حسين سرمك حسن : عبد الحسين شعبان : هل قرأ رد ماركس على برودون بصورة دقيقة ؟ (الحلقة الأولى)

hussein 5# ملاحظة :
—————  
هذه سلسلة حلقات من مخطوطة كتاب لكاتب المقال عنوانه “عبد الحسين شعبان : ما له .. وما عليه” ، سوف يصدر في القاهرة قريباً بإذن الله  .
# الحلقة الثانية :
——————–
هل قرأ عبد الحسين شعبان رد ماركس على برودون ؟
لقد افتتحت الحلقة السابقة بعبارة للأستاذ عبد الحسين شعبان قال فيها :
(يمكنني القول : لا يمكن اختصار الماركسية بماركس، وينبغي قراءة الماركسية بمنهج جدلي، أي بمنهج ماركس لا بتعاليمه فتلك تصلح له ولعصره، وعلينا اكتشاف قوانيننا. كان ألتوسير يردد: إن فهم التاريخ هو في قراءة الوعي بضده، وتلك أزمة المنهج التي يمكن بواسطته قراءة الواقع بضده، كما أن الفكر يُعرف بضده.
في زيارة ميشيل فوكو لألتوسير في مصحته العقلية بسانت آن في ضواحي باريس سأله: هل ما زلت ماركسياً؟ أجابه ألتوسير ومن تكون أنت بغيرها؟ لكن ماركس هو الذي نبذ فكرة التأطير بردّه هذا على برودون) (1) .shaban 6وقد تناولت في الحلقة السابقة الطويلة خطأ الإستنتاج الذي خرج به الأستاذ عبد الحسين عن ألتوسير ، والذي قفز به إلى محطة الإستنتاج من دون مراجعة تفصيلية لفكر وفلسفة ألتوسير ، وهي المراجعة التي قمنا بها سابقاً .
وقد لفت انتباهي من نفس العبارة قول عبد الحسين الذي ختم به عبارته وهو :
(لكن ماركس هو الذي نبذ فكرة التأطير بردّه هذا على برودون ) .
وفي البداية أودّ أن اشير إلى إرباك يحصل لدى المتلقي من خلال استخدام ضمير الإشارة (هذا) . لأنك حين تقول (بردّه هذا) ، فمعنى ذلك – من وجهة نظري وقد أكون مخطئا – أنك ذكرت (هذا) الرد في سياق حديثك السابق لهذا الموضع ، ولهذا فأنت تحيل القاريء أو محاورك إلى (هذا) الرد الذي ذكرته قبل قليل . ويمكننا أن نضع احتمالا في صالح الباحث ، وهو أن هذا الضمير قد جاء بخطأ مطبعي .
ولكن ما هو أهم من هذه الإلتفاتة اللغوية بكثير هو الجملة كاملة :
(لكن ماركس هو الذي نبذ فكرة التأطير بردّه هذا على برودون )
فمعنى هذه الجملة واضح وهو أن ماركس رفض فكرة التأطير والجمود المنهجي التي وقع فيها ألتوسير (وقد أثبتنا خطأ هذا الرأي الفظيع) بردّه على برودون .
كنت قد قرأت ردّ ماركس على برودون قبل سنوات ، وقد علقت بذاكرتي مضامينه الرئيسية ، وقد وجدت بصورة سريعة أن قول عبد الحسين هذا يمثل – مرة ثانية – نوعاً من القراءة السريعة والإنطباعية التي لا تعبّر عن المضون الحقيقي لذلك الرد . فاضطررت للعودة إلى قراءة ردّ ماركس مرّة ثانية ، بل مرّة ثالثة لغرض طرح تقييم دقيق وموضوعي لما قاله الأستاذ عبد الحسين قائم على القراءة النقدية الذكية التي تعتمد المنهج الجدلي التحليلي .

karl marx# رد ماركس على برودون هو كتاب “بؤس الفلسفة” :
——————————————————
ينبغي أولا أن نوضح أن ردّ ماركس على برودون هو – كما نعرف جميعا – كتاب ماركس “بؤس الفلسفة” الذي صدر في شتاء سنة 1846 – 1847 ، والذي ردّ فيه  على كتاب المفكر الفرنسي (بيير جوزيف برودون( (1809 – 1865) : (فلسفة البؤس أو تناقضات النظام الإقتصادي) . وقد كتب أنجلز مقدمة هذا الكتاب (مقدمة الطبعة الألمانية الأولى) ، ولم يشر فيها – كمدخل مناسب لموقفنا النقدي – إلى أي مسألة نظرية تتعلق بالمنهجية والجمود المذهبي في التحليل أو ما سمّاه عبد الحسين بـ “التأطير” .
ولننتقل الآن إلى موقف كارل ماركس من هذه المسألة الإشكالية في هذا الكتاب / الردّ تحديداً . ولكن قبل ذلك دعونا نقدّم نبذة عن علاقة ماركس ببرودون ، ونظرة عامة عن رأيه في آراء برودون ثم نبحث مسألتنا الأساسية .

# علاقة ماركس ببرودون :
—————————-
كان برودون عامل مطبعة – بعد أن ترك الدراسة الجامعية بسبب الفقر – علّم نفسه اللاتينية لكي يطبع نسخاً أفضل من الكتب اللاتينية .
لقد كان ماركس على اتصال مباشر بهذا المفكر الإشتراكي الفرنسي ، وتأثر به ، وهو يُعتبر أحد منابع الفكر الماركسي . فقد تميّز برودون عن سائر الإشتراكيين الفرنسيين بأنه منذ كتابه الأول “ما هي الملكية ؟” أو “التحقيق في مبدأ الحق والحكومة” الذي نشر عام 1840 حيث نادى بإلغاء الملكية . ولم يكتف بنقدها ، بل اعتبر الملكية هي السرقة . وحقق بذلك تقدّماً على (فورييه) . ويرى بعض المؤرخين أن هذا الكتاب هو الذي اشعل في ذهن ماركس رفض الملكية الخاصة . وقد قدم برودون عدة انتقادات علنية لماركس وللماركسية لأن ماركس في وقته كان مفكرا بسيطا ، وبعد موت برودون حسب اصبحت الماركسية حركة كبيرة .
وفي واحد من أعماله المبكرة وهو “العائلة المقدّسة – the holy family” قال ماركس عن برودون :
“لم يكتب برودون لصالح البروليتاريا حسب ، بل كان هو نفسه بروليتارياً . كان عمله بيان علمي للبروليتاريا الفرنسية ” .
لفت نشر كتاب برودون انتباه السلطات الفرنسية ، وجذب أيضاً تدقيق كارل ماركس الذي بدأ المراسلة مع مؤلفه . أثر الإثنان في بعضهما البعض ، وتقابلا عندما كان ماركس منفياً هناك (في باريس) ، وقامت علاقة صداقة بينهما . إنتهت هذه الصداقة عندما ردّ ماركس على كتاب برودون هذا (لاحظ معنى استخدام الضمير “هذا” في السياق – الباحث) مع العنوان الاستفزازي (فقر الفلسفة). أصبح النزاع واحدا من مصادر الانقسام للجناحين الفوضوي ، والماركسي ، لمنظمة الرجال العاملين الدولية . بعض المحللين كإدموند ويلسون اعتبروا أن هجوم كارل ماركس على برودون له أصل في دفاع الأخير عن “كارل غرون” الذي لم يحبه ماركس على الإطلاق ، والذي كان يقوم بإعداد ترجمات لأعمال برودون ، وستلاحظ ، سيّدي القاريء ، في رسالة ماركس إلى برودون المقبلة كيف يحذر رفاق ماركس برودون من غرون ويصفونه بالهزيل والأضحوكة والرجل الخطير .
ونلاحظ في هذا الكتاب ، أيضا ، أن برودون لم يكن لطيفاً بحق الفكر الاشتراكي والشيوعي ، إذ كان يرى مثلاً أنّ «الشيوعية عدمية وتمثّل السكون، الليل والصمت» . وكان يقول عن اشتراكية شارل فورييه إنّها لا تحتوي سوى الحماقات والجهل.

برودون
برودون

# موقف ماركس من برودون في “بؤس الفلسفة” ضد النزعة الإصلاحية :
————————————————————————
لقد حاول برودون في كتابه “فلسفة البؤس” أن يطبّق الديالكتيك الهيغلي على المسائل الإقتصادية والاجتماعية ، فانبرى فكر كارل ماركس النقدي للرد عليه في كتابه “بؤس الفلسفة” كما قلنا . وفي هذا الكتاب يعود ماركس مرة ثانية للتصدّي لفلسفة هيجل ، ويأحذ على برودون أنه سار في أثر هيجل ، واقتفى منهجه في التحليل . فالديالكتيك “ليس سوى حركة العقل المجرد في ذهن الفيلسوف . هذه الحركة التي تؤكد ذاتها ، ثم تنفي ذاتها ، ثم تنفي النفي ” . وهكذا اندفع ماركس في هذا الكتاب لمهاجمة الفلسفة والطريقة الجدلية بمهاجمته لتحليل برودون للمقولات الإقتصادية والإجتماعية . فبرودون يعزل في رأي ماركس جوانب الواقع المتناقضة بعضها عن بعض ، بدلا من تحليلها في مجموعها وتفاعلاتها المتبادلة . وهو ينتهي إلى (نزعة إصلاحية) يظن من خلالها أنه يكفي اتخاذ التدابير القانونية أو الأخلاقية حتى تتلاشى السرقة وينتهي الإستغلال الذي يقع العامل ضحيتهما . فبرودون في كتابه “فلسفة البؤس” لم يدرك حسب رأي ماركس الدور التاريخي لذي تقوم به الطبقة العاملة ، ولم يفهم العمل النضالي كما لم يربط الإستغلال الفردي داخل المجتمع الرأسمالي ببنية هذا النظام . فالراسمالي كما يرى ماركس في ردّه على برودون “ليس محتالا ولا لصا سارقا ” ، وهو يمكن أن يكون على الصعيد الفردي إنسانا شريفا كاملا ، وهو يدفع ثمن العمل بقيمته في سوق العمل . ولكن المزاحمة بين العمال تُنزل دائما من قيمة العمل نحو الحد الأدنى ، الذي يكاد لا يكفي غذاء العامل ، وهكذا يحقق الراسمال كمية من الربح ، فليس إذن الراسمالي الفرد هو المطروح على بساط البحث ، وإنما النظام الرأسمالي ، بقوانينه الداخلية . هذا النظام الذي لا يمكن تغييره بواسطة الأخلاق والتشريع وحدهما ، ولا بقصر النضال العمالي على المطالب النقابية ، كما تبشر النزعة الإصلاحية ، لأن البروليتاريا ، في ظل الصراعات القائمة ، لم تعد تستطيع تحرير نفسها من الطبقة المستغلة المستبدة ، إلا بتحرير المجتمع كله في الوقت ذاته .
إن هذا التفاعل بين فكر كارل ماركس وبين الحركة الشيوعية والتفكير الإشتراكي قد ساهم في تطويرهما معا . فمن ناحية ازداد الفكر الماركسي وضوحاً ودقة استقلالية ، ومن ناحية ثانية تقدمت الحركة الإشتراكية تقدّما كبيرا بعد البيان الشيوعي الذي كان ثمرة من ثمار هذا التفاعل . (2)
kh marx misery 3ومن التأثيرات الأخرى لبرودون هو أنه كان قد تعامل مع مشكلة القيمة الزائدة , من بين أشياء أخرى . لقد أوضح أن الاستيلاء غير المدفوع على “القوى الجماعية” ( القوة الجماعية ) للعمال المأجورين هو واحد من مصادر القيمة الزائدة . علاوة على ذلك فقد سمح نقد برودون الشامل للملكية الخاصة لماركس بتجاوز فلسفة فيورباخ في العائلة المقدسة و موضوعات عن فيورباخ ( 1845 – 1846 ) ، وأن يكتشف البنية الاقتصادية للرأسمالية , كأساس فعلي للمجتمع . في عامي 1846 – 1847 كان برودون بالإضافة إلى ماركس , الذي كان تحليله للرأسمالية ما يزال سطحيا جدا , يدعم نظرية العمل للقيمة لديفيد ريكاردو : إن قيمة المنتج تتحدد بوقت العمل الضروري لإنتاج هذا المنتج . (3)

# سخرية ماركس من برودون :
——————————–  
إن من السمات الأسلوبية البارزة لماركس في ردّه على برودون هو السخرية المرّة والقاسية التي طبعت مواقفه ومراجعاته لأفكار برودون ، وهي سخرية تتجاوز شروط البحث العلمي الموضوعي ، وأسس التعامل الفكري بين الكتّاب والباحثين . خذ هذه الشواهد مثلا :
–    إفتتح ماركس مقدمة كتابه بالقول : (لقد كان برودون سيئ الحظ لأن سكان أوروبا لم يفهموه. لقد قيل عنه في فرنسا أنه كان اقتصاديا فاشلا لأنه كان معروفا أنه فيلسوف ألماني. ولقد قيل عنه في ألمانيا أنه كان فيلسوفا فاشلا لأنه كان يعد من أقدر الاقتصاديين الفرنسيين، وبما أنه كان ألمانيا واقتصاديا في نفس الوقت، لذلك نرغب أن نحتج على هذا الخطأ المزدوج.- ص 10) (4).
ثم تمضي مسيرة السخرية التي لا تُحتمل عبر أغلب صفحات الكتاب :
-يجب علينا إذن أن نوضح طريقة برودون الغامضة ككتاب « اللوائح الاقتصادية »، ولهذا السبب نقوم بتقديم سبع أو ثماني ملاحظات، مهمة أو غير مهمة، وإذا لم يفرح « الطبيب » برودون بملاحظاتنا فما علينا أن نصبح Abbé Beaudeau بودو، لكي يعطي بنفسه « شرح الطريقة الاقتصادية الميتافيزكية ».ص 29 (5)
-إن برودون – وهو يمسك الأشياء بيده رأسا على عقب كفيلسوف – لا يرى في العلاقات العادية إلا تجسيدا لهذه المبادئ ولهذه اللوائح التي كانت قائمة – وهكذا يخبرنا برودون الفيلسوف أن هذه اللوائح كانت نائمة في صدر « الحقيقة الانسانية غير الشخصية ص 31 (6)
-ودعنا لدقيقة واحدة نعتبر برودون لائحة. ولنفحص جهة الخير والشر عنده ولنفحص حسناته وسيئاته(7).
لو كان يمتاز بحسنة على هيجل لأنه وضع مسائل جعل من حقه الوحيد أن يحللها لخير البشرية، فإن له سيئة أنه عُرف بالعقم عوضا أن يخلق لائحة ديالكتيكية جديدة. ص 33 (8)
-إنه يريد أن يكون الفكرة الناتجة Synthesis، إنه خطأ مركب. إنه يريد أن يظهر بمظهر رجل العلم الذي هو أعلى من البورجوازية والبروليتاريا، إنه بورجوازي صغير يتأرجح بين رأس المال والعمل، وبين الاقتصاد السياسي والشيوعية .
ص 39 (9)
-إن تقسيم العمل يحقر العامل إلى درجة متأخرة، وبهذه الدرجة المتأخرة تتعلق روح تعيسة، والروح التعيسة بنقصان مستمر لهبوط الأجور ولكي يبرهن أن هذا التنقيص مؤلم لروح تعيسة يقول برودون – وهو يحاول أن يخفف ألم ضميره – هذا هو ما يريد الضمير العالمي. وهل نقدر أن نعد روح برودون في عداد الضمير العالمي؟ ص 42 (10)
-ولنقل لبرودون الذي يرى الأشياء عاليها سافلها – إن كان يراها – أن تقسيم العمل – بنظر آدم سميث – يسبق المعمل الذي هو شرط لوجوده.ص 45 (11)
-ولنقل خلاصة، نقول أن برودون لم يكن إلا بورجوازياً صغيراً مثاليا. ولكي يحقق مثاليته ما كان يفكر إلا أن يرجعنا إلى العامل اليومي، وإلى المهنيين الإختصاصيين في القرون الوسطى. هذا ما يقوله في مكان ما في كتابه أنه يكفي أن يخلق  عملاً عظيما مرة في الحياة، وأنه يشعر أنه كان رجلا ولو مرة واحدة ! ليس هذا العمل العظيم هو الشيء الذي كانت تطلبه النقابات التجاريه في القرون الوسطى. ص 47 (12)
-ﺇن ارتفاع أو انخفاض الاْرباح والأجور تعبر عن النسبة التي يشارك فيها معظم الرأسماليون والعمال في إنتاج يوم عمل بدون أن يؤثروا في معظم الأوقات بسعر المنتوج. ولكن « الاضرابات التي يتبعها زيادة في الأجور تظهر في ارتفاع عام للاسعار في قلة وعوز ». هذه ليست إلا أفكاراً تزخر فقط في دماغ شاعر لا يفهم.
ص 59 (13)

# لكن ما علاقة هذه السخرية بموضوعنا ؟

————————————————
الجواب هو :
إن هذه السخرية المفرطة – كمّاً ونوعاً – توضح أن ماركس كان في وضع المسفّه والمقوّض لأفكار برودون ومنهجه ، وهذا يعني من الناحية المعرفية والنفسية أن ماركس يرى أن منهجه هو المسيطر والوحيد ـ بل “التأطيري” ، أي بخلاف ما افترضه الأستاذ عبد الحسين من أن ماركس هو الذي رفض التأطير المنهجي في ردّه على برودون . خصوصا عندما نربط سخرية ماركس من برودون بسخرية أخرى لا تقل ضراوة وغرابة ، وهي سخريته من “هيجل” في هذا الكتاب . فعلى الصفحة التاسعة والعشرين من كتابه / ردّه “هذا” ، وصف ماركس هيجل بأنه “أستاذ فلسفة بسيط في جامعة برلين” ، وهو موقف ليس ساخرا حسب ، بل مناقضا للحقيقة ، لأن هيجل كان آنذاك علم الفلسفة في أوروبا كلها ، برغم اعتراضاتنا على فلسفته ، ومنهجه الجدلي المثالي ، وعلى مواقفه التي تقترب من “العنصرية” أحيانا ، خصوصا في موقفه المهين من الشرق ومن أفريقيا وغيرها .
أي أن استنتاجنا الأول هو أن ماركس هو الذي كان يريد أن يؤطّر الظواهر الإجتماعية وتحليلها بمنهجه فقط ، منهجه الذي كان يعدّه صالحا لكل وقت ولكل ظاهرة . فقناعة ماركس كانت معلنة من قبله وفي عشرات المواضع والكتابات ، وهي أنه قدّم تفسيرا شاملا للتاريخ الإنساني ، وجعل التحوّل الإشتراكي للمجتمع ضرورة تاريخية . ولم يكن لدى ماركس أدنى شك حول الطبيعة “العلمية” لقوانينه الإقتصادية ، والتي اعتبرها قوانين “حديدية” تسفر عن نتائج حتمية لا مفرّ منها ، أو حول الطبيعة “الموضوعية” لتصوّره هذا ، والذي جعله موازٍ لعملية التاريخ الطبيعي :
(إنها مسالة هذه القوانين نفسها ، مسألة ميلها لأن تعمل كضرورة “حديدية” باتجاه نتائج حتمية ، ووجهة نظري ترى نشوء التشكيل الإقتصادي للمجتمع كعملية من عمليات التاريخ الطبيعي) (14)
أما استنتاجنا الثاني فهو أن ماركس حين يرفض التأطير كما زعم الأستاذ عبد الحسين ، وهو استنتاج غير واقعي كما لاحظنا ، فمعنى ذلك أنه يرفض سعي برودون نحو التأطير المنهجي والجمود العقائدي . وهذا خطأ آخر من عبد الحسين ، لأن ماركس – وأتمنى على السادة القراء العودة إلى الكتاب – لم يكن يحاسب برودون على “التأطير” ؛ أي “تأطير” الظواهر الإقتصادية والإجتماعية بمنهج هيجل المثالي . أبداً .. أبداً . بل كان يحاسبه بصورة رئيسية على التطبيق الخاطيء لمنهج هيجل على الظواهر الإقتصادية والإجتماعية التي حاول تفسيرها . نعم ، كان ماركس يحاسب برودون على التطبيق الخاطيء لمنهج هيجل ، وليس على “التأطير” المنهجي . والفارق ، كما هو واضح للسادة القرّاء واضح وجذري بين التطبيق الخاطيء وبين “التأطير” . ويمكن للسادة القراء العودة إلى الملاحظات السبع التي طرحها ماركس في فصل الكتاب المعنون : “ميتافيزيك الاقتصاد السياسي – الطريقة” (من ص 29 إلى ص 39) من ردّه على برودون في “بؤس الفلسفة” ، حيث سيجدون الدليل المؤكّد على استنتاجنا هذا ، ويرون كيف كان ماركس – في ردّه “هذا” – يأخذ كل فكرة أو أطروحة أو لائحة أو مقولة من مقولات برودون التي يعتقد أنه يطبق بواسطتها جدل هيجل ، ويبيّن له خطأه في التطيق وفي فهم المنهج الهيجلي ، وكيف أنه يُجهض بهذا التطبيق الخاطيء الجدل الهيجلي كلّه .
-لنأخذ الملاحظة الأولى التي افتتحها ماركس باقتباس من كتاب برودون هو :
الملاحظة الأولى:
«  إننا لا نقدم تاريخا بالنسبة لنظام الوقت بل بالنسبة لتتابع الأفكار، إن الأطوار الاقتصادية وهي تتجلى بمفاهيمها تكون بعض الأحيان معاصرة وبعض الأحيان معكوسة… والنظريات الاقتصادية لها نتائجها المنطقية ولها علاقتها العددية في الفهم: إن هذا النظام هو الذي نخدع أنفسنا به، إننا اكتشفناه  » (المجلد 1، صفحة 146).
ويشير ماركس فورا إلى أن برودون “يستعير” اسلوب هيجل ولا يتقنه ، فيقول :
(لقد أراد برودون أن يخيف الفرنسيين إذ يتكلم معهم بجمل وعبارات شبيهة بأسلوب هيجل . وهكذا علينا أن نبحث في رجلين : أولا مع برودون ، وثانيا مع هيجل.  كيف يقدر برودون أن يميز نفسه عن باقي الاقتصاديين ؟ وأي دور يلعبه هيجل في الاقتصاد السياسي عند برودون ؟ – ص 29) (15) .
ثم يبيّن ماركس وبوضوح من خلال شرح ألف باء الجدل الهيجلي أن برودون لم يفهم أسس هذا الجدل بصورة دقيقة ، وأنه يجرّد هيكل منهج هيجل من ركائزه ومقوماته ليبقي على “الفراغ” فقط ، وذلك من خلال أطروحة “الحقيقة الغير شخصية” التي لا وجود لها إلا في ذاتها :
(إذا كانت شجاعة برودون ظاهر في مادة هيجل عندئذ يجب أن نقول: إنها تميز نفسها من نفسها. وما يعني هذا ؟ الحقيقة « غير الشخصية »، إذ لا يكون لها خارج ذاتها قاعدة تعتمد عليها ولا يكون لها أي شيء ذاتها ولا يكون لها موضوع لكي تشكل ذاتها، إن هذه الحقيقة تكون مجبرة أن تقلب رأسا على عقب لكي تجد قاعدة لذاتها ولكي تجابه ذاتها ولكي تؤلف وتشكل ذاتها، أي إيجاد قاعدة أو فكرة Thesis، فكرة مناقضة Antithesis، ونتيجة الفكرة Synthesis.
إننا سنقدم القاعدة المقدمة لهؤلاء الذين لا يعرفون لغة هيجل: التأكيد Affirmation والنفي Negation ونفي النفي Negation of Negation وهذا تعنيه اللغة. إنها ليست عبرية لكنها لغة هذه الحقيقة الصافية، هذه اللغة المختلفة عن لغة الفرد.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عبد الرضا حمد جاسم : قانون مناهضة العنف الاُسري والدكتور قاسم حسين صالح/ 1.

أول طرح للدكتور قاسم حسين صالح بخصوص العنف الاُسري كان في مقالته التي كانت تحت …

| زيد شحاثة : عندما يصبح الدين فنا.

لم يستطع العرب تقديم فن حقيقي, إلا في مرات قليلة من خلال أعمال حملت فكرة …

2 تعليقان

  1. هشام القيسي

    تنقب وتتحف وتنير أيها المنير في رحلة الثقافة الطويلة . كم أنت كبير في رؤية أوراق الحياة وصيرورتها .أنت اليوم ياحسين سرمك ترينا الشرفات العالية وتغرد في الساحات الثقافية والأدبية والفكرية كبيرا وفي النهار . وها أنت تطل من برامجك الثرية عطاءات صادقة وفي كل مرة تمنحنا مساحة تأمل حية . خالص اعتزازي ومحبتي .

  2. ما الذي اقوله اخي الاستاذ هشام القيسي أمام كرمك وتقييمك هذا ، سوى أن أنحني لهذا التاج الجديد الذي تضعه على راسي . صدّقوني أيها الأحبة لم عد أعثر على الكلمات المناسبة التي توازي مشاعركم الأخوية وآراءكم النبيلة . ما أستطيع التعهّد به هو أن ابذل المستحيل كي أبقى عند حسن تقييمكم هذا . تقبل فائق احترامي وحفظكم الله وحفظ وطننا من كل مكروه .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.