جان جينيه .. سيرة ذاتية
تاليف: جانيت ل سافونا
ترجمة: خضير اللامي

إشارة :
يقدّم الأستاذ المبدع ” خضير اللامي ” ترجمة لمقالة تحليلية مهمة عن شخصية ” جان جينيه ” الخلافية منذ أكثر من خمسين عاما . لعل من بين ركائز أهميتها هو أن الناس ” هناك ” لا تترك مبدعيها حتى بعد موتهم وتواصل دراسة سيرهم ومنجزاتهم الابداعية مهما كانت طبيعة سلوكاتهم الأخلاقية . تحية للأستاذ خضير اللامي .

((حياة جينيه واسطورته))

تحولت حياة جينيه إلى ظاهرة اجتماعية ، إلى نوع من الخرافة . أو الأسطورة مما صعد ردود الأفعال النقدية عنها وبخاصة في فرنسا في الأربعينيات والخمسينيات والستينيات من القرن العشرين .والمصادر الأساسية للمعلومات التي نشأت وتطورت في هذه الأسطورة هي سيرة جينيه الذاتية ” يوميات لص ” ورواياته الأربع . وبخاصة ( سيدتنا ذات الإزهار ) و ( معجزة الزهرة ) و ( طقوس الجنازة ) التي يقدم فيها نفسه راويا . وكذلك بياناته الأخيرة الشفوية والتحريرية التي أرسلها إلى الكتاب والأصدقاء . جان كوكتو ، وجان بول سارتر ، وسيمون دي بوفوار ، وفيوليت ليدو ، فضلا عن المقابلات التي أجريت معه في الستينيات والسبعينيات في بعض المجلات والصحف الأسبوعية . بيد أن هذه المصادر لا يعول على جميعها . وهناك نقاد كبار ينزعون الى تحويل الحقائق الطبيعية في حياة جينيه إلى قصة خيالية وذلك بتأويلها في ضوء رواياته او مسرحياته . وهنا ، يقتربون جزئيا من سارتر وتأويلاته الوجودية في كتابه ( القديس جينيه ، الممثل والشهيد ) وهو كتاب تذكاري تجاوز 600 صفحة . حاول فيه سارتر ان يزودنا بوعي انطولوجي وتحليلات سايكولوجية عن جينيه ترتكز على شواهد كتاباته وهي دراسة شاملة وواضحة للغاية . ولكنها لا تتواصل للمحافظة على أسطورة جينيه حية فحسب ، بل لها تاثير في الصورة الذاتية وأعماله اللاحقة ..

ولد جينيه عام 1910م في باريس لأبوين لم يعرفهما : وحمل لقب أمه غابريلا جينيه التي تخلت عنه عند ولادته . وأصبح تحت وصاية قسم المساعدات العامة . وهي وكالة حكومية . ولعله امضى معظم طفولته في ميتم أو معهد خاص . ولكننا عمليا لا نعرف شيئا عنه في سنواته الست الأولى . وفي عمر السادسة أو السابعة أرسل إلى منظمة مورفان في فرنسا لينشا على يد عائلة فلاحية دفع لها المال لتنفق عليه . ولا نعرف الا قليلا عن تلك العائلة . كما لا نعرف الكثير عن طفولته في الريف . ولكن كما جاء في سيرة سارتر عنه : كان جينيه طفلا رقيقا يميل إلى التأمل والتطلعات الصارمة . ولكن سرعان ما شرع جينيه بسرقة الطعام والنقود من عائلته الوصية عليه – ربما لأنه كان جائعا – وهذا ما علله نفسه لسرقاته الأولى .

وفي رأي سارتر : ان شعور الطفل جينيه بالفراغ الغريب ، والمعاناة ، والإحساس العميق بالعوز وعدم الاستقرا ر ؛ لكونه طفلا غير شرعي دفعه الى تلك السرقات، وخاصة عندما كان يعيش في مجتمع ريفي تعتمد قيمه على ملكية الأرض والإرث الشرعي . وسوغ سارتر سرقة جينيه بوصفه طفلا استجاب لا شعوريا إلى وضعه الوجودي البائس . وفي العاشرة من عمره أطلق مجموعة من الكبار عليه كلمة ” لص ” كانت تجربة صاعقة جعلته يدرك فجأة أنها من ” طبيعته الشريرة ” وزاد من مأساة تلك التجربة قبوله إدانة الآخرين اياه . وتسليمه بقبول ما يراه العالم ” انه شخص لا بد ان يكون رديئا ” وتوجه تدريجيا إلى ممارسة الشر والجريمة وبالولاء نفسه الذي يتوجه فيه القديس الى الفضيلة والطهارة . وان سرقاته المتكررة وحادثة سمله عين صبي أخر زادت من انحرافه . وفي الخامسة عشرة ارسل الى مدرسة اصلاحية في ميتيريه في منطقة اللوار، وهي التي كان يطلق عليها المدرسة ” النموذج ” افتضح أمرها في الثلاثينيات حيث كانت ” معهد محض ” أو ” مستوطنة عقوبات الأطفال ” وعندما حلل ميشيل فوكو عام 1975 تاريخ سجون فرنسا أكد أهمية ميتريه ” نموذج عقابي ” أو ” كلية تعليم للقصاص البحت ” تعلم من علاقات القوة من خلال السجن – panoptic، وفي ميتريه تحولت ممارسة الشذوذ الجنسي المستترة لدى جينيه إلى عادة ثابتة . في الوقت ذاته ، حوله نظام المدرسة القمعي الصارم إلى إنسان خشن مدمن على الالم.وبعد بقائه ثلاث سنوات في ميتيريه التحق جينيه بفرقة اجنبية ، ولكنه سرعان ما هرب منها .

((الفقر والتشرد))

وبين سنوات 1933-1942عاش جينيه حياة الفقر والتشرد، متنقلا في عدة بلدان أوربية ، اسبانيا وايطاليا والبانيا والنمسا وجيكوسلوفاكيا وبولندا والمانيا النازية .وامضى مددا متكررة في السجن . وألقت به مغامراته إلى الإجرام .

مارس السرقة وباع نفسه من اجل البقاء واتصل بأرباب السوابق والساقطات والقتلة ، الذين وظفهم بعد ذلك نماذج لشخصياته ، وامتلأت حياته بالإحداث وتجارب السجن وأخذت تلقي بظلالها عليه .كما بدا الكتابة وأنتج معظم إعماله في زنزانة السجن . وبشكل خاص (ٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍ الرجل الذي حكم بالإعدام ) وهي قصيدته الطويلة التي نشرت عام 1942 ، وروايته الأولى ( سيدتنا ذات الإزهار) التي نشرت أول مرة في مونت كارلو على نفقة شخص غير معروف . وكان كوكتو أول من اكتشف جينيه وأصبح معجبا حميميا بإعماله الأدبية .وفي سنة 1942 التقى جينيه سارتر وتوطدت صداقة طويلة بينهما مبنية على عشق الحرية والاحترام المتبادل . ولولا المساعدة الادبية والفكرية من سارتر فان جينيه ما كان ليحقق نجاحه السريع والامن المالي النسبي الذي بدا يتمتع به في الخمسينيات .

((مرآة ادم))

وكتب جينيه وطبع معظم إعماله الشعرية والنثرية بين 1944-1956 وسيناريو باليه قصيدة ( مرآة ادم ) 1948 وسيرته الذاتية ( يوميات لص ) ومسرحية ( جرس الموت ) 1948 ومسرحية (العذارى) 1947 ومقالتين : (الصبي المجرم ) 1949 والآنسة : رسالة الى ليونور فيني 1950 وفي سنة 1948 حكم عليه بالسجن مدى الحياة لأنه اقترف عدة جرائم سرقة وللياس من إصلاحه .ولكن بتدخل من صحيفة ” النضال ” ومجموعة من الكتاب يقودهم كوكتو وسارتر منح العفو الرئاسي . وبسبب كتاباته الأدبية انتقل جينيه تدريجيا من العتمة الدامسة إلى الصوت الرديء بين 1942، 1948، ومن عالم جاهل مليء بأرباب السوابق إلى المجموعة الفنية والفكرية ، لجيرمين دي بريه التي قبل أعضاؤها بجينيه برغم انه لم يكن واحدا منهم . وبعد إطلاق سراحه من السجن سنة 1948 قرر جينيه التخلي عن الجريمة تماما . وبعد إن نشر سارتر كتابه : القديس جينيه ،، الممثل والشهيد 1952 الذي كان التجربة الصاعقة الثانية في حياته ، مر جينيه بفترة صعبة من التأمل الذاتي ، والصمت الأدبي . وبعدها نشر مسرحياته الطويلة الثلاث ( الشرفة) 1956، 1961 و ( السود ) 1958 و ( الشاشات ) وسيناريو فيلم الآنسة 1956 وعدة مقالات نقدية قصيرة في الفن والمسرح : ملاحظة في المسرح 1954 وأستوديو جياكوميتي 1958 ورسائل إلى روجر بلان بعد إنتاج مسرحية ( الشاشات ) التي أخرجها روجر بلان على مسرح تيترو دو فرانس سنة 1966 . يبدو إن جينيه فقد اهتمامه بالأدب وتوقف عن الكتابة للمسرح ؛ بيد ان التزامه السياسي الذي لم يكن له وجود او كان مغلفا بالغموض ، وفي اعماله الأدبية أصبح أكثر وضوحا وصراحة وتبنى جينيه الموقف الراديكالي القريب من الماركسية . وهذا التحول الذي بدا عام 1968، خلال سفرة له الى الولايات المتحدة أصبح موقفه معلنا وبخاصة عندما وافق على ان يتعاون مع ” النمور السود ” . وفي سنة 1970 انتقل جينيه إلى الولايات المتحدة متحدثا باسم السود في كل مكان ضد العنصرية البيضاء ومدافعا عن بوبي سيل الذي سجن بوصفه رئيسا للنمور . وفي الأول من أيار 1970 القي خطابا حادا ضد الحكومة الأميركية في حرم جامعة بيل ” خطاب أول أيار 1970 ” وكتب مقدمة إلى ” إخوة سوليداد ” ورسائل السجن الى جورج جاكسن 1971 ومن موضوع النمور السود انتقل إلى القضية الفلسطينية وصار جنديا مناصرا لها . وبعد ذلك ، أصبح مع الثوار الألمان الذين يكونون ” الجيش الأحمر ” وفي عام 1977 نشر مقدمة لآخر رسائل اورليك ملينهوف . إما القضايا التي اختارها للدفاع عنها فهي فرق الأقليات الثورية التي عدت نفسها أنها لا تعامل أصلا بعدالة . والتي دان ثوراتها ” الرأي العام الحر ” لإتباعها أساليب إرهابية . اما قضايا النمور السود والفوضويين الألمان ، فاهتمام جيينه بها يعود إلى أهمية الدور الذي اكتسبه من تجربتته في السجن في حربه ضد الحكومات والظلم . وراحت بياناته تشهر بفضائح العنصرية داخل السجون الأميركية ، ووحشية الأنظمة العقابية والجزائية الالمانية التي تحمل مسؤولية الموت البطيء لمؤيدي اندريس بادر .وفي مقدمته لرسائل اورليك ملينهوف ، ميز جينيه بشكل واضح بين العنف الذي كان الوسيلة التي تقوم بها الحكومات . وتجاوز العنف ولكنه دان الهمجية من بين عدة إشكال جعلته ينوء بها بسبب الحبس الانفرادي . ولعل التزامات جينيه السياسية الحالية تبدو مدهشة ، ولكنها تبقى محافظة على إحساسه الشخصي بالظلم وروح التمرد اللذين يعبر عنهما ضد المجتمع : ” والمجتمع كما تصفه أنت انا اكرهه ، فانا دائما اكرهه ، وابغضه ، ذلك لأنه عاملني بقسوة ومنذ أن كنت طفلا في معهد الأيتام ، والمدرسة الإصلاحية كما وصفتها في روايتي ( معجزة الوردة ) وعلمتني شيئا عن الحياة ، ومنذ ذلك الحين وجدت لي مخرجا في العمل الأدبي واتخذت كراهيتي شيئا آخر ” ومنذ الستينيات عاش جينيه في بحبوحة نتيجة عائدات كتبه و مسرحياته ، ولكنه كان دائما يرفض الاستقرار والعيش في مجتمع الطبقة الوسطى ” كما ذكر روبرت بلان ” فقد كان لديه رغبة في التنقل حول العالم ، بحقيبة صغيرة تحتوي على ملابسه الداخلية وجواريه ، وهذا مقترن بخوفه المتزايد من كونه قد رد إليه اعتباره .

(( حياة أسطورية))

في هذه الصورة عن حياة جينيه ، التي انتقلت إلينا عن طريق ( أسطورته ) التي خلقها هو بصورة خاصة ،والظروف التي احاطت به بصورة عامة ، نلحظ فجوات من الصعوبة بمكان ردمها ، وتناقضات ظاهرة من المستحيل حلها . وان أول حيرة برزت إمامنا بما نعرفه عن السيرة الذاتية لجينيه ، هي حرفته الادبيه ودربته ، وكما قال سارتر : انه النصر الفعلي للكاتب – القوة التي منحت له من خلال سيطرته واستخدامه الإبداعي للغة ، ليتمكن من التغلب على طرقه . وتحويل يأسه وتمرده إلى انتصار شعري – مكن جينيه من الوصول إلى الحرية الفكرية ، وعن طريق الكتابة نجح جينيه في التعالي على معاناته وغضبه .

ومنحته إعماله الأدبية فرصة في أن ينتقم لنفسه من أمه ، التي تخلت عنه ، ومن والديه الوصيين عليه اللذين رفضاه بوصفه لصا ، وعلى الحكام وحراس السجن ، ورجال الشرطة ، الذين دفعوا به إلى حياة مجرم منبوذ . هذه النظرية التي تمنح عملية الكتابة ، علاجا وطهارة ، هي دعوة لتمكين القارئ من ان يفهم تطور جينيه التدريجي ، كاتبا وإنسانا . وقدم سارتر أيضا تحليلا مقنعا للسمة الخاصة لكتابة جينيه ، التي بحسب رأيه تعمل من خلال إغرائها الفعلي وتوحي لعواطفنا وشعورنا بالعدالة ، ومن خلال تزويقها الفكري ” مثل جيد في صيغها الإيديولوجية الدائمة ” التي غالبا ما ترتبط بالجاذبية ، وتشوش القارئ . لكن سارتر يراقب موضوع الممارسة الفكرية والثقافية للكاتب . فضلا عن مراقبة الإطار التاريخي المحدد بالمصادر التي ٍمن خلالها تتطور كتابة جينيه .

وبناء على الأسطورة ، فقد بدا جينيه الكتابة في عمر الثانية والثلاثين ، أو الثالثة والثلاثين ، تحديا ضد نزيل سجن آخر ، بكتابة القصائد التي حاول فيها أن يبرهن على موهبته للسجناء الذين كانوا يحتقرونه ؛ اما ثقافته الأدبية الوحيدة فهي مستمدة من روايات شعبية ، وقصص بوليسية حصل عليها من مكتبات السجن ، برغم انه ربما تعلم نظم الشعر من رينيه بوكسويل الشاعر الشعبي الكفيف الذي كان جينيه يساعده ويرشده على طريقه . فإذا كانت قراءات جينيه الأدبية قد اكتشفها بيير دو روزار في ميتريه ؛ فان جينيه قرأ في السجن الإخوة كرامازوف ، وتداعيات بروست ( غابة البراعم ) في بداية الأربعينيات . وثمة مقابلة أجراها معه فيتشه ص186 ، تؤكد أن من الصعوبة بمكان ان نقدر المستوى العالي من السفسطة والثقافة والفكر وغنى في المفردات وحذاقة في التركيب والمبالغة في الاستعارات والإحساسات الهارمونية في الوزن التي ظهرت في بدايات روايته الاولى ( سيدتنا ذات الازهار )ٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍٍ. وهذا يدل على تمكنه من اللغة وأسطورة رجل بدون ثقافة اكاديمية . التناقض الثاني قي أسطورة جينيه يتعلق بالاختلاف بين الأخلاقيات السببية في سلوكه الشخصي منذ الخمسينيات بخاصة . وبغني جينيه في رواياته ومسرحياته في مجال الجريمة ، ويحول الجبن والخداع والقتل الى فضائل لاهوتية ، بيد أن الحقائق الممكن إثباتها والدليل المعتمد ، يوضحان معا جرأة جينيه وشجاعته وإخلاصه ، وعدم اهتمامه بالمال ، ورفضه للمذهب المادي .

وفي ( خطابه في أول أيار 1970 ) يظهرلنا وجهة نظره السياسية المباشرة الراهنة انه لايهاب الخطر, وكما نعرف ذلك انه اختار ان يتهم خطا بالقتل في سنة 1943 ، أكثر من خيانة مذكرات القاتل الحقيقي الذي كان صديقا له ، وكانت تصريحاته عن أصدقائه الأدباء ولاسيما كوكتو وسارتر ، دائما مدعمة وعندما بين محمد شكري أن ” القديس جينيه ” هو كتاب عن أفكار سارتر نفسه أكثر مما هو عن جينيه . فان الاخير قد احتج بشدة قائلا : انه يعرف ما كتبه عني من دراسة لذلك ، وانه يعرف حياتي الشخصية ، من حقيقة كوننا أصدقاء ، وقد استخدم تلك المعرفة ليصوغ أفكاره عني . فضلا عن ذلك ، فان جينيه اعترف في مقابلة مع فيتشه انه معجب بفكرة القاتل أكثر من القتل نفسه . وشرح إخفاقه في أن يتحول إلى قاتل من خلال نشاطه في الكتابة ، أو من خلال الجهود التي يبذلها دائما لكي يقنع الآخرين بان حياة شخص أو موته لا أهمية لهما ص184 ، وان التناقض الظاهر بين حياة إنسان وكتابته ليست مسالة غيرمالوفة ، ولكن بالنسبة للعالم ومؤرخ الأدب فان جيينه من المحتمل إن يبقى لغزا محيرا مدة طويلة ، لأنه ليس هناك سيرة ذاتية او بحث في المصادر الأدبية لإعماله تظهر ذلك ممكنا وليس ثمة احد يعرف ما اذا كانت جميع مخطوطاته قد نشرت وخاصة ان بعضها قد فقد او تلف . والمشكلة الثالثة التي يمكن ان تسبب بعض الارتباك للقاريء هي هوية جينيه الجنسية ، فانه لم يحاول أبدا اخفاء شذوذه الجنسي الذي يظهرمن خلال كتاباته مصدرا للالهام والمتعة . بيد ان هذه الثيمة ترتبط تماما بالجريمة والخيانة ، وبوصفها مسالة لا اخلاقية ، ومثل هذه الرابطة بين الشذوذ الجنسي والشر تكثف مشاعر الخوف لدى القراء او عالمهم الجنسي . ربما تكون مقبولة ادبيا عند النقاد الذين سقطوا في مصيدة نصوص جينيه وأدركوا شذوذه حتى في إعماله الأدبية نلحظ مرض عصاب أو شكلا من إشكال الانحراف الأخلاقي في الرغبة الجنسية ومن جانب آخر فان تحليل سارتر للهوية الجنسية يقدم في الغالب ثورة وجودية ضد اشتهاء الجنس الآخر .

بينما يحتوي التحليل الحاذق لميكانيزمات العشق الذاتي والتضمينات الاجتماعية ، ودراسة سارتر عن شذوذ جينيه تقدمها بصيغة اجتماعية جوهرية وإدراك الذات الفكرية للانحراف . أن دراسة سارتر بوجه عام تهمل الدور الذي يؤديه الواقع الجنسي في المتعة الفنية للنصوص الأدبية بمشاركة القارئ والكاتب في ان واحد .

فالصيغ الغنائية الغزيرة التي تنقل القوة الغامرة للجنس في أعمال جينيه هي مجازات شعرية تدرك من خلال اللغة وبشكل رئيس على هذا المستوى الذي يجعل المرء يدرك المنطق الشهواني ” اللبيدي ” لنصوصه . وفي مسرحيات جينيه التي أخرجت فان المشاهد يواجه بإشارات وحركات وموسيقى ورقص يتمتع بالصيغ السمعية والمرئية معبرة بعمق عن المشاعر الجنسية .

((من الروايات إلى المسرح))

كتب جينيه خمس مسرحيات فقط ، ولكن لها تأثيرا مهما ، وبخاصة خلال الخمسينيات والستينيات . ومنذ ذلك الحين انتعشت مسرحيتا ( العذارى ) و( الشرفات ) في العالم وترجمتا الى عدة لغات . وبعد نشر ( كوريل من بريخت ) تخلى جينيه عن الرواية وكرس نفسه لكتابة الدراما ، ويبدو ان اختياره كان صائبا لان المسرح يناسب خياله وموهبته الإبداعية بطريقة أفضل .

وفي روايات جينيه ، وبشكل خاص الثلاث الأولى ، فان الروائي انتقل من عالم الكتابة والسرد إلى الإعمال القصصية المبدعة أو القصة المروية . وعلى هذا فهو يتظاهر إلى آن يكون إحدى شخصياته التي تبدو بالمقابل انها تسهم في عملية الإخبار والسرد . فان الراوي والشخصيات يتبادلان الادوار الى حد الحدود بين ظاهرتي الخلق الفني والأشياء المخلوقة بحيث يصبحان غير واضحين . هذه التبدلات الدائمة ضمن مستويات التمثيل تؤشر على موهبة الكاتب الخاصة بالاندماج مع شخصياته والذوبان فيها .

بيد ان الدراما هي الوسيلة التي يظهر فيها الكاتب المسرحي في هيئات أخرى ، ويتحدث بأصواتها دون الحاجة إلى ان يؤكد هويته مباشرة ,. وعلى المسرح ترى الشخصيات في دورها من خلال أجسام الممثلين وأصواتهم وان حب انقسام الذات والثنائية التي تسود في بنى روايات جينيه هدفها ان يحكي قصة وان يكون تلك الشخصية في الوقت ذاته , آو بالإمكان أن يؤدي دورا في التمثيل ويكون التمثيل تلك القصة . وروايات جينيه لم تكن في الواقع منشغلة برواية قصة , واذا كانت كذلك ، فانه من باب المصادفة على الرغم من المداخلات الكثيرة في الزمان والمكان ، وتكون أصالتها في مشاهدها أو صورها التي تصوغ سلسلة الإيماءات ” التمثيلية ” القليلة المهمة والمحشوة من خلل سرديتها , وتمنح تلك المشاهد أهمية واضحة الإيماءات ذات الرمزية المعقدة ، لها عدة درجات من الأهمية مثل هذا الميل في تحويل الإيماءات الاعتيادية إلى شعائر مليئة بالمغزى . قد ينتج تأثيرات غريبة في الرواية وتجد مكانها الشرعي في مسرح الأسطورة الذي تعود تقاليده الى المسرح الاغريقي والصيني .

(( سايكولوجية الشخصية))

واذا كانت روايات جينيه لا تطور سايكولوجية شخصياتها ونادرا ما تشرح دوافعها ، فانها والحالة هذه لا تقدم علاقات إنسانية متبادلة ، مشبعة بمشاعر الكراهية والحسد ومجربة بواسطة شخصيات هامشية أو منحرفين أو مجرمين من عالم الرذيلة والإجرام ” العالم السفلي ” والمدرسة الإصلاحية في السجن او المنفى ويتحول الصراع في الروايات الى صراع قوة ومصادر عميقة للتوتر يملأ المسرحيات بكثافة عظيمة .

تحتوي الروايات على محادثات سفسطائية تماما . وتبدو الحوارات العديدة ” في كوريل من بريست ” بشكل خاص طبيعية .. لان جينيه مزج فنيا مختلف مستويات اللغة فيها بواسطة الانتقال من اللهجة السوقية الاستعارية لمثل شخصيات عالم الرذيلة ” العالم السفلي ” امثال جيل وكوريل ، الى لغة اكثر نقاء تستخدمها شخصيات من الطبقة المتوسطة أمثال مدام ليسيان والملازم الأول سبلون . وهذا الاستخدام المتقن للحوارات يصبح جوهريا في مسرح جينيه حيث يميز هذا الإسراف اللغوي جينيه بوضوح عن معاصريه .

هذه المقارنة القصيرة بين روايات جينيه ومسرحياته لا تدعي الافاضة في شرح انتقاله من وسيلة إلى أخرى ، ولا النجاح الذي حققه . مثل هذا الانتقال ونجاحه يشيران بلا ريب الى عوامل اخر كثيرة . ولاسيما المتغيرات المذهلة التي تؤثر في أساليب الإخراج ، والمشاهدين ، وفكرة المسرح ذاتها ، بدأت في باريس في الخمسينيات مما أطلق عليه مارتن اسلن ” مسرح العبث ” . وفضلا عن ذلك فان جينيه كان قادرا بين 1944،1960 على مشاهدات باريسية قليلة والاتصال بمسرحيين مهمين أمثال كوكتو وسارتر ولويس جوفيه وبلان وبيتر بروك وماريا كارسبارون الذين كانوا عوامل أسهمت بعمق في تطوره الشخصي كونه كاتبا مسرحيا .

((مكانة مسرح جينيه في الخمسينيات والستينيات))

ثمة مشابهة موضوعية واضحة بين روايات جينيه ومسرحياته ، نجد في موضوع الجريمة الصور نفسها، الشعائر الدينية المستعارة من المذهب الكاثوليكي ، تسلط أفكار الموت ، والطقوس الجنائزية .وفي الوقت نفسه تظهر ميثولوجيا خاصة في جميع إعمال جينيه ، فليس من الحصافة ان تعامل المسرحيات كانها روايات او ننظر الى كتابات جينيه الدرامية طبقا لأنماطه القصصية كما فعل النقاد اول الامر ، متبعين في ذلك خط سارتر عنه في ( القديس جينيه ) على الرغم من ان التقنية الروائية كانت ممتعة . فانها لم تتضمن السمات التجريبية والإبداعية في مسرحه الذي شخص منذ الخمسينيات فضلا عن اساليب جمالية قام بها مخرجون وممثلون واوحت تلك السمات في افضل النتاجات في عصرنا ، وفضلا عن ذلك فان مسرحيات جينيه الخمس تعكس الوعي والمشاكل السياسية والالتزام بمجموعات اجتماعي معينة ، واهتمامات غائبة عن رواياته كليا .

الإغريقي أو الإليزابيثي ، أو المسرح الميثولوجي الإفريقي . ويظهر شعورا جديا ، وحتى دينيا هو خير وسيلة على مشاركة عاطفية من الحاضرين ، بالرغم من بعض التشابهات الطفيفة مع فن سارتر ، ولاسيما في ( حارس قلعة الموت ) وربما في( العذارى ) فان إعمال جينيه تتوجه بعمق ضد التقاليد الفنية لمسرح الثلاثينيات والأربعينيات التي أعقبت المسرح الجديد في المسرحية الجيدة الصنعة وله رسالة سايكولوجية وايديولوجية واضحة.

يناقض مسرح جينيه المذهب العقلي والواقعية ، ويتجانس اكثر مع مسرحية الفريد جاري ( اوبوروا ) ومع التجارب المسرحية السوريالية في العشرينيات لاراغون او دير واو هوغو او غيردو . ولا تحمل مسرحيات جينيه أية رسالة واضحة لان معانيها لا تشتق من المنطق المباشر هذا النوع من الشعر اسمه ” الشعر المسرحي ” في مقدمته eiffle tour la de namesless 1921 لأنه استثمار للشعر في المسرح .وما قد يبدو مهما في مفهوم جينيه عن الشعر المسرحي هو ان علاماته لا معنى لها ببساطة الكشف أو تعرض شيئا آخر . ولكن لكي تبقى متهمة او لا معنى لها علامات مسرحية محض . هذه المحاولة المتناقضة في ان تعرض أو تخفي حالة لا تبهم بالطريقة ذاتها التي كانت اللغة الشعرية لا يمكن إن تكون معبرة بقناعة في النثر او تترجم إلى لغة نقدية منطقية إذا ، فالشعر المسرحي في مسرحيات جينيه الذي يقوم باستخدام أصيل للعبارات والطقوس والاحتفالات وأفعال السيرك والرقص والأقنعة ينجز الهدف نفسه .فهو يقاوم التأويلات ، متعدد الإبعاد ، ويحمل أنواعا كثيرة من الأحاسيس او المعاني التي تؤدي إلى صيغة اتحادية .

إن شعر جينيه المسرحي المحدد بالعنف المروع والعدوانية ، اللتين تفترضان الإشكال ذات البنى الجيدة ، النظام والانسجام ، لذا فان ذلك الشعريشوش اويغمر الحاضرين ويثير مخاوفهم وخجلهم وسخطهم ، أو سرورهم . هذا النوع من الشعر ، عظيم جدا وعندما تحلل الصفات الخاصة لمسرحيات جينيه فستكون ملائمة تماما ، مع ماكان يحلم به انتونين ارتو في المسرح وازدواجيته (1938) عندما شرع صيغة جديدة للدراما أعادت الى المسرح الأساطير والميتافيزيقية .

((مسرح العبث))

ومن بين جميع الكتاب ما يسمى : المسرح الجديد ، او مسرح العبث في الخمسينيات والستينيات الذين تأثروا بارتو بشكل مباشر أو غير مباشر هو جينيه الذي ربما سيكون احد أولئك الذين لهم صلتهم الروحية بالمثالية المستحيلة . والمسرح الكلي يبقى هو الأقوى . وعلى هذا الاعتبار ، يبقى جينيه مشدودا الى مسرحياته مثل رواد المسرح الذين عرفوا ارتو وأعجبوا به مثل : بلان وبارو ، أو الذين يميلون إلى ممارسة افكار ارتو بطريقة ما ، ا وان الأساطير التي خلقها مسرح جينيه هي أكثر فردية وأكثر دقة من اساطيركتاب المسرح أولئك : بيكيت واونسكو واداموف لأنها تتضمن في الغالب قوة جنسية واجتماعية او دلالات سياسية هي بدرجة من الوضوح تكفي لاجتياز الدلالات المحددة ، لان مسرح جينيه غالبا ما يكون متجددا في حالات اجتماعية وتاريخية . وقد اكد بعض النقاد الماركسيين مثل ، لوسيان غولدمان المظاهر الواقعية ومغزاها . وحاول بعض المخرجين ان يحولوا مسرحياته الى مسرحيات طبيعية كما فعل لويس جوفيه في إنتاجه لمسرحية ( العذارى ) 1947 أو المسرحيات البريختية الملحمية كما فعل ه.ليتزو في إنتاجه ( الشاشات ) في ميونخ 1968 , هذه النزعة هي في الأساس نزعة ضد الآراء أو السمات الاجتماعية السياسية لنصوصه . فموضوع ( حارس بوابة الموت ) هو سجن في الثلاثينيات أو الأربعينيات ويشير إلى الأنظمة الجزائية والقضائية في ذلك الوقت . وموضوع مسرحية ( العذارى ) هو السلوكية الاجتماعية للطبقة العليا الباريسية في الأربعينيات ، وفي إحداث مسرحية ( الشرفة ) يرى بعض النقاد فيها أحداثا تاريخية أوربية وقعت في العشرينيات والثلاثينيات مثل : الثورة الاسبانية ، اعقبها انتصار الفاشية وفي منزل الأوهام في مسرحية ( الشرفة ) فانه من السهولة بمكان ان تميز الحالة الشرعية للدعارة في فرنسا خلال آخر حقبة من الجمهورية الثالثة . وتشير مسرحية ( السود ) الى الوضع الكولونيالي في اقطار افريقيا في مستهل استقلالها بعد الحرب العالمية الثانية .

وتقدم مسرحية ( الشاشات ) أحداثا تاريخية محددة وقعت في الخمسينيات وبداية الستينيات حرب تحرير الجزائرية مع ما تحمل من عذابات وبشاعات واندحار فرنسا . ولكن من الصعوبة بمكان ان نعين موقع مسرحيات جينيه لانها تتفاعل كثيرا مع مسرح العبث ، وتشارك المنطق العقلاني في لامبالاتها أو السايكولوجية القارتسنية ، وتميل إلى إظهار سلسلة من الابتكارات تكون تحدياتها المهمة هي القارئ والمشاهد لأنها تعيده إلى الصيغ الدورية في التعبير ، وتقنيات التجزؤ ” الانشطار ” ومن النادر ان ننقل من مستوى تمثيل إلى آخر . وتكون ثورتها ميتافيزيقية ، وتثير في المشاهد شعورا بالتغريب ، وهذه الشاعر تظهر في مسرحيات عبثية اخر . بيد أن دراما جينيه تخبرنا عادة بقصص مقطوعة وواضحة ، وذلك لا يعني انها دون حبكة وشخصياتها مدفوعة بالكراهية او الرغبة بالتسلط او القتل .وهذه دوافع تميزها بحدة عن المهرجين أو شخصيات مسرح الدمى لدى اونسكو وبيكيت اللذين غالبا ما تكون شخوصهما دون أهداف أو دوافع .

وفي استخدامه للغة الدرامية ، ربما يعد جينيه أكثر تقليدية كما بعض العبثيين بالرغم من ان المرء يكتشف متطلباته للغة جديدة . وازدراء للصيغ الظرفية أو النقلية . إن مسرح جينيه مملوء بالرونق والنضارة التي تجعل مسرحياته أكثر شبها بشكسبير أو كلوديه منها من بيكيت أو اداموف . ويبدو أن كل مسرحيات جينيه تمزج استخدام الأسطوري والشعري بالمسرحي مع التصوير لصراعات محددة هي إشارات اجتماعية محددة أيضا .

وقد نجحت كل مسرحية في ان تنقل بأسلوبها الخاص توليفة خاصة بين الشعر والواقعية . ربما تعد مسرحية ( الشرفة) الأكثر تجربة في استخدام الاستعارة وانعكاسا للتراث . أما مسرحيات ( العذارى والسود والشاشات ) فهي تتمم الشعر وتمزجه بالواقعية في بنى أصيلة لكل واحدة منها ..

شاهد أيضاً

صمـــــت
خلود الحسناوي – بغداد

طلقتُ الحديث لأجلكِ .. ولأجل عينكِ تآلفت مع صمتي .. طال انتظاري خلف أبواب ، …

يا لذّة التفّاحة
فراس حج محمد/ فلسطين

يا زهرتي الفوّاحَةْ يا وردتي يا قُبلتي المتاحةْ يا بهجتي، يا مهجتي يا قِبلتي في …

غاستون باشلار: حلم التحليق(الحلقة الأولى)
ترجمة: سعيد بوخليط

” عند قدمي،لدي أربعة أجنحة لطائر أَلْسيون،اثنان عند الكاحل،أزرقان وأخضران، تعرف كيف ترسم فوق البحر …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *