د. فاروق أوهان : مراثي بني غامد وزهران (رواية بأسلوب التداعي والتخاطر)

(اقرأوني لكي تعرفوني، فتفتقدوني)

1farooq aqhan   8
ينفتح فم الجد كأنه فم كور النار، ويخرج منه فحيح، ليس لأفعى، ولا لنار مستعرة، وإنما لصـراخ محموم، يتصارع مع طرقات الجاكوج المتكررة الانهيال، على سندان الحدادة الصابر بمرارة الحديد المطروق، وقوة الطرق المتزامنة بين الجد، والحدادين الثلاثة، أبناء عم بُراق الكبير، ولا يفهم بُراق عبد الحق وهو يمسك  جناحي المنفاخ من كلام الجد إلى معاونيه سوى الإشارات، مما تجسد تأنيب يتكرر من الجد الذي لا يرضى على أي شيء، ولا على أي أحد، ومن الإشارة يفهم، بأنه قد قصّر بتباطئه في تحريك المنفاخ الذي يرتكن في صدر الدكان فوق عتبة، ومع هذا لا يّرى مـن بُراق غير جبهته، وهو قابع وراء أجنحة المنفاخ، بينما يجهد بُراق بين حين وآخر أن يرى إلى جده الذي لا تبان سوى “كمة” قلنسوتّه المعروقة، بينما الجد ما يزال منهالاً بمطرقته على حدوة الحصان التي يعزم على تشكيلها بدقة، وسرعة فائقتين.
ويخاف بُراق غضب الجد الذي لا يتوانى برمي ما يكون بيده بوجه من يغيظه، أو kh farooq  4يختصم معه، ولا حتى لتفادي بُراق لما يرميه الجد، فحصانة بُراق هي أنه وراء أجنحة منفاخ الكور، وإلا لكان الآن في عداد الموتى، لعل هذه الخاصية هي التي علمته تفادي كثير من الضربات المفاجئة من أي من كان.
إن الطرقات الشديدة هذه المرة تستمر. بل وتزداد علواً، وكأن الطرقات آتية من مكان داخـل رأس بُراق لا من خارجه، وها هو يرى إلى عيني الجد، وقد تضخمتا هذه المرة، واحمرتا، وبرزتا بجحوظهما كأنهما مسامير محمية تتقاذفها نار الكور.
وتـزداد الطرقات في قسوتها، وإصرارها، ويبدو أن لا فكاك من الانتهاء من الحدوة التي بدأت تتطاول رؤوسها المحمية، ولا تطفئها الماء التي يعيد الجد تغطيسها فيها، ويعيد الطرق، فيحس برُاق بعطش شديد، يود لولا عيـون الجد، وتكرار الطرق أن يهرب إلى مكان بارد، وناقوط زير ماء يـبرد حنجرته. لكن عيني الجد تلاحقانه دون هوادة حتى يخال بُراق بأنهما تخرجان من محجريهما لتتبعانه، ومن فزعه يستيقظ بُراق من نومه، ويعي أن كابوساً رهيباً قد هيمن عليه.
ولكن الطرقات ما تزال مسـتمرة والحر يعّجُ في الغرفة مع غطيط نومه. فينتبه إلى أن باب الدار هي مصدر الطرقات الهوجاء، والمستمرة برعونة . فيهرب بسرعة البرق لفتح الباب كأنه يقوم بإطفاء حريق، أو نزع فتيل متفجرة، متيقناً أنها خبطات كف ابن عيظة فراش المدرسة الهمجي. ومرة ثانية، وعاشرة ارتجت ضلفتي باب دار المدرسين في بلدة الصدر صباحاً، وقد هزّتها كفي مسفر ابن عيظة فراش المدرسـة الهمجي الصوت، الأجش الحنجرة، وقد صعقت الطرقات أواخر الحلم في رأس بُراق عبـد الحق، فراح  يبحث عـن مفتاح المدرسة الذي يضعه مدير المدرسة في بيت المدرسين القريب منها، لسببين هما: مراجعة المدرسين لواجباتهم اليومية، ومتابعتهم لموادهم عصراً أولاً، وثانياً لفتـح وغلق صنبور الماء الذي يستقون به من المدرسة.
فتح بُراق باب الغرفة، ليجد نفسه في الحوش المكشوف مغتاظاً، وصوت الطرقات مستمر بلا كلل، وكأن يداً أتوماتيكية قد تُركت لتحرث وجه الباب، لكن بُراق ومن عجالته نسي مكان المفتاح فراح يبحث عنه في الموضع الذي اعتاده، حتى وجده بعد جهد في مخزن المواد الغذائية كالعادة. ويسـرع بُراق بـالعودة ليسلم المفتاح لأبي يحيى، وهو نصف مغمض العينين على نصفيهما، ليعود على عجل، قبل أن تهرب أخر لحظات النعاس، والتفت إلى الداخل، وقد انتهى من وضع المفتاح في يد أبو يحيى، ليستأنف نومه، لكن صوت أبا يحيى الغليظ خدش سمعه، وأفقده صفـاء ذهنه ونومه الناعس،  وطار منه نعاسه ناسياً كابوسه وراء منفاخ كور حدادة جده، لعله هو ذات الحـلم الذي اعتاده، ولا يريد تذكره مما أفقده متعة حـلم رومانسـي، بـدأ الآن يتذكـر بعض خيوطه الوردية؛ فلربما كان لصوت طرقات الباب الخارجي أثرها في تحول حلمه الوردي إلى كابوس جده الأزلي، فاندهشت خلايا ذهن بُراق لتقـف متحفزة جالسة على كرسي اليقظة؛؛ فمنذ الضربة الأولى على الباب، بكـف أبو يحيى العريضة التي تخبط كأنها آلة حفر بئر، أو معول هدم، أو محفر آلة حشو الأسنان، قبل وقت لم يقدّره بّراق؛ إلا لما سمع  كلام ابن عيظة يقول:  صار لي ربع ساعة أطرق الباب.
فالكابوس لم يكن بأطول من ربع ساعة، وهو وقت طويل في زمـن الأحـلام بالتأكيد، ولعل بُراق كان قد صحا من نومه قبل ذلك بقليل، عـلى وقع خطوات أبا يحيى الثقيلة بذاتها، وهي تحمل حذاءً عسكرياً قديماً. أشرطته لا يمكن لها أن تعقد في الغالب، إذ أن ابن عيظة لا يستعمل الأشـرطة هذه لأنه يشعر بأنها تضايقه، وتكتم عليه أنفاسه، كما يقول: بل وتخنقه. حتى أن لبسه للسترة يضايقه. لولا تعليمات مديـر المدرسة، وموجة البرد الشديدة التي تداهم البلدة في بداية كـل خـريف، وعلى حين غرة. لأن أبا يحيى لا يرتاح إلا بالجلباب، وانتعال المركـوب في حالات الضرورة القصوى، والزيارات الرسمية لبيت المختار، وبيت مدير المدرسة، فإن البسطال يُعّد مشقة كبيرة، يعاني منها أبا يحيى سـيراً ووضعاً. وابتسم أبا يحيى وحيا بُراق، ماداً يده القذرة كملابسه ووجهه الذي يستحي الماء من زيارته، وقال بحنجرة ارتفعت من أسفل العنق، حتى أسفل الذقن، وكأنها عتلة ضخ ماء تتحرك مسافة طويلة لتصعد الكلام، كما يصعد الماء، أو كأن في بلعومه لقمة مأزومة تريـد الخـروج من العنق بلا طائل، فتعيق الحنجرة، مما يؤثر على الصوت، والكلام، ليتلون بصفة خاصة بابن عيظة لا غيره.
ابن عيظة: صباح الخير أستاذ عبد الحق.
بُراق : صباح النور.
هكذا يُكنّي ابن عيظة بُراق بعبد الحق خلافاً لكل العاملين في المدرسة، بينما يصر المدير على دعوته البُراقي، أما البقية فيجمعون على اسم بُراق الذي يفضله بُراق نفسه. لم ينتبه بُراق كم ثانية مرّت عندما سلّم ابن عيظة المفتاح، وقد همّ بإغلاق البـاب، حين بادره مسفر بقوله: انتظر لحظة، وكأنه يريد أن يبوح بسرّ لم يعتده بُراق منه ذلك سابقاً، فشعر بأن مسفر يريد الإفضاء بما لديه. وبلا تردد تنحنح الرجل قليـلاً، عندما لاحظ يد بُراق تُمسك بالباب لا إرادياً، فتراجع وهو يرى إلى لا مبالاة الأستاذ عبد الحق، كنوع من عدم الاكتراث الذي عُرف به، إضافة إلى أن الأستاذ غـير مستعد للكـلام الآن، وذلك مما كشفته التعابير المرسومة على وجهه المنكمش. والحقيقة أن بُراق لا يمكنه أن يًكلّم أحداً، أو يبلع ريقه طالما لم يفرّش أسنانه بمعجون الكولينوس. والتفـت ابن عيظة عائداً إلـى الطلبة الذين جاءوا مبكرين إلى المدرسة على عـادتهم، يتسـلقون أشـجار اللوز المزروعة حول المدرسة منتظرين ابن عيظة ليفتح لهم باب المدرسة الكبيرة، بينما تجمع آخرون قرب سور بستان اللوز القـريب مـن المدرسة، يحلون مسألة جبرية أو حسابية كلفهم بها محمد رياض سويلم أستاذ الرياضيات، ومن الجانب الآخر حيث المنحدر الرئيسي الذي يقود إلى المدرسـة، هنـاك مجموعة من الطلبة ينحدرون نزولاً إليها، وقد وضع قسم منهم حقائبه على رأسه، والقسم الآخر حمل كتبه في يده، بينما حملها الآخرون على أكتافهم أو ظهورهم، وبدأوا يتقدمون من الممر الضيق بين بسـتاني أشـجار اللوز الذي تكسوها الحجارة الصغيرة، تطقطق تحت أقدامهم في هدوء الصباح الباسم، بينما بدأت الشمس بالشروق من مرتفع قرية الرأس، مركز العنق القريبة جداً، في حين تبقى من الجهة الخلفيـة شـواهد لبيـوت قرية الكتف، هاتين القريتين القريبتين مباشرة من بلدة الصدر أمام وخلف، قد منحتا الأفضلية لهذه البلدة الوسطية في المنطقة العلويـة من بلاد زهران، أن تحتضن المدرسة بدلاً عن كل منهما لتوسطها فيما بينهما.
على أن هناك كثير من التلاميذ، والطلبة الذين يأتون من القرى الأخرى، إلى مدرسة بلدة الصدر الإبتدائية، والمتوسطة المزدوجة، مثل قرى: أعلى الكتف الأيمن، وأعلى الكتف الأيسر،والجبهة، والهامة، وتل القلب، والضلـع، والرمش وغيرها الأقرب مثل قرى: الرأس، والقحف. على غرار السناجق الأخرى في الإقليم مثل غامد، حيث تتوسط بلدة ما كمركز لمدراس قرى تلك المناطق، فيتجمع الطلاب، والتلاميذ من القرى المحيطـة بها كما في: منطقة البطن. ومنطقة  الرجل اليمنى، ومنطقة الرجـل اليسـرى أسفل وأعلى.
إن هؤلاء الطالبون للعلم الذين تستهويهم الدراسـة في مدرسة الصدر، على الرغم من قرب بعض المدارس لقـراهم من الجهة الأخرى،  إلا أنهم يفضلون مدرسة بلدة الصدر. ربما لكثرة أشجار اللوز فيهـا. وربما إلى أن الرحلة إليها صباحاً تنعشـهم، وتقـويهم. خصوصاً وإنهم يشاهدون على الطريق ليس فقط النبات الطبيعية، ويتعرفون عليها في مختلف الفصول، وإنما أيضاً يشاهدون بعـض الحيوانات البرية، وبخاصة تلك التي ما تزال تشعر بالأمـان حـتى الآن في هذه المنطقة، ومنها بعض مستوطنات القرود المسالمة. هذه الخاصية، وسماحة أهل بلدة الصدر، وحبهم للغرباء، أو الجيران، وغيرها الكثير من أخلاقهم كانت تشجع الآخرين، على جعلهم يأتون إليها حتى، ولو عانوا من وعورة الطريق، أو طول المسافة، فهي، وطرقها آمنة، وغير مقطوعة عن الحياة، ولم يتوان أن يسكن على غرار ما يفعل الطلاب، والتلاميذ، أكثر من مدرس في قرية خارج بلدة الصدر، ليقوم بهذه الرحلة الصباحية اليومية وكأنه ينتقل من عالم إلى آخر. لهذا فإن بعض المدارس الأخرى قد سميت على أسماء مشابهة، ومرتبطة بتسميات المنطقة الجغرافية. قد يكون لحكمة ترافق الأسماء وانتمائها لبعضها البعض من أحد الأسباب في هذا الإقبال أو ذاك.
ورغم أن المركز أقرب بعض الشيء لهذه القرى، وبلدة الصدر أبعد بكثير بما لا يقل عن ثلاث إلى خمس كيلومـترات في أقصاها، فقرية المركز الصحي تقـع على الجانب الآخر من الطريق العام للسيارات. والذي لا تمر فيـه إلا سـيارة البريد الأسبوعية، تأتي من المركز حاملة البريد، أو ما يقوم بعض البقالين بجلبه، من مواد غذائية، وأقفاص الفواكه المستوردة، والخضراوات، وباقي ما يحتاجه الناس من لاستعمالات اليومية، فإن البقـال يتكفل بذلك عندما تحين الفرصة، وتنفذ مواده فيقـوم باسـتئجار سـيارة من المركز، أو يقوم بتأجير سيارة ابن مال الله الحفّار.
كان اليوم عادياً جداً، ككل أيام السبت، وبداية كل أسبوع، لكنه كباقي الأيام، وكباقي الأسابيع، لا شيء فيه غير الملل، من السكينة وعدم الإتيان بأي شيء جديد، هدوء ريفي، ولا شيء غـير القيام بمهمات الحياة اليومية، وكالعادة ارتدى بُراق ملابسه بكل فتور وخمول، وكأنه ذاهب إلى نزهة في ضواحي القرية. أو لزيارة المرتفعات القريبة من بلدة الصدر التي غالباً ما يقوم بها أيام الجمع، أو العطل الرسمية، وليس لدخول المدرسـة مباشرة. فهرع بُراق ليجـد نفسه جالساً على كرسي، قرب كرسي مدير المدرسة، بعد أن وضع توقيعه في دفـتر الدوام الصباحي، وحيا المدير  مسفر علي، الملقب بابن قارن بعد أن نزع نظاراته الذهبية الإطار متنفساً نفساً طويلاً  عميقاً. يزفره بأنّة شاكية تدل على معاناة من الغربة وصعوبة الوحدانية.
وعندما هّم  بُراق ليذهب إلى مرسمه دخل عبد جمعان أحمد، الملقب بابن سيحان فراش المدرسة. فتلقفه المدير على غير عادته، خارجاً عن الإطـار الرسمي لوظيفته، فتبادر لذهن بُراق ذلك السؤال الذي جـال في فكره قبل لحظات. عن سر صمت المدير وحيرته على غير عادته. إذ أنـه طالما يكون إما باشاً، مسروراً يستقبله بالترحاب وهو يملس أطـراف لحيته قليلة الشعر، أو يكون معتصماً بصمته الأصفر. حاجباً قضية ما، فيها فتنة سيدّوخ من ورائها كافة المدرسين وإدارة التربية في مركز المنطقة، كأن ينفرد لفترة بأحد المدرسين ويقربه منه لفترة معينة، حتى يقتنع هذا الأخير بأنه هو الذي يعتمد عليه في كل شيء، وفعلاً تكون مسؤوليات السخرة على عاتق هذا المقرّب، حتى بعض المهمات التي تخص المدير، كتدريس أولاده بعد الدوام، من دون مقـابل. إن هذا المقرّب يبدو حالياً ككاتم أسرار المديـر، ولأنـه لم يمر بتجربة كهذه، لأن المدير يختار ضحاياه دائماً من المدرسين المستجدين، لكون أن ألاعيبه لا تنطلي إلا على المدرس المستجد، وحتى على مدرسي دفعته.
أما مدرسي الدفعة السابقة وممن جُدد عقدهم وهم نادرون، فيعرفون أي مقلب سيأخذه هذا المغفل، أو المتسلق، أو الخائف. كل هذه النعوت تأتيه من المجموعة العارفة، وبخاصة هؤلاء المقربون من المدير من أهل البلدة الأصليين. وبعد فترة الاختبار، والاختيار التي يمر بها المدرس المقرّب، وعندما يريد المدير الاستغناء عنه غالباً، يقوم المدير بافتعال حديث قد لا يشارك فيه هذا المدرس المقرّب. وكأنها محاورة بينه، وبين معاونه أحمد الكافي عن أحد المدرسين القدامى على وجه التحديد. فيقوم بوصف سلبياته، ويوماً بعد يوم يصل المدير إلى تعميق الهوة بين المدرس القديم، والمدرس الجديد من خلال دسّ سمومه، مدعياً بأن الأول لا يطيق الثاني، وينقلها بينهما بالتناوب. ويفضي للمدرس الجديد ببعض تحفظاته، ويستدرك في وصف الأسباب التي منها أن الأول يحسد الثاني على تقرّبه منه هو المدير، وغايته من ذلك زرع الفتنة بين الاثنين لكي يتفرج، ويضحك هو والمعاون من جهة. ومن جهة ثانية لكي يتعرف على نوايا المدرس الجديد الحقيقية. فإذا استجاب المدرس المقرّب له، وكان له استعداد لدخول المعركة من جانبه. كانت المعركة على أشـدها، مهما طالت مدتها. وبذلك يستريح المدير من المراقبة الجانبية للمدرسـين، وأن يجعلهم منشغلين دائماً بقضية ما. أما إذا لم يستجب المدرس المقرّب وظل صامتاً لا يعقب، صار الأمر أكثر دقة، وخطورة. لكنه أكثر طرافة، لأن الاثنان سوف يعادي أحدهم الآخر عن بعد، ثم تنشأ القطيعة التي لا يعرف كلاهما لها سبباً مباشراً، أو معروفاً. وحـتى يوفّق الاثنان بالمصارحة الواضحة وجهاً لوجه، ويكتشفان حقيقة المدير يلومان نفسيهما، وكذلك يلمومان الذين يعرفون مسبقاً الخطة والنوايا ولم ينبههما. ويكون  دفاع المذنبين، ومنهم المدرس القديم الذي تحدث معه القطيعة، إن عدم التوضيح يكمن في خوف هذا من سوء الفهم الذي سـيقع به المدرّس الجديد، وهو في غنى عنه، أما مصير المدرس الجديد المقرّب فلن يكون إلا بأن يُبعد، بل ويُحارب من قبل المدير وأعوانه.
وقد عرف بُراق الآن، وبعد مرور ما لا يقل عن شهرين، أبعاد شخصية المدير العامة. بعد أن مرت بالمدرسة بقضية المدرس محمد فايد الجديد. مع الأستاذ محمد زومط المدرس الأقدم.
ولا يفوت المدير وشلته أن يتودد إلى المدرسين الجدد فـي أول أيـام، بقوله: إنه يشتهي طعام البلد الذي جاء منه هذا المدرس الجديد. ويريد التعرف على طريقة الطبخ الخاصة بهذا المدرس دون غـيره، ويتذوقه. فإذا تلكأ أحدهم انبرى إليه معاتباً بقوله:
المدير: هل أنت بخيل؟
أو يقول لمعاونه:
المدير: والله لم أعرف أن أهل شنقيط، وبنقيط بخلاء بهذا الشكل.        وهذه الخاصية في تودده لا يمارسها فقط عند بداية مجيء المدرسـين الجدد فقط. وإنما إذ ما حاول فض نزاعاً كان هوبالطبع أحد طرفيه. فإنه يطلب من معاونه أن يطرح على سـبيل المزاح، أو الوساطة مقترحاً على الطرف المتنازع مع المدير بأنه إذا أراد استرضاء المدير، أن يدعـوه لوليمة غذاء. أو عشاء يسهر معه، وينبهه إلى أنه ولكي لا تبدو الدعوة تنازلاً من جانبه، أن يدعو جماعة المدير وهم: ابن سيحان، وعبد الرحمن ابن شايع نائب المدير، والمنافق عبد الكافي نفسه. هذا ما أفاد به محمد زومط في إحدى استرسالته عن مناقب المدير. موضحاً بأنه تصادف أن استعلم مـن مدرس جديد كان قد عاداه المدير بعد قطيعة طويلة عندما سأل محمد زومط هذا المدرس: كيف تسير أمورك الآن مع المدير؟
مجدي نادر: بخير. وهو مدعو لدي على العشاء هذه الليلة.
زومط: هل عاتبك يا  محمد مجدي نادر؟ بقوله هل أنت بخيل إلى هذا الحد؟
مجدي نادر: كلا، وإنما نوه إليّ عبد الكافي بذلك. ولكن كيف عرفت؟
زومط: لقد زاولها معي عندما كنت غراً في هذه البلدة.
أما الآن في هذه اللحظة من بداية الأسبوع، فالأمر مختلف، فقد فهم بُراق، بأن الأمر غير ما يخص توريط مدرسين في مشاكلة ما. فقد سمع المدير محتاراً يقول: وما هي النتيجة؟
وأتى جواب ابن سيحان الذي علت الأتربة أذيال “غترته” كوفية رأسه، وشواربه، ضاربة السماحة في وجهه عرض الحائط، وهو يقول: مات.
وفكر بُراق وهو يريد تجاوزهما إلى الخارج بأن الأمر لا يتعدى موت خروف. أو حمار، لم يعتد سماع موت أحد، لا في هذه البلدة، ولا في القرى المجاورة منذ وصوله إليها. ومع هذا اجتاز بُراق الاثنان معتذراً، ذاهباً إلـى مرسمه. وبعد أن فتح نافذة المرسـم الوحيدة، قام إلى اللوحة الجديدة التي أعاد تـرتيب معداته لها عصر اليوم السابق. فقد كان قد سمّر الإطار من أطرافه الأربعة، وركّبه ثم وضع قماش الكنفاس الذي صنعه بنفسه. وقام بطليها بمادة رطبة من زيت الرسم الرخيص، وتركها حتى اليوم التالي لتجف، لتصبح جاهزة سهلة الاستعمال. فقد فضّل بُراق أن يطليها باللون الأبيض لأنـه يجده أكثر طواعية كأساس للوحته على الرغم من أن لون الكنفاس هو أبيض بالأصل، لكن بياض الكنفاس لا يضاهي بياض أصباغ الزيت.
وتذكر بُراق تعليق المدير عندما شاهده في إحدى المرات وهو يطلي الكنفاس بالأبيض قائلاً له بفضول وسلاطة لسان:
المدير: يا أستاذ حرام عليك، القمـاش لونه أبيض، وأنت تقوم بطلائه بالأبيض، هذا تبذير.
ولم يجبه بُراق، وإنما هز رأسـه وأدار ظهره منهمكاً، وهو يحاور الطلبة من حوله. فذهب المدير مغتاظاً يحرك عصاه في وجه بعض الطلبة الصغار. وظل المدير يعلّق بتهكم في كل مـرة يحتويه مجلس بوجود بُراق. أو من غير وجوده: بأن مدرس الرسم الجـديد يرسم لوحات بيضاء، ويبقي لوناً من التهكم، ومقـداره على درجة ومقـام الموجودين، ومدى علاقتهم اليومية ببُراق، يديرها حسبما يشـاء في نوع من التظاهر بالإعجاب، إلى الاشمئزاز والسخرية، إلى الحقد والتشويه ووصمة التبذير، بمعانيها الدينية الصارمة.
وفكّر بُراق فـي كلمات الحرام والتبذير. وسأل نفسه كم من الحرام والتبذير يجري باسـم الحرام والتبذير. بالأمس فقط رأى المدير يوقع على كشف حسـاب السـفرة المدرسية ومصاريفها كان بُراق عضواً في لجنة الصرف لها. وعندما رأى المجموع تعجب لأن المصاريف أكثر بكثير من الحقيقـة، بل هي أضعافها. وأن كثير من مصاريف فعالية النشاط اللا صفي، كالاحتفالات، وتوزيع الهدايا الرمزية، الوهمية في الغالب، إذا حصل الأمر فعلياً، فإن اتفاقاً مسـبقاً على نسبة في تسعيرة المواد يتم في الخفية، وغالباً ما تخزن تلك الهدايا لكي تسرق بالترتيب، وعلى فترات متعاقبة.
إن السفرة الأخيرة كان من الواضح للعيان أن كثير من المواد قد أضيفت دون علم اللجنة التي تعمد المدير حشر بُراق كعضو فيها، ربما ليورطه بتهمة أو ليغريه، لذلك رفض بُراق التوقيع كأحد الأعضـاء المهمين في لجنة الحفلات، والسفرات. وتخيل المديـر وقد ابتدأ برنامج الكذب والتزوير، والتشهير مع كل حركة مسواك صباحية في فمه، وبين أسنانه المتعفنة، يقوم بها بعروق السواك الزكية الرائحة، تتلوث حالما تحتك بشفاه المدير. ربما ليغسل الكلام، وروائح الليلة السابقة من عفونة وتقيح أبديتان. أما طريقة تسـويك المدير نفسـها فإنها تثـير الاشـمئزاز لأنه يمارسها بأرذل الطرق، فيلوكها مرة على جنب فمه، ويبصق ويمخط، وربما يضرط بعين الوقت، ومعها تخرج كلماته البذيئة، عدا عن تلويحه بعود السواك كأنه يستخدم عضواً ذكرياً مما يجعل حتى المقربين منه يتجاهلون حركاته، وإن ضحكوا فعلى مضض.
أما عن الألوان، وبخاصة اختلاف الأبيض عن غيره من البياض، في القماش، أو الصور، فإن بُراق يعيد على طلبتـه شـرح خصائص  اللون واشتقاقاته. فيأخذ اللـون الأخـضر مثـلاً، لأنه أكثر توفراً في الطبيعة، ويستعين بشـجرة لوز يراها الطـلاب من نافذة الفصل أمامهم. تتظلل بالسحاب مرة، وتنيرها الشمس مرة. فوضح لهم، بأن هذا اللون يمكن أن يتدرج من الفاتح إلى الغامق، حسب الظل والضوء، وتأثيرات كثيرة. وضرب لهم مثـلاً على أوراق شـجرة واحـدة. تكون في الظل، أو الشمس وفي الليل، أو في النهار. في الربيع، أو في صيف. شجرة قديمة كانت، أو حديثة النمو . ويذهب ليخرج بطلبته عبر بوابة المدرسة إلى بستان اللوز حول سورها وأمامها. فـيندهش الطلبة لهذا المثال التطبيقي، ويتمتعون بهذا الاكتشاف، ويعلق بعضهم على الأقل في أذهانهم قائلين: بأنهم كثيراً ما مروا من هنا، لكنهم لم ينتبهوا أبدا لهذا الأمر. فيهتف أحدهم في سره: الله ما أحلاها !!!
وتنعكس لدى الآخر في تفكيره: إنها تُشبه فستان أختي عفرة.
ويحلم ثالث بما قاله أبوه: إنها مثل شجرة الجنة التي يصفها جدك.
ربما دار في أذهان الصغار أموراً أكثر، وأجمل لكنهم متفقون كلهم على أنهم يراقبون لأول مرة تأثير حركة السحاب على تغيير ألوان أوراق الأشجار الخضراء. فيرونها مرة خضراء مائلة إلى الصفرة، ومرة خضراء فاتحة، ومرة خضراء داكنة وفكّر أكثر من واحد فيهم، أن يأتي فيما بعد لـيراقب أوراق الأشجار في الليالي المقمرة، إذ ربما، بل بالتأكيد سوف يكون للألوان رونقاُ آخر، بألوان زرقاء، وبنفسجية، ولربما رمادية. ربما ستأخذ الألوان نفسها مسحة خاصة من سواد الليل. ولربما سوف تبدو خضرة الأوراق بمسحة السـواد ساحرة، فاتنة. وفكر البعض الآخر بأن أستاذهم: لعلى تفكـير ودراية عالية، وحدث الآخر نفسه: إن شهادة الأستاذ لابد أن تكون عالية، وعالمية.
وتنفس آخر مؤكدا: أن ما شاهده، يفرح في سره لأن هذا يزيد الرغبة في نفسه. ويؤكد على هوايته التي ربما ستجعله رساما في يوم ما.
مزج بُراق الألوان اعتباطياً، وهو يطرد هذه التصورات التي لا تفارقه في وحدانيته ويختارها مرغماً، مفكراً في المعرض السنوي للمنطقة. فأكد لنفسه من جديد بأن مدرسته لابد أن تكون الأولى على كافة أصعدة الفنون التشكيلية. وغمس ساهماً فرشاته بالألوان على قطعة الباليت التي يحملها، ونقلها بسرعة لوجه لوحته الجديدة. يضع عليها حدود الأماكن، دون أن ينظر إلى”الأسكتش”  المخطط المصغر الذي صممه لتنفيذ اللوحة، لأنه لم يصل بعد إلى أجزاء التفصيلية في اللوحة.
ولم يشعر بُراق بالوقت آنذاك، ولم يسمع أية إشـارة تنبهه إلى مضي الوقت، فالنافذة لا تطل على الجهة التي فيها إضاءة، وهو يكره أن يضع سـاعة في معصمه، لأنها تقيده من جهة، وتمتزج تكتكاتها مع نبضه من جهة أخرى. فتشعره بالاضطراب، وتقوم بوجودها بتنبيهه إلى مرور الوقت، أو توقفه. مما يجعل الوقت يقف حائلاً بينه، وبين ذاته. بالإضافة إلى أنه يفضل الاستغراق طـويلاً عندما يعمل. ولا يريد أن تشعره الساعة بمرور الزمن. رغم أنه يشعر هنا بأن الوقت – رغم أنه وقت مهدر – إلا أنه زمن طويل عـلى غـير عادته. فلا تمر السـاعة إلا بانتظار يفوق قضاء يوم ممتع في أية عاصمة. ولكن هاهو جرس الحصة الثالثة يرِن. وهي الحصة الفاصلة بين فترتين تكون الفرصة فيها أطول نسبياً. ولا بد أن يخرج معها إلى البيت لتناول الفطور مع كل مسعد عبد الشافي، ومحمد رياض سليم، ومجدي نادر ومدني الحاج أمين، المدرسين الثلاثة الذين يعيش معهم بُراق عبد الحق في بيت واحد. ويشغل كل منهم غرفة واحدة، فيقوم الأربعة بالتعاون على إنجاز الأعمال اليومية. كعيشة كافة الرجال العزاب في الغربة، يقوم أحدهم بالطبخ، والآخر بتنظيف البيت، والثالث بغسل الأواني، أما الرابع فيقوم بالتسوق، والخامس فهو سيد البيت لذلك اليوم، وهارون الرشيد من غير جوارٍ، أي أن الخامس يتمتع بعطلته الأسبوعية في البيت بين زملائه الأربعة. أما الأعمـال الخاصة فكل مسؤول عن نفسه، يقضيها في اليوم الثاني لإجازته الأسبوعية، فهناك غسل وكوي الملابس، والاستحمام،،، وما إليها. رغم أن نهاية كل يوم عمل لطباخ البيت هو بالاستحمام بعد توجيه غاسل الصحون. أما أعمال تسوق حاجيات، ومأكولات البيت. فهي أيضاً مقسمة في هذا البيت المنعـزل عن بيوت البلدة. لا يميزه إلا قربه من المدرسة، ولا يصل إليه أحد خصوصاً أيام العطل، أو ما بعد انتهاء دوام المدرسة. بينما يذهب أفراد البيت إلى صلاة الجمعة جماعياً. ولا يرون السير مجتمعين محبذاً حتى عند التسوق فإنه يتم على انفراد، لكي لا يثيروا حفيظة الأهالي، فقد عُرف دارهـم ببيت العـزاب المقاولين، هذا النعت الذي أطلقه عليه المديـر بقصد إفزاع بعض المتطـيرين من الحضريين خصوصاً أبناء البلدة من المقيمين فيه، وبخاصة بعد أن تخاصم المدير مع مجدي نادر. بينما ينتشر المدرسين الآخرين، وغالبهم من المدرسين القدامى، بما لا يقل عن أربعة عشر مدرساً في بيوت البلدة، كل منهم قد اكترى له غرفة منعزلة، أو غرفتين ونادراً ثلاث، في دار أحد أهالي البلدة، أو جزء من بيت يستأجره مع مجموعة من المدرسي، أو في أقصى الأحوال، وهذا من الأمور الشاذة أن يؤجر أحدهم بيتاً في قرية مجاورة، فيذهب ويأتي مع التلاميذ كل يوم، ربما لأن الإيجارات هنـاك أرخص بكثير، وربما لأن مثل هذا المدرس له هواية المشـي، أو هواية التعرف على الطبيعة الحية كمدرس الطبيعيات، أو من المدرسين المحبين للسفرات وبخاصة مدرس الرياضة، ولم تكن تشغل كل المدرسين إلا مسألتين عويصتين: الأولى جلب الماء من الآبار لأن من تقوم به امرأة، والثاني قلة اللحوم الطازجة، عدا الدجاج المصري، أي البلدي فهو حسابات أهالي المنطقة للحصول على البيض فقط. الأهم في الفطور الصباحي. لكن النفس تعافه فيما لو تكرر يوماً بعد يوم. أما الماء فقد شاهد  بُراق بنفسه كيف يتعامل المدرس محمد زومط مع ابنة أصحاب الدار التي استأجر منها بيته، إذ تقوم هذه بالدق بالطاسة على الحائط من جدار باحة دارها. وذلك كإشـعار لزومط بأن قربة الماء الجلدية جاهزة. فيقوم بالرد بالدق من جانبه إذاناً بالاستجابة بأن كل شيء جاهز. ولذلك لعدم السماح أن تتفوه الفتاة بكلمة من أو مع مقاول أجنبي، حتى بالتصويت لأن الكلام سيجر الكلام،،، ورغم أن الفتاة أخت ابن سيحان بكماء، وتصويتها من عدمه لا يشي بشيء، ولا يختلف عن أكثر من ضربـات الطاسـة، بعدد معين من الضربات، لكل حالة، إلا أن الفتاة تعودت ذلك لأن الكلام قد يجر الكلام معها هي الأخرى حتى ولو كان بالإشارات، عندها سيبدأ حوار من نوع آخر، والحوار سيطول ليصبح حديثاً،،، ويوماً بعد يوم تتوطد الصلة، ثم القربة، وكلام غير مباح، وهذا حرام. ويعلم زومط بأن أخت جمعان بن سيحان، قد أحضرت الماء، فيقوم لوضع الخرطوم الذي صمم لكي يخترق الجدار من باحة دار سيحان إلى صالة دار زومط ليصب في فتحة الزير. وفي بعض الأحيان لا يحتاج الأمر لكل ذلك فلغة التفاهم بينهما مشتركة، خصوصاً عندما يتصـادف أن يلمح زومط تلك الكتلة السوداء تمر كلمح البصـر أمام الباب. أو النافذة. أو يراها قادمة من بعيد. وعندما يمتلِئ الزير يدق زومـط بدوره عدة دقات إيذاناً للطرف الآخر بأنه قد اكتفى. هذا بعد أكثر من وجبة ماء وفي كل مرة تشترك بينهما هذه اللغة: يسكب الماء الزلال في قمع مغطى بالقماش، الذي أخاطه زومط فوق الزير لكي يُصفي الماء من الشـوائب العالقة. بلا كلام غير لعنات زومط ودمدماته المتكررة. نادباً هذه العيشة التي ابتلى بها، ولعله، وبمرور الأيام كانت قد نشأت أيضاً، نغمة خاصة للتفاهم من خلال أسـلوب الدقات،عددها، وشدتها، وعلو طبقاتها، وخفوتها. صارت هي الأخرى لغة يستطيع زومط الرد عليها كلاماً.  برقة مرة، وبوحشية لمرات لأنه لا يستقبل من الطرف المقابل أية ردود متداولة، ولربما غير متعارف عليها بينه، وبينها. لكنه يعود للمناجاة الوجدانية، حتى يهتاج فيكسر ما أمامه من أوعية زجاجية، هي في غالبها أقداح فارغة من جبنة زد ZED الشهيرة. ولطالما فكر بأن أخت جمعان بن سيحان البكماء ومصيرهـا فهي تقوم كالدابة بالاستقاء لأهلها وللمؤجرين مثله طوال النهار تستقي المياه من تلك البئر التي تنزوي في بستان اللوز المجاورة لبيـت المدرسـين المنعـزل. وكم حسد زومط سراً وعلناً  بُراق المدرس الجديد، أسود الشـارب على حصوله على غرفة في ذلك الدار. تقابل شـجرة اللـوز التي تظلل بئر الماء يتفرج عليها، وكأن شيئاً لا يخصه منها، لأن مسألة الاسـتقاء لديهم لا تتعدى أكثر من فتح صنبور الماء من فناء المدرسة. فقد ركب ابن سيحان ماكنة سحب الماء على البئر المخصصة لإيصال الماء إلى المدرسة، منها إلى بيت المدرسين.
في هذه الأثناء كان بُراق لا يفكر في الأكل، لهذا اليوم وليس لديه شهية حتى للإفطار، وقال في نفسه مفكراً، وغير مبالياً: لا يهمني الأكل الآن ما دمت أقوم بالرسم، فهو غذاء الروح على الأقل. أما على المائدة فسوف آكل برغبة غير عادية، وما دمت غير مسؤولاً اليوم عن إعداد الأكل. فهذا اليوم دور محمد رياض مدرس اللغة الإنكليزية.
وتذكر بُراق أن محمد رياض هذا يحب الفلفل الحار “الشطّة” الحمراء برغبة جنونية. كما تذكر حاله عندما تورط بالأكل من الطعام الذي أعده محمد رياض، فبات اليوم الأول لوصوله بلا عشاء، وهو لم يتم بعد أكل اللقمة الأول، لأن محمد رياض كان قد تـبرع عـلى عادته، بإضافة كمية كبيرة من الشطة لطعام أعده لهم، جعل بُراق لا يأكل إلا الخبز، بعد أن التهب حلقه بالحرارة المستعرة، لكنه عندما سُئل عن جودة، ومذاق الأكل. مدحه مغتاظاً. وبعد مرور أشهر على المعاشرة لزملائه المدرسين اعتاد بُراق ذلك المذاق، بل وبدأ يشتهيه، ويزيد كميته في الطعام عندما يقوم بإعداد الأكل في يوم نوبته.
ودون تردد وضع  بُراق الفرشاة، والباليت جانباً. وخرج مسرعاً، بعد أن أسـالت الذاكرة لعابه، ناسياً إقفال الباب بالمفتاح والمزلاج، مما أعاده ثانية إلى الغرفة، حالما كان قد وصل باب المدرسة الخارجي. وبكل هدوء جعل يده توصد الباب كما اعتادت، ورغم كل هذا السـرحان، وأحلام اليقظة فقد شعر بُراق بأن الأمور خارج إطار ذاته، ولا تجري على طبيعتها،  فالجمع من حوله: طلبة وأساتذة قد شغلهم شيء ما، فكلهم يتصرفون على غير عادتهم، الطلبة مجتمعين في حلقـات والحديث كله همس، وتوجس. بينما بعض الطلاب الواجمين فقدوا كل حـيويتهم في الصخب واللعب، وشهيتهم في الركض والشقاوة، وفي ابتكار المشاكسات، أو الألعاب، لا يثيرهم إلا الإصغاء، أو السكوت وقد التفوا حول أحد الرواة الصغار. كأنهم مجموعة من الطيور التي تزقزق ولا يصدر عنها سوى أصوات غير مفهومة لحالات متناقضة ومتعددة. إذن لا بد أن شـيئاً هاماً أو أمراً خطيراً قد حدث، شيء غير مألوف يتعلق بموت أحد مهم، أو حدث غامض، ومن نوع خاص. وعندما مر أمام جمهرة من إحدى مجاميع الصغار ليجتازهم إلى الدار، سكتوا حالما شعروا بـروره.
وفكر بُراق في سره هامساً لنفسه: غريب أن يتهامس هؤلاء، دون أن نعلم أي شيء عن فحوى السبب؟
وأكد لنفسه جازماً:  لا بد أن تنطلق الكلمة، لا بد من ذلك.
وعلى مائدة الإفطار قال مجدي نادر موجهاً كلامه إلى محمد مسعد:  بعد أن قتلها، رمى نفسه في البئر.
وسأله  بُراق مستفسراً عمن يكون، أو تكون، وقد غصت لقمة الفول في حلقه. من عدم تصديقه للفرصة المناسبة التي وجدها أخيراً ليعرف على الأقل ماذا دهى الناس؟ وما هي الحكاية التي تشغلهم جميعاً. هاهي الفرصة تأتيه بسهولة الآن، وبهذه السـرعة. وبدا وكله آذان صاغية، انتصبت صيوانتا أذنيه كأنها قرون استشعار. وقد أبعد قدر المستطاع كل ما فكر، وشك به من حوله: من؟
قال مجدي نادر مستمراً. كأن أحداً لم يقاطعه: شخص من قرية الرأس.
لكن ذهن بُراق بدأ من جديد ينشغل في أمور بعيدة جداً عما يدور الآن. ومحمد مجدي نادر ما زال مستمراً في سرد القصة. فصار الأمر حالة من عدم التركيز على أمور ثلاثة. الحيرة الموزعة بين الأكل، وبين القصة الدائرة بتكرار وإنشاءَات مبتكرة هنا. وهناك على المائدة. وهنا في المنطقة كلها، إضافة لكل ما يشغل ذهنه ويدور فيه من متاهات. تبتدء بالمشاريع الفنية التـي يريـد تحقيقها لهذا العام. وتنتهي بالأحلام التي تسكنه. ليطير معها إلى أرض السعادة. أرضه، ووطنه في بلده الذي ولد وترعرع وعاش فيه. لذلّك تتشوش الأمور كلها في مخيلته. خصوصاً إذا كان الموضوع ملتوي، كالقضية الجديدة. لا يصله منها إلا فتات، وعلى دفعات غير مرتبة.
وللحظة انتبه بُراق إلى صوت مجدي نادر وهو يكمل سرده: يتكهن البعض بأن القاتل مجنون. وآخرون يرون بأن أحدهم قد عمل له عملاً.
ويعّقب بُراق بنوع من التأكيد الجازم: أجل لقد قام أحدهم بسحره، لكي يتصرف كالمجنون، وربما لكي يقتل أيضاً.
وارتفع صوت مجدي نادر كأنه يلقي خطبة عصماء: ويقتل مَن؟ زوجتـه ؟ كلا، كلا، لا يفعل ذلك إلا مجنون، أو مسحور، أو مأمور مسكون من يآخيه.
وتسأل محمد رياض عمن يكون الفاعل، وعن فحوى الحكاية، وعلاقتها ببلدة الصدر، فأجاب محمد مسعد بأن الضحية وزوجها من قرية الرأس، وهو عاثر الهامي، أو الهيمان كما يلقبونه، يعمل لدى عمه كراع لأنه يتيم منذ طفولته، ومريم هو اسم زوجته التي كانت هي الأخرى راعية التي تعلّق بعشقها عاثر، بعد أن رفض عمه تزويجه من رمانة ابنة عمه اللذين تحابا، وللقصة أبعاد مأساوية جانبية، إذ يقال أن رمانة مرضت بمرض عضال من قهرها لأنها تزوجت عنوة من رجل لا تحبه، وزاد في همها أن عاثر تزوج من مريم الراعية، لعل هناك أمور خفية أخرى سوف تنجلي أسرارها في الأيام المقبلة، ومنها أسباب قتل الزوج عاثر لزوجته، ومحبوبته الثانية، ففي الأمر عقدة سحرية بفعل فاعل كما نقل لي ابن الكافي، وهي عقدة الزوج أثناء عقد القران.
ضحك بُراق ملء شدقيه فجأة. وبأعلى صوته، وأخذ بدنه يهتز، واهتزت المائدة معه، حتى كـادت تنقلـب أرضاً، لـولا ردود أفعال الأربعة الآخرين معه، مما جنبها السقوط، وجنبهم الحرمان مـن فطـور هذا اليوم. وظـل أربعتهم باهتين من منظـر بُراق المفـاجئ والغريب. تفاجئوا بمنظر رجل مستقر هادِئ، ينقلب فجأة إلى مهوس، وكأن الجنون قد أصابه هو الآخر، وسأل مجدي نادر مستغرباً عن سبب ضحك بُراق: لماذا الضحك ؟ إنها الحقيقة؟
وصمت الكل ثم أضاف  مجدي نادر: ألا تعرف ذلك. من أية بيئة قد حضرت؟ ألم تسمع ماذا يحصل لرجل عندما يقفلون على رجولته؟ ماذا يمكن أن أقول أكثر؟ يحبسون عليه رغبته فيصبح ممسوساً. لقد كان القاتل رجلاً فعالاً قبل زواجه.
واستفسر محمد رياض من مجدي نادر تجاوزاً، ولكي يضفي روح الدعابة قائلاً: من أين لك أن تعرف؟ هل جربته أنت؟
لكن مجدي نادر تدارك الأمر متجاوزاً تهكم محـمد ريـاض المقصـود منه تعريضه للتنكيت عليه، كما تجري بين الأربعة عندما يتناوب الثلاثة على أحدهم، فيحصروه بزاوية نقص ما تعرض له، ويبدأون البنيان فوقه. حتى تفلت أعصاب هذا منه، وربما تنتهي إلى شجار، وخصام يطـول لأيام. فرد مجدي نادر ببداهته المعهودة، ليقطع دابر المكيدة منذ بدايتها: وكيف عرفت أنت أنني جربته؟ هل كنت شاهد عيان؟
وضحك الثلاثة، فأضاف مجدي نادر دون مقاطعة، وبجدية أكـثر لكي يبعد جو المزاح، والإحراج الذي أوقعه فيه محمد رياض: هكذا قالوا اليوم في سياق القصة، كان الرجل شبقاً، لكن ما عُمل فيه من عمل، جعله خائباً أمام زوجته؛ فكلما توجب عليه الوصول إليها. ويكون هو في اشتياق عظيم، تفتر همته حالما يقترب منها؛ وتبرد فيصاب بالعجز عن إكمال رجولته.
ويؤيد محمد رياض على عجل قصة مجدي نادر؛ بقصة سمعها من جدته عن شاب تزوج منذ سنتين، ولم يرزق بذرية، أحرجت العشيرة كلها، لأنه سليل عائلة مزواجة، وذات إنتاج غزير من الذرية، فكل أخواته،  وإخوانه لا يقل عدد أفراد أسرته عن أربعة من كل نوع. ولما كانت زوجته ابنة عمه “اللزق” أي الأصلية؛ فقد تغاضى أهله عن المحاسبة؛؛ غير أنهم أغتاظوا، بل ألحوا عليه أن يزوجوه بثانية. لكن الرجل خاف من الفضيحة، لأنه درس ذلك في الكلية. فالسبب بالضرورة ليس من المرأة،  وليس كما يعتقده العامة، ومع هذا طبق كما أشارت عليه حماة أخيه، وهي عمته التي تسكن في قرية جنوبية دون فائدة تُذكـر. فالتجأ إلى المبصرين والعرافين المشهورين، فمنهم من طالبـه بشـرب الماء المغلي بالبصل. ومنهم نصحه بالعبور فوق دخان خشب يحترق منقوع ببول شاة. ومنهم من أحضر ناراً مستعرة من خشب أشجار اللوز، وأركبه على حمار بالمقلوب لكي يعبر من فوقها. ولم يفيد الرجل أي شيء، وهـو يفعل كل ذلك بجَلد، رغم ملله، وقد رغب كثيراً في أن يتخلص من هذا اللهم إن عاجلاً، أو آجلاً حتى ولو ضحك الناس عليه، غير أنه وبعد كل تجربة يمر بها تأتيه مصيبة أقوى. وهكذا حتى تقبّل الرجل مرة سخرية أحـدهم، بنصحه أن يستعمل تحميلة من الثوم المقشّر حديثاً، لتهيجع هذه المرة باستعارها. وهكذا نجح في أكمال الوصال؛ على ثلاث دفعات، لثلاث ليالي متتالية، يتغذى خلال هذه الأيام بحليب ناقة، والعسل الجبلي، والدهن الحر، وقليل من الزعـتر، والكمون، والنعناع لتخـفيف الروائح. وقد نجحت أخيراً العملية، وحملت المرأة بتوأم منذ شـهرين دون أن يعلم كلاهما حتى الشهر الثالث، لأن الرجل لم يكن مقتنعاً بجدوى هذه الأخيرة فقام بتجارب أخرى غير منقطعة، وكاد أن يُغمى عليه عندما دخلت  عمته لتبشره بالفرحة التي عمت العشيرة قبل أن يعرف هو نفسه.
ويقوم بُراق ليشرب قدحاً من الماء بعد أن أكمل أكلـه قبل زملائه ليقول معقباً: غريب حقاً! ولكن قل لي أيها المثقف؟ يا مدرس لغة العروبة، هل تؤمن بخرافة كهذه؟ ألم يخطر ببالك تحليل هذه الحكايـات بأسـلوب علمي قبل نشرها، وتبنيها؟
وقبل أن يفتح مجدي نادر فمه، غلبه بُراق مضيفاً: ألا يمكن أن تعزو ذلك إلى ظاهرة أو عقدة نفسية؟
قال مجدي نادر محتجاً: كلا .. إنه حجاب.
بُراق: حجاب؟ أم هي إحدى إشاعات ابن قارن؟ لم تتخذ لنفسك درساً منه، ومن ألاعيبه بعد.
مجدي نادر: وما دخل ابن قارن، إن الحادثة حصلت في قرية الـرأس، ولا يبدو من قريب، أو من بعيد أن هنـاك علاقة. أو صلة بين القاتل، والقتيلة، وبين ابن قارن.
بُراق: أنت تتصور ذلك، لست بعراف، ولكن سترى ما هي أبعاد هذه الإشاعة التي طارت عن الضحيتين. ابحث عن السبب وسترى العجب.
وعقب محمد مسعد مضيفاً: أنا فعلاً لم أسمع من طلاب قرية الرأس مثل القصة التي أوردها مجدي نادر، هل سمعتها في إدارة المدرسة يا مجدي؟
مجدي نادر: هه؟ في الحقيقة، سمعتها من أحمد الكافي المعاون، لكنه قال أن أحد التلاميذ من أبناء عمومة القاتل قد حدثه بذلك.
وأخذ مجدي يشرح كأنه يمارس درساً لغوياً، خاصاً أمام طلبته، وكأن بُراق غريب لم يتشبع بهذه الأساطير منذ طفولته، وبدأ مجدي يتعامل معه بشكل خاص، كأنه غريب عن المنطقة، وتقاليدها، فأضاف: يحدث هذا الحجز، بالحجاب الذي يجري عمله أثناء عقـد القِـران.  والعملية تتم بأن يجلس من يقوم بعمل الحجاب قرب المأذون أثناء عقد القِران سواء داخل البيت، أو خارجه. المهم أنـه يسـتطيع سماع صوت المأذون وهو يتلو كلمات، وتوصيات العَقـد، وعلى صـوت إرشادات المأذون، وتوصياته، يُمسك أي يعقد المّهتم بعقد غريمه، عن طريق عُقـد، يعملها في خيط، أو حبل، أو خرقة بلون يُفضل أن يكون أخضراً، أعده لهذا الغرض وتأتي كل عقدة إضافية مع كل فقرة من توصيات المأذون وكل عقدة تزيد الأمر تعقيداً، ويزداد احتمال عُسر حل الأمور.
صرخ  بُراق غير صابر من غيظه، وكأنه قد ضُرب على أم رأسه: كيف يُسمع هذا الهذر من شـخص متعلم مثلك ؟ لقـد غششـتني وأنت توهمني بإيمانك بالحلول العلمية للظواهر الطبيعية والبايولوجية. وها أنت تكشف اليوم عن أوراقك. كيف تؤمن بهذه الخرافات التي لا يصدقها، ولا يعترف بها أي فكر، أو دين؟ هراء، هذا كله هراء. اسكت بالله عليك، لا أحب أن أسمعك تتحدث كالعجائز المخرفات.
لكن مجدي عمد إلى إغاظته أكثر فأضاف: وهناك طرق كثيرة، منها أن الشخص الذي ينوي صنع الحجـاب لغريمه، يقوم بتلطيخ أسفل زوج من الأحذية،  بدماء الخروف، أو العجل المضحى به من أجل العرس، وأثناء عقد القران أيضاً. وحبذا لو يكون الحذاء ملكاً للعريس، وهو غالباً ما يُسرق في غفلة من أهل الدار، ولا بد أن يكون لمدبر المكيدة من عيون داخل الدار، أو وسيط عراف مثلاً. إن العملية هنا تتم بإلصـاق زوجي الحذاء ببعضهما، وهو أن يقوم بقراءة التعاويذ والأحجبة التي عملها له عراف، ولقنه إياها.
وهنا هجم  بُراق على مجدي فجأة، يريد سد فمـه مهما كانت النتيجة، لإسكاته بأية وسيلة، لكن رياض، ومسعد حجزا بينهما ضـاحكين، وبُراق يمطر رياض بالكلام: أقول لك هذا هراء، وإنك تتكلم بغير لسانك، وإلا فأنت تناقض نفسك، وتناقض كل ما تؤمن به، أليس كذلك؟
لم يجبه مجدي، وإنما عمد بإصرار ليغيظه أكثر وهو يقول: وهناك طريقة أخرى.
فصرخ بُراق هائجاً: كفى، كفى، لا أصدق ما تقول، ولا أريد أن أصدق، أو أسمع أي شيء.
قال هذا وحل نفسه من رياض، ومسعد، وخرج مسـرعاً خارج الدار إلى حيث احتضنته غرفة مرسمه في المدرسة، ولم يميز أي شيء وهو في طريقه، سوى أنه أحس بأنه تعَرق كثيراً على غير العادة، لأن نبضات قلبه قد تسارعت، واحمّرت وجنتاه، وأحتقن وجهه، وعندما جلس على كرسيه شعر لأول مرة ببرودة الغرفة، ورطوبتها فانحنى بوجهه عـلى المنضـدة محاولاً تهدئة نفسه، وامتدت يده لا إرادياً إلى علبة الدخان، لكنه تراجع متذكراً نصائح الطبيب. وفكر محدثاً نفسه: هل يعقل أن يتبنى الناس أفكار غيرهم بهذا الشكل؟ ويحاولون إضافة أشياء كثيرة من عندياتهم، ثم يقومون بسردها دون اللجوء إلى تفنيدها، أو على الأقل النظر إليها بعين الناقد الفاحص؟ هل يُعقل أن يفكر الإنسان بشكل؟ وعند التطبيق يسلك. أو يعّبر بشكل أخر، إن هذا لو حدث فإنه إنسان غير مستقر، أو مصاب بتعدد الشخصية لا، لا هذا غير معقول لأن مجدي الآن سوف يعتبر عاقل مع عقلاء البلدة.
وتسأل بُراق من جديد: ولكن ما دوره؟ وما دور العلم إذن؟
وتذَكر بُراق أحاديث مجدي التي كان ينقلها في الأماسي الماضية، على أنها أنواع من قصص الخيال عن الجان والعفاريت، والهوام . فبدأ بُراق يربط بين الأمور ليضعها في نصابها من جديد، وبدأ يرى أن مجدي لا يجرؤ على تصريح من هذا النوع، لو لم يجد الجو الملائم . نعم، نعم إن رياض هو الآخر شاركه في السرد لتلك القصص. وتذكر بُراق كيف أنهما حاولا التأثير عليه عندما سـرد مجدي قصة جني شرير، يقوم يدق ثياب الناس بالمسامير أو يقيدهم بقيود حديدية، وقصص أخرى تزعزع الثقة بالنفس، بل قد تصيب أشجع الفرسان بـالخوف من خياله، إذا ما تصادف وجوده في الظلام.
وكان بُراق وقتهـا يمر نفسه بامتحان عصيب مع ذاته، امتحان اجتازه بجدارة، وسـجل تلك المعاناة من خلال فصل تذبذبه بين التفكير العلمي، أو التفكير الغيبي، فقد تأكد له أن الحد الذي يفصل بين الحالتين كالشعرة، أو كحد التغيير بين التراكم الكمي، والتغيير النوعي. وتذكر ما قرأه في الثانوية عن حالة التسحيح، متصوراً التجربة التي علمهـم إياها الأستاذ محسـن عقراوي، عندما أضاف محلولاً لونه أحمر، إلى محلول آخر أبيض. ظل هذا كامل البياض، حتى المرحلة التي تغيير بها فجأة إلى اللون الأحمر.
وفكر بُراق بهذه اللحظة الفجائية، إنها اللحظة الحاسمة؛ مثل قرار اجتياز خط، أو عبور طريق، أو تجاوز علامة منظورة لكنها هنا تبقى من بين الأشـياء غـير المعلومة، وغير المحسوسة، بما يمتلكه الإنسان من حواس محدودة، تؤطره. ومع هذا فالأمر يجري، ويتطور. ولا يبقى عند حدود معرفة الإنسان به. نعم، نعم، إن الأشياء تحمل كوامنها ولا نعرفها إلا عندما نكتشفها، وبالمقابل فإنه لا يعني أن عدم اكتشافنا لها، هو عدم وجودها.
وفجأة طفرت إلى ذهنه الليلة التي بقى فيها خارج الدار. ومشى في الظلام الدامس، لكي يجَرب قدرته على الانتصار على الخوف المزروع، فيه فطرياً . ولكي يجـرب قدرته على اجتياز جدار التردد، كانت إشارته تلك مقياس للتجربة التي اجتيـاز درجات الخوف، ومراحل الفزع، المفاجأة في كل لحظة، والتحسب لكل نهمة ووقت، صار لكل شيء قيمته، ومجساته لكن الوقت كان المسيطر الكبير على الحالة، قصرا، أو طولاً فلكل هبة ريح تضخمها في حواسه. ولكل رعشة، أو صوت، أو صورة قاتمة في الظلام الدامس ردودها المتنافرة.  ولكل خطوة يجوسها بقدمه بأي اتجاه معاناة مرعبة. ومع هذا لم يجرب قدرة حصانته السابقة منها، بالطرق المعتادة بالنطق بالبسمللة مثلاً، أو حتى التفكير فيها، كما اعتاد هو، وكما يقوم بها الآخرون الآن. وقد فرح كثيراً لأنه اجتاز امتحانه، بصلابة لأنه ورغم حالـة الخوف التي اعترته لفترة قصيرة لم يحاول التحصن بما يعتقده غيبياً. ومع الأيام تكررت محاولاته المتعمدة، فازداد قوة ومتانة حتى انفصل عن ماضيه كلياً، وصارت الأفكار العلمية هي التي تهيمن عليه، ويسـتنير بها. ويفسر الظواهر كلها بناءً عليها. ويطبقها على نفسه أولاً. وتذَكر بُراق الآن، حالة مجدي الذي تتناقض معلوماته التي درسها بين نفسه وبين ما يفكر به من أمور غيبية.
وقد برز في تصرفه العملي، عندما يقول بأن هؤلاء يفعلون كذا، وأنا لا أفعل إلا كذا، إنني أؤمن بهذا المبدأ، وعلى الآخرين تطبيقه لنرى فعاليته، فهو يريد أن يطبق ما يؤمن به على غيره، ولا يقبل تطبيقه على نفسه. وتساؤل بُراق بسره: لماذا يستغرب من موقف هؤلاء المدرسين، ألم يواجه الأمر مع لجنة العلوم الحياتية في وزارة التربية ببلاده، وهم يتكلمون عن دارون ونظريته في النشوء والارتقاء، وعندما يرفع الآذان يقومون للصلاة، تماماً مثل هؤلاء الذين بيدهم كأس العرق، ويذهبون للصلاة، وحينما تناقشهم يقولون ساعة لربك، وساعة لقلبك يا بُراق، لينها. أو زملائه الذين يتفاعلون مع الفيلسوف كانت في مبدأ الشكك، أو وجودية ديكارت، وهموم نيتشه وصراعه بين الذات والأنا، ومبدأ الإنسان المتفوق، علماً وفكراً لا  قوة، وبأساً يصرع فيه أقارنه، ويتباهون بأنهم من أتباع كامو بعدميته؛؛ هؤلاء أيضاً تراهم يرددون أشياء لا يفقهونها ولا يؤمنون بها، وإنما يرددونها للتباهي بأنهم يعرفون هؤلاء لا غير، ولما ملّ بُراق من كثرة التفكير، واستقر أخيراً إلى هذه النتيجة. قام ليواصل عمله باللوحة التي بدأ برسمها صباحاً.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــرياً بـمـوقـعـنــا
| صالح جبار خلفاوي : السارية .

  اذكر عشقي الاول لفتاة بيتهم قرب ثكنة عسكرية في المساء زارنا ابوها هدد ابي …

| عباس خلف علي : نص في المكان – محاورة اللحظة لالتقاط ذاكرة القنطرة .

تراءت لي عند باب العروة ، القنطرة التي أثير اللبس حول انتزاعها من الضريح لتكون معبرا …

تعليق واحد

  1. د. باسم الياسري

    جميل ودمت مبدعا تحياتي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.