تجليات الهوية والتحديث في الرواية العراقية
غويــــــــا بين (محمد خضير) و (بويروباييخو)
الدكتور عبدالجبار الحلفي-جامعة البصرة

إشارة :
تبقى الأعمال الكبيرة مصدرا لتساؤلات ملحة وإجابات عالقة .. في هذا البحث المتميز يقوم الباحث والناقد الدكتور ( عبد الجبار الحلفي ) بتقديم وجهة نظر حداثوية في عملية تناص فريدة بين المبدع العراقي محمد خضير والكاتب الاسباني ( بويرو بايخو ) من خلال استكشاف دلالات توظيفهما لـ ( غويا ) في  نصين مختلفين .

مدخــل :
شغلت قضية تنميط الرواية العربية النقاد بمختلف توجهاتهم الفكرية الى الحد الذي ظهرت فيه عشرات المفاهيم لانواع الروايات .
فتحت أي مسمى تصنف رواية ( كراسة كانون ) لمحمد خضير ، وهي تدخل عالم الرسام ( غويا ) مثلما ظهر شخصية رئيسية في مسرحية ( حلم العقل ) للكاتب الاسباني (بويروباييخو) . هل كان تناصاً بين العملين الادبيين أم كان تعالقاً نصياً لمظهر من مظاهر التحديث في الرواية العراقية التي قدمت منجزات فرضت وجودها على الساحتين العربية والعالمية . لقد اختارت دراستنا هذه موضــــوع ( تجليات الهوية والتحديث في الرواية العراقية لوجود مشتركات كثيرة بين بنية الهوية الاجتماعية ، بأبعادها المتنوعة ، والتحديث بوصفه عملية منظمة تفضي الى التغيير في الرؤية لخلق بيئة جديدة مثلى للعلاقات الانسانية والقيم الراقية . والرفاهية الاجتماعية . بعيداً عن الحروب والاستبداد . ويتفق هذا الفهم للتحديث مع عبارات ( محمود امين العالم ) التي تشير الى ان (التحديث ظاهرة قصدية للتغيير نحو الافضل وان التحديث لاسبيل لتحقيقه ان لم يكن نابعاً من قلب الكيان المرتبط به  ومتوافقاً مع خصوصيته الذاتية )(1) .
وهذا التشخيص للعلاقة التبادلية بين سمات الهوية والتحديث يعزز الغرض النقدي لموضوع دراستنا هذه . فألانموذج الروائي الذي اختارته الدراسة ( كراسة كانون ) لمحمد خضير ، ينسجم مع هذا التوجه .. رغم وجود اعمال روائية عراقية عالية المستوى . لكن الانموذج المختار يتعلق بتناص بين روائي عراقي وكاتب اسباني .
كلاهما اتخذ من الرسام الاسباني ( غويا ) موضوعاً لعمله الابداعي . الى الحد الذي جعل المعالجة الادبية لشخصية ( غويا ) ومقارباتها البيئية في الزمان والمكان .متوحدة في الرؤية . لكنها تختلف في التوظيف لهوية البيئة وخصوصيتها . ولهوية العمل الابداعي نفسه .

اذن ، هناك تباين . والتحديث الذي تبناه محمد خضير يرتكز على دعامتين : الاولى دعامة الموضوع المأزوم يتجلى في نقد البيئة السياسية – الاجتماعية . بالتعالق مع عمل ابداعي مماثل . والدعامة الاخرى فنية تمثل معمارية النص مجسدة في اشارات ومحادثات وحوادث تاريخية وحكايات شعبية . والتفسير ، والتعليقات ، والافتراضات . ومتضمنات معرفية . وحوارات واساطير كل هذه المعمارية تتمثلها الرواية داخل بنيتها الزمنية والبيئية الخاصة .

لقد اختار محمد خضير ( النفي الطوعي ) ان صح التعبير . مثقلاً بالاغتراب الروحي . كاشفاً عن هجرة في الداخل . وغربة عن الذات والوطن . متخطياً بذلك حذر نجيب محفوظ في ( ثرثرة فوق النيل ) على سبيل المثال عندما اختارت الشخصيات عن المجتمع . ليس ترفاً فكرياً ، وانما حذراً من الوقوع في شراك المهادنة مع السلطة (2) .

لقد تخفى كل من محمد خضير و ( بويروباييخو ) خلف شخصية الرسام الاسباني ( غويا ) المضطهد من قبل السلطة الاستبدادية . لينتجا عملين ابداعيين تضمنا احداثاُ مصيرية لشعبين في فترتين زمنيتين تفصل بينهما اكثر من ستين سنة عند الشروع في الكتابة ونشرها . واكثر من قرنين على مكابدات ( غويا ) واضطهاد الشعب الاسباني عند فترة حكم الملك ( فرناندو السابع ) . وهذا ما يبحثه علم اجتماع الرواية من خلال تفاعل الكاتب مع المجتمع عبر علاقات القوة والضعف في السلطة .

من هنا تضمنت الدراسة ما يأتي :
1.    مقدمة :
2.    المبحث الاول : التناص بين ( كراسة كانون ) و ( حلم العقل ).
3.    المبحث الثالث : توصيف التحديث في ( كراسة كانون ) .

المبحث الاول : التناص بين ( كراسة كانون ) و( حلم العقل ) .
================================
يعني التناص في ابسط مفاهيمه ، حضور نص او اكثر في نص آخر . بصورة مباشرة او ضمنية ، بينما يعني مفهوم التعالق النصي : كل العلاقات التي توجد بين نص لاحق ونص سابق . ولا ترد في شكل تعليقات (3) .

تطرح رؤية محمد خضير ( كراسة كانون ) التساؤل الاتي : هل كانت العلاقة بين هذه الرواية ومسرحية ( حلم العقل ) للكاتب الاسباني ( بويرو باييخو ) تناصاً خالصاً .ام كان تعالقاً نصياً ، ام خلطاً بين الاثنين ؟

في إستهلال الخطاب السردي يصرح محمد خضير (( ان الوقت قد حان  كي تصرح احلام الكراسة بحقائق نصوصي التي تتخطى اليوم عامها العاشر .. ص9)) (4) .فما هذه الحقائق ؟

يشير الى ذلك بقوله (( شرعت في شهر كانون الثاني من عام 1991 بتخطيط عدد من الوجوه القديمة القابعة حول موقد الشتاء ، جسمها ضوء فانوسي القديم . كما هولها ( حلم العقل ) الذي رلآه الرسام الاسباني ( غويا ) في ليل مدريد العامر بالهواجس والاشباح قبل قرنين . وتحتوي كراسة كانون تخطيطات مرسومة في ليالي التعتيم التي اعقبت الهجوم الجوي . وقد خان كي تصرح احلام الكراسة بحقائق نصوصي التي تتخطى اليوم عامها العاشر ))(5)، إذن هي حقائق تفصح عن هموم المثقف واحتراقه بلهب الحرب التي يعيشها لحظة بلحظة . دمار ، قتل ، وفناء  وقهر .
يتوارى الروائي خلف قناع ( غويا ) ليدرأ عنه الشبهات . وشاغل الفنان بنفس الوتيره التي كتبها ( باييخو ) عن ( غويا ) واحلامه .
في الرواية نطالع الفنان ( غويا ) المضطهد الذي تلاحقه قوى الظلام . وزوار الفجر ، والاشباح ، والخوف ، ولكن بلغة قلقه ، مذعورة ، ترقب لتفادي المباشرة في ( القصة ) تعبيراً عن الواقع الكارثي . ويصرح محمد خضير عن هواجسه واضطهاده المكتوم (( اني أحلم بأحلامك يا غويا . احلام الطيران أحلام الجماجم المستريحة على ( تل الخفاش ) تحت ضوء المشاعل )) (6).

ان السارد هنا يخاطب ويحاور شخصية تحمل بعض صفات ومعاناة السارد بضمير المتكلم المفرد ( أنا ) الذي يحكي حياته بمقاطع وصفية بلغ عددها (12) مقطعاً بوظيفة قص قصد من ورائها الى ما ياتي :
1.    اضاءة المحيط وانعكاساته الكارثية .
2.    الافصاح عن حالته النفسية المأزومة بتأثير الوضع الامني المخيف .
3.    توظيف الخطاب الواصف لبعض طقوس الثقافات الفرعية في المدينة المحاصرة من الداخل من قبل السلطة المستبدة ومن الخارج من قبل القوة المهيمنة عالمياً والمتسترة بوشاح حقوق الانسان والدفاع عن الديمقراطية .

فأضاءة المحيط تزخر بنقد لاذع للسلطة من خلال الاتكاء على الكاتب اليوناني ( اريستوفان ) في كوميديا ( السحب ) الذي سخر بها من سفسطائية سقراط ، لانه (( يجعل المنطق الادرأ هو المنطق الاحسن . والخبيث يبدو جميلاً ، والجميل يبدو خبيثاً ، فهو يعلم تلاميذه التلاعب بالاستدلال لقلب كل عدل )) (7)  والمعنى واضح لايحتاج الى تفسير او تأويل لان الروائي يتكلم عن حقائق النظام السياسي وسلوكه . وهو الروائي العليم بكل شيء .

لذلك فالسارد – الشخصية المضطهدة – يلجأ الى الحلم . بوصفه وسيلة للهروب عن المحيط المضطهد . حلم ( غويا ) بالجماجم المستريحة على ( تل الخفاش ) . من ( لوحة اسموديا ) استلهم الكاتب هذا الهم المشترك . تلك اللوحة التي تمثل امرأة جميلة تحمل الفنان الى الجبال الساحرة هرباً من ملاحقــات الملك ( فرناندو السابع ) واتباعه الذين وصفهم بالخنازير . ذلك المشهد جعل الفنان يبصر ما هو اهم من ذلك . يرى أُناساً يطيرون ، مما يفصح عن امنية ( غويا ) بأحلامه في الخلاص على ايادي قوى من عالم آخر . ولجأ الكاتب الى عبارات مموهه مثل ( الوجوه القديمة .. فانوسي القديم ) دريئة من تنكيل السلطة التي اغتالت اكثر من روائي وقاص وشاعر . ونكلت بآخرين وهمشتهم ممن صمدوا في الداخل .

ولعل أجرأ عبارة فجرها الكاتب ، في اثناء فورة الدكتاتورية ، هي تلك العبارة التي وردت في الحوار الذي جرى بين ( غويا ) والجرذ بعد سقطته في الحفرة ، والتقى بالجرذ هناك وهو في حلمه المعتاد : بسأل الجرذ الرسام .
(( ماذا تعمل ؟
–    رسام . اني رسام الملك ، رسمت العائلة المالكة بثيابها وجواهرها وأوسمتها،  لكني أرسم احياناً تخطيطات لمخلوقات من امثالك . أعدك بصورة تخلدك بين افراد جنسك .
–    ما نفع صورة لفأر ؟ أهي طعام ، ام كومة أوراق وملابس وشراشف أندس فيها ؟
–    الرسوم أثمن من هذه الاشياء . صورة فأر تجعله معروفاً مثل أولئك المشاهير من القادة وقضاة المحاكم .))(8)

إن عبارة ( مثل أولئك المشاهير من القادة ..) يمكن تأويلها سياسياً لتلك الجداريات المنصوبة في جميع شوارع العراق لرجل احتوى العراق بالحديد والنار والسجن لكل المعارضين ، مثلما فعل ( فرانكو ) بالجمهوريين الاسبان ، يناقش ( فان دييك ) وهو احد المختصين في الدراسات المتعلقة بالنص ، يناقش بعض التصورات المرتبطة بتحديد مفهوم النص ، ويذهب الى ( اعتبار النص نتاجاً لذات متحدثة وحيدة ، وان تحليل النص او السياق هو منتوج لذات محللة )) (9) إني أتساءل : من الذي سقط في الحفرة ؟ هل هو الرسام المضطهد ( غويا ) أم مؤلف رواية ( كراسة كانون ).

للأجابة على هذا التساؤل ، نورد هذا النص من الرواية :
(( يستطيع غويا ان يجذبني الى حفرته ، ويزجني في حلم عقله فأخرج بحثاً عن التخطيط لكراستي ..)) (10).

وفي النص الاتي يؤكد الكاتب على انه في علاقة دائمة مع نص حلم العقل ، وان الرواية هي تجسيد للقيم الراقية وللهوية الثقافية للمجتمع ، ولايوجد نص من دون ايديولوجيا لكاتبه .

(( ما عدنا نسكن هذه الحفرة منذ زمن طويل . أقصد منذ ان صارت لنا جحور دافئة في مخازن الملفات وقاعات المحاكم ومطابخ المستشفيات … أصارحك بأنني أفضل ملفات المحاكم .. ولدت في زنزانة .. وكنت انقل لصديقي المحكوم الذي يشاركني السكن حقيقة الحكم المدون في الملف السري لمحاكمته . كان حكماً قاسياً لايستحقه .. )) (11)

في مسرحية ( حلم العقل ) لباييخو ، يضعنا المؤلف امام حيرة الرسام ( غويا )
وهو يغرق في هم بلاده التي احرقتها الدكتاتورية :
(( تنبعث من غويا آهة حارقة : لماذا نعيش .. كي نرسم هكذا هذه الحيطان .. ترشح بالخوف .. ولايمكن ان يكون جيداً هذا الفتى الذي يولد على الخوف . ومن الذي ينتصر في هذه الرسوم . الشجاعة أم الخوف ؟ )) (12)  هنا التعالق النصي يبدو مكشوفاً بين الكاتبين . فالخوف من المجهول يدفع بهما نحو متاهاتالاغتراب والشكوى من طريقة العيش المملة ، والاحساس باليأس من التغيير .

وإذ يشير محمد خضير الى المدينة الملغومة بالجنود و (( هناك اسفل التل كانت المدينة تتوهج بالحرائق ))(13) والى خراب المدن ..
(( انفق العراقيون ما أدخروه من لغة التشبيه والاستعارة والاستبدال واصابهم ما اصاب صفارات الانذار من بحة واختلال ثم همود .. السماء تتقطع بالشهب والرجــم، والارض تشوي ، واللسان اخرس ، والقيــم مقيدة ، والقلب واجــف .)) (14). فأن ( باييخو ) يخاطب رفيقته ( ليوكاديا ) بلهجة قلقة بعد تفاديه اللقاء بأتباع الملك (( لقد عدت من جانب القنطرة .. أقاموا هناك دورية من الجنود الملكيين المتطوعين ، ويستوقفون الجميع .. ربما أقاموها اليوم .. ماذا يدريني .. ان كانت ستظل ، لكنني لااطيق وجوههم الكالحة ، الشريرة ولا ضحكاتهم …))(15)  .
يتساءل محمد خضير بشيءٍ من المكر في الكتابة (( متى ينعكس الكاتب في كتاباته كما ينعكس الرسام في رسومه ؟ إني أدع هذ يحدث لي كي أنعكس في شخصياتي في السطوح المركبة لكتاباتي .. إني هنا وهناك في الكتابة وخارجها ..في كتاباتي الان ومع شخصيات كانون الثاني قبل عشر سنوات ..))(16)  ان شخصيات كراسة كانون ، مكونة من شرائح فقيرة . مسكونة بالخوف والقلق والكوارث . فالعلاقة التي تربط ( تل الخفاش ) الذي رآه ( غويا ) في حلم العقل .. والجماجم المستريحة على التل ، و ( ذات الاثاقي ) حيث الاقدار الصامتة ، والمؤاخاة المعذبة ، لمسات التعب والعرق والعمل .. غضون الحياة والعيون المطفأة في ليلة الطف .

ان اقامة علاقات بين نص معين مع نصوص أخرى سبقته بسنوات لايعني الاقتباس في الموضوع بقدر ما هو انعكاس لتراكم معرفي في القراءة للكاتب ، بل هو نوع من الذكاء في التقاط شفرات النصوص الاخرى وتوظيفها لغرض يهدف الى جعل تلك الشفرات دريئة تقي الكاتب من المساءلة امام السلطة المستبدة .

يشير صبري حافظ بقوله (( فالنص لاينشأ من فراغ ولا يظهر في فراغ .. انه يظهر في عالم مليء بالنصوص الاخرى . ومن ثمة فأنه يحاول الحلول محل هذه النصوص او ازاحتها من مكانها ))(17). ان ذلك يعني فيما يعنيه . ان النصوص هي نتاج فكر انساني متداخل يتعلق بموضوع واحد . لكنه – أي الفكر – يحاور الموضوع من زوايا ورؤى متعددة حسب ما يتفاعل في محيط الكاتب من احداث كبرى مصيرية ، وهو ماجعل محمـد خضير يتناص مع ( باييخو ) في الموضوع ( الاضطهاد ) ويتباين معه في الرؤية ( خصوصية البيئة ) وتقنية الكاتب .

المبحث الثاني : توصيف التحديث في  (كراسة كانون ).
__________________________________________

إني اعتقد أن تمظهرات الحداثة والتحديث معاً ، ان يتوغل العمل الادبي في عمق هموم الناس ، والاحداث التي تغير مصائرهم بدلاً من الغطس في الهم الشخصي في الموضوع والرطانة المبتذلة في اللغة والشكلانية الجوفاء فالأدب هو نتاج بنيات اجتماعية – ثقافية ، الا ان التحديث في الاشكال السردية يمنح العمل الادبي ديمومة التواصل مع المتغيرات الحضارية ، ويرسخ العلاقة مع قضية التلاقح بين الثقافات .

وبدءاً من قصته الطويلة ( صحيفة التساؤلات ) درج محمد خضير على التحديث في صوغ نتاجه ، فتلك القصة تجسم رؤية فلسفية شاملة لمدينة فاضلة في سياق غرائبي ، وبناء يعتمد على مشاكلة العالم الموضوعي – أو المكان المرفوض- ونقده والتحول نحو نظام سردي مفتوح التأويل . وتواصل الكاتب مع هذا النهج في معظم قصصه اللاحقة ، لكن التحول الاكبر حدث في ( كراسة كانون ) . فهناك مزيج من الواقعية النقدية ، كما بدأها القاص في مجموعته الاولـى ( المملكة السوداء )  وتشاكل مع المدينة المرفوضة بمتاريسها وقماماتها وكآباتها وانحطاطها ، فهناك صدام بين فضاءين ، فضاء عراقي موصوف في بعض التقاليد الشعبية ، والصمت والترقب والخوف من مصير مجهول . وفضاء آخر مماثل له خارج المكان الذي يعيشه الكاتب . ويبدو لي ان محمد خضير قد وسع من نظام السرد حتى كاد ان يحرره من حدوده التي لايمكن تخطيها .فتعالقت الرؤية التاريخية بالفلسفية والجمالية والتخييلية . وكان الكاتب يسعى الى تأسيس نظرية تتشاكل مع نظريات علمية وأدبية ، وتنحى الى التواصل مع الابداع الروائي العالمي . واستنبات معنى يتشكل من الدليل ( Signe )  .

ولذلك فأن ( تودوروف ) قد استعار من الشكلانيين الروس تصورهم للمعنى (( الذي يمثل في نظرهم عنصراً من عناصر الاثر الادبي .. وتتمثل وظيفته في امكانية دخوله في تعالق مع عناصر اخرى من نفس الاثر ..))  (18).

وإذا ماعتبرنا ان التجنيس هو افق معرفي تتنازعه عمليتان متبانيتان ومتكاملتان هما عمليتا والابداع والتلقي معاً ، فإن الرواية المعاصرة ومنها روايـة ( كراسة كانون )  هي نتاج فكري حاذق وعارف لاصول اللعبة الروائية بوصفها عملية تتناغم  والمتغيرات المتسارعة في العالم على مختلف الصعد ، يشير الى ذلك ( هانس روبرت هايس )، (( ان النص الجديد يستدعي لدى القارىء افق التوقعات واصول اللعبة التي ألفها في نصوص سابقة . وهو أفق يمكن بعد ذلك أن يعدل أو يوسع أو يجري تصحيحه ، بل يجري تحويله ايضاً وتهجينه أو ببساطة تجري إعادة إنتاجه.))(19).

إن رواية ( كراسة كانون ) وروايات عراقية أُخر إنتهكت اعراف السرد تطرح تساؤلات منها :هل تمكنت الرواية بذلك التنميط من خلق اصالتها ، أم انها لازالت تستقي اجناسيتها ونمزجتها من صيرورة الرواية في الغرب – مهد الرواية ؟

يصرح محمد خضير في ( كراسة كانون ) بذلك الانتاك المكشوف وبصورة احتجاج (( لا أثق بالشكل النهائي الذي يتكون من شيء صلد أو مائع ، ثم يسكن الفراغ على منصةٍ ثابتة واجماً لايتحرك ))(20) ثم يكشف عن رؤية في الشكل السردي (( أؤمن بالشكل اللانهائي الخاطف ، غير الكامل ، والشكل الذي يتحرك نقصه ويطالب بستر عريه المسافر في نصف عتمته . خلف ستار أو خلف أشكال اخرى تلتصق به وتحميه من الضياع ، أو الامتلاك ، أو التدمير ))(21) هل كان محمد خضير يعني ان عمله الروائي ( كراسة كانون ) لم يكن يتحـرك خلف عمل ( باييخو ) في ( حلم العقل ) ؟ .

تخرق رواية ( كراسة كانون ) نظام السرد الروائي الى ( اللاسرد ) فلم يعد السرد كما تعودنا ان نتصوره جامداً في مجال التخييل (Fiction) فحسب ولنما اتسع مجاله حتى اضحى شكلاً لكل الانماط السردية الواصفة – الواقعية – كالاخبار التاريخية والتراجم والسير الذاتية ، والمحادثات ، والاساطير ، والخرافات ، ويبلغ مفهوم السرد مدى اتساعه ، تلاشيه وتجرده من كل قصصي أيضاً وأعتقـــد أن ( كريماس ) رائد المدرسة التوزيعية في اللسانيات . قد أفاض في هذا الموضوع .

إن التجديد في السرد عند محمد خضير يبدأ من تشخيص الواقع المرئي المتأزم الذي يفضي الى مصير مجهول ، وتوصيفه ، ثم تشكيله عبر واقع مماثل وصولاً الى المتخيل ، مقترناً بطرائق جديدة في السرد تتناغم مع وحدة الموضوع . إنه البحث عن عالم بديل .
إن رواية ( كراسة كانون ) مناخ تأملي مشدودة بأثلرة أحاسيس مشوبة بالذعر. فهي وثيقة للمستقبل .
وإن الأنتقال عبر الزمن جاء تعبيراً عن وحدة التجربة بين الشعبين العراقي والاسباني ، التي تتصف بالقهر والاضطهاد وتقييد المثقف الرافض لثقافة السلطة . هنا يقاوم المبدع وحيداً في حين تقف الانظمة العربية وغير العربية تتشفى بكسل وبلاده على تلك المعاناة .
وبكلمة اخيرة فقد قدم محمد خضير مزيجاً من السردية الدلالية التي تعنى بضمون الأفعال السردية .. والسردية اللسانية التي تعنى بالمظاهر اللغوية للخطاب وما يتضمنه من رواة وأساليب سرد ، ورؤى ، وعلاقات تربط الراوي بالمروي وهو أحد تمظهرات التحديث في الرواية المعاصرة .

المصادر حسب ورودها في البحث :
___________________________

1.    محمود أمين العالم : ملاحظات أولية حول الثقافة العربية والتحديث . مجلة الوحدة . السنة(9) العدد (101)  1993 . المجلس القومي للثقافـة العربية . المغرب  ص8 .
2.    لمزيد من التفاصيل حول الاغتراب . يمكن مراجعة د. حليم بركـات ، في ( الأغتراب في الثقافة العربية ، مقامات الانسان بين الحلم والواقع ) ،كركز دراسات الوحدة العربية ، بيروت ، لبنان .
3.    الطاهر رواينيه ( نقلاً عن جنيت ) : النص والقارىء ومرايا النص ، التجسيد النصاني للقارىء في رواية ( الموت والبحر والجرذ ) لفرج حوار . مجلة ( اللغة والادب ) . العدد 14 . ديسمبر 1999 . معهد اللغة العربية وآدابها . الجزائر .ص268 .
4.    محمد خضير : كراسة كانون ( رواية ) دار الشؤون الثقافية العامة – بغداد  2001، ص9 .
5.    المصدر السابق نفسه  ص9 .
6.    المصدر السابق نفسه  ص82 .
7.    المصدر السابق نفسه  ص31 .
8.    المصدر السابق نفسه  ص78 .
9.    فان دييك : علم النص ، عرض : عبدالقادر بوزيدة ، مجلة اللغة والادب ، العدد (11) ,ايار / 1997 . معهد اللغة العربية وآدابها ، الجزائر .ص11
10. المصدر رقم (8) ص78 .
11. بويرباييخو : حلم العقل . ترجمة د. صلاح فضل . سلسلة المسرح العالمي . وزارة الأعلام . الكويت .ص 118 .
12. المصدر رقم (8) .. ص39 و 41 .
13. المصدر رقم (11) . ص40 .
14. المصدر رقم (8) . ص24.
15. المصدر رقم (8) . ص24.
16. حسين فحام . التناص . مجلة اللغة والأدب . العدد(12) ، ديسمبر 1997.معهد اللغة العربية وآدابها . الجزائر.
17.  عادل . خضر : العمل السردي ، في كتاب ( المعنى وتشكله ) . الجزء الأول ، كلية الآداب . تونس . 2003 .ص379 .
18. د. فتحية عبدالله : إشكالية تصنيف الاشكال الادبية في النقد الأدبي ، مجلة عالم الفكر ، المجلد ( 33) ، العدد (1) ، يوليو – سبتمبر 2004 . المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب ، الكويت ، ص200 .
19. محمد خضير : كراسة كانون ، ص10 .
20. المصدر السابق نفسه ، ص11 .
21. يمكن الرجوع الى المصدر رقم (16) لمزيد من التفاصيل .

شاهد أيضاً

التشكيل العربي المعاصر
8 – الواقعية الطبيعية من المنظر إلى البورتيه في تجربة الفنان العراقي صالح رضا
ذ. الكبير الداديسي

صالح رضا فنان تشكيلي عراقي من مواليد 9 يوليوز 1960 استطاع أن يفرض نفسه رقما …

عصام الياسري: مهرجان الأدب العالمي في برلين.. منجزات معاصرة بين النثر والشعر والواقعية والروايات

في الحادي والعشرين من أيلول إنتهى في العاصمة الألمانية برلين، مهرجان الأدب العالمي ilb العشرين …

نــجــيب طــلال: مهرجان مَــسرح الهــواة : تأجيل أم إلــغاء ؟؟

الــــــــــــواو: إنه فاتحة ((وباء)) أو بالتأكيد تلك جائحة كورونية ؛ لاتهم التسمية ؛ مادام المرء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *