع الأرض أمامنا، وعمقها يميناً، ويساراً وهي خط السير القاطع لطريق رحلتنا عرضياً، وقفنا مبهورين، غير مصدقين تخريفات السواق، وأوعزنا ذلك لتطير ما، ولكن عبدالله عندما رفع رأسه أخيراً قال: انتظروا السيل بعد دقائق.
وفي ثوان لاحقة، بدأ هديراً قوياً يتصاعد صوته، كأنما شيء يتدرحرج، أو دبيب حشد من الوحوش الضارية تتقدم في أرض بؤر، وتعالى الدبيب حتى صار حالة من الهدير القوي، وفي الأفق من جهة اليمين رأينا ما علوه بنصف قامة يتقدم بزبده، وما يجرفه أمامه كأنه سد من الماء يسير كفوج عسكري قادم إلى المعركة، وودنا الابتعاد لكن السائق طمئننا، بأن حدود السيل ليس عريضة جداً، ونحن نقف على الحافات، ولكن لو جازفت سيارة ومرت أمام تقدم السيل لسوف يجرفها، وفعلاً كانت سيارة “وانيت” بكآب تتقدم لسائق هاوي، أو لم يمر من هنا، فاخترقت السيل، فجرفها أمتاراً عن مسارها، حتى توقفت بسائقها الذي هرع ليعتلي سطح السيارة، ملوحاً لنا بالنجدة، لكن السواق لم يعيروه انتباهاً، بل تضاحكوا لهلعه، واستمر السيل بنفس العلو، والهدير، وفجأة وجدنا أنفسنا، نجابه نهاياته، وكأنها ذيل ديناصور يهرب من أمامنا، وما هي إلا برهة حتى تجاوز السائق المرعوب، وهرع السواق إلى سياراتهم، وأمرنا عبدالله بالصعود، ونحن مبهورين، كيف، فكان جواب عبد الله: ها قد انتهى كل شيء. وقام بلمس الأرض، وحفن حفنة من الرمل، وقد جف، فهرعت لأتأكد من الأحجية، فوجدت الرمل الأبيض جافاً، كأنه لم يمر عليه ماء منذ أسبوع. شعرت وقتها بأنني في عالم كثير المتغيرات، ولا بد أن تكون نهايتي هنا، وكنت أنظر للحظات سابقة إلى الأشواك التي جرفها السيل أمامه، ففكرت بأننا مثل تلك الأشواك، لا بد أن تجرفنا الأحداث العظيمة بسيولها، لكن تلك الأحداث لن تستطيع اقتلاع الأشجار عميقة الجذور، والراسخة في أرضها، قد تميل، وتنحني، لكنها لا يمكن اقتلاعها بسهولة، وعلى تلك العجالة.
وفجأة وجدت نفسي بجانب عبد الصمد، الذي يثرثر طالما السيارة تتقدم في طريقها. وقفنا من بعدها في المعشوقة، فجلسنا نأكل مما لدينا من معلبات اشتريناها من الطائف، مع الطماطم، كان عبد الصمد، يأكل مثل مجتر ليختزن كأنه سيجوع لعام كامل، وزاد من إلحاحه على إبراهيم ليتذوق اللحم المعلب، ومع امتناع إبراهيم كان عبدالله يأكل، وفي فمه كلام عن حلال هذه اللحوم، حتى صرخ إبراهيم بكونه لا يأكل اللحوم، لأنه نباتي، هذه المرة الأولى التي أسمع بمن هو نباتي، فراحت يدي لا إرادياً إلى الموز، وقطعت بنانة، وناولتها لإبراهيم، فأخذها على مضض.
بعد العشاء، فرشنا ما اشتريناه جديد من الطائف: لحاف قطني، وفراش من الإسفنج، وبطانية إسبانية، ومخدة، وذهب البعض للوضوء والصلاة، وجرت همسات هنا، وهناك عن الذين لا يصلون مثلي أنا وعبد الصمد، لكنني تسلحت بفراغ الخلاء، وراء السيارة لكي أغير ملابسي بتلك الخاصة بالمنام، وهي البيجامة، وقام بشير لينام في السيارة بعد أن عاد للبس جلبابه بدلاً عن الجينز الذي ضايقه طوال النهار، وسرعان ما أخذنا النوم، لكن الجو بللنا برطوبته، ونحن تحت سماء عارية في نهايات شهر تشرين الأول، والأرض ممتدة من كل الجهات إلى ما لا نهاية، وليس ما يسد الأفق من ورائنا غير المقهى الأجرد المفروش بحصى صلدة من نفس الأرض.
سمعت أصواتاً كانت في الرابعة صباحاً، عفواً العاشرة بتوقيت هذه الأرض صباحاً بعد منتصف الليل، وجرت همهمات، وكلمات، صلوا، الصلاة خير من النوم، شعرت وقتها بقلق شديد، ولكني لففت رأسي ونمت من جديد، أما مدني فقد أجاب أحدهم ممن دعاه للصلاة، بأنه نجس، ولا يمكن له أن يتوضأ هنا، حتى بالتراب، ففهم الأخر قصد فابتعد عنه، وهو يقول: عوذا، أعوذ بالله.
مع الفجر سرنا من المعشوقة إلى العركك الذي يختلف طريقه كلياً، لكونه طريق جبلية فيها بعض الشجيرات البرية، إنه سلسلة من الالتواءات والممرات التي حفرتها المياه التي ما تزال تجري في مجاري السيول التي مهدت لطريق السيارات الذي نسير فيه الآن. وفي العاشرة صباحاً وصلنا إبى بلدة الساحة، هاهاها، باحة، وليس فيها راحة، ربما، وهاهاها، ويا للسخرية فهي ليس أكثر عن قرية كبيرة، قالوا لنا هذه هي مديرية التعليم، ونظرت إلى المنبى، وتخيلته بأنه قبر لا غير. فجلسنا في مكتب مدير التعليم الذي اتخذ من زاوية الغرفة الكبيرة ركناً له، وعلى منضدة حديدية رمادية ظهر بجثته الهرمة، وهو يلوك بمسواكه، فرد علينا ابن العجل: تكهوووا، تكهواا.
وبعد أن تكهوينا قال: روحو لمكتب المككاولين.
ثم نادى: يا صككر تعال،
وجاء صككر، وتشاورا أمامنا، فنزلنا معه إلى أسفل الطابق الأرضي للمديرية، ثم صعدنا من جديد، وجاء السائق يطلب نقوده، وطبعاً من المفروض بمديرية التعليم هنا أن تدفع له، لكن شيء من هذا لم يتم، وجرت مناقشات طويلة حول اتفاقنا، ونحن لا نعرف ما القضية، ومن هو الأصح، قضية زججنا فيها منذ الوهلة الأولى لوصولنا، وقد اقترحوا أن نتعهد للسائق بالدفع لاحقاً، لكننا أجبنا بصوت واحد، وقد احمرت وجوهنا من مواجهة مخجلة منذ البداية، وكنا أنا ومدني من تعهدا بالدفاع عن البقية، بينما عبد الصمد جلس صامتا فوق حقائبنا، وبدأ كمن يفكر بمدخل لمدير التعليم، فانبرى إليه يتملقه، بقوله له: إنه احسن مدير رأه في الدنيا، دون التطرق لأمور الدفع، وكأنه ليس منا، وأخيراً قرر المدير أن نتناصف المبلغ بيننا نحن، وبين المديرية، وانتهى الأمر على هذا الشكل.
طوى يوسف دفتر مذكراته بعد أن أظلمت الدنيا من حوله، ولم يعد يستطيع القراءة، وكان عليه أن يضيف الكثير، مما حصل بعد وصوله، وعليه الآن أن يتوجه إلى بيته الملاصق لبيت محمد زوط الذي كان قد سبق أن استجأره له زومط نفسه بناءً على توصية من خالته في عمان، ولهذا لم يسكن يوسف في بيت العزاب مع بُراق، ولكنهما يقضيان طوال النهار سوية. مرّ يوسف بدار العزاب، والمدرسة، وصعد إلى بيته المتكون من غرفة بعد أن طرق باب زومط ليسلم عليه، لكن لا جواب، فولج البوابة، ورمى نفسه على السير ليريح عظامه.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــرياً بـمـوقـعـنــا
| صالح جبار خلفاوي : السارية .

  اذكر عشقي الاول لفتاة بيتهم قرب ثكنة عسكرية في المساء زارنا ابوها هدد ابي …

| عباس خلف علي : نص في المكان – محاورة اللحظة لالتقاط ذاكرة القنطرة .

تراءت لي عند باب العروة ، القنطرة التي أثير اللبس حول انتزاعها من الضريح لتكون معبرا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.