منذر عبد الحر: كان علي ّ أن أتذكّر …

كان عليّ أنْ أرقدَ هناك
حيثًُ بكيتُ أوّل مرّة
وأن ألوّحَ للعربات
لا أن أستلقي في بطونها
كان عليّ ..
أن أحمل الطلع في رأسي
والجمّار في قلبي
وأن أسير لصخبك
وأنا أحمل أسرار جنوني
وملاذ قراي
وطين جرفي
كان عليّ ..
أن  أتذكّر بكائي
وأن لا أسير في موكب الخوف
كان عليّ أن أتذكّر
قامة أبي المكسورة
ونهر دموع أمي
وصبر مدينتي
كان عليّ أن أتذكّر
الحرائق
والجثث
والمطر المشنوق
والقوارب المثقوبة
كان عليّ
أن أجمع حبّات ما تساقط من الوجع
كي أبني وطناً من العبرات
كان عليّ أن أصغي قليلاً
لكتل الليل
وأن أمسك صباحاً
كان سيأتي في عجلة إسعاف
أو على كفن ٍ من ورد
كان عليّ
أن
أبكي ……
……..

*********

هناك ….
عيون ٌ تترقب
قلوب ٌ يشدو رفيفها
هناك ..
مرفأ أغنيات
مشجب ذاكرة
لآهاتنا
هناك ..
مدن ٌ من حنّاء
وجمر
وخجل
وسمراوات
وسفن ٍ صغيرة
ونخيل ٍ يبثُّ عسلاً
هناك ..
حكايات ٌ تخرج من النهر
مبللة ً
وتنام في المواقد
تحت سقوف ٍ
تختبيء فيها الفواخت
والجنيّات
والبكاء المضمّد بالصبر
هناك …
زوايا
ومقاه ٍ
ورسائل ورد ٍ
وأصدقاء ٌ
عالقون بأهداب الوهم
هناك
فقر ٌ مقدّس ٌ
وقرابين
منتظرات ٌ
ومنتظرون
هناك
سواحل مخنوقة ٌ
وبحار ٌ غامضة ٌ
وعبرات ٌ
هناك ..
قراصنة ٌ
ومنسيّون
هناك ..
جزر ٌ غريبة ٌُ
وحقول ٌ محروقة ٌ
وأصابع  أطفال ٍ
تشير إلى أقمار ٍ ضاحكة ٍ
هناك ..
بريق ٌ في عين عاشقة ٍ
أخذت صباحها
ومشت إلى جرف بوحها
جراحها هديل ٌ
تخفيها تحت عباءتها
هناك …
نجوم ٌ تتراقص
في برك ٍ
يحيطها الصبية
وهم يهزجون
هناك ..
قرى تغفوعلى مرافيء الشجن
نصلها بعربات الخشب
تلك التي تركنا على مقاعدها
أسئلة امتحاناتنا
ونحن نلهو بمسبحات ارتباكنا
أمام صمت حبيباتنا
وهنّ يفتحن شرائط الدرس
ويمنحن شعورهن
ريح أحلامنا

********

تركنا أيضا ً
أحلاما ً باسقة ً
وأخطاء ً طريّة ً
وحسرات ٍ غامضة ً
لا أريدكم أن تسمعوني
أريد إصغاء أرواحكم
لفواخت جرحي
جئت ُ ..
من مدن ٍ مبنيّة ٍ من قصب ٍ
تشكّل نايات ٍ
وشعوبا ً
خرجت من جوع التاريخ
إلى السماء
اسمعوا ..
ما تركناه على جسد الزمن
حفرنا ملامحنا
بخوفها
وبريقها
ونبوغ ألمها

هناك ..
حيث ترقد حكايات ٌ
في أضرحة ٍ عُزِلَتْ بالخوف
حيث يتجلّى السعف
حوريّات ٍ
وأنامل لهفة
ورايات ٍ أضاءها الدم ُ
هناك …
موسيقانا السريّة
وأنيننا المعلن
ونشيجنا المعتّق
وغرقانا
الطالعون مع المدِّ
بقيود ألسنتهم
وأيديهم المقطوعة
ندفنهم في الطين
لتنوح عليهم
أمّهات ٌ سجينات ٌ
في لوعة ٍ مزمنة ٍ
وحبيبات ٌ
ملأن جرارهنّ نجوما ً
وأطفال ٌ
حلواهم الأسى
والأحلام المطفأة على صباحات ٍ ذابلة ٍ
هناك …
يسألنا الندم ُ … واحداً .. واحدا ً
وتشرق ُ بنا الأبواب ُ
تلفظنا النوافذ ُ
وتصطادنا الخيبات ُ
تركنا هناك …
عيونا ً تجري
وسنابل تشهق ُ
وبراعم تتورد ُ
وصبايا متوردات ٍ بالغنج
سابحات ٍ بالخجل
رسمت الشمس ُ على وجناتهنَّ
أهلّةً ..ونذورا ً
يطُفْنَ على النخيل
ويرددن أغنيات البحّارة
ويأخذن من الزبد
رسائل ذرفتها الأمواج
ووصايا مسفوحة الحروف
فيما نختبيء
خلف أشجار السدر
عيوننا وعول ٌ
تركض في البراري
تتبع الأرانب الصغيرة
وأعواد الرمّان الراقصة
والشفاه المتمتمة بالربيع
….
أينما حللنا
تفوح روائح جنوننا
وتورق أشجار أمنياتنا
ويتفتّح القلق
باقات زهور
نلفّها بشغاف أشجاننا
ونقدّمها
نبضة ً .. نبضة ً
لأناث أرواحنا
نحن الذين…
تعلّق الطين بأهدابنا
نسجنا من برديِّ الأيّام
بردة ً لجراحنا
ومشينا على الشوك
لنصل خجلين
إلى شواطيء موتنا
نعم ..
خدعتنا جسور الأمل
والعربات المضيئة
وحرّاس الظلام
خدعنا البرد
فتوسدنا نجمة الخوف
ونمنا على رصيفٍٍ ..
أحلامُنا
ظلّت ماثلة ً في رؤوسنا
أن نعود
إلى
هناك ..
لنبكي ..
نعم
نتذكّر
ونبكي !!

منذر عبد الحر
بغداد في 13 \ 6 \ 2009

شاهد أيضاً

صمـــــت
خلود الحسناوي – بغداد

طلقتُ الحديث لأجلكِ .. ولأجل عينكِ تآلفت مع صمتي .. طال انتظاري خلف أبواب ، …

يا لذّة التفّاحة
فراس حج محمد/ فلسطين

يا زهرتي الفوّاحَةْ يا وردتي يا قُبلتي المتاحةْ يا بهجتي، يا مهجتي يا قِبلتي في …

غاستون باشلار: حلم التحليق(الحلقة الأولى)
ترجمة: سعيد بوخليط

” عند قدمي،لدي أربعة أجنحة لطائر أَلْسيون،اثنان عند الكاحل،أزرقان وأخضران، تعرف كيف ترسم فوق البحر …

5 تعليقات

  1. عزيزي منذرا

    ابن ….. صرخة السؤال وتردد الصدى
    اين … يمكن ان نرقد….؟
    تقول انك اخترت الزاوية الحالكة ( حيث بكيت اول مرة ) ثم ادعيت ان رأسك يمكن ان يحتمل الطلع … بالمناسبة – تلك وشاية – ولنسمها – غواية –
    اذ كيف يمكن ان تحتمل صخب الغواية والجنون………………….. ايها المنذر الجميل صدقني ايها الشاعر الرائع اني لااطيق ان اسمع ذلك النزيف المذهل وهو يضرب جنبات روحك الطاهرة وصراخك – كان علي ان اتذكر – واتسائل معك – هل هي الغواية مايجعلنا لانلتفت لحظتها الى الخلف وان لانسير في موكب الخوف لاننا كان يجب علينا ان نتذكر الحرائق كلها والمطر والقوارب ….
    منذر الرائع …… ستبقى دائما في القك وجمالك الذي حفرته باناملك … رغم الجراح

    محمد علوان جبر

  2. بلاسم الضاحي

    اخي منذر
    محبتي
    نص جميل اهنئك حقا
    ويغري للكتابة عنه

    بلاسم / بغداد

  3. أخي القاص المبدع الصديق محمد علوان جبر , شكرا لقراءتك القيمة مع عميق تقديري

  4. أخي الحبيب المبدع بلاسم الضاحي , شكرا لك ولرايك الذي أتعز به أيما اعتزاز , مع كل محبتي وتقديري

  5. عقيل جاسم

    استاذي الاروع منذر
    لا اعرف سر الدمع الذي داعب حفوني وانا اهرول بين كلمات مفعمه بالرجوع لموجه خجلة من الدمع
    ان كنت ندمت لانك لم تلوح للعربات التي صيرتك الايام جزءا منها فاننا ندمنا استاي العزيز لاننا لم نكن جزءا منها وانا اقف صغيرا صغيرا اما عودتكم الميمونه للبكاء تحت خيمة الموت
    رائع انت كالعاده

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *