د. سامي البدري : فيرجينيا وعيناها الجميلتان

sami albadriيعتبر حنان وحب الأم لوليدها في الطفولة المبكرة شيئاً اساسياً لتكوين انسان قادر على الحب، حب النفس وحب الآخرين.
لأدغار ألن بو طفولة مضطربة. فبعد ولادته في 1809 ، توفى أبوه في 1810 ، ثم توفّيت أمه في 1911. توفى أخوه في صغره ، وفقدت أخته عقلها بعد حين . تزوج) بو( وهو في عمر الـ27 قريبته )فيرجينيا كليم( التي كانت حينها في عمر الـ13 ، ويعتقد المؤرخون لسيرته الذاتية ان علاقة )بو( بزوجته )فيرجينيا( كانت كعلاقة الاخ بالاخت ، وانهما لم يناما معاً ابداً ، وبأن )فيرجينيا( بقيتْ عذراء . ماتت فرجينيا في  1847، وهي تملك من العمر 24 سنة (يقولون بسبب السلّ الرئوي) . بعد ذلك بسنتين ، وبينما هو في سفرة ، يتوقف )أدغار ألن بو( في الطريق ، يجدونه فاقداً للوعي ثم يموت )بو( بعد 4 أيام بتشخيص (وذمة الدماغ) .
قريباً سيطلع القمر
وفي هذه الليلة المروعة
عليّ ان ارى وجهك
ارى الخطوط التي جعلتك اكبر سناً
صمتٌ حجريّ، ممسوس بالذهب
كل شيء متأخر جداً
فات وقت الحب، وفجأةًedgar alen boفات وقت الكراهية
هنالك شيء واحد بقى لاعمله
ان اواجه وجهك الاخر هذا

ترجمة كلمات اغنية: نصف في الحب، نصف في الكراهية للمغني هاركيت مورتين

هذه محاولة لتحليل قصة “القطة السوداء” لادغار ألن بو

بلوتو ،  قط السارد وحيوانه الأليف المفضل ، قط أسود ، صار شيئا فشئياً هدفاً  لكراهية السارد . كرهٌ هو من الشدة بحيث أنه يدفعنا للاعتقاد بانه كرهٌ مُزاحٌ عن هدفِهِ الاصلي ، هدفٌ ليس في مكانه الصحيح . أمّا حب )بلوتو( للسارد ، فكان يثير الاشمئزاز في نفس الأخير .

لاحظ ان عدم تلقي الحب في الطفولة يجعل الفرد غير قادر على إعطاء ولا تلقي الحب. حيث هنا السارد ليس لا يحب القط فقط ، وإنمّا يشمئز من حب القط له ، فهو لا يستطيع تقبّل الحب من الآخرين ، واربط ذلك إن شئت بطفولة إدغار ألن بو .
يصف السارد لنا بيته بـ “زنزانة مجرم” . لاحظ هنا استخدام كلمة مجرم حيث شعور الذنب من عدم القدرة على مبادلة الحب بحب مثله . وكذلك عدم القدرة اصلاً على حب النفس مما يجعل السارد يكره نفسه .
هذا الكره والمقت يقود السارد اللامسمى ، في القصة القصيرة هذه ، وفي لقطة غريبة ، الى اقتلاع عين القط ، لانه خيّل للسارد ان القط يتجنب حضوره :
kh edgar alen bo” ذات ليلة كنت عائداً الى البيت من البلدة التي كثر ترددي إليها وقد تعتعني السكر ، وخيل إليّ أن القط يتجنب حضوري ، فقبضت عليه ، وإذ أفزعته حركاتي العنيفة جرحني جرحاً طفيفاً فتملكني غضب الأبالسة ، وبدا أن روحي القديمة قد اندفعت على الفور طائرة من جسدي ، وارتعد كل عرق في هيكلي بفعل حقد شيطاني غذاه المخدر ، فتناولت من جيب سترتي مطواة ، فتحتُها وقبضتُ على عنق الحيوان المسكين واقتلعتُ عامداً إحدى عينيه من محجرها  ! “.

لاحظ أن فيرجينيا ، زوجة كاتب القصة أدغار ألن بو ، كانت توصف بجمال عينيها الكبيرتين .

وأخيراً قتل القط بلوتو فهل أشفى البطل اللامسمى غليله ؟

لكن استهداف الهدف الخاطيء ، ومن ثم اصابته ، لا يُرضي الرغبة الدفينة ، فلم تمر سوى ساعات الليل حتى استيقظ السارد فرأى على الحائط “رسم قط عملاق” فإنتابه الإنفعال بينما تبقى زوجة السارد سلبية ولا رأي لها فيما يحدث ولا اعتراض على غرابة زوجها ، انها سلبية كالظل على الجدار .
لأن تلك المشاعر الدفينة لبطل القصة لم تُرضَ كلّ الإرضاء ، ولأنه لا يعلم كيف يستطيع أن ينزل جام غضبه على رسم القط العملاق على الحائط ، وبالطبع فإن بطل القصة ما زال متهرباً من ان يوجّه لزوجته أي إنفعال كأنها غير موجودة لحد الآن ، بسبب كل ذلك يخترع أدغار ألن بو ، في لفتة غير محترفة تماماً هذه المرّة ، قطاً اسود اخر ليواصل البطل استهدافه . أقول غير محترفة لأنها غير مفهومة منطقياً ، فمن أين أتى هذا القط الأسود الثاني ولماذا لم يتساءل البطل ويستغرب من قدوم هذا القط الثاني ؟ يبدو ان البطل يريد ان يواصل استهدافه لشيء ما يسقط عليه عواطفه الدفينة التي لا يستطيع ان يسقطها على هدفها الصحيح والحقيقي . يبدو ان التهرب من مواجهة الحقيقة يبلغ من الشدة أحياناً بأننا نقبل بأن يأتي قط أسود آخر من العدم ولا نسأل عن منطقيّة ذلك ، بل نواصل هروبنا من الحقيقة بممارسة إسقاط المشاعر على الهدف الخاطىء .
قط أسود اخر يدخل القصة .
وأخيراً صارت زوجته شجاعة ، فبذكاءها العاطفي الفطري الانثوي حدستْ ما يحدث . فحين كانوا ينزلون لسرداب بيتهم (سرداب = لاشعور) مع القط ، وحين اراد السارد ان يهوي بالفأس على القط ، اوقفت الزوجة يد السارد بحركةٍ محوريّةٍ غيرت مسار الإسقاط اللاواعي لبطل القصة ، فما كان من السارد إلا ان يهوي بالفأس على راس زوجته ” فسقطت ميتة دون أن يصدر عنها أنينٌ ” يكتب (بو) !
لاحظ اختفاء القط الاسود بعد موت الزوجة فلم يعد لوجوده داع ، ولاحظ النوم العميق الهادئ للسارد بعد الحادث . إن النوم غير وارد بعد هكذا حادث يستدعي الحداد والألم بشكل مضاعف . لكن رغم ذلك نجد بطل القصة ينام نوماً عميقاً هادئاً وهذا ربما لأنه أخيراً وجد المخرج الصحيح لانفعالاته وأنهى مسار الإسقاط الغير المشبع . إنها هي التي أجبرته ، هي زوجته ، التي ربما فهمتْ قبل أن يفهم هو نفسه ما يريده ، فهمت انه يستهدفها هي زوجته وليس القط ، هي التي أجبرته على الخروج من السلوك الإسقاطي حتى لو كان ذلك يعني الفتك بها .

لنرجع الى الصفحة الاولى ونقرأ : “ما ارمي اليه هو ان ابسط امام العالم ، بوضوح ودقة ، وبلا أي تعليق ، سلسلةً من الوقائع المنزلية العادية جداً لا غير ” .
إذن ، كانت وقائع منزلية عادية لا غير . مسكينة فيرجينيا !

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| طالب عمران المعموري : سريالية القص في “مريم البلقاء” للقاص علي السباعي .

صور عفوية بتقنية قصصية وبأسلوب يخرج عن المألوف على طريقة السورياليين بهواجسهم في ما يتعلق …

| مهند النابلسي : جزيرة الكلاب” لـ”ويس أندرسون”: تحريك تجريبي مجازي آخاذ…(Isle of Dogs 2018).. فانتازيا تحريكية فريدة وطريفة تناقش مواضيع القمع والفساد والبيئة وتضافر مقاومة “الكلاب المضطهدة البائسة” الناطقة مع تعاطف المراهقين الشجعان! .

*استهلال: فيلم خيالي تحريكي حول الكلاب التائهة “المنبوذة” الناطقة في اليابان، يمثل انعكاسا واسقاطا مجازيا …

2 تعليقان

  1. ياسر كركوش

    انا استغرب كيف ان كل شخص منا يعيش حياته دون ان يدرك ان كل الاحداث و الخيارات و الفشل و النجاح هو عبارة عن اسقاطات شخصية لعقد كامنه في دواخله و لا استثناء من القاعدة فالكل يرى العالم كما يصوغه عقله الباطن هذه الرواية هي رواية كل شخص منا من الفلاح الى الملك . نقد ذكي جدا و نفوذ بصيرة مبهر يا سامي

  2. سامي عادل البدري

    شكراً ياسر على تعليقك، أنا أحب آراءك دائماً وأبحث عنها وأحترمها لأني أستفاد منها يا صديقي العزيز الذي دائماً أتمنى لقاءه لإستئناف حواراتنا المطوّلة الجميلة. تحياتي وأشواقي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *