خالد خضير الصالحي: النص اللغوي والنص البصري.. في معرض (الفضاءات والجسد الحر) للنحات محمد ناصر الزبيدي

ضمن نشاطه الثقافي استضاف اتحاد أدباء البصرة النحات محمد ناصر الزبيدي وأربعة من الكتاب المعنيين بالكتابة التشكيلية وهم: هاشم تايه وإحسان وفيق السامرائي وياسر البراك من ذي قار وكاتب السطور، للحديث عن تجربة النحات محمد ناصر الزبيدي ، وقد رأست الجلسة فقدمت فيها مداخلة عنوانها (جسد في الفضاء.. مـادة في الفراغ..) قدمت منها شفويا خطوطها العامة، فتحدثت أولا عن تجربتي بالكتابة عن نمطي التعبير: اللغوي حينما تناولت الشعر، والبصري حينما تناولت التجارب البصرية، وكنت في الكتابة التشكيلية أتجنب الاعتماد على النص اللغوي الذي يكتبه المبدع او مرسل الخطاب، وحجتي في ذلك الطبيعة المختلفة للخطابين فكنت غالبا ما اقصر اهتمامي وثقتي بالنص البصري باعتباره الوثيقة الوحيدة المطروحة للقراءة والتأويل هنا، إلا أني خرقت هذه الآلية أثناء كتابتي عن الشاعر عبد الخالق محمود بدرجة طفيفة، وبدرجة كبيرة عند كتابتي عن قصيدة (عيد البوقات) للشاعر حسين عبد اللطيف فأوضحت سبب اتخاذي (مدونة) لوحة الغلاف التي رسمتها أنا بؤرة لامة للعناصر الهامشية للعنوان؛ فاعتبرت ذلك (الكتاب الذي بين الدفتين) (كل) العناصر الموجودة من الغلاف الأول حتى الغلاف الأخير، ولا يقتصر على (المدونة) اللغوية بل يتشكل، برأينا من مجموعة من الإكسسوارات، او ما اقترح القاص محمود عبد الوهاب في محاورة شفوية لي معه تسميته (هوامش العنوان)، وهي: صورة الغلاف وصورة المؤلف، ولون الكتاب، و العنوان ونوع خطه، وشكل الحرف، وعناوين  القصائد ونصوصها، ثم التصديرات والإهداء والهوامش والمقتبسات، والتخطيطات الداخلية وهي كلها وان لم ينجزها الشاعر، إلا انه تبناها فكانت بالنسبة  إليه مادة نصية جاهزة، تماثل المواد الجاهزة (ready made) التي يستخدمها الرسامون ويستخدمه المؤلف في بناء (كتابه).
وقد كنت أمارس هذه الآلية معكوسة ولكن على وجل وبحذر شديد حينما أتناول المطويات التي ترافق المعارض، لأني اعتبر الأمر يتضمن خطورة اتخاذها نصوصا داخل نصوص التجربة البصرية وذلك راجع إلى:  ان الحكم على العمل الفني في ضوء مضمونه, سبيل يؤدي إلى تدخل كل أنواع الأهواء والتحيزات التي لا صلة لها بالأمر” كما يقرر (هربرت ريد)، والثانية في اتجاه تحول كتابات التشكيليين في مطويات معارضهم إلى ما يؤدي إلى بث موجهات قرائية متعمدة ، وثالثا، سريان قضية اختراع حوامل خادعة  supports  سرعان ما يقع فيها الرسام نفسه بطريقة الخداع الذاتي بعد ان يبدأ الكتاب بتناقلها ألعمياني، فيبدأ الرسام بتكرار ترديدها مما يعرض التجربة إلى خطر التناسخ الداخلي، إلا ان الناقد استدرك بتوكيده بأنه لا يمكن نكران وجود رؤية فنية تنظيرية متكاملة لدى بعض الرسامين ممن يحاولون تطويرها من خلال معارضهم التي يقيمونها وينظرون لها في مطويات معارضهم كما فعل آل سعيد نفسه وهناء مال الله، مستنتجا انه لم يعد همُّ الدراسات النقدية “البحث عن المعنى وتحديده ومحاولة إرجاعه إلى نية الكاتب ومقاصده، لان النقد في الأساس لا يتعامل مع النوايا والمقاصد، بل يتعامل مع كينونة النصوص أي من حيث هو موجود. أما النوايا فمجالها الأخلاق والايدولوجيا والفلسفة.
وقد تناولت تجربة النحات محمد ناصر الزبيدي في معرضه الأخير كونه كان يعتمد كثيرا في تسويق تجربته على التدوين اللغوي والشفوي، فكانت مدونته القصيرة تقترح بعضا من المفاتيح (الخارجية) للقراءة؛ فأضاف عنوان (الفضاءات.. والجسد الحرّ) ليعلن منذ البدء، وعكس ما كان يرتكز عليه في محاولة ايصال تجربته الى المتلقي من خلال البنية الحكائية الا ان المدونة تفضح المرتكز الحقيقي لتجربته كون أعماله النحتية ليست إلا عنصرين ضديين هما المادة (=الجسد) والفضاءات (الفراغ)، محددا بدقة ان هذه الثنائية باعتبارها “المكان الخالي والأشياء الشاخصة”بأنها “أشكال مجردة بعيدة عن القيود والتفاصيل”؛ وبذلك فقد كانت هذه تحيل إلى عناصر النحت المادية وليست مقيدة إلى المشخصات لتستمد منها شرعية وجودها؛ وهو ما حدث حينما اعاقت المشخصات والمتون الحكائية التي كان يوحي بها قولا او منجزا متحققا، أعاقت عملية التلقي عند المتلقي العادي الباحث عن المعنى والموضوع، بينما كان حضور مادة الخشب كافيا لنا نحن الباحثين عن الجمالية الخالصة: بلونه، وملمسه، وتفاصيل سطحه التي تبقي روح الشجرة كامنة في جسد المنحوتة، رغم تلبسها روحا أخرى هي روح الجسد البشري.

ان الخصائص الأسلوبية الواضحة في تجربة الزبيدي هي: أولا، كانت منحوتاته تلمّح، ربما عن قرب وربما عن بعد، بأجزاء الجسد الإنساني، وثانيا، تعتمد في بنائها على صلادة المادة التي تشكل جسد المنحوتة فيمنح ذلك منحوتاته وجودا أكثر محسوسية، ويعطي للمادة هيمنة كبرى في تشكيل (فضاء) المنحوتة ومن ثم وجودها. وثالثا، محاولته تطويع مادته مما يؤدي إلى تغيير أفق التوقع التعبيري للمادة، تغييرا قد يعتبره البعض تفجيرا او تقييدا، إلا انه نقل آليات التعبير من نمط تعبيري ينتمي إلى مادة ما، إلى نمط تعبيري ينتمي إلى مادة أخرى، فهو يمارس نحت الخشب مثلما يمارس النحات العمل بمادة الطين المشغول بعد ذلك بالبرونز وذلك يدل على برأينا على الحرفية العالية محمد ناصر الزبيدي في تطويع المادة لموضوعات معقدة.
ثم تحدث الناقد هاشم تايه عن إعمال محمد ناصر الزبيدي موضحا أنها “تعكس مراوحته بين تمثيل الشكل الواقعي مدفوعا برغبته للتعبير عن موضوع وبين تحرره من المحاكاة، واعتماده نزوعا تقليليا مختزلا بأقل العناصر مما أدى إلى إخراج النحات من النحت إلى التخريم فبعض أعماله تجسدات لرسوم مخطوطة، وكأنها قد أنجزت بالخط قبلا، ثم ان منحوتاته ملجومة بين اتجاهين حركيين في وقت واحد، كما انه يعتمد عل تجسيده الشكل في الوقت ذاته مرة من خلال المادة ومرة من خلال الفراغ، وخلص الناقد هاشم تايه ان اشتغال محمد الزبيدي في العمل في ديكورات الأثاث المنزلي قد ترك تأثيرات ايجابية على منجزه النحتي من خلال توجهه إلى إعلاء القيم الجمالية وكبح جماح المحاكاة وتأثير سلبي من خلال وجود طابع وظيفي تزييني يتصل بالديكور ويجرد المنحوتة مما هو شخصي ومنتم للنحات”.
ثم قرأ الشاعر عبد الرزاق صالح بالنيابة بحثا للكاتب ياسر البراك بعنوان (تحولات الخامة من الطبيعي إلى الفني) أكد البراك “ان إعمال الزبيدي تعبر عن إنسان مُحاصر ، لكنه في الوقت نفسه غير مستسلم ، وهو وإن كان يُفرط في التجريد أحياناً ، إلا أنه يؤسس نصوصاً نحتيّة مفعمة بالجمالية ، فيصبح الجسد في عمله النحتي ، جسداً ناطقاً ضمن حدود حيزه في الفراغ ، فأجساد منحوتاته أغلبها ذات بناء عمودي وهو ما يوحي لنا نحن المتلقين بأن الزبيدي يمنح الصورة النحتية نصاً جديداً مبنيا على الانفتاح الدلالي عبر قراءته إنطاقا من الفضاءات التأويلية التي يقترحها الشكل النحتي ، فشخوصه تتوق دوما إلى المطلق ما يعني أن ثمّة حركة داخلية في تلك الشخوص هي التي ترسم طبيعة الإنشاءات الصورية لها ، أو تكويناتها المختلفة ، ويأتي ذلك عبر تطويع المادة الخام ( الخشب ) وخاصة جذوع الأشجار ، فتصبح مادته مؤسلبة وفق الإزاحة التي يمارسها أزميله وشفراته التي تعيد تصوير الخامة وتشكيلها بما يتناسب ورؤيته الذاتية ذات الأبعاد الفنية والجمالية الخاصة التي تنطلق من إحساساته الفطرية عبر بوح ذاتي ممتزج بألم شخصي، هو تجربة خروج الخامة من شكلها الطبيعي إلى شكلها المؤسلب كخطاب جمالي يُحدث أثره في متلقيه ، فالأجساد المستطيلة بتكويناتها المتعددة تمنح تجربته النحتية دفقاً أسلوبيا متنوعاً يُخفي بداخله ( قلق الأسلوب ) الواضح ، لذا نرى أشكاله النحتيّة تتراوح بين الأشكال ذات الطبيعة الايقونية التي تصبح بمثابة شواهد على ألمه الشخصي وتجسيده لمعاناة الإبداع ، وبين الأشكال الموغلة في التجريد سعياً منه لإكساب خاماته خطاباً جديداً غير متماثل مع الواقع ، بل هو يكسر أفق التوقع لدى متلقيه حينما يحيل المادة الطبيعية إلى خطاب جمالي مُشفّر يحتاج منّا تأملاً وذائقة جمالية يُمكنها أن تفك شفرات ذلك الخطاب ، فأشكاله المستطيلة إلى الأعلى تحمل طاقة تخيلية كفيلة بأن تمنح متلقيها قدرة التكهن بقصدية مُنتجها، أو على الأقل إقتراح القراءة الخاصة بالمتلقي نفسه ، كما أن طبيعة التكوينات في أعماله النحتيّة تؤكد النزعة الباطنية لشخوصه وحركتها الداخلية ، فتُكوّن لنا بنية عميقة للعمل النحتي توازي البنية السطحية لشكله البصري ، فهذا التجاور في البنيتين في معظم أعماله النحتية يُشكل لنا خطابات بنائية تزيح الشكل المُستهلك لصالح الشكل الفني الذي يعتمد على المُغايرة”.
وقرأ الشاعر عبد السادة البصري موضوع الكاتب إحسان وفيق السامرائي الذي أكد فيه “ان إعمال الزبيدي سلسلة تكاد ان تكون متصلة من القيم والمعايير الروحية في منحوتاته التي تركزت حول الخلق والتكوين وفيها الكثير من الموضوعية الحرفية والبحث عن الروح التي اعتمدها خلال إيغاله في الأسطورة العراقية ومسالة البدء ..
وكان من الطبيعي ان يتعامل مع المادة التي تركزت عنده على الجذور وخاصة الخشب لليونته وشدوخه وأليافه وهو ما نحس به الأصعب في التكوين، وكان ما خرج به تكوينات تجعلنا نقف متأملين ما أراده الفنان وهي العملية الأصعب مرة أخرى في المعرفة..
ولقد تميز الزبيدي عبر نماذجه بانسياب رقيق عندما تعامل مع الخشب تعامله مع الريشة وهي المهمة الأصعب أيضا فكانت ملامساته تتفرع إلى شدوخ وأشكال تتداخل فيها المدارس الخاصة بالنحت.. متشبعة بالأسطورة والرمز… ومتخذة مسارا يقترب من مدرسة عراقية لم تتكامل بسبب التداخل والمناهج التي طورتها النظرة العالمية…
ثم تحدث النحات محمد ناصر الزبيدي عن تجربته بأنه كان يبحث عن متن حكائي في المعرض ثم تحولت أعماله بفعل قوة مادة النحت إلى البحث عن موسيقية النحت مما جعل بحثي يمتد إلى مابعد الشكل”.
وقد دار نقاش بين الحاضرين: فتحدث الكاتب علي عباس خفيف عن ان منحوتات الزبيدي تثير نزعة اللمس وان النحات كان يشتغل على مستوى رمزي رغم انه قدم أعماله بطريقة مبسطة سهلة التلقي من الجميع بمختلف مستوياتهم الثقافية، كما انه كان يراوح في إعطاء الهيمنة مرة لعنصر المادة ومرة لعنصر الفراغ، بينما اثنى الشاعر كاظم الحجاج على عائلة المرحوم ناصر الزبيدي التي أثرت الفن في البصرة منذ السبعينات وحتى الآن، كما أكد الشاعر عبد الرزاق صالح عن النحت التجسيمي وموقف هيغل من النحت وعن الايقونية في النحت، وتحدث القاص محمود عبد الوهاب بان الفراغ في النحت كالفراغ في الكتابة هو جزء من المدونة وهو ما أكده آخر المتحدثين النحات نوري ناصر بان الكتلة والفراغ هما عنصرا النحت اللذان يقفان على قدم المساواة في إنتاج المنحوتة.

شاهد أيضاً

الرواية العربية: أصول واحدة؟
هيلاري كيلباتريك*
ترجمة/ صالح الرزوق

هل للرواية العربية حضور؟. إلى أي مدى يمكن اعتبار الروايات المكتوبة باللغة العربية تنتمي إلى …

نجاة العدواني في روايتها الحديثة “في عشّ السرطان”
ميزات لغوية.. وإلى أي مدى؟
عصام الياسري

صدرت في ربيع عام 2020 الطبعة الاولى لرواية الشاعرة والروائية التونسية نجاة العدواني الموسومة “في …

علي رحماني: المشروع الشعري الجديد… الجدوى والحياة

إن الحديث عن كتابة الشعر بصفتها إنتاجاً أبداعياً روحياً وكصيغة حياتية مطلوبة يستلزم أن نتعامل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *