ليث الصندوق : خطاب الضدّ في “فوهة في الفضاء” (*)

laith alsandook 4فوهة في الفضاء رواية للروائي العراقي المغترب محمود سعيد عن الحرب العراقية الإيرانية وبشاعتها ، تجيء بعد قرابة ربع قرن على نهايتها لتفتح سجلات المفقودين والمآسي التي عاشتها عوائلهم وهي تنتظر عودتهم دون أن يكون وراء ذلك الانتظار من أمل يُرتجى ، إنها رواية إدانة لطرفي الحرب ، وللحرب كخيار لحل الخلافات بين الدول ، لكنه في الحقيقة خيار لا يحل الخلافات بل يُعقدها ويزيدها استفحالاً على الأقل في الجانب الانساني الذي يبقى مطموراً تحت ضجيج الخطاب الدعائي الرسمي البائس ، فالرواية لا تستعيد ذلك الخطاب ، ولا تحاول أن تضخ فيه بعد موته دماً جديداً ، بل تتجاوزه إلى ضده    ، فالراوي المفارق يوجه بوصلته إلى حيث تكون الحرب في أقصى مستويات قساوتها من خلال التركيز على ما تخلفه من ثلوم في الأرواح ، متسللة إلى صلب الحرب من بواباتها الخلفية المنسية ، عبر ضحاياها وما تتسبب به من مآس وألام للآباء والامهات الذين سلبتهم الحرب أبناءهم ، وأغلقت في وجوههم أبواب الرجاء . وهذا ما حدث لعائلة القاضي البصري منذر مصطفى بكر الذي فوجيء وعائلته بفقدان الولد ، الذكر الوحيد في العائلة أنور ألمتفوق دراسياً والذي كان معدله الدراسي في المرحلة الإعدادية يؤهله للتقدم لكلية الطب ، لكنه فضل عليها كلية الهندسة – القسم المعماري ، وقد كان أنور قد تخرج مع بداية الحرب من الكلية والتحق مباشرة – بعد فترة تدريب قصيرة – مع زملائه إلى الجبهة التي لم يمكث بها طويلاً . إذ تعرضت وحدته العسكرية لهجوم مباغت قتل فيه العشرات من الجنود الخريجين ، بينما سجّلته وحدته في قوائم المفقودين .عبر بوابة الحرب الأولى هذه يدخل الراوي إلى متاهات البحث في مصير أنور بدءاً من سؤال زملائه عن مدى معرفتهم بمصيره ، ثم السؤال عنه في وحدته العسكرية في الجبهة واخيراً في منظمة  الأمم المتحدة المعنية بشؤون الأسرى والمفقودين في بغداد ، حيث تعقدت الأحداث على أبوابها ودخلت منعطفاً آخر .
يمكن توصيف طبيعة الخطاب في الرواية بأنه ( خطاب ضد ) تنقض وتقوّض به جماعة المحكومين ( كل الأسس والمقومات التي يقوم عليها خطاب الهيمنة ) ( 1 ) من أجل ( إقامة خطاب بديل عنه ينهض من أنقاضه ، ويحقق مسعى تجاوزه ) ( 2 ) فالحرب في الجبهة هي انعكاس لحرب أخرى مستترة في الداخل ، هي حرب خطابات ، ومن البدهي أن نفترض بأن هناك على الجبهة المقابلة من الحرب صورة أخرى شبيهة إلى حد الاستنساخ لهذه الصورة الضدية ما بين جماعتين ، وما بين خطابين . وما يهمنا هنا الجبهة التي يمثلها خطاب رواية ( فوهة في الفضاء ) حيث إن إدانة الحرب ومآسيها سواء بالاضمار أو الإعلان هو في الحقيقة إدانة لخطاب الحرب الدعائي الرسمي  .

الروائي محمود سعيد
الروائي محمود سعيد

تبدأ الرواية بخطاب يوشك أن يتماهى مع لغة الخطاب الرسمي الذي تبثه كل وسائل الإعلام على مدار اليوم ، فالحرب يوم بدأت أحداث الرواية لم تكن قد أفرزت كل كوارثها بعد ، وذلك يعني إن ولادة خطاب الضد جاءت مع مجيء أولى الكوارث ، وتتبدّى ملامح ذلك التماهي في الحوار الذي جرى بين أنور وصديقيه منعم وعلي في أعقاب تخرجهما من الجامعة مباشرة ( أنهينا الدراسة اليوم ، تخرجنا رغماً عن الحرب ، القنابل ، قصف الجامعة . ص / 21 ) فالحرب في الخطاب الرسمي لكل طرف من طرفي الحدود هي حربان ، الأولى : مُدانة ، وهي التي يتوجه خط سيرها من الخارج باتجاه الداخل ، فهي والحالة هذه مشرع اعتداء . والثانية : حرب مقدسة ، وهي التي يتوجه خط سيرها من الداخل باتجاه الخارج ، فهي والحالة هذه ردّ مشروعٌ على الإعتداء . وما يُلمح إليه النص السابق من كسر لإرادة الحرب ، وتقليل من شأنها أمام إرادة التفوّق والنجاح ، فالمقصود به الحرب الأولى ، وفي ذلك تجسيد عفوي لحالة تماهي الخطاب الشعبي بالخطاب الرسمي قبل ان تفرز الحرب أولى كوارثها . فما دام الجميع ما زالوا لحد الأن في منطقة الأمان فليست هناك من ضرورة لتفكيك خطاب السلطة ، فهم ما زالوا يتمسكون بمضامين التحدي والمواجهة التي تنتجها وتسوقها ماكنة السلطة الدعائية – والتي سرعان ما تفرغها من مضامينها وتستهلكها حالة الإحباط الناجمة عن عدم وجود أية بارقة أمل لإيقاف الحرب – بالرغم من أن تتمة الحوار تشي بأن حدس الأصدقاء – أو بعضهم – ينبيء بأن الحرب ستطول ، ومع استطالة زمن الحرب فكل المفاجآت متوقعة ، وهذه التنبؤية غير اليقينية تمهّد لظهور أولى البوادر غي الناضجة لخطاب الضد ، بينما تترجرج قناعة صديق آخر في حالة من عدم الاستقرار ، ولكنها في كل الأحوال تبقى في المنطقة الآمنة التي ترى أن للحرب نهاية ، ربما تكون قريبة ، وربما تطول ، لكنها في كل الأحوال لن تطول إلى الحد الذي يدعو لليأس :
–    متى تنتهي الحرب ؟
–    من يدري ؟
–    بعد مائة سنة
–    مبالغة . كن عاقلاً . ربما غداً . ربما بعد شهر . لكن ليس أكثر من سنة . كيف تجعلها مائة سنة ؟
–    ( ص / 21 )
وهذا الحوار – كأغلب حوارات الرواية – إشكالي من الناحية التداولية فنحن لا ندري هل إن المائة سنة هي إجابة للسؤال ام تأكيد رقميّ له . لقد فهمنا مقاصد المتكلمين ( أو تصورنا ذلك ) من خلال السياق ، لأن الراوي لم يمنحنا أية آلية أخرى سواها للفهم ، في حين يُفترض أن يتم ذلك من خلال ثلاثة عناصر في الأقل ( ذاتي يتمثل في التعبير عن معتقدات المتكلم ومقاصده واهتماماته ورغباته وعنصر موضوعي يتمثل في الوقائع الخارجية ومن ضمنها الظروف الزمانية والمكانية وعنصر ذواتي يدل على المعرفة المشتركة بين المتخاطبين ) ( 3 ) . وبالرغم من تباين المواقف ، إلا إنها تبقى متقاربة إلى حد ما ، وتبقى للأمل نافذة حتى وإن كانت مواربة ، فالكارثة لم تحِق بعد بأي واحد من الأصدقاء ، وبما إن الكارثة مرجأة فخطاب الضد الواعي والقصدي مرجأ ايضاً . ولكن عندما تحيق الكارثة يُعاد النظر بالخطاب المؤسسي الرسمي باعتبار المؤسسة هي الجهة التي استجلبت الحرب ، وكيّفت خطابها ليتقبل كوارثها . حتى أنور الذي بدأ تساؤلاته الحائرة وإجاباتها المحبطة بدا فيما بعد أكثر قبولاً للتخطيط لمستقبل آت بالرغم من الحرب ، فالحياة مستمرة وباقية ودلالة ذلك قوله عندما رآى على الرصيف المقابل للرصيف الذي يتمشى عليه مع أصدقائه إحدى صديقات أخته ، وذلك قبل التحاقه بالجبهة بوقت قصير : ( سأحصل عليها ، سأعبدها ، سأبني لها بيتاً ذا شناشيل تطلّ على شط العرب .
ضحك أحدهم : لن تستطيع أن تسكنه معها
–    لماذا ؟
–    ستقصفه إيران في اليوم التالي ، سيظنونه بيت أحد القادة .
–     إنفجر الجميع ضاحكين .
–    متى تخطبها ؟
–    في أول إجازة
–    ( ص / 25 )
kh mahmood saeed 4حتى هذه اللحظة لم يكتشف الأصدقاء زيف خطاب الحرب الرسمي ، ولم يتخذوا موقفاً تجاهه ، أما التلميحات بالادانة فهي ليست الادانة ، بل هي بذورها التي ستنميها أمطار الكوارث مع توالي الأيام السود . أما أنور فلم يتمتع بالاجازة الأولى ، ولم ينفذ مشروع خطبته إذ إنه فُقِدَ قبل أن يُكمل في الخدمة العسكرية المدة التي تسمح له بالتمتع بأول إجازة ، فالكارثة جاءت مستعجلة لتضع حداً للامال التي كانت تراوده ، وتراود أسرته السعيدة ، وتشطب على مخططاته المستقبلية .
ولكن حالة التماهي ما بين الخطاب الشعبي والخطاب الرسمي ليست سوى وهم إستعان به الراوي لتضخيم حالة التباين ما بين فترتي الحرب ، وما قبلها ، ولعل عنوان الرواية ذاته ( فوهة في الفضاء ) وقد اختمر في ذهن أنور قبل التحاقه بالجبهة هو إيقونة الإدانة والرفض ، فقد استله الكاتب من حديث أنور لعائلته قبل فقده ، وهو يومئذ لم يلتحق بالخدمة العسكرية الإلزامية ، ولم يتوجه إلى جبهة القتال ( أحرام أن نعيش لحظة سلام واحدة ؟ أريد فوهة في الفضاء أنقذف فيها فلا أجد نفسي إلا وأنا في مكان آمن أسيرُ فيه باطمئنان مرفوع الرأس من دون خوف . ص / 6 ) ويعود صدى هذا الخطاب بإيقونته ليتردد في ذاكرة الأب ، بعد أن فقد أنور ( ص / 35 ) في دلالة على أن خطاب الضد لن يخبو ، ولن يسكت ، وإنه حتى إذا ما سكت ، فإن صداه يعود مرّة أخرى .
واللافت في الأمر أن ثمة حالة من التفكك تعتري خطاب السلطة التي لم تفلح حتى في إقناع ممثليها به ، حتى بدوا وكأنهم خاضعين لتأثيرات خطاب الضد أكثر من خضوعهم لتأثيرات خطاب ال ( مع ) ، والخطاب من هذا الموقع يسمى ب ( خطاب الذد من الداخل ) أيي ( من داخل بنية التخاطب السائدة التي يتوجه ضدها هذا الخطاب ) ( 5 ) . فعندما توجه القاضي منذر بمعونة من جاره المقدم فاضل إلى جبهة الحرب لمعرفة مصير إبنه أنور ، وجد آمر الوحدة العسكرية التي خدم فيها إبنه فرصة ليطلق خطاباً نوعياً يبدو إنه بدأ يتشكل في وعيه مؤخراً ، ضد خطاب السلطة الذي أجبر على تبنيه ( لماذا يزجونهم بالحرب ؟ لسنا بحاجة لهم . هتف كأنه يريد أن يفقأ دمّلة مؤذية : لا أحد يريد أن يفهم ، نحن في القرن العشرين ، لا تحسم أي حرب الكمية ، بل النوعية . ثم زفر بحرقة . متى ندرك الأمور ؟ ص / 44 ) . ولكن خطاب الضد لا يرتسم على الجانب العسكري الممثل للسلطة فحسب ، بل ينعكس على الجانب المدني الممثل لها أيضاً بل انه على هذا الجانب أكثر وضوحاً ، وأقسى إدانة بالرغم من إنه يأتي همساً تعبيراً عن هيمنة السلطة على كل مفاصلها ، وتوزيع الاذان والعيون لرصد كل ما يُفعل وما يُقال ، فهذا عبد العزيز رئيس القضاة في المحكمة التي يعمل بها القاضي منذر لم يتمالك ان يحبس صرخة الضد في صدره وهو يعبر عن رأيه بالحرب ( هامساً كأنه يخشى ان يسمعه أحد غير أبي أنور : فاسدان يتعاركان وأبرياء الطرفين ضحايا ، كلنا سنمر بمثل هذه التجربة ، أليوم إبنك ، وغداً إبني . ص / 57 ) . إن خطاب الضد في ظل نظام قمعي يتطلب ظروفاً معينة لإعلانه ، ولذلك جاء تصريح القاضي همساً ، ومع ذلك فالتصريح بهذا الخطاب يعني ان ثمة علاقة ثقة ما بين القائل والسامع تضمن عدم تسريبه ، أو استثماره لغير مصلحة قائله . ومع ذلك فالخطاب قد قيل بغض النظر عن الظروف ، مع التأكيد بأنه ليس هناك من ضامن لا للقائل ولا للسامع لتوفير ذات الظروف لإعلان خطاب آخر بذات الشحنة الضدية ، ونظراً لعدم وجود الضامن فقد انتهت الفرصة الأخيرة لرئيس القضاة بإعلان خطاب أخر ، ولذلك نجد الرجل في مقام خطابي لاحق يبدو وكأنه قد تراجع عن شجاعته حتى ليبدو وكأنه ليس هو ذاك الذي اعلن خطابه السابق ، فقد اصبح خطابه اكثر هشاشة وتراجعاً بعد ان تحققت نبوءته وحلت الكارثة به إثر مقتل كل افراد أسرته في قصف صاروخي على بيته في البراضعية . لقد أصبح أكثر خضوعاً لأدوات القمع الحسية التي دفعته ذات يوم لتمرير خطاب ضده همساً . وحرصاً على عدم الانجرار وراء منزلقات خطاب الضد لم تجتز مفرداته الحدود المسموح بها رسمياً وهو يروي لمنذر تفاصيل الكارثة التي احاقت بأسرته ( عانقه رئيس المحكمة عبد العزيز . رآه يرتدي بذلة سوداء فتوجس شراً . قال وهو في أقصى حالات الانفعال ومن دون أن يسأله : سقطت قنبلة على بيتنا في البراضعية . قتلت الجميع . لم يبق سواي . إغرورقت عيناه بالدموع . لكنه تمالك نفسه : حكمة الله . ص / 102 ) وفي حين يبدو أن الكوارث الناجمة عن صراع الانظمة تُنضج وعياً معارضاً لدى من تحيق بهم ، وعياً جديداً يكفل إنتاج خطاب غيري . إنقلبت الصورة عند عبد العزيز فأصبح خطابه يقتصر على الصمت ، ومفرداته تقتصر على الدموع ، بينما صاغت التقية ذلك الخطاب لتجعل من الكوارث التي تستجلبها النظم السياسية على شعوبها ( حكمة الله ) .
ولكن خطاب الادانة الضدّي لا يقتصر على ممثلي السلطة من المدنيين والعسكريين فحسب ، بل يشيع في القاعدة الشعبية الواسعة ، وهو ما يسمى ب ( خطاب الضد من الخارج ) ( 5 ) كما في الحوار التالي ما بين القاضي منذر ، وصديقه الموسيقار أبو حقي ( حنا بولص ) في إحدى زياراته له في المحكمة :
( أبو حقي : … ألغريب إن هناك من يصلي خمس مرات يومياً ويقتل الأطفال
منذر : كفى أبو حقي ، هذه محكمة لا جلسة شراب
أبو حقي : سألتني وأجبتك ، لا داعي للخوف
منذر : قضيّة خوف ؟ أنا وأنت وحدنا ، لا ثالث لنا
أبوحقي : ماذا إذن ؟
منذر : لا فائدة من الكلام ، الشعب مسكين على طرفي الحدود ، قدرهُ أنه خلق هنا ) .
( ص / 106 )
ومن الواضح إن الإشارة إلى المصلين في حوار ( أبي حقي ) لا تشمل طرف الحرب الذي ينهج سياسة دينية معلنة فحسب ، بل تشمل أيضاً الطرف الآخر الذي ينهج في العلن سياسة علمانية قومية ، لكنه بدا بالانحراف باتجاه ديني مواز ، يؤكد هذا التحليل التهيّب الذي أبداه القاضي منذر للحوار ، ثم إقراره بهذا الرأي صراحة منهياً الحوار بعبارة  تنصف المحكومين المبتلين بحرب الأنظمة على طرفي الحدود . ويتكرر هذا النوع من الادانات المزدوجة في حوار منذر وهو يواسي زوجه المريضة : ( أتظنين الخميني أو صداماً سينتصر ؟ أو سيشعر بالسعادة إن انتصر ؟ لا كلاهما سيعيش مهزوماً في داخله حتى الموت . ص / 55 )  .
وإن كان الخطابان العسكري والمدني السابقان يمثلان خطاب الداخل المنشق على نفسه باعتبار أنهما ينطلقان عن وعي بضرورة مغادرة مواقع الخطاب الرسمي لأنه يتناقض مع مرجعياته . وإن كان خطاب الموسيقي ( بولص حنا ) يمثل خطاب الخارج غير المرتبط باي شكل من الأشكال لا بالسلطة ولا بخطابها ، فهناك ثمة خطاب آخر يتأرجح ما بين خطابي الخارج والداخل ، هو خطاب ( علي ) زميل أنور الذي سيق معه إلى الجبهة ثمّ أصيب منذ الأيام الأولى لالتحاقه إصابة مباشرة بقدمه ادت إلى بترها . لقد بدا خطاب على في أيام إصابته الأولى يفتقد إلى الاتزان ورجاحة المنطق والعقل ، فالشاب تحت تأثير صدمته ببتر قدمه ، وفقدان أكثر من عشرين من زملائه المتخرجين معه في معركة واحدة ، صار كلامه أقرب إلى الهذر منه إلى الضد ، فهو يوجه خطاب اللوم والتأنيب إلى نفسه ، وإلى زملائه الخريجين الذين لم يُحسنوا التعامل مع العريف الذي كان يُدربهم ، وكان يحاول إفادتهم بخبرته ، ولكنهم بداعي الغرور والتكبر سخروا منه ، ولم يأخذوا بنصائحه فاستحقوا ما أحاق بهم ، فهو يوجه كلامه لعائلته ولعائلة منذر التي كانت في زيارتهم ( لم تتعبوا أنفسكم في تربيتنا . كنا نضحك من كل شيء . نسخر من كل شيء . علمتمونا كيف نتفوق في دروسنا . لكنكم لم تعلمونا الأدب . لو كنا مؤدبين لما حلّ بنا ذلك . ص / 33 ) وبعد فترة العلاج تهدأ النفس المضطربة ، ومع هدوئها يهدأ الخطاب ، ويتصفى من كل مفردات اللوم ، ومن صرخات الهذر ، ولكنه مع ذلك يظل في منطقة الكارثة لا يفارقها . فبعد شفاء جروح علي زار مع أسرته بيت صديقه المفقود أنور ، ومن الطبيعي أن تدور الأحاديث خلال الزيارة حول محور مركزي واحد ( الحرب ) ، ومن الطبيعي أن لا يشغل علي من هذا المحور سوى زملائه الذين ذهبوا للحرب معه ( قبل يومين وصلت رسالة من الصليب الأحمر عن منعم . إختفى هو أيضاً . تقول الرسالة إنه توفي في إيران في معسكر – أرك مخصوص – لإصابته بمرض الإسهال الدموي . قال ذلك ثمّ لم يعد يسيطر على دموعه . رمى السيكارة في الحديقة . أخرج منديلاً ورقياً . أخذ يمسح دموعه . ص / 116 ) ومن هذا الهدوء الجريح تنبعث على حين غرة أولى مفردات خطاب الضد ، ساحبة وراءها هموم جيل من الشباب الذين ابتلعتهم آلة الحرب ( يا لها من وحدات موت لئيم ، إن توقفت الحرب الحقيرة ، وقدر لي أن أنجو من القصف ، سأرى من مجموعتنا الخمسة عادلاً فقط . سأراه وأنا نصف رجل ، أي حظّ أعوج . ص / 116 ) ومن البهي أن إدانة الحرب ليست إدانة لذاتها فحسب ، والصفة التي قرنها بها تتعداها إلى من أضرمها وغذاها بارواح البشر .
بيد أن خطاب الضد هو خطاب زمني مرتبط بزمن اندلاع الحرب ( سواء قبل كارثة الفقد أو بعدها ) نشأ ، ونما ، وتعالى معها كرد فعل على خطابها الرسمي ، او كرد فعل على كوارثها ، والمفارقة أن ذروة التصاعد في نبرة هذا الخطاب لا تقترن بنهاية الرواية كما قد يُفترض ذلك منطقياً ، حيث تتصاعد وتيرة الحرب ، وتتشابك عقد الأحداث ، بل تأتي الذروة مع نهاية الثلث الأول من الرواية ، وقبل أن تستكمل الضدية شروط تحولها إلى خطاب . وهنا نعود إلى الوراء بضع سطور لنكون مع منذر في مغادرته غرفة آمر الوحدة العسكرية التي خدم فيها إبنه أنور أيامه المعدودة ، حيث صُدم حين علم أن مصير إبنه مدرج في سجلات المفقودين . والذي ضاعف من وطأة الصدمة لدى منذر هو أن الجندي الذي نقله بسيارته إلى مقر الوحدة  حمّله مسؤولية فقد إبنه لأنه لم يُبادر بدفع الرشوة التي كانت يومئذ تكفل عدم نقله إلى الصفوف الأمامية من الحرب ( لو دفعت خمسين ديناراً لحصل إبنك على إجازة ، لوضع في الخطوط الخلفية ، لنقل إلى المستشفى العسكري قرب بيتكم . ص / 46 ) لقد صُدم منذر بهذا التصريح الخطير وهو القاضي النزيه الذي لن تلوث سجله الوظيفي شبهة فساد طوال حياته ، لقد حفرت كلمات الجندي عميقاً في ضميره لتُخرج ما ظل يكتمه من مفردات خطاب الضد التي تكشف بأن ذلك الخطاب لم يكن وليد ساعته ويومه ( من يصدق إن الإنسان المثقف ، المهندس المعماري يساوي خمسين ديناراً . ص / 46 ) هذا السؤال الاستفزازي هو المفتتح الاستهلالي لقاموس الغضب الذي ظل يتنامى تحت طبقات الصمت والتقية ومع ذلك فهو لم يستكمل كل فصوله ، فعندما يعجز القاموس عن إسعافه بالمفردات الملائمة يلجأ إلى التعبير من خارج اللغة بالبصاق ( تفو ، ألف تفو على الزمان ، على القائد ، على الجيش ، على الأعداء ، على الحرب ، عليك يا منذر ، يا قاضي المحكمة المشهور ، قتلت إبنك ، مبادؤك التافهة قتلت أنوراً . ص / 46 ) وبعد أن شمل الجميع بمفردة الإدانة غير اللغوية ( البصاق ) عاد إلى نفسه ثانية ليختم بها ذروة انفعاله الخطابي ( يا لك من جبان ، تفو ، ألف تفو عليك يا منذر . ص / 47 ) وفي هذا الموقف تماهى الراوي مع منذر في خطابه حتى لم يترك مسافة فاصلة للتمييز ما بينهما ، فهو لم يكتف بإزالة الأقواس العازلة للحوارات ، بل أزال كل المحددات اللغوية التي تميز الكلام المسموع عن الكلام المنطوق فأصبح من العسير التمييز ما بين شخصية الراوي ، وشخصية القاضي منذر وهي في ذروة تطاحنها مع الصدمة ، وتلك تقنية حوارية يتقنها الكاتب بحرفية ، وسبق أن استخدمها في اعماله الروائية الأخرى . ولكن استخدامها في هذا المقام ليس تقنياً فحسب ، بل هو ينطوي على بعد دلالي يتماهى فيه البطل بالراوي والراوي بالكاتب باعتبار ان الراوي – كما يُقال – هو ( الذات الثانية للكاتب ) .
وخارج محور الفقدان ، وقريباً منه ، كان محور آخر يتشكل ، مادته الحب الذي تولّد على حين غفلة من الكارثة ما بين منذر وزهرة ، في صورة من صور تحدي الفناء ، و صراع البقاء . وزهرة هذه ( هي زهرة عبد الحسن ) إمرأة حسناء متماسكة الشخصية ، واثقة من نفسها ، ومن قدراتها ، إستشهد زوجها في إحدى المعارك ، وقد تعرف عليها منذر خلال مراجعاته المستمرة إلى مبنى المنظمة الدولية في بغداد لمعرفة مصير إبنه المفقود أنور ، بينما كانت هي تراجع لمعرفة مصير شقيق زوجها . وعلى رصيف المراجعات الاسبوعية في شارع ابي نواس حيث مبنى المنظمة الدولية ، توطدت علاقتهما بأسرع ما كانا يتصوران ، وتحولت إلى حب جارف .
وعلى هذا المحور خفتت إلى حد التلاشي ملامح خطاب الضد ما بين العاشقين ، فبالرغم من المساحة العريضة نسبياً للعرض الحواري ما بينهما والتي شملت شتى المواضيع ، إلا إنها خلت بالكامل من اية نبرة تمرّد أو تذمر او انتقاد للكارثة أو للسلطة او للخطاب الرسمي . ولعلنا نؤول ذلك في كون منذر ، وهو القاضي النبيه الذي تشكل نباهته مصدر حذره ، قد أزال في ذروة علاقته العاطفية كل شكوكه تجاه المرأة ، وأبقى شكاً واحداً فقط يتصل باحتمال ارتباطها بعلاقة ما مع السلطة ، لا سيما أن زوجها ( الشهيد ) كان مسؤول قاطع في الجيش الشعبي ، أي إنه كان في الخط المتقدم من حزب السلطة ، وهناك تلميح بعيد على أن ثمة علاقة ما كانت تربطها بالتنظيم الحزبي .
من المستويات الثلاث لتشكل خطاب الضد ( الداخل / الخارج / المابين ) التي أشرنا إليها أنفاً فإنه ليس من العسير أن نقع على نماذج من هذا الخطاب منمازة بالخصائص الشخصية والمهنية والمعرفية والحضارية لمن ينطقونه ، أو على حد تعبير باختين ( ألخصوصيات اللغوية لتجسيد المعنى اللفظي ) ( 6 ) فكل واحد من الشخصيات – ممثلاً للمستوى الذي هو به – بصم خطابه بمفردات لغته ومصطلحات قاموسه ، وبذلك فأن نص الرواية يتميز بأحادية ما يسميه تودوروف وجينيت ب ( حكي الأحداث ) ( 7 ) منطوقاً على لسان الراوي المتماهي في الأحداث دون أن يكون له تأثير عليها ، ودون أن يكون له دور فيها من جهة ، أما من جهة أخرى فتتميز الرواية بتعددية ما يسميه أيضاً تودوروف وجينيت ب ( حكي الأقوال ) ( 8 ) ممثلاً بالشخصيات في المستويات المختلفة من خطاب الضد فنحن والحالة هذه إزاء نموذج روائي بوليفوني تتداخل فيه الخطابات دون ان تفقد تفردها بينما يصبح النص الكلي الواحد ممثلاً لتعددية حوارية لغوية ومعرفية ذات طبيعة ضدية ، وبمعنى آخر لقد وفر خطاب الضد للشخصيات ألفرصة ان تكشف عن خصوصياتها للقاريء .
________________________________________________
( * ) فوهة في الفضاء – محمود سعيد – مؤسسة شرق غرب للنشر
( 1 ) و ( 2 ) خطاب الضد – د . عبد الواسع الحميري
( 3 ) الخطاب القرآني – دراسة في البعد التداولي – د . مؤيد آل صويت – عن طه عبد الرحمن ( ألبحث اللساني والسيميائي – بحث )
( 4 ) و ( 5 ) خطاب الضد – السابق  
 ( 6 ) المبدأ الحواري – تودوروف – ت / فخري صالح .
( 7 ) و (8) تحليل الخطاب الروائي – سعيد يقطين

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الرزوق : الخطوط الرئيسية لروايات قصي الشيخ عسكر.

منذ عدة أيام وصلني مخطوط رواية قصيرة جديدة من قصي الشيخ عسكر عنوانها “أسماك وأصداف”. …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.