د. حسين سرمك حسن : هيفاء بيطار في “ايقونة بلا وجه” ؛ سفر الوفاء العظيم (4/الأخيرة)

hussein sarmak 5# لاشعور الكاتب .. يُربكه :
—————————
ومثلما لعبت رغبات اللاشعور بـ “كاتب” العهد القديم ، فقد لعبت بسلوك أحلام ، وأربكت السلوك السردي للمؤلفة بصورة هائلة . فالأبيات الثلاثة التي كانت تفتن أحلام وتحبس أنفاسها وهي تقرأها بهيجان وبأنفاس متسارعة هي أبيات تدعو وتبارك السفاح بالمحارم ، وبناء علاقة جنسية زانية بين البنت وأبيها .
هنا يثور سؤال مربك ومستفز :
ما هي الصلة الدلالية والتأويلية ، من الناحية النفسية والترابط السردي خصوصا ، لهذه الأبيات بسلوك أحلام ؟
لقد عادت أحلام من بيت ابنة عمّها بعد أن نسجت شباكها حول خطيب الأخيرة كما قلنا ، ولا صلة لهذا السلوك بسفاح المحارم كما هو ظاهر . لكن المؤلفة توغل في ارتباكها ، فتحاول أن تبرر لنا سبب اختيار أحلام لهذه الأبيات بصورة تثير أغرب المتناقضات وتؤججها ولا تسوّيها ولا تجعلها شفّافة ومنطقية ضمن تسلسل أفعال الشخصية المعنية :
(كانت تلك القصيدة توقظ كل الأهواء الغافية في روحها ، وتشعرها بانفلات الروح في فضاء لا يحدّه عائق ، ثمّة توق عميق في تلك القصيدة للإنعتاق ، للتلاشي من المطلق . ثمة تعابير تفتنها . ما في الحب إذاً ؟ إنّه ذلك البخار الزكي الرائحة الذي يفوح من فضاءات حرّيتها الداخلية . ولطالما أحسّت أن عالمها الداخلي أكبر وأكثر غنى من العالم الخارجي – ص 69) .
haifa bitar 5وستمسك الدهشة العارمة بتلابيب القاريء الذي اطلع على القصيدة كاملة ، وهو يحاول ربطها بتعبيرات الروائية موضوعة على لسان أحلام . فعن أي انفلات للروح في فضاء لا يحدّه عائق تتحدّث ؟ واين هو التوق العميق للإنعتاق في القصيدة ؟ عن أي تلاشٍ في المطلق تتكلم أحلام ؟ وأي مطلق هذا الذي يتحدث عنه إلياس ابو شبكة ؟
القصيدة تُستهل بالدعوة الفاضحة والصارخة إلى اقتراف سفاح المحارم من قبل البنت مع ابيها ، وفق خطوط قصة لوط وابنتيه التوراتية الآثمة . ثم تستمر على نهجها من الإصرار المتصاعد والمتفجّر على الخطيئة :
لا تَعبَأي بِعِقاب رَبِّكِ إِنَّهُ
جُرثومَةٌ من نارِكِ المُتَدَفِّعَه
في صَدرِكِ المَحمومِ كِبريتٌ إِذا
لَعِبَت بِهِ الشَهَواتُ فَجَّر أَضلُعُه
ثم يتحوّل خطاب الشاعر من ابنة لوط إلى “سدوم” مدينة الفجور والآثام والعهر وخطاياها معروفة :
إيه سدومُ بُعثتِ مِن خَلِلِ اللظى
حَمراءَ في شَهَواتِكِ المُتَسَرِّعَه
في كُلِّ جيلٍ مِن لَهيبِكِ سُنَّة
سَكرى محطَّمَة عَلَيهِ مُخَلَّعَه
ويستدعي سدوم كذكرى فردوسيّة منعمة خدرة سكرى بلذتها الفائقة :
وَرَأَيتُ حوراً في شُفوفِ زَنابِق
بَيضاء من لَبَن الجنان مُشَبَّعَه
نَفخ الصِبا بنُهودِها فَتَكَوَّرَت
وَتَبَسَّمَت عَن وَردَةٍ مُتَرَفِّعَه
ثم يرسم صورة فجورها “الواقعية” ، كما حملها التاريخ إلى الذاكرة البشرية الجمعية :
ماذا فَعَلتِ سُدومُ أَينَ جَواذِبٌ
كانَت عَلى تِلكَ الخُدورِ مجمَّعَه
فيمَ اِستَحالَ لُبانُكِ النامي إِلى
خَمر بكاساتِ الفجورِ مُشَعشَعَة
وبجعل سدوم رمزاً لانحطاط الحضارة المعاصرة المنافقة ، يختم الشاعر قصيدته :
قَذفتك صحراءُ الزِنى بِحَضارَة
ثكلى مُشَوَّهَةِ الوُجوهِ مُفَجَّعَه
بُؤرٌ مُسَتَّرَة الفَسادِ بخدعة
نَكراءَ بِالخَزِّ الشَهِيِّ مُرَقَّعَه
فأين انفلات الروح الذي لا يحدّه عائق ؟
الروح هنا منهوسه بسموم الغريزة الآثمة الفاجرة التي لا تبقي ولا تذر .
وأين التوق العميق للإنعتاق ؟ ومن أيّ شيء ؟
الروح مكبّلة بقيود الخطيئة الثقيلة ، تسحبها إلى مهاوي وحول الغريزة ، ولا منفذ لخلاص ، أو انعتاق .
وأين التلاشي في المطلق ؟
القصيدة تبدأ وتنتهي بدعوة للهروب من كل مطلق مهما كان نوعه ، والإنغماس حدّ الإختناق والدمار بجحيم الخنى والزنى والشهوة العمياء الأرضية العابرة . أعتقد أننا بحاجة إلى تعريف للمطلق كي نفهم بصورة أدقّ أن لا مطلق ولا تعالي ولا انعتاق .
إن السرّ كل السرّ النفسي يكمن في أننا نواجه حركة تماهٍ وتجسيد معاكسة من ناحية ، وطفح للمكبوت المحتبس من ناحية ثانية مكملة . فإذا كانت نبوغ قد شكّلتها أنامل الروائية الحاذقة على وفق مثال أناها الأمومي المضحّي القيمي النزيه ، فإن الحركة الآن تنعكس من أنا أحلام ، بكل انفلاتاته الجامحة ، وتعديّاته الأنانية ، وتوقها العارم نحو الحب واللذة ، إلى أنا الكاتبة الرصين ، فيربكه ويقلقه بتحريك مكبوتاته اللذية العميقة . ظهور شخصية أحلام لا يوفّر فرصة لأنموذج مناقض لشخصية نبوغ يعزّز احتدام الحكاية الدرامي وتوتراته حسب ، بل يقدّم أنموذجا تُمرّر وراء استاره المغوية احتصارات روح الكاتبة اللائبة . أو كأن حالة القهر والوحدة والحرمان التي جسّدتها الكاتبة من خلال نبوغ ، آن لها أن تتفجّر في صورة مقابلة من خلال انفلات أحلام . كان زهد نبوغ وتعفّفها وإخلاصها لرجلها يتجه من مثال أنا الكاتبة إلى أنا نبوغ مجسدا في سلوكها المخلص العنيد ، والآن يرتدّ انا أحلام ليقلق مثال انا الكاتبة ويستفز مكبوتها اللاشعوري ، إلى الحدّ الذي يغشي البصيرة النقدية الذي يجعل زنا المحارم والخطايا الحمراء المتفجّرة منفذاً لانفلات الروح والتلاشي من المطلق !!
وفي ما تبقى من هذا القسم ، تستثمر الروائية طبيعة عمل أحلام كمحامية للإمعان في فضح فساد وخفايا مجتمعاتنا المنافقة خصوصا في حادثة انتحار الشابة “شيرين” التي أغواها وهتك عذريّتها رجل كان وزيرا سابقا ثم سفيرا وموسيقيا ، ثم نبذها بلا رحمة ، فلم تجد حلا لماساتها إلا في الموت . وهي تضع هذه المأساة أيضا ضمن إطار النفاق الإجتماعي حول العذرية وغشاء البكارة حيث تضع التربية الشرقية العذراء في مرتبة القدّيسة ، وغير العذراء في مرتبة الساقطة (ص 80) . وقد نشرت أحلام رسالة شيرين بخطّ يدها غير آبهة لأهلها ، وللرجل المتنفّذ الذي يمكن أن يؤذيها . كما نشرت قبل ذلك مقالة عن عملية إعادة العذرية أوصلت علاقتها بخطيبها إلى القطيعة ، وتضمنت المقالة إحصائية دقيقة عن هذه العملية التي ترى أن لا ضرورة لها .. بل لا ضرورة للعذرية إذا كانت مقياسا للعفة والأخلاق وقيمة المرأة . نقاش طويل وعريض بين أحلام وخطيبها المتزمّت الذي يرى أن شرف الفتاة وقيمتها في غشائها . ثم سرد طويل حول انتحار شيرين المغدورة، وممارسات الرجال المتنفذين الفاسدين . ومن وجهة نظري كلّها لا علاقة لها بالنواة / العقدة الأصل : محنة نبوغ وكارثة أن يكون الإنسان معتقلا وهو خارج القضبان . لقد نسينا نبوغ ونسينا مصيبة بدر .. ووليدهما “اليتيم” .
وينتهي هذا القسم بسفر أحلام (إلى أميركا لتكمل اختصاصها وتحقّق طموحها بأن تصير محامية ذات شأن ، أو “قد الدنيا” كما يقول المصريون) . و .. (بعد ثلاثة اشهر من سفرها أتاها خبر اعتقال بدر، هدّها الحزن على صديقتها (…) ثمّة وجع لطيف يرافقها دوماً ، هو حنينها لنبوغ ، لتلك الروح الشفيفة التي تسمّيها توأم روحها ، تُرى كيف تعيش حياتها ، وابنها يكبر يوماً بعد يوم من غير أن يتعلم كلمة بابا – ص 94) .
وبلا مجاملات هذه نهاية باهتة انحدرت بنهاية القسم السابق السامقة ألما وعذابا .
وkh haifa bitar aikonaفي ختام معالجتي لهذا القسم ، “احلام” ، أعود للقول إن هذا الفصل خلق “فجوة” نفسية في مسار الإحتدام الإنفعالي والفكري والسلوكي الذي رمتنا الكاتبة في أتونه على مدى القسم السابق . لقد ساهمت الكاتبة في انحلال موجات انفعالاتنا الهادرة التي أججها تصويرها الصادق والمقتدر لمحنة بطلتها حدّ اعتقادنا أن نبوغ هي هيفاء ، أو هي قطعة من روحها ، ولغتها المركبة (العالية شعريا والبسيطة سرديا) ، وزوايا نظرها ، ومقتربات تعاملها مع انقلابات حياتها . لقد “بردت” الرواية وانطفأت جذوتها الإنسانية الحارقة . وكانت هناك بدائل في التعاطي مع دخول أحلام إلى مسرح الرواية ، منها – وهذه وجهة نظر شخصية – أن يأتي حضورها مع ارتباكات حياة نبوغ وتفاقم مشكلاتها وتطاول غياب زوجها ، لا أن يخصص فصل كامل لها تصبح فيه نبوغ في خلفية المشهد ، لتتقدم أحلام بهمومها المرفّهة وانشغالاتها السخيفة قياسا إلى كارثة نبوغ .
-“الخروج الأول” :
——————–
هو عنوان القسم الأخير من الرواية (ص 95 – 230) ، والذي تستهله الكاتبة بإخبارنا بنبأ مفرح مفاده أن نبوغ ، وبعد عام ونصف من الإنتظار المفتوح والمرير ، تلقّت من زائرة مجهولة رسالة من حبيبها بدر يخبرها فيها أنه بخير ، ويوصيها أن تكون كما يتمنى ، وفي آخر الرسالة قبلات حارة لها وللصغير (ص 97) .
أي ظلم يسلّطه الجلادون على الإنسان ؟! أي جرائم يرتكيونها بحقّه ؟
زوج امرأة يُعتقل فلا تعرف عنه شيئا إلا بعد سنة ونصف وهو مقدار عمر ابنه الذي لم يره طول هذه المدّة ؟ حتى الله عندما اختلف مع إبليس أمهله – حرّاً – آلاف السنين .. حتى يوم الحساب الذي لا نعلم متى يحلّ !! الزائرة المجهولة نفسها أمضى زوجها في السجن ست سنوات ولم تستطع زيارته مرّة كل شهر إلا بعد سنتين ونصف ! ذات مرّة شاهدتُ برنامجا على قناة الجزيرة يقول فيها سجين سياسي سابق إنه لم يستطع رؤية زوجته وطفله إلا بعد ثلاث سنوات من سجنه ، وأنه – وهنا الماساة – كان يبذل المستحيل كي يمد يده لتلامس اصابعه أصابع ولده . يا إلهي .. عن أي إنسان إنسان نتحدّث ؟ هذا الوحش الغادر المربوط في أعماقنا مستعد للإنفلات في أي لحظة تغيب فيها قوة الرقابة وخشية العقاب . في أي لحظة يمكن أن ينطلق هذا الوحش ليدمّر أخاه الإنسان . لا يردعه اي رادع زائف من ضمير وعين الله وإلى آخره من خزعبلات اتفقنا عليها جمعيا لنزيّن المضمون الوحشي الحقيقي الرابض فينا . وإلا فما علاقة هذا الحرمان والظلم بالعقوبة القانونية ؟! لكن نبوغ – وهذا هو دور الفن العظيم – تعيد إلينا الأمل في المراهنة على بصيص نور خبيء لجذوة يتيمة اسمها الإنسانية كامنة في زاوية ما .. في زمن ما .. تحت رماد العدوان . ولاحظ سيّدي القاريء الكريم كيف التهبت انفعالاتنا النقديّة حين عادت بنا الروائية إلى المسار الصحيح من تطوّر وقائع الحكاية .. إلى بؤرتها ؛ بؤرة الآلام العظيمة وخلاصة الحكاية ؛ السجينة الحرّة : نبوغ .
ونبوغ الآن سجينة حرّة تشعر بودّ هائل تجاه الزائرة التي جلبت لها رسالة بدر ، فهذه بدورها سجينة حرّة أيضا .. وكل سجين حرّ للسجين الحرّ حبيب ، ورفيق انتظار مدمّر . لكن بالقدر الذي أراحتها زيارة هذه المرأة ، فإنها اصابتها بالرعب أيضا ، فقد زلزلت الزائرة رتابة ورسوخ انتظارها المسلّح حبن دعتها إلى أن لا تضيّع شبابها بالإنتظار ! :
(لا تستائي هكذا ، كنتُ مثلك في بداية اعتقال زوجي ، هزّني غيابه ، ثم وجدتني شهراً بعد شهر وعاماً بعد عام ، أواجه مسؤوليات الأولاد وحدي . أتعرفين الغياب ؟ هو الموت – ص 98 ) .
قد يكون الأمل مصدر تعذيب للإنسان مثل اليأس .
وقد حرّكت الرسالة الموجزة كائن الحياة في أوصال نبوغ الباردة … فتمطّى.. عادت شهيّتها للحياة بعد أن صامت عن مسرّات العالم الخارجي الصغيرة طويلا . لبست ولأول مرّة ملابس ملونة ، واتخذت قرار “الخروج الأول” الفعلي إلى الحياة بعد سنة ونصف من الإنقطاع عنها ، واصطحبت ابنها بهيجة جذلى إلى بيت اخيها حيث أطاحت سوقية سلوك زوجة أخيها وجفاف استقبالها لها بفرحتها الأولى . ولكن نيوغ كانت قادرة على إدخال البهجة إلى قلوب كل من يحيطون بها رغم أن قلبها يدمى (ص 102) . عاملت زوجة أخيها كأخت . أعدّت القهوة وغسلت صحون مطبخها المتراكبة . حصلت منها على كلمة شكر . هذه القدرة العجيبة على المسامحة وهي قدرة الأمومة الفذة الموروثة ، بل طبع الأنوثة في تحمّل الكائن الغريب في أحشائها وعلى صدرها ، يسمّيها المحللون بخفّة علمية المازوخية المباركة . لكن زوجة أخيها أغرقتها بهمومها السخيفة هي نفسها ولم تلتفت إلى خروجها الأول من العزلة إلى الإنعتاق . وباحتفاء أخيها الدافيء بها حين عاد إلى البيت اشتعل الشجار بينه وزوجته ، وبرغم محاولة نبوغ مواساتها إلا أن الأخيرة طعنتها في الصميم بكلامها الشامت القاسي . فخرجت إلى الشارع بملامح منقبضة تسترجع صوت زوجة أخيها الباشط وسلوكها المهين :
(وحين همّت روحها بالإسترسال في الغضب ، توقّفت ، لأن يدها امتدت لترفع خصلة من شعرها من عينيها ، فحانت منها التفاتة إلى السماء ، شهقت دهشة من كبرياء الفضاء الأزرق وترفّعه ونقائه ، كانت مبهورة بمنظر السماء الشامخة المُطلقة والخالدة، ترفّعت عن الغضب والكره ، وشعرت كيف تسمو روحها وتعلو ، روحها الأشبه بوشاح من الحرير الأبيض ، يطير عالياً ويتلوّن تدريجيا بالزرقة ، حتى يصل إلى القمّة اللامتناهية ويتماهى معها . ياه ! لم تكن تعرف أنّ السماء قادرة على تعزيتها وبلسمة جراحها كما لا يقدر أيّ بشري . قضت يومها مفتونة بسحر السماء ، وتساءلت لمَ لا ينظر الناس إلى فوق كلّ يوم ، لنصف ساعة على الأقل ؟ لماذا تظلّ رؤوسهم إلى الأرض ؟ – ص 104 و105 ) .
# الإفتتان بأزرق الحياة :
————————-
وفي أغلب أعمالها ، نجد هذا الإفتتان الملذ والتراسلي بالأزرق لدى الروائية هيفاء بيطار . قالت ذات مرّة :
(أحبُّ الفجر الأزرق الناعس الذي يبدِّد وحشة الظلام ، وأبحث دائماً في سيرورة كتاباتي عن أناس مهمشين ظلمتهم الحياة) (14)
وتتوسّع دلالات الأزرق ليستوعب الحياة والرحمة المفقودة ودروس القلب الأعظم : الله .. في صبره علينا نحن أبناءه الوقحين . أي فكرة عظيمة كمنت وراء اختيار الله اللون الأزرق للسماء ؟! ما الذي كان يحصل لنفوس البشر المهزومين لو رفعوا رؤوسهم وكانت السماء رماديّة أو سوداء مثلا ؟
تتساءل نبوغ عن السبب الذي يجعل الناس لا يرفعون رؤوسهم إلى السماء لتامّل زرقتها العلاجية . إنها العبودية المستلبة والمخيمة على أعناقنا .. العبد محظور عليه رؤية السماء .. وتتفنن أنظمة الطغيان في الكيفية التي تحرم فيها الإنسان من اي فرصة للإسترخاء والإنطلاق في الفضاءات الفسيحة وتامّل ازرق السماء . الإنسان المقهور ينظر دائما إلى الأرض ، وكأنه يفتش عن شيء ضاع منه ، ولن يجده ، وهو روحه بالتأكيد .. روحه الممسوخة المعذّبة . السماء عدوّة الطغاة .. والأزرق حليف الأرواح الجريحة المكلومة .
وفي الكثير من المشاهد تأتي الكاتبة باللون الأزرق ليفحم الموقف بالحياة عبر لمسات هادئة حييّة اشبه بضربات ريشة رسّام متعب ، مثل كنزة صغيرها الزرقاء المرشوشة بأسهم بيضاء (بيض ؟) . وحتى في هذه اللحظة التي تمدّ نبوغ فيها جسرا ، بين كنزة طفلها الزرقاء وزرقة السماء الفسيحة ، وتشعر بان جسدها يشفّ ويتعالى كالنور ، تجهضها سريعا مخالب الفقدان في محنتها عبر مشهد يقطّع القلب .. الرواية هي فن تقطيع القلب .. فقد :
(تذكّرت لقطة عصرت قلبها ، فحين ركضت الطفلة باتجاه والدها ، وارتمت في حضنه صارخة : بابا ، بابا ، توقّف صغيرها عن اللعب مبهوراً ، ورمى كل ما بيديه وركض باتجاه خاله راميا جسده الصغير في حضنه صارحا ً : بابا .. بابا – ص 106) .
وبمرور السنوات بدأت محنة نبوغ تأخذ طابعا آخر مدمّرا هو هذا التناوب في الإحتدام النفسي بين ذروة الرجاء وقعر اليأس وصولا إلى الإستقرار المستخذي على بلاط اللاجدوى البارد . اصبحت تكره دور الضحية ، ولا تنال التضحية منها سوى التهكم والإستخفاف . فتنتها رواية بلزاك (الأب غوريو) لسبب وحيد كونها أحسّت بأن بلزاك يحتقر الضحية . فذلك الأب الذي اهدى حياته وماله لابنتيه ، مات ميتة الكلاب وسط الغرباء (ص 114) . وليت الناس ونبوغ منهم يدركون أن البشر تحتقر الضحيّة البكّاءة الشكّاءة ، وتوقر جلّادها في لاشعورها . وقد تفتّحت عينا نبوغ الآن على الحاجة لمغادرة دور الضحية المستدر للشفقة الإنسانية التي لا ترحم . وسوف تعيد لعروق شجرة حياتها المتجفّفة نسغ حياة جديدة لا يسحقها معتقل ، ولا سجين . وكانت شارة التحوّل الحاسم هي أنها صار يحلو لها تسمية الزوج البعيد المعتقل بالميّت (ص 115) .

# أحلام هي “قرين” نبوغ :
————————–
هنا يظهر “الظل” المفقود في شخصية نبوغ ، اللاهث بصمت وراء الإنعتاق والتحرّر وكسر القيود وسحق التابوات . هذا “الظل” يتمثل في “أحلام” .. وهو الدافع العزوم الذي جعل نبوغ تتمسك بعلاقة الصداقة الساخنة التي تربطها بها بالرغم من أنها على النقيض منها تماما . أحلام هي بمثابة “قرين” نفسي لنبوغ . كل ما كان مكبوتا في لاشعور نبوغ ، بحكم النواهي الإجتماعية والتربوية التي تربت عليها ، كان يجد تجسيده ، وإشباعه الجريء المستوهم ، في سلوك أحلام . أحلام هي بطانة أنا نبوغ .. حفزاتها الغريزية التي عُطّلت طويلا . ولذلك – وفي خطوة تراجعية مرتبكة – كتبت نبوغ لأحلام (رسالة غامضة تشبه الطلاسم ؛ رسالة تعبّر عن رغبتها العارمة في كسر القيود والتحرّر من الحزن ، كتبت لأحلام : ما معنى الحقيقة يا أحلام ؟ فمعظم الحقائق التي كنت أؤمن بشكل أعمى بصحتها ، اكتشفت أن نقيضها صحيح ! – ص 115) .
وكان ردّ أحلام كما هو متوقع من مقدّمات سلوكها هو دعوة نبوغ إلى أن تعيش زخم الحياة ، وتخوض تجربة مع رجل تستلطفه ! وأن تعوّض الثلاث سنوات التي ضاعت من عمرها بالحرمان المديد واللاإنساني .
وفي أول لقاء بين نبوغ وأحلام ، بعد عودة الأخيرة من اميركا ، كانت أحلام مستميتة في إقناع نبوغ بضرورة أن لا تعطّل حياتها .. أن تعيش بحرّية وسعادة . ولو تأملنا الحوار الذي جرى بين الصديقتين “اللدودتين” في المقهى ، وهن يرتشفن كاس “الجنّ” الأولى ، لوجدنا أن أحلام ، وهي تستميت في محاولة إثبات رأيها لنبوغ بالتحرّر وعدم الولاء لرجل واحد ، كانت ، في الحقيقة ، تناقش “الأنموذج” الخفي والمستحيل في بناء ذاتها المؤمثلة الضائعة ممثلا في نبوغ ، وأنها في الحافز المستتر المشغّل لديناميات عملياتها اللاشعورية ، لن يهدأ لها قرار إلا بـ “الإطاحة” بهذا الأنموذج المتعالي والتعدّي عليه ، بل وحتى محاولة “تلويثه” . إن البلسم المحارمي الذي أفصحت عنه القصيدة التي تسلب لبّ أحلام وتخلب شعورها ، يشي بالعقدة المركزية المحرّكة لعالم أحلام الإنفعالي في وجهه اللاشعوري . إنها مقلوب الرغبة تلك التي تحرّك السلوك المغوي لأحلام تجاه نبوغ . إنه السعي الملتهب اللاواعي نحو الإطاحة بأي رجل .. بأي أنموذج أبوي ، وتقويض اي مشروع يعبّر عن ثبات الولاء العاطفي ورسوخ الفعل الأمومي . فلأن العلاقة المحارمية بالأب مستحيلة ، فإن كل رجل هو “نسخة” باهتة على طريق الوصول المستحيل للنموذج الأصل . وكل نموذج أنثوي ، يحمل دلالات معاكسة على إمكان وجود رجل واحد محدّد يستحق الولاء والحب والتضحية حدّ الحرمان المتطاول ، سيكون مستفزّا ، بل خطيرا في خلخلة القناعات المعلنة لدى أحلام بصورة تثير قلقها وخوفها من الإطاحة بقناعاتها وجرح اعتبارها الذاتي . وهذا الأنموذج المضاد الذي يحمل كل تلك المخاطر اللاوعية ضد عالم أحلام هو : نبوغ . وعليه ، فلا يخدعننا هذا السيل من الدفء الإنساني الحقيقي ، في الظاهر ، الذي تغمر به احلام صديقتها نبوغ . إنّنا ينبغي أن نحاكم تصرفات أحلام مثلما نحاكم الحلم في تجلّيه بمعنى ظاهر – manifest content ، محايد وبسيط وقد يكون مربكا وبلا معنى أحيانا ، وبمعنى كامن – latent content تم تحريفه عبر المضمون الظاهر ، وينبغي البحث عنه عبر أواليات التحليل التي تتعاطى بذكاء مع عمل الحلم من ترميز وتكثيف وإزاحة وإنضاج ثانوي وغيرها .
ففي أول لقاء كان المفترض فيه أن تعمل أحلام ، وبعد غياب ثلاث سنوات عانت فيها صديقتها نبوغ الأمرّين ، على أن تواسي صديقتها ، وتدعّم إرادتها على الصبر والمطاولة والإخلاص ، أو كحدّ أدنى أن تترك كل هذه الأمور ، وتعتبر موقف نبوغ في وفائها لزوجها السجين مسألة اختيار شخصي عليها أن تقدّره ، هي التي تتشدّق بالحرية والإستقلالية والخصوصية وعدم التبعية . لكن الغريب أن حديث أحلام كان في واقعه حثّ ووصايا لـ “الخيانة” بتوصيف مباشر لا لف ولا دوران فيه . ثم بدأت أحلام بعرض المساعدة المالية على  نبوغ بعد أن عرفت المعضلات المالية التي سببها لها اعتقال زوجها ، والوفاء له . وهي محاولة من أحلام للعب الدور الأمومي المفقود تجاه نبوغ لتعويض انتصار الأخيرة المعنوي ، ومداراة الجرح النرجسي الذي يسببه لذات أحلام . ترى أين كانت أحلام طوال سنوات محنة نبوغ الثلاث ، ولماذا لم تسأل عن ظروفها المادية ؟ ثم ايحتاج الأمر سؤالا ومعلومات إضافية ، وهي تعرف تفصيلات حياة نبوغ ووظيفتها ومقدار مرتبها ؟ وفي جلسة المقهى كان الموضوع الوحيد الذي أفاضت أحلام بالحديث فيه عن حياتها في اميركا هو : الرجال والعلاقات الحسية العابرة . ثم تركّز الحوار على فلسفة أحلام في عدم قناعتها بالعلاقة مع رجل واحد والوفاء له . هل هذا الحوار على طريقة أكلمك يا جارة .

# الكوارث المقبلة ترسل نذرها :
——————————-
إن كل الدلائل الصارخة السابقة هي علامات ونذر على ما كان على نبوغ أن تتحسّب منه في القابل من الأيام والتجارب . لكن المؤمن لا يُلدغ من جحر مرّتين إلّا إذا كان في الجحر ما يغويه ، ليكرر التعرّض للدغة الثانية . نعم .. دوافعنا المبيتة هي التي تجعلنا لا نلتفت لآلاف العلامات المنذرة التي نواجهها على طريق الكوارث المستقيمة قبل الوقوع في مهاويها . وكل أفعال أحلام واحاديثها وحركاتها ، في اللقاء الأول ، كانت في الباطن اللاشعوري “تنذر” نبوغ بشرور قاتلة ، يمكن أن تقترفها أحلام في اي لحظة . وتجربة حياة كاملة لدى نبوغ مع أحلام تثبت ذلك بلا تردّد . فلماذا يمدّ المؤمن يده إلى الجحر الذي لدغ منه أول مرّة ، أو الذي سيُلدغ فيه مرة أولى مهلكة . ثم أن من المفترض أن عقولنا المتنفجة لا توصلنا إلى الحاجة إلى أن ندخل أيدينا فعليا في جحر أفاعي التجارب الحياتية ، لنتأكد من أننا سوف نُلدغ . ألم تحكي لنا نبوغ سيرة حياة أحلام التي لم توفّر أحداً : صديقا أو صديقة من شرور التعدّي والأنانية و”الكرم” العصابي الخانق ؟ ألم تكن القصيدة المحارمية المفضّلة هي النص الكاشف عن الطبيعة الميدوزية لسلوك أحلام ؟ (وهل كانت أحلام في وجدانها الطفلي تحمّل أمها أو أباها مسؤولية موت أخوتها الأربعة ، وتعدّه مؤشرا على عجز الأب ، وسمّية الأم ؟ إذا توفرت مثل هذه المشاعر تكون أحلام مريضة نفسية خطيرة ، لا تحلّ في علاقاتها غير الخراب والدمار الذي لا يصيب القدر الأعظم من نيرانه إلا المقرّبين “المضادين” سلوكيا وقيميا !) . لكن نبوغ سارت مغيبة ومطمئنة مع “صديقتها” ، متهيئة “من دون أن تدري” للدغةٍ ، هي أولى وثانية وأخيرة، مميتة ومهلكة .
وفي جحر أنموذج أحلام ما هو مفقود في عالم نبوغ ، وتفتش عنه يد لاشعورها طول حياتها . وليس أدلّ على موضوعة العلامات المنذرة والشارات المحذّرة من الحوار الذي ختمت به الصديقتان حديثهما ، وبالمناسبة هذا دليل عمل حياتي لنا جميعا :
(….
-ألم يحوّلك الزواج لراهبة ، لناسكة ، أو شهيدة في سبيل طوطم اسمه الزواج ؟
-لا يا أحلام ، فأنا أحبّ زوجي ، وهذا اختياري
-لكن ألم يحرمك الزواج من أن تعيشي بحرية وسعادة .. ألم يحرمك ؟
-لا ، يا أحلام ، لم يحرمني . أنا اخترت الحرمان
-لكنه مسؤول
-كفى يا أحلام ، لا تفسدي لقاءنا ، أنت لا تصدّقين أن هناك حبّاً كبيرا . لا يمكنك أن تفهمي كيف تعبر روح بدر روحي كدغدغة لطيفة ، لا يمكنك قهم ما أحسّه .
-أخشى يا نبوغ أن تكوني واهمة ، يخيّل إلي أن الحبّ الكبير هو السجن الكبير .
رفعت نبوغ كأسها ورشفت آخر جرعة قائلة بفرح وحبّ صادق : في صحة خلافنا ، الذي لا يؤثر على محبة كل منا للأخرى .
-في صحتّك يا أروع صديقة عرفتها، نبوغ أنت نبوغ حقً .
كان صوت أم كلثوم يدوّي شامخا ساحرا ، أحسّت نبوغ أن صوتها ليس سوى صدى لأنين روحها التي أمضّها الإنتظار ، انتابتها رغبة قوية في البكاء ، وحين تلاشى صوت المطربة العملاقة ترك وراءه ظلاً ، ظلّاً ، رأته نبوغ وحدها ، إنه خيال بدر متجسّداً مشتاقا أن يرشف قطرة جنّ من شفتيها . ياه .. كيف غدت القبلة حلماً مستحيلا ؟!
تنبّهت أن أحلام قالت كلاما لم تفهمه ، سألتها معتذرة عمّا قالت .
ابتسمت أحلام وهي تربت بحنان خدّ نبوغ وأعادت قولها :
ما اصعب أن يعني لك رجل كلّ شيء .. كلّ شيء .. – ص 128 و129) .
فلسفة الحياة الحبية التي تدعو إليها أحلام ، هي نقيض الفلسفة التي تؤمن بها نبوغ التي ترى أن (الإنتصار الحقيقي للإنسان على ذاته ، هو أن يحوّل كتلة الغرائز في أعماقه إلى شحنة من الحب (…) إنها لا تستطيع إطلاقا فهم الجنس خارج إطار الحب، الحب كما تفهمه وعد ، الحب الحقيقي مسؤولية ، ويحتاج لصيانة مستمرّة وسهر متواصل كي نحميه من هياج النزوات والغرائز البهيمية الكامنة في أعماق اللاوعي . لقد علّمتها سنوات التوحّد مع ذاتها الحوار العميق مع النفس ، لم تدرك كم أن بدراً حميم إلا حين تعرّضت لهزّة الخيانة – ص 133) .
و”هزّة الخيانة” هذه التي تحدثت عنها نبوغ ، هي “مؤامرة” رتّبتها احلام كي يختلي صديق أحلام في أميركا ، والمتزوّج من أميركية ، ليختلي بنبوغ ، ويستدرجها نحو الغواية . أليست هذه من علامات نذر طريق العلاقة “التآمرية” ؟

# البشارة المُزلزلة :
———————-  
سارت حياة نبوغ كجدول صغير متعب يسوقه تيار الإنتظار المضني الرتيب ، لكن جاءها خبر زلزل حياتها : لقد سمحوا لها بأن تزور زوجها مرّة واحدة شهريّاً . هنا تتأجج مصاعب هائلة وإشكالات ، وكأن السجين الحرّ هو الذي سمح الطغيان بأن يزوره “غائبه” مرة كل شهر . كيف ستعدّ ذاتها لرؤية زوجها بعد هذا الغياب الطويل .. سنوات ثقال مرّت وستراه الآن ، ولكن محبوساً مقيّد الحرّية .. بكل ما يعنيه الحبس من مهانة واحتقار وإطاحة بالإعتبار الذاتي . ليس شيئا مفرحا أبداً هذا الذي تزور فيه امرأة زوجها بعد سنوات من الإعتقال لأول مرّة . تراه خلف القضبان كأي حيوان .. قد تكون عقليتها الراشدة مهيآة لإدراك العلة والمعلول وسبب الإعتقال والحيف الذي وقع عليه .. لكنه يبقى في “قفص” خصوصا أمام عيني طفله الصغير – تركه أبوه بعمر اسبوعين ليراه بعمر ثلاث سنوات ! – الذي تركبت على روحها مسؤولية إضافية في “إعداده” لمقابلة أبيه بعد أن أقنعوه خطأ بأن الأب مسافر .. وهو تصرف مغلوط . يجب أن نصارح الأطفال بالحقيقة مهما كانت مرّة . الآن سيكتشف الصغير زياد ان الحميع كانوا يكذبون عليه .. الكل كذّابون .
ولكن الأهم هو هذه الطعنات الجديدة التي تتلقاها هذه الشهيدة في خاصرة وجودها :
(كيف عساها تتقبل تلك المرحلة الجديدة ؟ وأي أذى نفسي قد يلحق بابنها حين يرى والده وراء القضبان؟ كيف عساها أن تُفهم الصغير فلسفة السجن ؟ هل تقول له بأن الإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي اخترع السجون ؟ فالحيوانات لا تعرف السجون ، ولا يسجن بعضها بعضا ؟ أعجبها هذا التعريف المبتكر للإنسان ، لدرجة تمنّت معها لو يُدرج في الكتب المدرسية – ص 136) .
ودائما ، يسيّر عمل الروائي “المحترف” تحت سطوة لاشعورية من انسرابات مخزون الذاكرة ، ومن الترابطات اللاحقة والسابقة بين الحوادث . من المستحيل أن يكون الروائي “واعيا” بكل ما يبزغ في ذاكرته وينقشه على جسد الحكاية . هنا سوف تصبح الرواية علما مملا من علوم الطبيعة يفقد نبضه الإنساني الحي المعبّر – في جانبه الأكبر – عن خلجات اللاشعور الجريح  . في كل موقف ضاغط تشعر نبوغ بالإختناق وكأن حلقة من الحديد تضغط حنجرتها . دهمها هذا الإحساس أول مرة عندما فجّر شقيقها خبر اعتقال زوجها :
(من الآن ستنشطر حياتي إلى هنا ، وهناك ، إختنق صوتها كأن حلقة حديد أخذت تضغط حنجرتها – ص 22) .
وبعد أكثر من مئة صفحة ، وفي أول زيارة لها لزوجها في السجن ، وهي تسمع صوته لأول مرّة بعد ثلاث سنوات :
(شدّت حلقة حديد على حنجرتها كادت تهرسها – ص 139) .
ولم يحصل هذا التكرار لأن مخزون الروائية اللغوي محدّد ، وأوصافها مستهلكة . أبداً . هي معروفة بثرائها اللغوي المتجدد ، لكن تداعيات الموقف النفسي المرتبطة بـ “الإعتقال” – وهو “حلقة” مميتة معنويّاً – هي التي تجعل وصف “حلقة الحديد” ، المماثلة لقيود المعتقل هي الأولى بالإستخدام الوصفي لمجانسة المناخ النفسي بين الصفة والموصوف في كل مجال .

# الحضارة المُخجلة :
——————–
ولكن هناك استعادات وانسرابات وتوقيتات ، يحكمها الوعي الحاد والدقيق . هناك تخطيط تحكمه بصيرة عالم . فقد عمدت الكاتبة ، بقصدية واضحة ، أن تزاوج بين ما هو شخصي ، وما هو جمعي إنساني شامل . أن تكشف ان ما يتشدق به البشر الغربيون خصوصا عن الحضارة المتطوّرة والإنسانية هي أبعد ما تكون عن الروح الإنسانية . إنها حضارة موت يتحطم فيها الإنسان ، ويعرى ويشقى ويجوع بصمت ولا ناصر له أو “مخلّص” إلا في سماوات الإبداع ، وعلى يدي إخوته في المحنة : المبدعون . أمّا من يتشدّقون بقيادة الإنسانية وبالمسؤولية عن نمائها ، فهم لا يلقون بالاً لهذا “التمويت” المستمر تجويعا وحروبا ومرضا وفقرا . في بعض العواصم الخليجية شاهدت فتيات قطعن آلاف الكيلومترات من أقاصي آسيا ليصلن الفردوس ويعملن “خادمات” مهانات مذلات ينمن على أرضيات المطابخ مقابل إشباع أمعائهن . شاهدت عمّالا قطعوا آلاف الكيلومترات ليشتغلوا ليل نهار مقابل مئة دولار ، يجب أن يوفّروا منها لعائلاتهم ، التي تنتظر الفرج والإنقاذ . فضح زيف ونفاق هذه الحضارة الحقيرة ، هو من مسؤولية المبدع . وهذا ما تستثمره هيفاء بيطار في أغلب رواياتها .
كانت نبوغ تراجع حالتها النفسية المراوحة بألم بين صعود وهبوط .. بين انخطاف مشع مذهل تسمع فيه “صرير انفعالاتها الداخلية” ، وهبوط نفسي شديد يدهمها بدون مقدّمات (هبوط يجعلها تهوي ليس إلى واقعها فحسب ، بل إلى تلك الأعماق المخيفة حيث تُطرح الاسئلة الكبرى للحياة . وهذا الإنهيار النفسي كان يحرّكه أي شيء خارجي ، فذات مرّة كانت محمولة على موجة التفاؤل العالية سعيدة بإشراق أفكارها وعواطفها ، حين لمحت عَرَضا صورة طفل إفريقي يعاني المجاعة ، وقد انتفخ بطنه ونحلت أطرافه ، كان مقرفصاً وفي عينيه نظرة خواء رهيبة ، نظرة شيخ ما عاد ينتظر سوى الموت ، والذباب يحيط بالوجه الطفولي . أحسّت أنها تهوي في قاع الاسى ، وهي تنظر في عيني الطفل اللتين تبادلانها نظرتها بعتب حزين ، غرقت في محيط الحزن ، وصارت بحاجة لمن يدلّها على معنى الحياة ، ومعنى الكلمات مثل الإنسانية والعدالة والخير. ما هذه الحضارة البشرية المخجلة التي ابدعت حروبا ومجاعات  – ص 111) .
هكذا يكون المبدع مسؤولاً عن أي زهرة تُسحق ، حتى لو حصل الأمر عفواً ، في اقصى بقاع المعمورة . وهكذا يحوّل المبدع هشاشة شخوصه وإحساسهم بالغدر والظلم إلى مجس روحي شديد الحساسية يلتقط وينفعل لابسط نداءات الإنسانية المعذبة ، وخصوصا ما يهدّد الطفولة ، وذلك بفعل تلك الروح الطفلية المحببة التي تحكم نظرته إلى الكون والحياة .
وحين انتابتها حالة هياج أخرى بعد ان جاءها الخبر المزلزل بالسماح لها بزيارة زوجها لأول مرة بعد ثلاث سنوات ، هوت إلى قاع الهمود النفسي الشديد من جديد ، إلى الأعماق المخيفة حيث ثارت في أعماقها الاسئلة الكبرى والمخيفة عن الحياة المرعوبة التي نحياها وعن قسوة الإنسان على أخيه الإنسان . فكّرت :
(كيف عساها أن تُفهم الصغير فلسفة السجن ؟ هل تقول له بأن الإنسان هو الكائن الحي الوحيد الذي اخترع السجون ، فالحيوانات لا تعرف السجون ، ولا يسجن بعضها بعضا – ص 136) .
وحين تعلق هذه اللمحة المؤذية بذاكرة القاريء ، بفعل القراءة الجدلية الذكية ، فإنه سيمسك بالمفارقة الذكية “المقصودة” التي يشعلها الموقف البليغ اللاحق حين تقابل نبوغ زوجها في السجن أول مرة ، وتسأله :
-هل أنت بخير ؟
ويرد عليها : أجل ، أشغل وقتي بالرياضة والقراءة . لقد قرأت كل مجلّدات قصّة الحضارة لديورانت (ص 140) .
ما الذي تفعله بنا هيفاء بيطار ؟ وأي كوميديا سوداء تلقينا في أتونها ؟ سجين مغدور ومظلوم لم يرَ زوجته وطفله إلا بعد ثلاث سنوات ، يقرأ المجلدات الأربعين لقصّة الحضارة لول ديورانت !! ما الذي يبغي تعلّمه ؟ هل يريد الإيغال في خداع ذاته هو المعتقل “هنا” ؟ أم في خداع زوجته المحطّمة المعتقلة “هناك” ؟ أم خداعنا نحن المخدوعين الذين لا ندرك أننا “معتقلون” هنا .. وهناك ، في ظل حضارة متشامخة متعالية ، وصلت أعلى مراحلها في بناء هذا السجن الكوني المغلق المتطوّر الكبير الذي نحيا فيه .

# زيارات تقطيع القلب :
————————-  
في كل زيارة تقوم بها نبوغ لزوجها في السجن ، تقطّع الروائية قلوبنا بمشاهد وتعبيرات جديدة من محنة نبوغ وزوجها التي لا تنتهي . وفي الوقت نفسه تشعل في نفوسنا النقمة الماحقة على الطغاة والطغيان والجلادين والسجون .
في إحدى الزبارات يرغب الأب السجين في تقبيل ولده ، فتقرّب الأم  المشروخة بالحب وجه الصغير من الشبك المعدني ، ليطبع الأب الذي حنّطت أبوّته ثلاث سنوات قبلات طويلة على وجه إينه ، ولك أن تتخيّل المشهد . هناك مشاهد لا يتحقق فعلها إلا بالتخيل ، بالعين السينمائية السرية . وفي ختام المشهد المحزن :
(رسم الحبّ مثلثاً رأسه طفل في الثالثة من عمره ، وزاويتاه سجينان- ص 142) .
في الزيارة الثانية أعطاها بدر ساعته وطلب إليها أن تصلحها ، طلب ساعتها ، فمدّت له ساعتها ، تحسس جلد الساعة كأنه يتحسس جلدها (ص 154) .
في زيارة لاحقة اكتشفت أن صغيرها قد خبّأ سكيناً في جيبه ، وحين سألته ماذا تفعل بهذه السكّين ؟ قال : سأقطع الحديد في السجن واُخرج ابي (ص 165) .
بعد زيارة لاحقة ، وفي طريق عودتها مشتتة كالعادة ، وقفت فجأة مذهولة أمام نبتة خضراء نضرة متفتحة عن براعم بنفسجية . اقتربت غير مصدقة وجود حياة وخضرة داخل السجن (…) بدا لها نموّ هذه النبتة لغزاً يجب حلّه ، ولم تجد سوى تفسير وحيد لنموّها هو أن الله أنبتها بقدرته كي تواسي السجناء ، وإلا لكان مصيرها اليباس من العزلة والحزن (…) كان ملمس الأوراق ناعما ورطبا ، أحسّت أنها تلمس بشرة زوجها .. قطفت ورقة ومرّرتها بين شفتيها ، وجدت نفسها بكل غرابة تمضغ الورقة وتبتلعها . أكلت ورقة ثانية وثالثة . شعرت أنها هكذا تحمل السجن بجوفها وتتوحّد بعالم زوجها (ص 169) .
ما الذي سيضيفه الناقد إلى بلاغة هذا المشهد النفسية ؟ ألن يفسد حدّته وفعله بشرحه وتفسيره وعرض عضلاته النقدية ؟ الشرح عدوّ البلاغة النفسية التصويرية . وقد وقعت الكاتبة في بعض هذه المطبّات التي أوهنت فعل بعض المشاهد ، وحلّت محل القاريء في الإضطلاع بالدور التأويلي والقراءة الجدلية التي ينبغي أن يقوم بها بعيدا عن الإستقبال السلبي ، مثلما ألغت ضربة المفاجأة في بعضها الآخر . فحين طلب بدر ساعة زوجته ، ما كانت هناك ضرورة للتفسير (تحسس جلد الساعة كأنه يتحسس جلد زوجته) .. إجعليه يداعب جلد الساعة .. يشمّه .. يقبّله بلا شروحات . الأمر نفسه ينطبق على تداعيات نبوغ وهي تتحسس ملمس الأوراق . لا داعي للتفسير الزائد (أحسّت أنها تلمس بشرة زوجها) .. يا إلهي .. أي مشهد سردي عالمي هذا الذي صممته هيفاء بيطار لنبوغ وهي تأكل أوراق نبتة السجن لتحمل السجن بجوفها وتتوحّد بعالم زوجها .. مشهد سردي سيكون من عيون المشاهد الكلاسيكية في الأدب العالمي .. مشاهد ما بعد الحبّ .. لا توازي هذا المشهد إلا مشاهد قليلة لعل في مقدّمتها احتفاظ “ماتيلد” بطلة “الأحمر والأسود” بالرأس المقطوع لحبيبها “جوليان سوريل” :
(سمع ماتيلد تمشي بسرعة واضطراب في غرفة النوم ، كانت منهمكة بإشعال عدد من الشموع ، وعندما واتت ” فوكيه ” القوة كي ينظر إليها ، تبين بأنها كانت قد وضعت على منضدة صغيرة من الرخام ، أمامها ، رأس جوليان ، وراحت تقبل جبينه ) .

 # الضحيّة المقزّزة :
——————–
ومع تلاحق سنوات المحنة تتفاقم مشاعر العجز حتى تصل حدود مقت الذات واحتقارها . على إيقاع خطواتها كانت تغني لذاتها المنتهكة : “يا حيوانة ، يا بقرة ، حقّاً إنك تستاهلين” . ويتصاعد إيقاع وحماسة ميلودي المهانة والتحقير كلما خُدعت وتأكد لديها شعور القمع والإنكسار . مع العام السادس من السجن ، تعلّمت الدرس الأول في الحياة : من السخف معاندة القدر (ص 162) . وعلى عاتق شمّاعة القدر المسكين ، وبتطاول اليأس القسري ، نُلقي آثام وجرائم معلّمي البلاد وصبيانهم الفاسدين .
في السنة الرابعة من السجن والوحدة ، سجلت ابنها زياد في المدرسة . كانت نقلة تاريخية بالنسبة لها كأم مهجورة ليس لها سلوى في هذا العالم سوى طفلها . وقفت تراقبه من وراء نافذة منسية كيف مشى والحقيبة على ظهره (كانت تتخيّل زوجها في باحة السجن ، وابنها في باحة المدرسة ، وهي في باحة الحياة ، كلٌ منهم مرميّ في باحة ، أو دائرة ، لا تتقاطع مع دوائر الآخرين – ص 146 و147) .
مع بداية العام الثامن لاعتقال بدر ، تعرّضت نبوغ لأزمة زلزلتها . فأخوها الأصغر سيتزوج ، وسيتفنن ، وبلا رحمة ، في اساليب الإستفزاز والمهانة لتترك البيت ليلا مع طفلها أخيرا ، وتنتظر عند باب شقة أحلام . ولعل هذا الإختيار هو خطوة مسمومة صمّمها اللاشعور للتحضير لطعنة الختام المرعبة . لقد أصبحت أسرة نبوغ الصغيرة اسرة أحلام ، واصبحت أحلام أمّاً ثانية لزياد . أغرقتهما بكرمها وفيض عطائها الأمر الذي ساهم في تغييب انتباهة نبوغ الشعورية أكثر فاكثر خصوصا أن هذا العطاء والرعاية جاءا وسط ذروة من ذروات المحنة وتخلّي أقرب الناس عن نبوغ وطفلها . وقد تكون نبوغ وهي تتقلب على ألسنة نيران فجيعتها غير معنيّة بتأويل “الإشارات” التي تصلها من أحلام ، وأغلبها مكرّر ، وياخذ طابعا محايدا أو حريصاً ، لكنه مفرط . لم تسأل نبوغ نفسها عن سرّ هذه الحماسة اللاهثة من أحلام لتفك نبوغ أواصر ولائها لزوجها ، وتنطلق في حياتها ، والأهم أن تشبع حاجات جسدها . نفس الكلام يُعاد وأحيانا بنفس الصياغات اللغوية ! وتواجه نبوغ إصرار أحلام بإصرار مقابل ، ولا تعلم نبوغ أنه سيختزن ويترتب عليه إصرار مقابل بدوره . ثم عدوان مكبوت ينتظر الإنفجار لتحقيق نظرية أحلام في أن لا حبّ كبير في هذا العالم ، ولا رجل واحد يستحق الوفاء ، وأن أطروحة عشق الروح خدعة وما المهم إلا رجفة الجسد العاري وإشباعه . حتى أنا ، كقاريء أولاً ، مللتُ هذا النقاش ، فكيف لم تسأم نبوغ منه ، وتسائل ذاتها عن السرّ في هذا الإلحاح المطارد الذي يحاصرها ويضايقها كل لحظة ؟
وحين تتأمل جانبا من حديث وسلوك احلام هذا ، والمتمثل في حياة “المبارزة” مع الرجال ، يتبيّن لك أنها مصابة ، أيضاً ، بعقدة “حسد القضيب – penis envoy” التقليدية التي تحدّث عنها معلم فيينا ، والتي تكفّل بها الشعور ليموّهها ويخرجها خلف أستار برّاقة مثقلة بالوعي والحماسة عن حرّية المرأة ، ووجودها المستقل ، وحقوق جسدها ، وضرورة تعدّد تجاربها ، وعدم موات مشاعرها مع رجل /زوج واحد ، وتفاهة العذرية .. إلخ . ومن تحيا – وهذا ما كان على نبوغ أن تلتفت إليه بقوة – في دوّامة حرب ثأرية مع الرجال – كل الرجال – لن تستثني احداً ابداً مهما كانت “حرمته” . بل على العكس مما نتوقّعه ، سيكون أعزّ أهدافها ، وأكثرها جذباً ، هو الرجل “المحرّم” الذي تحرّم تلويثه حقوق العلاقة أو النواهي الإجتماعية . ليس البحث الذي لا يهدأ عن أنموذج أب هو الذي يسيطر على إيقاع حياة أحلام حسب ، بل ضرورة “تلويثه” أيضا . وينسعر هذا الحافز الحارق نحو التلويث كلّما كان النموذج “مشتركاً” ، وعائدا إلى حدود “الملكية” العاطفية لامرأة اخرى تتوفّر فيها خصائص الأمومة . وليس هناك من أنموذج اصبح شديد التحصين من قبل امرأة أخرى صارت “ضرّة” لأحلام أكثر من “بدر” الذي هو سجين فعليا يتطلب وضعه “الإنقاذ” أولا .. وعائد إلى امرأة منافسة .. ومناقضة منذ الطفولة هي نبوغ ، ثانيا ، التي قدّمت لها أحلام الوصف الدقيق المنذر “سجينة الحب الكبير” (ص 189) في ختام إحدى جولات الحوار الحامية التي جرت في شقة أحلام بعد ان انتقلت نبوغ وطفلها للعيش معها :
(عاينت أحلام توهّج وجه صديقتها [= نبوغ] ، احسّت عظمة تلك الإنسانة التي يسطع على وجهها حبّ لا يعرف الهزيمة ، لو كانت رسّامة لرسمت هذا الوجه وسمّته الوجه العاشق – ص 190) .
وكلّما تسامى أنموذج نبوغ في عيني أحلام وشفّ بمُثُله ووفائه ، كلّما تراكم زخم عدوان أكبر لائب في لاشعور أحلام بفعل الإستفزاز النقيض القائم على الولاء لرجل واحد سجين ، وتحصين الذات ضد شهوات الجسد التي أربكت حياة أحلام ، وسببت لها الكثير من الخسائر العاطفية . وحتى حماسة أحلام لإبن نبوغ “زياد” وهذا الإغراق بالعطف والهدايا كان ينبغي تأمّله والإنتباه إلى مضامينه العميقة ، فهو شكل من اشكال إزاحة – displacement العواطف المحرّمة ، ونقلها من هدفها الاصلي إلى هدف بديل “بريء” ومحايد . حال أحلام حال من يهيم بزوجة صديقه المحرمة عليه ، فيغرق أطفالها بالحب والهدايا وينسى أطفاله !

# رسالة البوح المُنذرة :
————————
وكانت آخر العلامات المنذرة هي “رسالة البوح : من احلام إلى نبوغ” ، وهو دفتر صعير أرسلته أحلام إلى نبوغ من روما التي سافرت إليها لمدة شهرين في قضية قانونية . لقد كانت هذه الرسالة رسالة “بوح” شخصية فعلا كتبتها أحلام وكأنها تناجي ذاتها بمكنونات نفسها الخاصة والسرّانية . من جديد ، كان على نبوغ أن تنظر إلى هذه الرسالة كتحليل نفسي ذاتي تقوم به احلام لذاتها بهدوء وصراحة ومراجعة جريئة ؛ تحليل يكشف أول ما يكشف أن شخصية أحلام المتقلبة المؤذية المتعدية الأنانية قد تحجّرت ، وأنها لا تقيم اي اعتبار لأي قيمة أخلاقية أو اجتماعية خارج دائرة مصلحتها النفسية اللاشعورية خصوصا . وحين تصف العلاقات التي تربطها بالرجال في حياتها ، وتبديلهم والتخلي عنهم بأنها تشبه لحظة قرارها بإيقاف التدخين ، فإننا نقف أمام امرأة تحمل نظرة خطيرة للحياة والعواطف وخصوصا موضوعة الحبّ والولاء . فآخر علاقة لها استمرت سنة ونصف السنة ، أنهنها صباحا بلحظة وهي ترتشف قهوة الصباح . أنهتها بلا أدنى تفكير كتعبير عن سمة اندفاعية – impulsivity خطيرة ، هي السمة التي حكمت كل حياتها تقريبا . وفي إنهاء العلاقة كانت أحلام “تكذب” .. نعم تكذب ببساطة وبلا وجع ضمير ، فتقول للرجل سبباً زائفا وتضمر سبباً آخر . ألم يلفت هذا الميل للكذب ، وتعذيب الآخر انتباهة نبوغ ؟ كلّا .. لأن في أحلام جانباً من “الظل” الأسود المكبوت في شخصيتنا ، ولولا كبت هذا الظل ما نشأت الأديان ولا قامت الحضارات ولا تماسكت المجتمعات . لم تلتفت نبوغ – ولاشعورها هو الذي يريدها أن لا تلتفت تمهيدا لضربة غيبوبة الوفاء القاصمة – لإعلان أحلام عن السعادة الخبيثة التي عربدت في روحها ، وهي تهجر رجلا آخر بعد طول علاقة والتحام جسدي وتظاهر بالوفاء والحب (ص 196) ، ولا لإعلانها عن نشوتها العظيمة بالتحرّر من عبء الآخرين ، ومن طلباتهم الصامتة . ونبوغ وابنها طبعا من ضمن “الآخرين” المؤجلين المضمرين . ثم يأتي الإعلان الأخير ، حيث قالت أحلام لنبوغ بلا تردّد أنها في كل علاقاتها كانت تضع نصب عينيها هدفاّ عظيماً واحداً هو الوصول إلى علاقة “الحب الكبير” التي كانت نبوغ أنموذجها الأمثل والأنقى ولكنها – أي أحلام – فشلت :
(أقول لك بصدق : لأني كنتُ آمل أن أبلغ الحب الكبير العظيم كالحب الذي بينك وبين بدر – ص 200) .
وفي الوقت الذي اثار هذا الإعلان مشاعر الفخر والثقة والإعتزاز في نفس نبوغ ، كان عليها أن تضع هامشا ولو ضئيلا من التحسّب لأنه يصدر عن أقرب الصديقات ، وكل علاقة حب كبيرة تلوب في أعماقها دوافع كره كبيرة . وسوف تندهشون لكن هذا من ألغاز النفس البشرية : الكره بطانة الحبّ !!

# لعنة الحرّية :
—————-
المهم .. نحن الآن في السنة الثانية عشرة من عمر زياد ومن سجن ابيه .. وها هو بدر يُفرج عنه مع مجموعة كبيرة من السجناء بقرار عفو . وقد أربك هذا القرار حياة الجميع . فنبوغ اعتادت على الموت الرمزي لزوجها وراء القضبان وصارت تتعامل معه كرمز تزوره شهريا . وزياد يحتج على ترك أمه “البديلة” أحلام . أمّا أحلام فكانت تحسّ بمرارة الوحدة لدرجة أن بدا لها خروج بدر من السجن أكبر ظلم تعرّضت له . ولاحظ كيف تنجرف الكاتبة مع موقف أحلام :
(كانت نبوغ وابنها ملاذها وأسرتها . إنها وحيدة في هذه الدنيا. توفي والداها ، وليس لديها إخوة ، وعلاقتها بأقاربها مقطوعة بسبب تحرّرها الزائد .. انكفأت على نفسها محاولة خلق حياة جديدة ، لكنها تشعر بضياع كبير ، وتحسّ بالحسد لتلك الأسرة التي اجتمع شملها أخيراً . كانت تحسّ أنها مطرودة خارج حياتهم ، وأن لها الحق أن تكون معهم ، فزياد ونبوغ كانا أسرتها أيضا – ص 208) .
توفّر هذه المعالجة المنطقية لدوافع احلام قسطا كبيرا من التبرير لدوافعها التحاسدية ، المنطق كاسحة ألغام تنظّف الطريق أمام رغباتنا ودوافعنا الللاشعورية التي لا تعرف المهادنة ، مثلما تقدّم مقتربات “بريئة” وتخريجات “بيضاء” للنوايا المبيّتة .
لكن نبوغ الشهيدة الحيّة ابداً ، لم يكن انعتاق بدر وإطلاق سراحه بعد اثني عشر عاما من الإنتظار المرير ، فرجاً وخلاصا بالنسبة لها . كان إيذانا ببداية حرب جديدة ، حرب تجري في روحها وعلى ساحة بيتها الصغير المتواضع ، بينها وزوجها الذي لم تكن تضع في حسابها أنه كسجين مظلوم ، لا يمكن – وهذا ما يصيب قسما من السجناء المزمنين – أن يخرج مثل بدر الذي كان قبل السجن . هؤلاء يذكّرونك بضحايا الحكاية الخرافية التي يدخل فيها شخص مغارة ، ويخرج منها وقد انخطفت روحه .. صامتا .. لا يستطيع توضيح ما شاهده وما أصابه . الزومبي الخارج من العالم الاسفل .. بلا روح ولا حب ولا إحساس بالحياة … وأول ما يتجسد هذا الخراب في عيونهم :
(صارت نبوغ مشغولة بعينيه ، بفكّ لغز نظراته التي تتحوّل تحولا مدهشاً من ساعة لأخرى . فأحيانا يحدّثها وعيناه تبرقان ، فيذهلها الإنطفاء السريع في نظرته ، وذلك القلق العميق المشع من بؤبؤي عينيه اللذين يتسعان فجأة ، واحيانا كان يركز عينيه على صفحة وجهها يتملاه بشوق كأنه يريد أن يعوّض عن الزمن الذي خسر فيه وجهها ، وتشرد عيناه كأنما تتابعان أفكارا عميقة تعبر روحه – ص 210) .
هؤلاء ضحايا تجربة السجن ليس خلالها ، ولكن ، ويا للفاجعة ، بعدها .. تبدأ حربهم مع تجربة السجن بعد انتهائها .. هؤلاء يُسمون ضحايا الشدائد الفاجعة الذين قد تتأجج معاناتهم النفسية والإجتماعية المدمرة بعد سنوات من الإنتهاء “الرسمي” للشدة الفاجعة . يستعيدون تجربة السجن وهم أحرار فتخرّب إحساسهم بالحرية ، وتضع ضغوطا جديدة على أحبائهم الذين ذاقوا الأمرّين سابقا ، ولم يعد لديهم مخزون نفسي لجولات حرب نفسية جديدة . تصبح التزامات الحياة اليومية البسيطة عبئا ثقيلا على أكتافهم .. تفقد الحياة طعمها :
(إنه كمن فقد القدرة على التذوّق . ثمة طعم وحيد يحسّه هو طعم المرارة . حتى حبّه لابنه يبدو فاترا . حتى علاقته الحميمة بزوجته فقدت ألقها القديم- ص 210) .
وهؤلاء “الناجون” من لعنة التجربة لا يفهمهم أحد ، ولا يستطيعون إفهام إحد بعمق ووطأة ما ترزح تحته أرواحهم . أرواحهم الضحية هي الجهة الوحيدة التي تفهمهم : (… تلك المظاهر ترافقت مع نوبات الصحو التي تدهمه في عزّ نومه ، وتدفعه للتسلل كلص إلى الصالون ، ليجلس في العتمة ساعات دون أن يرفّ له جفن ملاحقا سحب دخانه – ص 211) .
هناك “غرفة مغلقة” لا يستطيع فتحها لغيره .. وحين يفتحها لا يستطيع من هو خارج التجربة أن يفهم ما يجري فيها وطبيعة محتوياتها .
ولكن الأشد رعبا وخطورة بالنسبة لنبوغ ، هو أن عدم الشعور هذا بقيمة أي شيء في الحياة الجديدة .. في النماء .. في الحمل والولادة .. في العلاقات الأسرية .. في مسرات الحياة اليومية الصغيرة .. هو حرب جديدة لا تمتلك أي قدرة على المطاولة فيها .. لقد استهلكتها الحرب السابقة الشعواء .. حرب الوحدة والإعتقال والوفاء والإنتظار المفتوح وتهديدات الحياة الإجتماعية اليومية . وفوق ذلك ، وهي في غمرة بهجتها ببشائر حركة جنينها في أحشائها جاء طلبه مفزعاً :
(أطلب منك شيئا ، أريدك أن تجهضي نفسك . لا أريد طفلا يا نبوغ . لا أتحمّل الأطفال – ص 213) .
قد يرى البعض أن هذا الطلب مبالغ به ، ومن انفعالات الكاتبة بمعاناة بطليها المحطمين ، لكنه حاصل في الخبرة العملية والعيادية كما لمسته في العمل مع السجناء السياسيين السابقين . يخرج السجين كارها لكل شيء ، بل حاسدا لكل مظاهر الحياة . يحسد أي شيء حرّ خارج القضبان ، يحسد حتى أحباءه .. حتى الكلب الذي يسرح في المزابل والطرقات . كان بدر يقول لنبوغ :
(كنت أحسد الناس لمجرد أنهم يمشون في الشارع .. حزني كثيف .. كثيف ، أعرف ذلك ، وأعتذر عنه ، لكنه ربما وحده يقيني من الجنون – ص 216) .

# السجن مدرسة تخرّج المعاقين :
———————————
لم يعد بدر كما كان .. ولن يعود كما كان أبدا .. هذا ما لا تستطيع نبوغ تحمّله أو استيعابه وإدراك أنها ضريبة الخلاص التي عليها أن تدفعها . لقد دفعت الكثير .. بل دفعت كل شيء .. عمرها وشبابها وفرص انطلاقها كإنسانة ، ولم يبق لديها شيء مستتر تقدّمه . لكن المرأة الأم المخلّصة والمدركة لدورها الإنقاذي منذ فجر التاريخ والتي تنظر إلى الرجل كـ “استطالة” ضرورية لوجودها حسب ، مثل نبوغ ، تفاجؤنا بما يعزّ تصوّره أو تصديقه . عادت نبوغ لتُسجن من جديد مع زوجها ، وباختيارها ، ولكن في حياتهما الصغيرة ، وبيتهما المتواضع هذه المرّة . إنها تجبر نفسها الآن على تقدير وضعه :
(الآن بدأت تعرف السجن ، يستحيل أن يدخل الإنسان السجن ويخرج من غير عطب ، ثمّة آلة تدمير تعمل ببطء وإصرار لتدمير النفوس (…) إنّها تنظر إليه الآن كمُعاق ، أكبر إعاقة هي السجن . السجن مدرسة تخرّج المعاقين – ص 218 و222) .
لقد خرج بدر وهو معاق نفسيا ، وهذه أخطر أنواع الإعاقات . وقد وافقت نبوغ على إجهاض نفسها نزولا عند رغبته المرضيّة المضطربة . تضحية أخرى غير مفهومة ولا توجد جهة نقدية أو تحليلية قادرة على فهمها سوى النساء . في أحد الأفلام السينمائية كانت امرأة تهدهد خواطر صديقتها المجروحة بفعل هجران حبيبها بعد علاقة طويلة . قالت المرأة المداوية وهي محللة بطبيعتها :
(الرجال يفرحون لأنهم “يأخذون” منا العطاء .. ونحن نفرح لأننا “نمنحهم” العطاء)
لكن تضحيات نبوغ الآن ، وبعد إطلاق سراح زوجها ، تختلف جذريّا عن تضحياتها الجسيمة التي بذلتها في أثناء سجنه . الآن كل سنوات العذاب والجهاد تمد لها لسانها شامتة متشفّية . الآن تقدّم تضحياتها بلا مشاعر مفعمة بالمجد ، ومن دون إحساس بالقدرة الخرافية المشرّفة على العطاء ، وبلا اعتزاز بعملية “المنح” لهذا المعاق الذي صار يثير ، وهو يضع رأسه في حضنها الآن ، شفقة أقرب إلى الإحتقار (ص 222) . الآن تدربت على اليأس والإستسلام والإكتئاب بصورة كاملة ومطلقة .. دربها الجلادون والحياة المتواطئة وانكسار روح زوجها النهائي بسبب تجربة السجن . لم تعد تريد أي شيء في الدنيا سوى السلام الذي يشبه سلام الديدان وهي تلف نفسها بشرنقتها حتى الموت :
(لم تعد قادرة على تحمّل المزيد. لم تعد تملك الهمّة للبداية من جديد ، لقد ملّت من آلام الخلاص. إنها لا تريد الألم ولا الخلاص ، كل ما تتمناه الإنعتاق ، تريد أن تعيش ما تبقى من عمرها دون الآثار المدمرة للسجون ودون عواطف ، تريد السلام في أيامها المقبلة ، حين لفظت عبارتها الأخيرة ، امتلأ فمها بطعم المرارة ، تُرى أية أيام مقبلة هذه ؟ ! – ص 222) .
لكن الأيام المقبلة مفاجآتها عظيمة ، ولن ينقطع سيل عطاياها الساحقة ، وقد أرسلت نذر خيولها المقبلة ولكن نبوغ لم تلتفت ، وستأتي مفاجأة الختام المهولة على يدي صديقة العمر حيث يؤتى الحذر العاطفي من مكمنه الأخوي ، وها هي نبوغ وقد فتحت باب شقة أحلام بالمفتاح الذي لا نعلم لماذا لم تُعده إلى صاحبته بعد أن صار لها بيتها ؟؟ هل هي جزء من تواطؤات اللاشعور ؟ .. يمكن . كانت تريد مفاجأة أحلام بأن تعد لها “ملوخية” ! وهو سبب تافه جدا ، وغير مقنع ، لا تبرره إلا حالة الإكتئاب الشديدة واللاإكتراث التي أصيبت بها نبوغ بعد إجهاضها . لم تعد تهتم بأي شيء . ولم تلتفت للعبة تسخين المشاعر بين زوجها بدر وصديقتها أحلام ، والتي كانت تجري أمام عينيها . لعبة تسخين لكنها اختبار في غاية الخطورة .. اختبار للحب العظيم الذي تحدتها أحلام أن يكون موجودا في هذا العالم الهزيل المنافق . وها هي تشاهد بأم عينيها بدر عاري الجذع وهو يحضن أحلام شبه العارية إلا من روب دي شامبر (وإن كان كرستيان ديور؟؟ المرأة لا تنسى دقّتها حتى لو كانت كاتبة قديرة) قصير من الحرير . وحسناً فعلت الكاتبة حين اعلنت أن مصادفة النهاية هذه عجيبة ولا تحدث إلا في أفلام السنما ، فقد أتخمتنا السنما المصرية بهذه النهاية التي يخون فيها الزوج زوجته مع صديقتها .. وتفاجئهما الزوجة وهي تريد إعداد الملوخية . ترى الا توجد نهايات أخرى أعظم وأكثر جدة وتأثيرا . الإبداع لا يعجز وهو سرّ تجدد الحياة حولنا .

# كرة المحنة في ملعب ضمير القاريء :
————————————–
والآن تلقي الكاتبة الكرة في ملعب ضمير القاريء ووعيه النقدي الإجتماعي والأخلاقي :
هل تغفر نبوغ على طريقة العظيم مانديلا “نسامح ولكن لا ننسى” – وبالمناسبة فهذا الشعار ليس له بل لرفيقه في حزب المؤتمر (فنسنت ديبا) –  أم تثأر وبحزم لكرامتها التي سُفحت وثقتها التي هُدرت من أحبّ شخصين في حياتها ؟ ولو كانت قد خانت زوجها وسلمت جسدها لأي رجل آخر خلال مدة سجنه ، أما كان وقع طعنة الخيانة عليها الآن أهون وأخف مضاء ؟ ولكنها لو كانت قد خانت ، ألم تكن كمن يعفّر نفسه بالوحل ؟ هل كانت بحاجة لهذه الخيانة المزلزلة كي “تصحو” بعد أن عجزت كل لدغات الحياة عن إيقاظها من غفوتها اللاشعورية العميقة ؟ هل تشعر الآن ببهجة من يتحرّر من عيودية الإلتزام والحب ؟ هل تخفّفت من مشاعر المسؤولية العاطفية الملحّة وذات الطابع الأمومي تجاه بدر ، وإثم التقصير فيها الذي ركبها طول عمرها ؟ هل كانت تتحمّل قدرا من مسؤولية سقوط زوجها في فخ عواية أحلام ؟ هل كان إيمانها الأعمى بالحب العظيم هو سبب سقوط هذا الحبّ العظيم ؟ وهل كان بدر غير عارف بما يفعل كمعاق لفظه السجن في أحضان نبوغ الأم التي كان يركع أمامها منكسرا كما يركع الإنسان الآثم أمام ربّه معترفا بذنوبه لكن بصمت الدموع ؟ هل كان ما اعتبرته نبوغ حبّا عظيما لزوجها مجرّد قناع لمخاوفها وضعفها أمام الظروف وأن إخلاصها الطويل له لم يكن سوى عكاز ليومها المثقل بالإحباط والقلق ؟ وقد آن أوان الخيانة كي تمزّق هذا القناع وتكسر هذا العكاز ؟ هل كانت امرأة من نوع أحلام ضرورية لبدر “السجين السابق” الذي صار بحاجة إلى نساء شياطين لا ملائكة ؟ وهل كانت صورة “المومس” المتضمنة في سلوك أحلام هي الأقدر على معالجة جراحاته وعجزه وانكفائه ؟ وهل كان فعل الخيانة الذي اقترفته أحلام وبدر “علاجيا” للطرفين ؟ والأهم هل كانت نبوغ بحاجة إلى هذا العلاج أكثر منهما ؟
قائمة طويلة من الأسئلة العاصفة والحارقة تنتظر القاريء وهو يسير مع نبوغ في شوارع المدينة ، محطمة بائسة ، محاولة امتصاص صدمة الخيانة ، واستيعابها . وبانتظار أجوبة القرّاء أقول عن نفسي كقاريء إنني لن اسامح على الإطلاق .
ويبقى المبدع قادراً على إثارة الأسئلة وتقجيرها في عالمنا الراكد أكثر من إنضاج الأجوبة وصياغتها ، فالأجوبة من واجباته الثانوية .. أمّا التساؤلات .. تساؤلات الحياة الكبرى ، وفي مقدمتها الموت والخراب ، فهي من واجباته الكبرى .. بل واجبه المركزي الحاسم :
(مشت متثاقلة .. وخلف الشبك المعدني تقيّأت محتوى جوفها من المرارة .. لمحت فجأة ألوان قوس قزح الساحرة ، أحسّت أن ألوان قوس قزح نابعة من بهاء روحها المضيء الذي صقلته الخيبات (لاحظ أن من معاني كلمة نبوغ الإلتماع والإشراق – الناقد) . كان قوس قزح يطلب منها ألّا تستسلم لحزن اليأس ، أحسّت بشفقة عظيمة على بدر ، وعرفت كم ستعذّبه خيانته لها … واتسعت شفقتها حتى شملت أحلام .. شعرت كم هما مسكينان وهما منقادان لوهم جديد …
لم تستطع مغادرة مكانها عند سور الحديقة رغم تعبها الشديد لأنها كانت تحدّق بافتتان في ألوان قوس قزح . كانت واثقة أنه ارتسم لها وحدها ، ليكون أكليل مجدها الروحي .
آن لرحلة درب الآلام أن تنتهي . إنها بحاجة الآن للهدوء ، تحتاج لمنزل تعيش فيه دون أن يُفسد السجن حاضرها .
تكثّفت ألوان قوس قزح ، كأن بخاراً خفيفا يصدر عنها ، حدّقت فيه بافتتان زائد . كان قوس قزح يطلب منها شيئا أعظم من الحب ، يطلب الرحمة ، أين قرأت أن الرحمة من صفات النبلاء ؟
تُرى هل تستطيع أن تسامح ؟ ص 230) .

# تراجيديا الخروج الأول تكتمل :
——————————–
ولو عدنا الأدرج الآن ، لنلم أطراف حوادث الرواية في أذهاننا ، ونظرنا إليها كوحدة كلّية تنتظم فيها الوقائع المفردة كسلاسل متفاعلة ، نظرة شاملة من “فوق” بعين راصدة متفحّصة وبصيرة متعاطفة ، لوجدنا أن الخروج الأول لنبوغ قد اكتمل – أو انفتح – الآن فقط . هذا الخروج هو ، في الوقت نفسه ، الخروج الأول لبدر ولأحلام وللقاريء والناقد . وبهذا السؤال : هل تستطيع – أو نستطيع – أن نسامح ؟ الذي ختمت به الكاتبة حكايتها ، يكون كل ما قطعناه مع نبوغ من دروب الآلام والعذاب ، هو خروجا أول .. سؤالا مدوّيا أول يربك حياتنا ، وينتظر جوابه المستحيل .
حاشية عن الأدب السياسي :
—————————-
يعتقد بعض الروائيين أن الأدب السياسي الذي يشجب الطغيان ، ويعرّي الديكتاتوريات التي تسحق كرامة الإنسان ، وتمسخ كرامته ، يجب أن يكون “سياسيا” فعليا ، بمعنى أنه لا بدّ أن تكون فيه إشارات مباشرة إلى العمل السياسي والنشاط الحزبي ومسمّيات النضال والفعل الثوري .. إلخ .. ينبغي أن يشتم السياسيين المعنيين ويفضحهم بالأسماء . وأعتقد أن وجهة النظر هذه خاطئة . فالأدب السياسي هو أدب الحياة ، وبالعكس ، اي أن اي أدب يرفع من شأن الحياة الكريمة ، ويقدّس الحرّية ، وينتصر لكرامة الإنسان المقهور ، وبأي شكل من الأشكال ، هو أدب سياسي بامتياز . وفي بعض الحالات ، تصوّر بعض الكتّاب أن فتح ملفات الدوائر الأمنية ، وتناول قصصها ومآسيها ، وبالأسماء الصريحة أحيانا ، هو المدخل الحقيقي لخلق أدب سياسي يدين الطغيان والشمولية . لكن النتائج جاءت باهتة وتسجيلية .
وعندما تكمل رواية “أيقونة بلا وجه” ، لن تجد فيها أي إحالة مباشرة لأي شيء يتعلق بالمؤسسة السياسية الطغيانية كرموز ومسميات مباشرة ، سوى إحالات عابرة وسريعة جدا ، قد لا تلفت انتباه القاريء ولا تعلق بذهنه ، ولا توجهه في مسارات سياسية متعمّدة . لكنها رواية سياسية بامتياز . بل هي من بين أهم الروايات السياسية في الفن الحكائي العربي . إن نبوغ شاهدة وشهيدة على إجرام وقبح وسادية النظم الطغيانية العربية ووحشيّتها ، وحكايتها هي حكاية كل إنسان عربي سحقته عجلة الأنظمة الشمولية البوليسية الفاسدة التي لا ترحم . وأشرس ما في حكاية نبوغ هو أنها ضحية السجن السياسي ولو لم تعتقل . لقد دُمّرت حياتها الشخصية على كل المستويات ، ومُزق نسيج عائلتها الصغيرة ،  بإلصاق تهمة سياسية مفبركة بزوجها . ولكن شرور الطغيان كنظام للحياة في البيت والشارع ومكان العمل والسجن ، تحالفت لإغلاق كل فرص إمكانية التماسك وترميم المكونات المنهارة شخصيا وجماعيا . وحكاية نبوغ ، وهذا الوجه الذي لا يقل أهمية ، هي دعوة للتحالف مع ضحايا الطغيان ، والرثاء لأنفسنا ، والتحسّب ، لأن صورة مستقبلنا الأسود كامنة في فصول حكاياتهم المأساوية ، فغولة الطغيان الشرهة والشرسة لا توفّر أحدا . وقد عبّرت نبوغ عن المآل النهائي لمصير الإنسان في واقع الإستبداد أبلغ تعبير حين وصفت مشاعر القهر والإنذلال التي ترزح تحتها بالقول :
(إنّها راكعة من الذلّ والقهر ، وكثيرا ما كانت تتخيّل أنها تمارس الحياة راكعة ، تمشي راكعة ، وتعتني بصغيرها راكعة ، وتنام راكعة) .
إن رواية “ايقونة بلا وجه” ، هي حكاية تفضح سياسات تجريد الإنسان من روحه وإنسانيته ، وتحويله إلى  “إنسان راكع” في كل المجالات وإلى الأبد ، ولكنها ، في الوقت نفسه ، رواية الحث على رفض الركوع والذل والإمتهان .

هوامش :
———-
(1) هيفاء بيطار في “امرأة من طابفين” : جماليات السرد الضاري – د. حسين سرمك حسن – الموقف الأدبي – مجلة اتخاد الكتاب العرب في سورية – العدد 478 – السنة الأربعون – 2011 .
(2)  ايقونة بلا وجه – هيفاء بيطار – رواية – مركز الناقد الثقافي – دمشق – 2008.
(3) سيكولوجية المرأة – بيير داكو – ترجمة وجيه اسعد – منشورات وزارة الثقافة السورية – دمشق .
(4) و (5) الهذيان والأحلام في الفن – سجموند فرويد – ترجمة جورج طرابيشي – دار الطليعة – بيروت – الطبعة الثالثة – 1986 .
(6) تشريح التدميرية البشرية  – إريك فروم –  ترجمة محمود منقذ الهاشمي – الجزء الأول –  منشورات وزارة الثقافة – دمشق – ٢٠٠٦ م .
(7) و (8) أفكار لأزمنة الحرب والموت – سجموند فرويد – ترجمة سمير كرم – دار الطليعة – بيروت – الطبعة الثالثة – 1986 .
(9) لمزيد من التفصيل راجع كتاب “الموت والعبقرية” – د. عبد الرحمن بدوي – دار القلم – بيروت – بلا تاريخ .
(10) الزاوية والمنظور – سلسلة الموسوعة الصغيرة – العدد 465 – بغداد – 1996 .
(11) و (12) الإبداع الروائي اليوم – أعمال ومناقشات لقاء الروائيين العرب والفرنسيين – آذار – 1988 – دار الحوار – اللاذقية – 1994 .
(13) الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان – د. عبد الوهاب المسيري – دار الفكر – دمشق – الطبعة الرابعة – 2010 .
(14) الأزمنة 199 – 14 / 3 / 2010 .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الرزوق : الخطوط الرئيسية لروايات قصي الشيخ عسكر.

منذ عدة أيام وصلني مخطوط رواية قصيرة جديدة من قصي الشيخ عسكر عنوانها “أسماك وأصداف”. …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.