الرئيسية » نصوص » قصة قصيرة » د. فاروق أوهان : الحصان والثلج*

د. فاروق أوهان : الحصان والثلج*

farooq  6تقديم
كم من الظلم يجري في هذا العالم؟
– تاكّ جور بيير ..
– أجلبوا الماء الحار !
تصرخ الموَلّدة  سيتا  بالأرمنية ، وهي منهمكـة فـي إعـداد تدابـيرعملها بإتقان، وتجد فراء جلد رأس الثعلـب ، فتلفـه حـول عنـق العروسـة الشابة في مخاضها الأول ، تدثرها ، وتحفظ زوايا السـرير ، وتوجـه العمـة آشخين فتشدان يدي العروسة إلى جوانب السرير من الخلف، وتضعـان قطعة خشب كبيرة بين أسنانها، كل هذا يجري، والقابلة سيتا في طور التهيؤ،  تدمدم مع نفسها، وهي تطمئن العـروس الحـامل فـي طفلهـا البكـر، وهـذه غائبة، خائفة من مجهول لا تعرفه، مرتعدة من الآلام التي تذهب، وتعـود كأنها في سعير، أو بين قوى مختلفـة تتنازعهـا، آلامهـا تـتردد كأنها موجات متدفقة، تبتعد متلاشية، وتعلـو عنـد اقترابهـا، وتصـرخ الخالـة سيتا من جديد :
– أوريه تاكّ جوريه ؟
– أين الماء الحار ؟
وعلى الباب يرتجف السؤال .. فالنار تقاوم الصقيع ، لتوصل الماء إلى درجة الغليان .. بينما ترتفع أنّـات ، وآهـات الأم الجـديدة ، العروسـة المودعة لعِزّ العروسية ، تعاني من رجعات المخـاض .. فهـا هـي أولـى موجات مخاض قوية لا تقاومها .. فيدوي صوتهـا لـيُرجّ أرجـاء المكـان ، كونهم الصغير ، وتقول وتلتفت المولدة  سيتا  إلى أم الزوج ، وقد تقلـدت
هذه موقف اللبوءة ، التي تحمل اسمها ، فتقول :
– يا عمة  آشخين  ، طفلة في ربيعها الرابع عشر ، كيف تقوى على تحمّل آلام المخاض هذه؟
وعند الباب ، ترتعد شوارب ، ونظرات  آزاد  ، الزوج القلق ، الخارج عن وقار سنه ، وهو في العقد الخامس ، وقد عقد العزم على الانقطاع عن السكر حتى يرى وليده ، فيتصبر على مضض ، ويقوم ليتجسس ، ويتلصص ، مثل شاب مراهق نزق ، خائفا ، متوجسا ، لا يعرف على مَن خوفه ، أعلى  آنوش  زوجته ، أم على طفله البكر الذي سوف يدعوه  آرام  ، وبيـد مرتعشـة يـبرم  آزاد  فـردة شاربه المخلوطة بشعيرات بيضاء ، وفي الداخل تمتزج حبيبـات العـرق تحـت جلد الفراء الملفوف حول عنق آنوش، فتعلو شعيراته لتدخل في خياشيمها لتتكَوّن لديها الرغبة ، في حَـكّ الأنـف ، لكـن اليـدان مربوطتان إلـى السرير، والفم مقفل على قطعة الخشب التـي تضغـط عليهـا الأسـنان حـين الطلب، وتعضها عند موجات الألم الحادة .. وتسـرع إحـدى الموجـات الآن بأقوى حالاتها، الألم الدائر في البطن كالمغص الكلوي الحاد، والمـزمن .. فتصرخ ، وتعض بأسنانها ، وتشُـدّ بأيديهـا .. لكـن الألـم والتقلّـص يزدادان، والعمة  آشخين  مرتبكة ، والقابلـة تدمـدم بلهجتهـا العارفة، الصابرة ، غير مرتاحة مَرّة ، ومطمئنة نفسها ومَن حولها مَرّة أخـرى .. فتتراجع هي، والعمة أمام أنظار آنوش المغرورقـة بـالدمع كأنهمـا  تسبحان في ضباب رطب، أو في بركة مـاء تترجـرج صورتاهما، بسـقوط حجـر مرمية عن بعد فيها ، وتزول الصورتان بعد حركة الطرد العكسـية للدوائـر المائية، فترى آنوش نفسها وهي تشُدّ بأيديها أطراف السرير، وكأنهـا تشد حزام العم  آرشاك  ابن العمة  آشخين، وهي راكبة خلفه، على حصانه الأشهب، ممسكة بزمام حزامه  زنّاره ، وتلاحظ أقدام الحصـان المتقدمـة إلى أمام ، تغوص في ثلج يتداخل تحتها، باحتكاك رخو، فيصدر صوتـا تحبـه آنوش، عندما تداعب وجه دميتها في ليـالي الشـتاء البـاردة، والثلـج ينثر وفره على النوافذ الصغيرة، في حين يتورد وجهها من وهـج المدفـأة الخشبية، وهي تشم رائحة خشب البلـوط المحـترق، يطقطـق، بصخـب لمعركـة بالسلاح الأبيض، وتحس آنوش لأول مَرّة بفراء الجلد الذي تلبسه حـول رقبتها كخاتم عرس في ضجة مدينة صغيرة، فتحتك شعيراته في أطراف أنفها، وتتولد لديها رغبة في الحكك ، في حّك أنفها، لكنها تحـاول تـأجيل هـذه الرغبة، لأنها لا تقوى على تنفيذها، ولأنهـا لا تسـتطيع الإفـلات مـن زِمام زنّار العم  آرشاك  الضخم المنكبين، والتي لا ترى مـن خلالهمـا أي أثر للطريق، وإنما تبقى أنظارها معلقة فـي السـماء، وفـي الأطـراف العليا لفروع الأشجار ، وثانيا فلا بد لها من نزع القفازات الصوفية من كفيها ، لكن الرغبة في الحّكك تلح عليها ، وينفذ صبرها ، بل تفقد الصـبر كليا ، فليس من شيء في العالم أعظم ، وأهم من الحّكك الآن ..
– آآآه ، الحكككك …
حك الأنف بالظفر ، وبالإبهام ، ثم بكـل الكـف ، وتفلـت يداهـا لتحـك أنفها ، فيختَلّ توازنها ، وتتهاوى جانبا ، مرتمية على كومة ثلج ، وهي ما تزال تحككك ، ممسكة أنفها ، لتحّك ، وتحّـكك ، غـير مباليـة فـي السـقوط ،  بينما تغوص بطيئا في الثلج ، ولا تهتم بالألم في الأطراف، أو أي مكـان آخر، ومع هذا تقوم بتحسس أطرافها، وأجـزاء مـن جسـمها الأخـرى، لعـدم شعورها بالألم ، ولزوال الرغبة بالحّك ، بعد إنجازها ، وتـوَرّم الأنـف، ملتذّة بالنوم على الربوة الثلجية التـي احتضنتهـا ، وقـد بـدأت تغـوص تحتها ، ليتكون لها سرير صغير طالما تتمناه فـي ألعابهـا ، والثلـج مـن تحتها يتداخل بهدوء ، محدثا نفس الصوت الرخـو لاحتكـاك أقـدام الحصـان  بالثلج ، ويكون العم  آرشاك  ، قد ابتعد بمسافة غير قليلة ، وهـو مسـتمر في سرد قصته المسلسلة الطويلة ، عن   الخنفسـاء المغرورة  التي بدأهـا في أول الطريق من بيت قريبه ديكران صهرها ، وللتأكد من وجود الأمانة الحية خلفه ، يلتفت بين مَـرّة وأخـرى ، ليتفقدهـا، وفـي هـذه المَـرّة يفاجَأ بغياب العروس ، ذات الاثني عشر عاما من خلفه ، إنه غيـاب حـقيقي هذه المَرّة ، فقد لاحظ انقطاع بخار تنفسها الذي يراه من أطـراف عينـه اليمنى أسفل مستوى أذنه ، دون الحاجة للالتفات في كل مَرّة ، سحب زمـام حصانه الأشهب ، وشدّه ليكبح جماحه ، فيتوقف قليـلا غـير مصـدّق ، يتحسـس ظهره ، ومعطفه العسـكري ذا الأزرار الذهبيـة ، كأنـه أحـد أفـراد عسـكر الملي * العثماني ، ينهب سليبته ، ويهرب بها عـلى عجـل ، ثـم نظـر العم آرشاك  حوله نظرات سريعة ، ولكن متفحّصة ، فـي الجـوار ، بيـن الأشـجار  العارية ، السامقة ، فرأى كتلة تغوص ببطء على بعد أمتار غير قليلة منه.
والعروسة الصغيرة  آنوش  هناك تتدفأ بالثلج حولها ، كما يحتمي شـعب الأسكيمو  بدفء الثلج عندما يصنعون منه أكواخهم ، وتحمد  آنوش  ربهـا على أن سقوطها كان دون نتائج سـيئة ، وتعـرف أن علـو الثلـج هـو الـذي حماها ، وإلا فإنها كانت ستسقط على حافة مدببة لحجر مختفيـة تحـت عشـب الأرض النامي ، فتحس بالألم الواخز في ركبتها ، كما حدث عندما سقطت مـن خلف خالها   آرداش   ، في الربيع الثامن من عمرهـا ، فتـورّمت الركبـة ،  لأن المفصل ارتطم بالحجر .. لكنها صمتت على الألم ونـامت عليـه ، ولـم تقل لأهلها ، حتى اكتشفت أمهـا ، وأختهـا الكبـيرة ذلـك الـورم الأزرق ، فعالجوها بصنع فطيرة عجين دهنوها بزيت الزيتون الحار ، ونـامت آنوشغائصة فيها ثلاثة أيام يرتعش بدنها تـارة مـن الـبرد ، وتعِـجّ روحهـا بلهيـب الحُمى الحارة تارة أخرى ..
وعندما التقط العم  آرشاك  ، العروسة الصغيرة من بين الثلـج ، وهـو على حصانه دون أن يكلف نفسه عناء الترجّل ، قائلا لنفسه :
– عروس كهذه ، أفقدها دون أن أشعر .. كأنها ريشة طير ، أو زغبة منه.  باللّه هل ستكون هذه أمّا في يوم من الأيام ، وتلد أطفالا ، وتربيهم ؟؟
ماذا كنت سأقول ل آزاد  أخي الأصغر على عروسـه المسـماة باســمه منـذ ولادتها ، وقد جهّز نفسه ، صاغ زينتهـا قبـل ثـلاث سـنوات ، وهـو يسـتعد لزواجه المزعوم؟؟
وانتبه  آرشاك  إلى أن الزفاف لن يتم قبل سنة أخرى عـلى الأقـل .. وذلك بعد أخذ فتوى من رجال الدين .. فكيف بأخيه ، هل سيصبر مـن جـديد ، وهو يرى أمامه العروسة ، طفلة بريئة تترعرع كبرعم جديد ، وحالمـا تـبرز براعم صدرها ، سيهجم عليها كما يستعجل الأطفال أكل التيـن الفـج ، وهـو على الأشجار ، فيحسون بمرارته في حـلوقهم ، وتبكـي الأشـجار دامعـة مـن أماكن قطفها ، دمعا حليبيا ، معصورا .. وتذَكّر  آرشاك  أن  آنوش  هـذه التي يدعونها بلقب العروس ألآن ، لا تعرف  ، لماذا هي آتيـة لبيـت عمـة أمها  آشخين  ، إنها تعرف أنه قد وعدها بأنها سوف تذهب لتلعب مع بناته الثلاث بالدمى ، التي كان قد اشتراها لهّن مـن  اسـتانبول  ، لكـن أمها عندما أعدت صرّة ملابسها ، ودّعتها دامعة العينين ، كأنها كـانت تعلـم ، بأنه وداعهما قد كان الأخير ، فجاءت قبلة الأم للإبنة ، قويـة ، عميقـة ، لم تنسَ  آنوش  تأثيرها حتى الآن ، فمنها أن أمها دفنتها وهي حية ، وهي عارفة ما سيؤول إليه مصير ابنتها ، لكنها مرغمة كما يبدو ، وها هي تقدر مدى صغر عمرها ، عندما يقال لها أنها ستذهب كل هذه المسافة لكـي تلعـب بالدمى ، لكنهم في الحقيقة أخذوها لكي تصبح دمية يلعب بها ذلـك الكهـل السكير ، وتتأسى  آنوش  على مصيرها مرة أخرى ، وتتعذر لأمها ، بـل وتغفر لها ، خصوصًا بعد أن علمت بموت أمها وأختهـا ، وصهرهـا  ديكـران  ، والد الصغير  فيكين  الذي لاتعرف إلى الآن ماذا حّل به ، بعد قتـل العائلـة غيلة في إحدى المجازر التي نظَمها ، مرتزقة العثمـانيين ،ولـم يبـق إلا فيكين  .
وعندما يبدأ  آرشاك  بمتابعة سـرد قصتـه ، بعـد أن عـادت آنـوش مستقرّة في وضعها ، خلفه ، شادّة بكلتا يديها على حزامه  الكاكي  ، وهــو يتقدم بحصانه بين الأشجار في الطريق التي غطتهـا الثلـوج.. لا يهمـه  شيء سوى متابعة أحاسيسه، وهو يضغط على سنابك حصانه.. محدقا في آثـار الطريق أمامه ، متابعا سرد فقرات قصته المسلسلة التي يرويها ل  آنـوش  شكليا ، لا يهمه إن تابعته أو لم تستوعب ، كل مـا فـي الأمـر أن القصـة بالنسبة له ، نوع من تزجية الوقت ، وحسـاب مسـافة الطـريق ، عـلى مقـاطع القصة التي طالما ، أعادها ، وأعادها مرات ومرات وهو يقيس هـذه الطـريق جيئة وذهابا ، ولعله يزاول هـذه العـادة حـتى عندمـا يكـون لوحـده فـي الطريق ، لا لشيء ، إلا لإبعاد الشعور بالوحدة ، بينما يعتقـد الآن بـأن ما يرويه ، هو من العوامل المساعدة على إبعـاد الملـل ، والانزعـاج عـن آنوش، لكي لا تشعر بالوحشة ، ومن ثم بالخوف من هذا القفر القارس … أما آنوش وهي تسمع كلمات العم  آرشاك  بإيقاع رتيب واحد ، متناغم مع صوت أقدام الحصان المحتكة بالثلج الغائص تحتها ، كـانت تتخـيّل أجـزاء القصة كالأشباح ، أو كالحيوانات المفترسة ، ها هي  آنوش  تتخـيّل فـراء الثعالب الذي تلف رقبتها بفراء جلد رأس واحد منها ، فتتراءى لها أشكال شعيرات الفراء كأنهـا مخـالب نمـر غـير جارحـة ، لأنهـا تخـاف الجـروح والآلام ، ومن نفاسها ترى  آنوش  صـورا مشوهة لوجهي العمـة  آشـخين  حماتها ، والمولدة  سيتا  ، لكنها لا تقوى على الآلام ، فتضغط مـن جـديد على الخشبة التي وضعوها في فمها ، وتصرح بعويييييييل :
– آآآآآآآواههههههههه ..
لكن فراء جلد الرأس يضايقها من جديد ، فلا تستطيع إزاحته لأن يديها مربوطتان ، فراء رقيق ناعم كجلد قطة  خنجركو  المهرج الغجـري الكبـير ، بطل القصة التي يرويها لها العـم  آرشـاك  ، فتغيـب مـرة جـديدة ، وفـي ضبابية ترى  خنجركو  وهو يلف القطة حول رقبته ، كمـا تلـف هـي الفـراء الآن حول رقبتها ، تتدثّر به لاتّقاء البرد ، لكن حاجـة  خنجـركو  غـير ذلك ، إنها من أجل إفزاع الناس ، وإثارة استغرابهم ، ومن خلال السرد ترى آنوش وجه المهرّج مغطى بجلد القطة بالكامل ، ولا يبدو منه سوى شكل شاربه الأبيض ، تماما ، كشارب قط أسود في ليلة شتائية بيضاء مـن ليـالي أوائـل  شـباط  ، والمهَـرّج يـرقص ، ويلعـب ، أمـام الــواقفين الــذين لايتذكّرون في الحال معاني ، وسمات كلماته الرنّانة ، يعيدهـا ويكررهـا في رطانة كما يفعل السحرة عند قراءة الطلاسم ، وذكر أسماء الجان ، وعـلى حافة إحدى شرفات سـاحة البلديـة يجـلس  قاسـمو  أبـن المهـرج الأكـبر استعدادا لركوب جذعي سروة مقطوعة ، ومغطاة بسروال عـريض ، وطـويل ، يصـل حتى الحافات السفلى لها لكي يبدو وكأنـه عمـلاق يجـوب السـاحة راقصـا يقدّم نوعا من المجازفات التـي لا تطـاق ، بمجـرد النظـر إليهـا فكـيف بممارستها ، فمع حركته وسط الساحة ، والأعناق مشدودة للنظـر إليـه إلـى فوق ، يبدو كالسابح في فضاء فسيح ، يحدّث الواقفين على الشرفات ، وكأنـه يشاركهم الجلوس فيها ، بينما أرجله الخشبية تخوض بين الناس المجـتمعين أسفله ، في باحة الساحة ، وتكـون آنـوش قـد سـحبت أطـراف حـزام العـم آرشاك فزعة ، لأنها ترى رؤوس الأشجار وكأنها وجوه  قاسمو  المتعـددة في الوضعيات الموصوفة ، كلها معلقة فـوق السـحاب ، وفـي أشـكال الغيـوم المتغيرة ، تقفز إليها أو تنقض عليها لكن رؤوس الأشجار تحجزها ، فتتعثر مداركها في تقفي كلمات القصة المسـرودة ، لانشـغالاتها التهويميـة مـن الخوف ، خصوصا ، وإن الظلام بدأ يغلف الأجواء مبكرا ، فسوف تخاف مـن كـل شيء خلفها .
– آآآهه لو أن العم  آرشاك  يضعني في حجره ، لاحـتمى ظهـري مـن كـل خطر .
ومن التوجس ، والخوف ، يحمر وجههـا بـاصفرار ، وقـد تسـلط  قاسـمو  العملاق من فوق بوجوهه المتعـددة ، والعـم  آرشـاك  يجـوس متعمقـا فـي الطريق ، وفي القصة معا ، لا يثنيه عن تقدمه فيهما أي شيء كأنه قد ربـط بهما ، أو كأن نهايتي الطريق والرواية قد أوثقتا معا بحبل واحـد فهـو ، يخشى  أن يتوقف عن أحدهما ، لئلا يسبق الآخر ، فيضيع منـه الـرابط بيـن مداخل القصة ، وشواهد الأمكنة التي يمر بها العم  آرشاك  ، فكأنما يسمي عناوين الأمكنة بأحداث القصة الرئيسية ، أو الفرعية منها ، لـذلك يخشـى أن يتوقف عن السرد وهو يسير ، أو يخشى الوقوف ، وهو يتكلّم ، إنه مربـوط إليهما مثلما يرتبطان دونما انفصام .
ومن جهة ثانية ، فإنه يقوم بشدّ انتباه  آنوش  كلمـا شـعر بتهـاون قدراتها في المَسك ، بأن يبدّل أسلوبه في السرد ، إما بتنغيم المقـاطع ، أو برفع صوته ، أو بالتأكيد على المَخْرَج ، أو بتنبيه الحصان ، والتودد إليه ، بدون حواجز كالتي بينه وبين هذه الصغيرة ، كل ذلك لإبعـاد هـاجس يخشاه وهو سقوطها مجددا ، إذا ما أصيبت بحالة سرحان أو نعاس يؤدي إلـى النوم ، ثم التهاوي على الثلج من خلف ظهره ، ويرفع صوتـه هـذه المَـرّة متعمدا ، فتسمع  آنوش   كلماته الرنّانة عن المهَرّج العجوز  خنجـركو  الذي يغازل عيون أبنه  قاسمو  المعلّقة فوق ، كأنه يتوسـل إلـى عمـلاق يريد افتراسه .. وعندما تعلـو دقـات دف غجريـة ، تدخـل  صابحـة  زوجـة قاسمو  حاملة الدف لتغني ، وترقص على كلمات مقـاطع يعلـم مـن خلالهـا الحاضرون ، أنها تبيع فنها على أوتار الضياع ، والتجوال .. وفي الحال يتقدم موكب العرس الداخل إلى الساحة الكبيرة ، حيث دعيـت هذه الجموع لحفل زفاف ، الإقطاعيّ العجوز ، على فتاة انتزعت مـن أهلهـا دون رضاها ، ويبدو أن لها من يريدهـا مـن نفس سـنها ، وقـد جـاءت جـموع   المحتفلين ، حاملة أواني العروس ، وأثاثها ، في مقدمة المـوكب ، فـي حـين يحف بالعروس ، ومن حولها أقارب العريس ، الذين يتغامزون مـن خلفـه رغـم مجموعة  السركالية*  حولهم ، وعندما تدخل العروس  عائشـة  بوابـة ساحة البلدية الكبيرة ، تتذَكّر أنها خرجت من بيت أهلها الذي لن تعود إليـه ثانية كما كانت ، فتميد بهـا الأرض ، ويبـدو أنهـا تتهـالك ، لكـن إحـدى  الوصيفات الحريفات تسـندها ، وتتذَكّـر وقتهـا حضورهـا المتكـرر لهـذه الساحة ، فها هي المنصة التي  تذبح  عليها عرائس البلد .. وتنتبـه فـي سرها إلى كلمة الذبح ،  تـذبح  لأنهـا تتصـوّر زواجهـا هـذا قتـلا ، أو انتحار بمعنى الكلمة .. ولكن مـا فـي اليـد حيلـة ، وهـا هـي الأفرشـة والسجاجيد ، قد غطّت الأرض ، والناس يقفون على الجوانب ، وفـي كـل مكـان بنظام جديد يفوق كل الأنظمة في عنفها ، لكنه يختلف عن نظام  فيثاغورس  الذي سمعت عن أصوله ، وتمنت لو أنها تعَلّمت خفاياه مثل الرجال الـذين لا تحرّم عليهم الدراسة ، وفي تهويماتها ، تتمنى أن ألاّ تنتمي إلى هذا الواقع ، وأن تعبر هذه الساعات كما في الحلم ، تتجاوزها دون ألم ، وهّم ، ومعاناة ، وأن تنفرج كل الأمور بعدها تماما كما تحصو من كابوس ضايقهـا ليلا ، ولكن هيهات أن تنزلق ، من واقـع مريـر ، محـكم القيـود ، لـذلك لا تحاول من طرفها بذل أي جهد للتّعَرّف على ما يدور حولهـا ، فـلا تحـتج مادام الأمر قد انتهى ، وما  ،دام كل شيء هنا موكلا لمن سيقودها ، ويخـط مسارها ، أما خارج ذاتها فالأمر مختلف ، فهناك من سيقود الجمع ، ويتـولى الإشراف ، ومن سيصعد إلى المنصة ، ومن سيدعي المعرفة ، ويطرب للاستحسان ، ومن سيقضي بـالأمر ،.. وفـي زحمـة أفكارهـا هـذه تنتبـه إلـى فعاليـات المهَرّج الكبير  خنجركو  الذي طالما شـاهدته فـي احتفـالات ، وأعـراس كثيرة ، لغيرها ، وها هو اليوم يقوم بتناول عنقود عنب أبيض من نوع  ديس العنز  ويرميه إلى أبنه  قاسمو  المعلّق فوق على دقـات الـدف. فيمسـك هذا بالعنقود بيده اليمنى بكل مهارة ، ويتطاول ، ليـأخذ مـن عـلى إحـدى الشرفات ملقطا خشبيا بيده الأخرى ، ليتنـاول القطـة السـوداء الملتفـة كالفراء حول عنق الأب ، ويرفعها إليه ليقدم فقرة إطعام العنب للقطة في الفضـاء ، حبة ، حبة ، بينما يحافظ على توازنه فـي هـذا العلـو الفـارع ، والناس ممسكة ، بزمام أنفسها ، والدف يدق ، ويدق :
– يـدددققق ، .. ويـدققق …. يدقققققققققق !!!!
يدق بتوقيعات متناغمة ، علوا وخفوتا ، في بطء وسرعة ، في حين يقـوم الأب بتوجيه خطوات الأبن لئلا تضيع منهم السعادة في زلة قدم ، كما حـصل مـع ابنه الأصغر ، قبل سنتين ، وعلى دقات الدف يعلو صوت الأب في موال غجري ، لا يرتجف إلا في أذن العـروس التـي تذَكّـرت حـادث أبنـه ، وفـي غمـرة الاستعراض ، وانشغال الناس في التحديق إلى فوق ، تحاول  عائشة  العروس ، النظر إلى ما حولها علّها تجد الخـلاص فـي المنجـد لينقذهـا ، وتحـاول جهدها ، أن لا تظهر في الأضواء ، فتنغمر بيـن الأكتـاف لتكفكـف دموعهـا المندفعة بغير إرادتها ، أو لتداري عبوسها الكبير ، وتعـود لتنظـر عـلى عجل بين الجموع علها تجد المنقذ …. لكن الأضواء ، والمكان يكشـفانها في كل مرة ، وعندما يسرع الموكب بـالصعود فـوق عتبـات السـاحة الغاصـة بالناس أمامها ، وخلفها ، يتدافع مـن بالموكب إلى بوابة الحواجـز ، لكـي لا يفوتهم الدور ، أو لكي لا يحشر بعضهم مع بعض ، بعـد أن يدخـل  مـوكب العروس ، فلا تشعر العروس بنفسها ، وإنما تجدها طافيـة تحركهـا ، موجـات المتدفقين إلى الحواجز ، فتذهب في غيبوبـة ، تتـألم كالحالمـة .. وتـرى نفسها كالجارية تتبع مخدومها الذي يسير أمامها ، بينما يقوم المهَرّج ، ومن حوله من المحتفلين كالحاشية الرسمية ، بحراستها خوفـا عليهـا، مـن اختطاف ، أو غيلة مدسوسة ، في حين يبقى البهلوان  قاسـمو  معلقـا فـوق ،  يتلهى ، ويلهي بألعابه نفسه ، وغيره من الناس الذين لا تعنيهم أمور هذا الزواج كثيرا ، فيقوم بإدخال حبات العنب الأبيض تارة في فمه بعد قذفها في الفضاء ، وتارة في فم القطة ، التي تعودت بهلوانيته ، حتى أصبح مؤاها الخائف ، متناغما مع دقات الدف ، وموَال المهَرّج العجوز ، بينما الجـمع من فوق الأسطح ، وفي الساحة يتابعونه متعجبين ، وتبقـى  عائشـة  وحـيدة بين حلمها المشتت ، وبين التلهي بالنظر إلى حركات التوازن التي يقدمها قاسمو  ، وبين انتظار لحظة ظهور المنقذ الذي سيخلصها من هـذا الزفـاف المغتصب .. لكنها في يأسها تشهق لأنها لا تصـدق عينيهـا ، عندمـا تـرى حبيبها ينزع عن وجهه اللثام الذي تخفى وراءه ، حين أصبح قريبـا منهـا ، وللحظة تصورت أن هذا بعض  خيالاتها ، لذلك بقيت صامتـة مـن المفاجـأة ، بينما همس في أذنها قائلا :
– إنه لمن سوء الحظ أن يحدث هذا الالتباس ..
– ……!!!
– إن لبس الأقنعة ، وحدها لا يكفي لتغطية الحقائق ..
– … !!!
– هناك أقنعة بشرية لا يمكن لأصحابها أن ينتزعوها عن وجوههم ..
– … !!!
– أما هؤلاء المهرجون ، فأقنعتهم للحرفة فقط ، لكنهم أنقياء بطبعهم.
وحالما انهى حواره هذا ، استلّ خنجره ، وقفز ليطعن العـريس العجـوز سعيد  ، ويشاهد  قاسمو  لوحده هـذا المنظـر ، بوضـوح تـام ، وهـو فـوق ، بزاوية منخفضة ، فيؤثر ذلك على توازنه ، فتتساقط بعض من حبات العنب هنا وهناك على الشرفات ، ويفلت القـط مـن يـده ليقفـز عـلى إحـدى الشـرفات لقريبة منه ، مما يثير فزعا لا يغطي على الهرج الحـاصل تحـت، ويتـابع قاسمو  ما يجري من فوق فيرى وجه  سعيد  المصعوق من المفاجأة ، يلتفت ، وجرحه الحامي ، لا يجعله يحس بآلامه ، فتأتيه طعنة ثانيـة مـن الجـانب ، فثالثة ، من الجانب الآخر ، فرابعة من مجموعة التفت حوله ، كأنما قد جرى اتفاق بينهم على تخليص المغتال من عذاباته ، تسقط كما يسقط الثـور ، أو الحصان ، لكنه قوي لا يسقط بسهولة ، بينما جموع الناس المشتتة ملتهيـة ، لم تعِ كلها الحدث ، وبعضها لم يستوعبه ، بينما تكـررت أخطـاء  قاسـمو  لمرات ، مما أزعجه ، وأخاف والده المحدّق به من أسفل ، وأكّـد للبعـض أن  قاسمو  سيسقط لا محالة ، ومع هذا لم تزل الطعنات متكاثرة على  سـعيد  لكنه لم يسقط حتى الآن ، لكنه بدأ بالترنّح .. ويتقدم واحد من الجـمع ، لينهي كل شيء ، فيطلق من طبنجته عيارات ، تدوي في المكان ، يتبعها سـقوط جسد  سعيد  على الأرض ، جثة هامدة ،بدوي هائل .. ويعلـو صـراخ النسـاء ،  بعويل بين الهرج والمرج ، ويمتزج صراخ النساء بصراخ الأطفـال ، وبينهـم صوت طفل يتكرر بتميّز ، ويغدو بارزا ، واضحا بالتدريج .. وفـي النهايـة يتكرر بشكل متقَطّع .. وتقول المولّدة  سيتا :
– ولد .. ولدت لكم  آنوش  ولدا !!
وخلف الباب يصرخ   آزاد  .. فرحا خارجا عن طوره :
– ولد أبني  آرام  ..  آرام  ، أبني ولد !!
وعلى السرير تبدأ عيون  آنوش  ترى بوضوح ما يدور حولها .. دون أن تفتح فمها بالكلام .. لأنها لا تقوى .. لكنها تبتسم بمـرارة المتـألم .. فها هي الآن ، ولأول مَرّة تعي حقيقة أمرها .. وحقيقة الجـرم الـذي اقترفه العم  آرشاك  بإغرائِه ، وترغيبه ، لأمها ، بل وإجبارها بشـكل أو بأخر على زواجها من هذا الكهل الذي تراه في أواخر الليل فقط ، سـكيرا ، عربيدا ، يطويها تحته كمخدة ريش ناعمة ،وتقـدر الآن فقـط معنـى الدمـوع الحارة التي انحدرت من مآقي أمها ، وهي تودعها ، وداعها الأخير ، فتتمنى وهي على سرير النفاس ، أن يكون مصير زوجها لا يقل عن مصير  سـعيد  زوج العروس  عائشة  ، ولكن أين لها من حبيب مثل  محبوب  ، ولكنها تـرفض فـي سرها أن تكون شريكة في جريمة ، وإنما تطلب العدل من أبي العدل شـفيعها .. وتنام غافية على حلم جميل هو وجه  آرام  الأبيض ، وعيونـه الناصعـة السواد .
وفي ساحة الدار يُسمع حوار غير مفهوم بين رسول قـادم مـن السـوق ، والزوج  آزاد ، بأن أخيه  آرشاك  مات بالسـكتة القلبيـة ، بعـد أن رأى أمام عينيه جوف أبنـه  آسادور  مبقورا بحوافر مهر أهوج كان الطفـل قد استفَزّه ، فسلم الروح أمام والده في الحال ، وسقط الأب ميتا معه .

   * الملي – الشعبي ..
       * السركالية – أزلام الاقطاعي ..

   * نشرت ضمن محموعة بنفس الأسم عن دار مكتبة الحياة ببيروت 1997. كانت قد نشرت في الملحق الثقافي لجريدة الخليخ في الإمارات ، العـدد (55)  لعدد الجريدة(1114)- 26\1983  

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *