حمودي عبد محسن : الحداثة في رواية الأرسي

hammodi abedصدرت عن دار ( الدار ) في القاهرة أواخر عام 2008 رواية الكاتب سلام إبراهيم ( الأرسي ) وهي ذات طابع تاريخي واقعي، تعتمد الخيال في سرد نثري بمحورين: الأول ( الأرسي- المخبأ )، ثانيا: الجبل ( حركة الأنصار ) ليندمج المحوران في الرواية كلها في زمن الدكتاتورية المحدد، ولتعطي مفعولا جماليا في التجديد، فالمحوران متلازمان في الكل والجزء، في العام والخاص، وبالاستعمال الأوسع للمفردات، لتكون الرواية بأسلوبها ذات نوع متميز متتابع الأحداث، بلغة ذات جريان واحد هو الطابع الإنساني العاطفي في صخب الحرب ليعاني منها الإنسان العراقي في بؤس وحرمان واضطهاد، لذلك تختط الرواية منهجا جدليا في جوهر المعاناة، ويبرز تكوين خاص في الرواية الذي يعطيها عوامل التجديد بأجزائها وأبعادها التاريخية، وروافدها بلغة متسارعة، محددة، متعددة المظاهر، تنمو فيها معاناة المواطن العراقي، لتمتد أصالتها إلى النفس العراقية، بقواعد فرضتها لغة الكاتب التي يتحدث فيها عن نفسه ( الزوج، الحبيب، المناضل)، ويتحدث أيضا عن الآخرين وسط أنواع بشرية ذات أمزجة مختلفة، ومواقف مختلفة من الحياة، فعندما نتحدث عن التجديد وأشكاله ومدلوله وقيمه نجده في واقعية الرواية على أسس جمالية، مستعملا الكاتب في أحيان كثيرة اللغة الشائعة في الحوارات ليعطيها أصالتها العراقية، ولتكون اللغة لغة الجميع، وطنية متداولة، وان العوامل السياسية في تغير البنية الاجتماعية جاءت نتيجة ممارسة الدكتاتورية لسياسة الترغيب والترهيب، فالدكتاتورية همجية وحشية تضطهد الجندي، وتستخدم السلاح الكيمياوي ضد الأنصار، تلحق الموت بالهارب من الجيش، ومن يخفيه في بيته والذي تحدث عنه في المحور الأول من الرواية، فلذلك كان التواجه مع الروح الإنسانية مغزى كبير في الرواية salam ibrahim 5بطابعها النفسي والاجتماعي والأخلاقي، لتبني مقاومة، ومواجهة الدكتاتورية بأرقى أشكال النضال وهو الكفاح المسلح كنهج نضالي، وتبين الرواية مكافحة الخوف والتردد، ودور خاص للفرد بحقيقة وجوده سواء في جبهات الحرب أو الاختفاء أو حركة الأنصار، وكذلك تدين الدكتاتورية وما سببته من ويلات للفرد العراقي، فالكاتب ارتقى إلى المستوى الإنساني ونزع الخداع في التعبير عن الصراع مع أشرس نظام وتوج بنية مهيمنة وهي العاطفة لزوجته التي تكاد تكون الشخصية الثانية في الرواية، حيث تشد القارئ إلى متابعتها بواقعيتها المعقولة اليومية، ويكاد يكون الحب بين الطرفين غير عادي، غير معقول الذي يتوج غالبا بالجنس مكسرا الزمن بطابع تاريخي إنساني عميق، متحكم بالمظاهر كصيرورة التي يسعى الزوج الحفاظ عليها، وخوفه من انفراطها، فهو يقوي ذاته بمواصلة الحب، والحفاظ عليه، الذي في أغلب الأحيان كان جوهر تفكيره ليرتقي به، ويكافئ نفسه عليه منطقيا لأنه توج قبل زواجهما، فهو الآخر منبثق من التاريخ، له امتداده الزمني الطويل، يعيشه، ويضطلع به، خاصة الظروف الصعبة التي مرا بها الحبيبان، وهو في الأرسي الذي يختفي فيه في بيت عمته غالبا ما يتذكر حبيبته ، وكذلك ينفي الوجود والموت بدون هذا الحب الذي كان دافعا له على الصمود، وينفي واقعه من خلال التخيل، وينسحب من واقعه إلى مدينة متخيلة تأخذه إليها بنت الجيران محطما الزمن في أثر أدبي جميل، واصفا حالة عمته الأرملة رمز المرأة المحرومة في واقع سياسي واجتماعي صعب، واقع يرفضه، واقع له أحداث مترابطة، ومعروضة حسب منطق الواقع المعاصر، منحازا إلى عمته المحرومة من رجل، والمحروم هو من زوجته، فكأن هناك تحالف في المعاناة في ظل الدكتاتورية،وهو يتنقل في مغامرات زوجية لممارسة الجنس في أجواء الثوار الذي يرفضه هو الآخر لأنه يفصل بين الزوجين، وقد أسرف في الزواج الحقيقي المبني على الحب والحنان رغم المتاهات في حركة الأنصار فحاول صياغة التاريخ أثر معطيات كثيرة، وبنية معاشة قدريا للخلاص من بطش الدكتاتورية، ويثبت حقيقة الأوضاع التي تسحق إرادة الإنسان، أنه اختط نهج فلسفي لسلسلة أحداث موضوعية ملموسة، مرتبطة بعضها ببعض سواء دخلت في الوعي الفردي أو العام، ويضعنا أمام الحتمية النضالية إذ لا يوجد نضال آخر سوى السلاح لمقاومة العنف المنظم، وهو يوصف الثائر كنموذج اجتماعي واعي أو مشوش فكريا، وهو المخلص إلى قضيته التي آمن بها لمقارعة الطغاة، فالبشر صانعي التاريخ، والثوار صانعي المقاومة، والاستبداد السلطوي صانع الموت،كل ذلك يجري في تسلسل متطابق مع المنهج المادي الجدلي الواقعي، وقد يكون الحتمي في القيم والمثل للمواجهة، كل ذلك غير طبيعي، غير عادي في ظرف استثنائي، أن الرواية kh salam 2متجانسة تتجه نحو المصير الإنساني للفرد العراقي في خطى متسلسلة لأحداث الرواية في حيز الأرسي والجبل بمفهوم زمني محض لمدة ليست قصيرة بتسلسل الوقائع، يجعلنا نبذل جهدا كي نحس بين الوقائع وأهداف الرواية وصيرورتها وتركيبها والطابع البنائي في فوضى التعسف وهدم المفاهيم الأيدلوجية الجاهزة ليوظف الجنس في خطاب فني واقعيا أو تخيليا ومدرك شامل بتقنيات حركية وصفية لينمو، وينتهي في مدخل الحب، في تشكل بؤرة ميدان الرواية انطلاقا من أن الجنس حاجة وثقافة لرمز الوجود بعلاقة متبادلة حسية في مبدأ جمالي، يستند على أن الرواية نص كلي، ترتبط عناصرها في مفهوم متجانس منبعث من الرغبات الحسية والمتعة البشرية الواعية في غربة حيز المكان، ذات امتداد للحلم في الحقيقة والواقع، يتقدم بها المؤلف باتجاه مفاده لحظة السعادة التي ينطلق منها لرؤية العالم، وهي تمثل البنيان الأساسي للرواية في تحليل بنيوي دلالي، ساعيا للكشف عن أسرار علاقته بزوجته ،وهنا نستلهم الدور الذي وضعه المؤلف على نفسه في تنظيم اللغة في التعبير والمحتوى في طريقة معقدة نفسيا وثقافيا واجتماعيا، تتعدد محتوياتها كأثر جمالي بين المفردات والمعاني كي نعير الأهمية للشخصية في الوصف والحوار واللغة والحدث، ليحل العقدة في انسجام جمالي ذا علاقة شديدة بالجنس محصور بالتناقض والنزاع مع الموت الذي يتحكم في هواجس المؤلف، فالموت نهاية لا يريدها المؤلف التي عرضها في استشهاد أخوه، وأبو رزكار، وموت زوج عمته الغامض، محاولا توحيد الموت جذريا في الرواية كنتاج لمرحلة تعسفية.
أن الشخصية في الرواية متوحدة جذريا، خارجة من واقع اجتماعي مرغمة عليه وهي تتنكر لبعض المعايير الاجتماعية والسياسية، أنها تطمح إلى التغير وإقامة نظام عادل في علاقة جدلية مع الظواهر والأحداث ومجرى التاريخ فتمتاز بنقضها وتهكمها ونقمتها على النظام السائد وتطالب بحقها في الوجود، وان تكيف الزوج مع الجبل اعتبره ظاهرة خارج إرادته لينجو من الموت، وقد اختط لنفسه العيش من أجل الجماعة، وبهذا التميز والتفرد في الرواية نلاحظ أن وظيفته هي مسايرة الأوضاع لأنه لا يملك القدرة على التغير، ويبقى ذلك في طموحه، وتجليات أفكاره، ربما تفوق الزمن والمرحلة التاريخية، وفي هذا الاضطراب يبحث عن هويته الذاتية التي يجد فيها الواقع ، والشيء نفسه بالنسبة إلى زوجته فأثناء القصف الكيماوي تقوم بمعاينة المصابين بكل تفاني ونكران ذات، وهي تطمح إلى مجتمع مثالي له أشكال متعددة وأهداف متنوعة، فقد جعلها المؤلف ساحرة في وضع اجتماعي وثقافي موضوعي يفكر بالالتزام العقائدي، تكاد تكون النمطية متوحدة في الشخصيتين كنموذج لفهم الفردانية في ذات الواقع، أن جميع الشخصيات تطمح التخلص من كابوس الدكتاتورية، ذلك يجعل الأنصار مترابطين، متكاتفين من أجل هدف سياسي سامي في واقع الظروف، فهم يواجهون العالم من مرتفعات الجبال، والأودية، والسهول، وقد غاص المؤلف عميقا في الفردية خاصة عندما يتحدث عن أبو خولة نموذج الثائر الايجابي التي تمتد جذوره إلى البصرة، فكل الشخصيات تحمل هوية سياسية تاريخية توحدها معرفة الوعي الثقافي.
فالشخصية تجعل القارئ يدركها في وجودها، والظواهر التي تتشكل على خلفية الواقع اليومي والتداعي بالأحاسيس المنهكة تحمل حوارات وانطباعات تشدها عواطفها، وأهدافها المغلقة بالتنوع للظواهر، مستمرة، متجانسة، فالقبلة لمسة إنسانية، وذاكرة حية، يهاجمها الزمن بكل تفاصيله كأن الزوج في تجمع بيئي اجتماعي ثقافي لم يشعر به، له حجم وملمح متباين، فالمؤلف يحيط بالقبلة ويحدد بدقة لغتها في لحظة تاريخية معينة، تلح على ملامح الحياة بتقدم لا متناهي للتاريخ في تكوين زمني ذو ازدواجية في البنية والخطى الواقعية، متجانسة مع النص بوحدة الشخصية، وفي ذات الأسلوب في الوصف والحوار، فظاهرة التجديد في الرواية كنوع خصوصي باختيار تقنية ذات علاقة منطقية بين الشخصية والواقع، لتكون ذات اتجاه ودلالة في معنى التاريخ، في مسار التاريخ، لتكون مرآة في الكل والجزء، العام والخاص، الهيئة والصورة، اللحظة والزمن، فالرواية شكل ومضمون متعددة الأصوات لواقع تتقاطع فيه لغات كثيرة، مدركة كل الخطوط والعناصر على المستوى الفردي والاجتماعي، برغبة جسدية لا تفارق الدوافع الواعية والطموح الإنساني، تبين القيم السطحية رافده الأساسي سعي الوعي لتبحث عن نفسها، فلا فراغ في التقنية والشكل، الموت والحب، القيم والمثل، بل ذات نظرة شاملة لواقع العراق المعاصر، أن نجاح الرواية يكمن في تراهن الصور أي بتنسيقها مثلما تتناسق الشخصيات في وحدة الرواية ثقافيا واجتماعيا ليكون النص موحد تركيبيا في العقدة والحوار ليحتوي على آثار محددة مؤطرة في فكرة الواقع التاريخي بألم الإنسان في عصر الدكتاتورية، وكذلك تدخلنا الرواية إلى نفسية الشخصية الرئيسية في أثناء الاختباء ( الأرسي ) وأصابته في القصف الكيماوي في تيار جاري لمنولوج داخلي، يتعايش القارئ مع الانطباعات والأحاسيس بأسلوب مميز خاص عبر الزمان في مهارة اللغة، وتوحي باندماج الكلمات حتى تصبح الشخصية تاريخية خالدة في مجتمع إنساني لابد أن يتغير، وفي ظل استبداد سياسي لابد أن يزول ، فالزمن يدور ، ونهر – الزاب – يجري ، ومنبعه قمم الجبال ، فكل شيء يتجدد، والحياة تتجدد في نص نثري معبر عن مرحلة خاصة، متشربة بالصور المتحركة، منفعلة أحيانا بحوار مع الذات ذو دلالة سياسية عميقة، فالرواية تجمع مدلولات تاريخية وثقافية ونفسية، تجمع بين متناقضات، ونزاعات فكرية، واختلافات في رؤية العالم، تجمع بين علاقة الحب والجنس، وعقدة البيئة الاجتماعية، تواجه نظاما تعسفيا، وتعطي معنى للزمن في قيم تتعرض للنقد، تعبر عن الحقيقة في حيز منظم في مجرى الحياة لتعطي التجانس والانسجام في علاقة جدلية تعكس الواقع كمرآة له، أن الرواية تصف الإنسان في عالمين متناقضين، العالم المقيد ( الاختفاء – الأرسي )، وعالم الحرية ( حركة الأنصار )، كنص شامل في مستوى الأدب قادر على التعبير عن النظرة إلى العالم كحقيقة حسية تمثل تاريخ حاسم لمحوريي علويين، فالأرسي في أعلى البيت، والجبل أعلى من مستوى الأرض، يعطي للشخصية واقع حالها كموضوع حامل أفكار التجدد المعقول في ظرف سياسي – اجتماعي صعب، راسما ملامحه الثقافية والعاطفية والجنسية،كفرد أساسي في واقع اجتماعي حقيقي، يطمح الفرد إلى تغير الصرح السياسي في جو الظلم والعيوب، في نظرة تقدمية ذات طابع جدلي في طبيعة العلاقات الإنسانية، التضامنية في حركة الأنصار، فالرواية تتطرق بإسهاب إلى الأثر النضالي الأنصاري ضمن تاريخ حقيقي توافقه مجموع الشخصيات فالمثل والقيم في بنية إيديولوجية تتنازع مع أزمة القيم عند الدكتاتورية التي ارتكبت المجازر ضد الشعب.
بسبب من متانة الرواية في بنيانها وتكوينها وتفاعل الشخصيات في داخلها والتي تختلط فيها القيم والتاريخ والواقع في منهج جدلي عقلاني، وتجاوز ( الأنا ) في مجتمع ثوري كحركة الأنصار، وإعطاء معنى دقيق للحياة، وذات لغة متجانسة متميزة، والدفاع عن العدالة، وتمجيد الحرية، ومحاربة إرادة القوة والعنف، وتتبعها نبرة خاصة، كونت شكلا ومضمونا لرؤية جديدة عن بشاعة الدكتاتورية، ووصفت وصورت العلاقات الإنسانية وطموحات الإنسان في إدراك تقدمي، مركزي تولد في حركة الأنصار. أن معاينة الرواية تعطي شخصيتها الرئيسية نموذجا جديدا في تجاوز النماذج المعتادة في كتابة الرواية، وتخرج بمفاهيم عن الإنسان العراقي المعاصر، وكذلك تخرق التقليد، فهي لم تمجد الإنسان المثالي، وترفضها، بل كانت الشخصية واقعية ليحكم القارئ على ملامحها، ونلاحظ أن الحوار الداخلي يتطور، ويختلط بالأحداث انطلاقا من تجربة النضال السري في الداخل، والنضال العلني في حركة الأنصار، فالمؤلف فكر في ذاته ليجعل التنويعات اللغوية، ومحاسنها الثقافية أشمل مدفوعا نحو القيم والمثل والجمال بوعي ليحل عقدة ( الأنا ) وضيق أفقها، وليجعل من الجنس حب التحليل والفن، وتقلص اللامبالاة أمام هذا السير والتوسع في هذه العاطفة الإنسانية التي تعتبر انعطافة حاسمة في الرواية، تخاطب الذات ، وتقدم ميدانا واسعا لهذه التجربة التي تتقاطع مع الجمود العقائدي، وضيقه، ويعرف نفسه في الوصف، وليثبت هويته ضد وجود آخر متزمت مجهض، هكذا كانت الشخصية تتطور في عالم العزلة والجماعة ، لتكون شرعية مرتبطة بالحلم ، حاضرة ، متجددة .

20009 / 12 / 10
حمودي عبد محسن

شاهد أيضاً

جمعة عبدالله: قراءة في المجموعة القصصية (في الوقت الضائع) للاديب الدكتور صالح الرزوق

يتميز الابداع الاديب بالنشاط الدؤوب والحثيث في المثابرة والجهد في جوانب متعددة من الموهبة الاصيلة …

حكمة النص
مشاهد في اقتفاء معطيات النص الشعري
(نخبة من الكتاب)
اعداد وتقديم ومشاركة “نزار السلامي” (20)

نزار السلامي التقاط الدر من واحة الشعر قراءة نقدية موجزة في ديوان ( ثمة ما …

الفكرة المكثّفة في مجموعة (دموع من رمال – د. ميسون حنا) القصصية
بقلم الروائي محمد فتحي المقداد

التركيز الفكريّ مُهِمٌّ جدًا فيما يتناوله الكاتب في محتواه الكتابيّ ونتاجاته؛ فهو يتيح مساحة فَهْمٍ …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *