ناطق خلوصي : خصائص السرد القصصي النسوي في العراق ؛ قراءات في نماذج

natiq khulusi  لم يبلغ عمر السرد  النسوي في العراق نصف قرن بعد ، وما زال عدد كاتباته  محدودا ً اذا ما قيس بعدد الكتـّاب ، وظل حجم ما كُتب أو يُكتب عنه محدودا ً هو الآخر .  ويمكن القول ان البدايات الحقيقية لهذا السرد تعود الى أواخر ستينيات القرن الماضي أوالى أوائل سبعينياته  ، حيث ظهرت أسماء ابتسام عبد الله ولطفية الدليمي وعالية ممدوح ومي مظفر وسميرة المانع وبديعة أمين وسالمة صالح وسافرة جميل حاقظ وديزي الأميروسهيلة داود سلمان  لتظهر بعدها أسماء ميسلون هادي والهام عبد الكريم وهدية حسين  وبتول الخضيري وبثينة الناصري وانعام كجةجي وعالية طالب وارادة الجبوري وذكرى محمد نادر, ونعيمة مجيد ، وصولا ً الى أسماء كليزار أنور وايناس البدران و كاتبات قصة أخريات ظهرن خلال السنوات الأخيرة .
ان خصائص هذا السرد ترتبط بخصوصية الوضع الاجتماعي والنفسي للمرأة بشكل عام والقاصة بشكل خاص فضلا ً على طبيعة الظروف الموضوعية المحيطة بها ، وهي خصوصية تملي على القاصة ضرورة الحذر في التقاط الأحداث واختيار نماذج الشخصيات وطبيعة التناول لأن ما يُسمح للقاص بأن يتناوله  في هذا المجال ، قد لا يكون مسموحا ً للقاصة أن تفعله لاسيما انها تواجه تابوات الممنوع والمحرّم في تناول ما يمكن أن يعد خروجا ً على المعايير الأخلاقية والاجتماعية  التي تحكم المجتمعات المحافظة . فموضوعة الجنس ظلت تدخل في اطار المحظورات حتى  بالنسبة للقاص العراقي قبل أن ينفلت ذوالنون أيوب وفؤاد التكرلي ومهدي عيسى الصقرثم نجم والي من هذا الاطاربفعل عوامل ذاتية وموضوعية ساعدتهم في ذلك ، وبالتالي ظلت هذه الموضوعة داخل اطار المحرمات والمحظورات بالنسبة للقاصة العراقية ، ومثلها ظلت موضوعة الدين التي لا يقترب منها حتى  القاص العراقي الا بحذر شديد  بخلاف موضوعة السياسة  التي قد يسرف القاص في تناولهاً في حين تظل القاصة على تماس سطحي معها أحيانا . أما الحرب ، وهي مهنة الرجل بشكل خاص ،  فقد ظلت محور اهتمام القاص العراقي على امتداد بضعة عقود من السنين بفعل عمق  تجربته فيها بسبب انغماره فيها مقاتلا ً أو مراسلا ً حربيا ً أو شاهدا ً عيانيا ً خلال زياراته لجبهات القتال ، في حين ظل تناول القاصة لهذه الموضوعة محدودا  ويتم ًبالتعامل مع انعكاساتها الاجتماعية والنفسية بشكل خاص . لقد أوردت ” ببلوغرافيا قصة الحرب  : 1981 ــ 1988 ” التي اصدرتها دار الشؤون الثقافية العامة  لتوثيق ما صدر من أعمال سردية عن الحرب العراقية ــ الايرانية ، عناوين أكثر من مئة وسبعين مجموعة قصصية ورواية  كان من بينها مجموعتان قصصيتان ورواية واحدة فقط لقاصتين عراقيتين .ان عالم المرأة القاصة الفسيح ينفتح على حزمة من هموم وهواجس ومشاغل وارهاصات ومشاعر خاصة بها لا يمتلك غيرها القدرة على اختراقها ابداعيا ً للتعبير عنها بالشكل الذي يغطي اشكالياتها المختلفة وبما تمليه أحاسيسها الداخلية  بخلاف ما يفعله القاص الذي يتعامل معها من الخارج عند تناوله لها  فيتجلى في ذلك الفارق في مستوى الصدق في التعبير عنها بينهما . وثمة عناصر تسهم في صقل تجربة القاصة وتتمثل في مستوى ثقافتها وحجم اطلاعها على المنجز السردي العربي والعالمي الى جانب اتقان لغة اجنبية واحدة أو أكثر من لغة .ويتضح تأثير هذه العناصر من خلال الفوارق بين قاصة وأخرى في اسلوب  التناول ولغة السرد . ويبدو ان الانتظار ، انتظار الغائب أبا ً أو ابنا ً أو أخا ً أو حبيبا ً ، صار مهنة المرأة العراقية بامتيازحيث ظل هاجسا ً يلاحقها وهي تعيش سنوات الحروب والحصار والانكسارات ، ويبدو ذلك واضحا ً في كل النماذج التي اخترناها هنا .
موسيقى صوفية  : لطفية الدليمي
lutfiaلعل من بين ما يميز لطفية الدليمي في مجموعتها ” موسيقى صوفية ” ( 1994 ) توافرها على نَفَس طويل في السرد القصصي حتى ليمكن القول ان كل قصة من قصص المجموعة الست يمكن ان تكون ركيزة عمل روائي طويل . غير ان القاصة تهادن القارىء من خلال تجزئة النص القصصي الى وحدات نصية يحمل كل منها عنوانا مع ان الصلة تظل قائمة  مع ما سبقها ، وهي تحاول بهذا ان تمنح القارىء فرصة لالتقاط أنفاسه وهو يلهث لملاحقة مجرى السردالمتدفق  بلغة آسرة .
بدءا ً من عنوان المجموعة ، يتواتر حضور مفردة “موسيقى ” بمستويات مختلفة في أربع من قصص المجموعة الست . لكن الموسيقى بشكل عام تملي ايقاعها على لغة القص الى الحد الذي يجعل قصص المجموعة تبدو كأنها قصائد مرئية . وللموسيقى وظيفة تختلف من قصة الى أخرى . ففي ” رابسوديات للعصر الحديث ” ترافق الموسيقى صوت أميمة ( وهي بطلة القصة  ) الداخلي ، ويمتزج صوت حبيبها مع أنغام الموسيقى الآسرة ، أما في ” موسيقى صوفية ” فالموسيقى تبدو رتيبة ، مستبدة ، فقد ظلت سامية النعمان ( بطلة القصة ) تحت سطوة الموسيقى الصوفية على امتداد أحد عشر شهرا ً ، وهي أشهر الحداد على زوجها الراحل فخري توركلي الذي كان مولعا ً بالنحت والموسيقى حيث يعزف على العود موسيقاه الصوفية الحزينة التي تثير عدم ارتياحها . ويتكرر حضور الموسيقى في قصة ” أخوات القمر ” وقصة ” العمل في قصة : أساطير ديك الجن ” . لابد لقارىء قصص لطفية الدليمي أن يكون على المام بالموسيقى والفنون بشكل عام : أن يعرف مثلا ً ما يعنيه مصطلح ” رابسودي ” أي الارتجال الموسيقي في أحد معانيه ، وأن يكون قد قرا التاريخ والتراث والفلسفة وجغرافية المكان لكي يستوعب الدلالات العميقة ، ومنها ما لا يمنح نفسه بيسر أحيانا ً، لبعض ما يرد في قصصها  فهي توظف ثقافتها العميقة  وقراءاتها المتنوعة في هذه القصص . ان المامها بتفاصيل المكان والبيئة الطبيعية والاجتماعية والتقاليد والعادات ، في قصة ” سليل الماء ” يثير الدهشة . ويمكن القول ان السرد لديها ينحو منحى ً نخبويا ً في الاختيار وأدوات التعبير ولغته ،بمعنى انها لاتتوجه بخطابها السردي الى القارىء الاعتيادي وانما الى قارىء منتخب ، على مستوى واضح من الثقافة .
ويظل البحث عن الغائب هاجسا ً يتشبث بقصص المجموعة . أميمة في ” رابسودات للعصر الحديث ” تبحث عن حبيبها أنيس الذي كانت قد أحبته حتى الموت ، والذي تحلم من خلاله بالرجل المستحيل الذي لا يهدد انسانيتها ولا يقدم على تجريحها كما تقول ، وتبحث سامية النعمان في ” موسيقى صوفية ” عن غائبها الذي كانت قد عرفته قبل أن تقترن بفخري توركلي الذي اقترنت به على امتداد أربع عشرة سنة . وفي ” سليل الماء ” تبحث مليكة والقرية عن غائبها السقـّاء أيوب النهري الذي أختفى فجأة ، وفي ” البحث عن شجرة الحكمة ” تمثل الشجرة نفسها غائب القصة . وحيث يعود غائب سامية النعمان في آخر المطاف وحيث يتم العثور على شجرة الحكمة ، فإن أنيس وأيوب السقاء يظلان غائبين .
المرأة هي محور قصص لطفية الدليمي : المرأة بكل ما يحيط بها من هموم وآلم ومعاناة وهي ضحية الرجل وضحية واقعها الاجتماعي معا ً . تقول اميمة : ” منذ آلاف السنين أسير حاملة رسم الحياة والموت على جسدي ، تسير النساء معي حاملات بذور الحياة ووراءهن أشباح الموت مشهرة الأنياب والأسلحة ” . وكانت سامية النعمان محاصرة بسطوة زوجها وهو حي ويشبحه وهو ميت . وعلى امتداد أربع عشرة سنة ظل التقاطع قائما ً بينهما : هو مسكون بالماضي وهي مسكونة بالحاضر وكان عليها أن تتوافق مع نفسها وهي في مواجهة سعيه المحموم للبحث عن أمجاد زائلة . المرأة في “سليل الماء ” ضحية استغلال الرجل . الشيخ عبد الدائم المتجلبب برداء الدين زورا ً يمارس أبشع أدوار الاستهانة بالمرأة ، وتباع المرأة مثل أية سلعة . وتلخص  الطبيبة هدى في ” أخوات القمر ” الاشارة الى حجم معاناة المرأة العراقية خلال سنوات الحرب والحصار : ” مرضاي يزدهون بآلامهم العتيدة ، يحتمون بها من أخطار الحروب ،  النساء شاحبات ومنتظرات أشياء قد لا تجيء ” . وفي ” العمل في قصة ” تستلهم القاصة حكاية شهريار وحكاية حبيبة الشاعر ديك الجن الحمصي لتدخل الى عالم المرأة المأساوي . وفي تنقـّل متواتر بين الماضي والحاضر ، تخرج من دمويات ديك الجن لتدخل الى أجواء الحرب الأمريكية على العراق بكل ما انطوت عليه من بشاعة  . ان قارىء قصص لطفية الدليمي يصعب عليه أن يكبح جماح دموعه فتتمرد عليه !
  بخور : ابتسام عبد الله
ebtisam abdullahصدرت هذه المجموعة في العام 1998 ( وكنا تناولناها عند صدورها ) وتقع في اثنتي عشرة قصة قصيرة مفعمة بالحس الانساني وحميمية الارتباط بواقع المرأة والهموم التي يفرزها هذا الواقع ، يتمازج فيها نشيد التوق الانساني للانعتاق من أسر الألم ، مع نشيج الأحزان ومرارة الإحباط والاحساس بالانكسار الداخلي ، إذ تبدو احدى عشرة قصة منها كأنها متوالية قصصية ينتظمها خيط روحي واحد ويشدها نسيج متجانس تقريبا ً وتشغل الحيّز السردي في كل منها شخصيتان : امرأة ورجل ، هذه الثنائية الأزلية التي رافقت الوجود الانساني منذ بدئه  . ان المرأة في قصص ابتسام  عبد الله لا تعاني من اضطهاد الرجل أو تقع تحت سطوته الصارمة . انها على العموم مثقفة تمتلك حريتها الشخصية لكنها تعاني من قهر الظروف المحيطة بها ، وهي ظروف خارجة على ارادتها ، لذلك تبدو حياتها الأسرية قلقة ، مضطربة ، لا تعرف الاستقرار.   .ويحلـّق هاجس القلق في فضاءات القصص ، ويشكل الانتظارهاجسا ً يؤرق  المرأة لاسيما حين يكون مصحوبا ً بالخوف أو القلق فتلوذ  بالصمت الثقيل والعزلة تبعا ً لذلك ، وهذه ثيمات تقع في مجرى التداول القصصي عند القاصة .
تتعرض القاصة في خمس من قصص المجموعة الى موضوعة الحرب  ولكن ليس ببعدها القتالي أو التعبير عنها من خلال الخطابية والمباشرة . فهي تتعرض للحرب ببعدها الانساني والمأساوي بجرأة هي امتداد للجرأة التي تتعامل بها مع علاقة المرأة بالرجل ، إذ تدرك ان قصة ما بعد الحرب تستلزم نسق تعبير مختلفا ً، ناشئا ً عن رؤية خاصة تقوم على المزاوجة المتوازنة  بين ما هو عقلي وما هو عاطفي مثلما تستلزم اسلوبا ً يتوافر على القدرة على الاقناع وينأى بالقصة عن فجاجة المباشرة وسطحيتها .
لكن قصتها ” جداول الصمت ” نبدو كأنها تنفلت لوحدها عن سياق المجموعة أحداثا ً وشخوصا ً ، فهي تقحم القارىء في لجة الواقع المأساوي منذ مفتتح القصة حيث يرى ” ” أربعة صناديق خشبية طويلة ورفيعة ، مصفوفة الواحد جنب الآخرتنتظر منذ أيام أن يأتي من يتعرف على أجساد أربعة بداخلها ، من يتطلع اليها بمحبة ، من يحتضنها بحنوليدفنها فيما بعد في حفرة من الأرض ” . أما قصة ” في المرآة ” فهي واحدة من أجمل قصص الحرب . انها تنطوي على استقراء لمفردات أجواء الحرب وانعكاساتها على الوضع النفسي ومظاهر هذه الانعكاسات في التركيبة الداخلية / الخارجية لشخصيتي القصة . فعلى الرغم من ان المرأة في هذه القصة ليست على تماس جسدي مباشر مع الحرب كفعل قتالي الا انها تظل على تماس روحي معها وهو تماس له وطأته الثقيلة عليها: ” عرفت مع مر الأيام كيف أمضي الوقت بل أقتله بالصمت . انها حرفة تمرست بها منذ ذهابه الى الحرب أو سوقه اليها ” .
رجل خلف الباب : ميسلون هادي
maysaloon hadiصار انتظار الغائب أو البحث عنه هاجس المرأة العراقية المؤرق في زمن الحروب، وكان لابد لهذا الهاجس من أن يجد  حضورا له في السرد القصصي النسوي في العراق ، وتقدم ميسلون هادي نماذج حية من هذا الحضور في مجموعتها الفصصية ” رجل خلف الباب “( 1994 )، ويتجلى ذلك لديها بدءا ًمن اختيارها لعنوان المجموعة بما ينطوي عليه من دلالة توحي بالانتظار الذي ستتواتر الاشارة اليه بشكل مباشر أو غير مباشر في العديد من قصص المجموعة . ان ” رجل خلف الباب ” هو عنوان القصة الأولى التي تجسد واقع امرأة تبدو مسكونة بقلق انتظار الغائب ، محاطة بوحشة التوحد ثم الظلام الذي حل عند انقطاع التيار الكهربائي وهو ما بعث فيها خوفا مضافا ً ، خوفا من أية حركة أو نأمة. تابعت القاصة بطلتها ببصر يقظ فرصدت ما ينبجس في الداخل من ارهاصات وهواجس وما ينعكس منها في الخارج : حركتها الوجلة وصدى صوتها الداخلي الذي يوحي ظاهريا ً بأن الغائب الذي تنتظره سوف يأتي لكن من الدلائل ما يشي بأنه لن يأتي : عويل صافرة سيارة الاسعاف ورائحة البخور الآتية من مكان غير مرئي  و ” أصوات السيارات التي تكتسح الصالة بين الحين والآخر فتتركها مأخوذة ً بأفكار سوداء تحفر في روحها اخدودا ً من الحزن ” ، وإذ رفعت عينيها باتجاه النافذة المفتوحة ” رأت حبل غسيل يتأرجح في الخارج تحت صف من القمصان السوداء جففها الهواء منذ وقت طويل ” .وترصد القاصة في ” زينب على أرض الواقع ” حالة العائد من الأسر الذي جاءها لتكتب قصته وهو المهموم بهاجس البحث عن ابنة خالته زينب التي غابت دون أن يعرف أحد عنها شيئا ً . وتنكأ القاصة جرحا ً نازفا ً حين تحتج على قول بطلها انه عاد من الأسر قبل أشهر فهي ترى ان المرء حين يؤسر فانه لا يعود من الأسر أبدا ، بمعنى انه قد يعود جسدا ً ولكن بروح ممسوخة أو ميتة . أما في ” ضربة جرس ” فإن الجو الأسري الحميم الذي بدأت به القصة ما تلبث محض ضربة جرس أن تحيله الى جو يشي بالمأساة يمزق قناع المرح الزائف الذي تقنعت به وجوه  نسوة البيت . فقد بدت ” الجدة “، وقد انطفأ حماسها للحديث فجأة وكأنها لم تسمع شيئا ً مما يدور حولها ، ان السؤال الذي ظل معلقا ً بدون جواب شاف ٍلسنوات حرب طويلة قد داهمها للتو بعد نظرة خطفتها الى الصورة المعلقة على جدار غرفة المعيشة ، ولم يعد بمقدور أحد الآن ازاء دبيب القلق الزاحف الا أن يلهث ساكتا ً ، مترقبا ً ، مشرئبا ً ، بانتظار ما سيحدث ” وما سيحدث يظل مجهولا ً، وإذ تغلق طفلة الباب ” ترجّع صداها بابا ً بعد باب .. وكل باب تنغلق تترك خلفها وجوه نساء واجمات يرهفن السمع الى ذكريات بعيدة ومتقطعة لا يسمعها أحد سواهن . لقد أصبح مؤكدا ً ان شيئا ً ما في تلك الأرواح اللائبة قد انطفأ فجأة لتحل محله سحابة ثقيلة من الحزن خلفتها على حين غفلة ضربة جرس ليس إلاّ . ”  وتنطلق القاصة من الاعتقاد الشائع بأن روح الميت تحوم حول بيته أربعين يوما ً ، لتبني عليه قصة ” حياة واحدة لا تكفي ” فترصد من خلالها ما هو شائع من معتقدات تتلبس المرأة ، وتلقي الضوء على طقوس العزاء النسوية وما يدور في مجالسها فترسم صورا ًنابضة لا تجيد رسمها سوى المرأة ــ الفاصة على وجه التحديد . وفي ” نسيان شيء مهم ” يعلو صوت بطلة القصة بجرأة على صوت الرغبة في زيارة المقابرفي ساعة مبكرة من الصباح ، وهو طقس انساني شائع يرتبط بهاجس الغياب أيضا ً ولكنه الغياب الأبدي هذه المرة . ان القاصة تفصح عن خزين ثقافتها من خلال اشاراتها وتضميناتها مثلما تفصح عن استفادتها من معطيات المنجز السردي العالمي فتعمد الى  التكثيف وانتقاء  لغة تقترب من لغة الشعر أحيانا ً ليصح معه قول الناقد الدكتور عبد القادر القط عنها ان : ” من خلال الحلم والرمز والشعر يقوى احساس القارىء بمأساة الواقع بما تصوره الكاتبة من لمسات رقيقة لهواجس الشخصية وحيرتها بين الواقع والحلم ” .
  منحنى خطر : الهام عبد الكريم
تستهل الهام عبد الكريم  مجموعتها القصصية ” منحنى خطر ” (2009 ) بما يجمع بين الإهداء والمقدمة وهي تخاطب زوجها الشاعر رعد عبد القادر الذي رحل وهو في أوج تفتّحه الابداعي ولم يكن مشروعه الشعري قد اكتمل بعد . وكان متوقعا ً أن يتجلى حضور ثيمة الغياب وانتظار  الغائب في المجموعة ، لكنه انتظار من نوع آخر . الغائب هنا لن يعود فهو في رحلة غياب أبدي يترك بصماته على ألأجواء العامة للقصص فلا نجد لحظة فرح ولا نسمع رنين ضحكة حقيقية نابعة من القلب ، ويتكرر حضور مفردة ” حزن ” وما يوحي اليه بشكل مباشر أو غير مباشر . في قصة ” اتصال ” التي يشي عنوانها بمضمونها ، يرن صوت الغائب في سمع بطلة القصة ، وهو صوت متخيل ، فتستحضره من خلال صوته لتتجسد من خلال ذلك مناجاة عاطفية مفعمة بالحس الانساني ، تجد فيه البطلة فرصة ً إلقاء الضوء على سمات غائبها الشخصية . ان الاشارة الى الرفقة الحميمة بين البطلة وغائبها تكشف عن عمق العلاقة التي تربطها به وعمق الألم الروحي عند كل منهما في الوقت نفسه . وتكاد قصة ” زفاف بالأسود والأبيض “تكون امتدادا ً ، في موضوعها ، لقصة ” اتصال ” ذلك ان بطلة القصة تستحضر زوجها الغائب الذي كان يعاني من رهاب الظلام ( في ايماءة لها دلالتها ) ، لتراه معها في بيتهما وعلى سرير نومهما وتتماهى معه ، لتضرب القاصة ضربتها الموجعة في خاتمة القصة : ” أنارت غرفة النوم التي بدا لها اقفال مصباحها مثيرا ً للاستغراب وألقت بنظراتها العجلة على السرير فلاح لها مثقلا ً برائحة الغياب الطويل ، استدارت الى الجناح الأيسر منه حيث وسادته لم تزل في مكانها . أسندت ظهرها الى اللوح الخشبي للسر ير تماما ً كما كان يفعل في نوبات الأرق الطويل حاضنة ما تبقى لها من أثر في القلب وراحت ترنو بشجن الى صورة زفافهما بالأسود والأبيص المعلقة على حائط مشبع بالذكرى والحنين ” .
ان المرأة تشكل المحور الأساسي الذي تتمحور حوله أحداث مجموعة الهام عبد الكريم فتكشف عن عمق معاناتها وثقل الأعباء التي تنوء بها . نجدها ضحية الواقع الأسري أو الاجتماعي ويمكن أن نلحظ ذلك في قصة ” مهفة ” التي تبتدىء المجموعة بها وهي حكاية بنت يصادر أبوها طفولتها ويغريها بقطع نقدية صغيرة لتروّح له وهو في قيلولته ، فتنصاع لرغبته لكن رغبة داخلية في الانعتاق تصاحبها حتى عندما تصبح امرأة  إذ يراودها حلم الانعتاق فقد ”   انشغلت بتحريك ذراعيها كما لو كانا جناحي طائر سعيد … وما لبثت أن ارتفعت على مبعدة كافية من منام أبيها وبعد أن استمر تحليقها واصل جناحاها خفقانهما الهادى ْ ” . أما في قصة ” تمرين استثنائي ” فالمرأة بطلة القصة تعاني من خلل في القدرة على الإبصار . يساورها الحنين الى الطفولة ، وتجد في نفسها الرغبة في التقمص : تقمص شخصية المبصر . وتتكرر فكرة التقمص في قصة ” فوازير ” أيضا ً فبطلة القصة التي تعجز عن المشي تحاول أن تتقمص شخصية الممثلة بطلة برنامج ” فوازير ” التلفزيوني وتحاكيها في حركتها مدفوعة بالرغبة في التعويض عن عدم قدرتها على الحركة ويحضر الموت في آخر القصة مثلما يفعل في عدد من القصص . ان خيال القاصة يدفعها لأن تعيش حالة وهم فتحاول تمرير هذا الوهم الى قارىء قصصها ، فيتداخل لديها الواقع بالخيال والحلم ، ويجد هذا التداخل حضورا ً له من خلال توظيف غرائبية الأحداث التي تقود القارىء الى حالة التباس قبل أن تنتزعه منها في آخر المطاف .
  قاب قوسين منّي : هدية حسين
hadiya 5تنقسم مجموعة هدية حسين القصصية ” قاب قوسين مني ” ( 1998) الى قسمين يضم الأول منهما احدى عشرة قصة قصيرة مؤرخة في الأعوام 1994 و1995 و1996 ، في حين يضم الثاني اثنتي عشرة قصة قصيرة جدا ً غير مؤرخة ويبدو واضحا ً انها من نتاج السنوات الثلاث هي الأخرى .
يتواتر حضور ثيمة الموت ( سواء كان جسديا ً أم معنويا ً) حتى ليبدو انها تمثل  محور عدد لا يستهان به من القصص وتشكل هذه الثيمة ضربة الختام التي تنهي القاصة أحداث قصصها بها . وتتداخل ثيمات الحرب والغياب والانتظار مع ثيمة الموت لتشكل النسيج السردي لقصصها . ويساورنا الاعتقاد بأن القاصة نفسها كانت تعاني من خوف أو قلق داخلي أيام كتبت القصص ، ويأتي الإلحاح في حضور هذه الثيمة معادلا ً لحالة الخوف أو القلق التي كانت تعاني منها . ولا غرابة في ذلك ، فالقصص نتاج سنوات أعقبت سلسلة من الحروب الدموية  تبعها حصار شديد الوطأة مصحوب بالتهديد بحرب قادمة وكان لابد من أن تترك ظروف مثل تلك بصماتها على مجمل الابداع العراقي .
تدور أحداث قصة ” شوارع حديثة جدا ً ” في مقبرة . بطلاها رجلان يحمل كل منهما شاهدة قبر بإسم ميّته ويدعي كل منهما بأنه نقل رفات ميّته الى قبر معين وفي ظل اختلافهما يقرران العودة في مساء اليوم التالي ليحفرا القبر ، وحين يجيئان في الموعد المقرر يضيعان وسط المقبرة ولم يجدا حتى الشجرة التي كانا يعتمدانها للدلالة على مكان القبر ، ليكتشفا ان أربع جرافات عملت طوال نهار كامل لشق شارع جديد داخل المقبرة ، فجاءت القصة بأحداثها الموحية صيحة احتجاج على انتهاك حرمة الأموات  ، تشابهها أحداث قصة ” للموتى فقط ” حيث يؤدي اهمال المقبرة الى نبش الكلاب  لقبور الموتى والعبث بجثثهم وبعثرة عظامهم في خاتمة ادانة موجعة . وفي قصة ” خارج الزمن ” تذهب البطلة ، وهي صحفية ، الى مستشفى الأمراض العقلية للنساء فتجد أمامها أجسادا ً حية ولكن بأرواح ميتة : نسوة ضحايا واقع قاس ٍ كشفن عن مآسٍ كان أكثرها ايلاما ً مأساة امرأة عجوز قتل ابنها الوحيد في الحرب ففقدت عقلها ،وهي تطلب من الصحفية أن ترجوه لأن يأتي ويخرجها من المستشفى . أما وديع بطل قصة ” الساحر ” فهو شاب ماجن كان ينتظر رحيل عمه الراقد على فراش الموت لكي يحصل على نصيبه من الإرث لكي يشد الرحال الى بغداد ( مدينة الخمرة والنساء ) كما كان يقول . هذا الشاب الذي أغوى ابنة الشيخ وهي متزوجة ، وزوجة مدير المدرسة التي كانت تتمتع بسمعة حسنة ، استعصى عليه اغواء شابة في مقتبل العمر ، وإذ حانت الفرصة التي كان ينتظرها ، كان هو ” تحت ظلال شجرة التوت وقد همد الى الأبد كل عرق في جسده ” . ويدفع الأرق المقاتل السابق بطل قصة ” انه يرحل وقت يشاء ” لأن يفتح صندوقا ً يحتفظ به برسائل وأوراق وكأنه يفتح صندوق ذاكرته فتنثال أيام جبهات القتال التي تنقـّل فيها خلال سنوات الحرب  فيحضر أمامه صديقه المقاتل الذي كان قد تطوع لإخلاء مقاتل آخر سقط في أرض المعركة ، وفي خاتمة مؤثرة أوحت القاصة بأن المقاتل الشهم رحل هو الآخر : ” تذكرت اننا لم نعد نلتقي أبدا ً ” . وتتكرر الاشارة الى حضور الموت في عدد آخر من قصص المجموعة

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حسن ملواني : تصالح الألوان في رواية ” قهوة بالحليب على شاطئ الأسود المتوسط “.

رمزية العنوان يعتبر عنوان الرواية بصيغته مزدوج الوظيفة، فهو إذ يشير إلى ما يعتبر عاديا …

| خليل مزهر الغالبي : مجموعة “ممتلكاتٌ لا تخصَّني” وخاصية البناء الشعري لآمنة محمود .

في مجموعتها الشعرية “ممتلكاتٌ لا تخصّني” راهنت الشاعرة “آمنة محمود” على تأكيد بصمتها الشعرية بمثولها …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *