ابوطالب البوحيّة: شهادة غير مكتملة

“الظل لا يوحي حقيقة الجسد ، اما الروح فتختفي وتذوي تحت جلد أسمر لا يمنحه الشَعرُ المنتشر فوقه فرصة للتنفس باسترخاء”.

“اسباب الوجود هي نفسها اسباب الاختفاء والنهايات لا تختلف عن البدايات إلا باللفظ ” هكذا يتحدث زينو أو قادر عبدالحكيم الزين .

اخبرني مرة :”ان رأسي مكمن وجودي ولو كان جسدي دون هذا الرأس او بغيره فأني سأدفن جسدي وأوريه الاختناق”.

عند شارع الباكستان وفي بيت يتسع لاربعة اشخاص هم عدد افراد عائلة زينو ولد مبهوراً ذلك اليوم في الرابع من نيسان عام 1945، الاصغر من بين الموجودين والعنقود الاخير المنقطع.

لكِ ان تسجلي ، عمره اليوم 64 عاماً وايام ، غير متزوج ، فصيلة دمه غير معروفة لي ، لم يخبرني عنها ، صحته على اتمها دوماً لم يحتاج الى تحليل للدم فلديه منه الكثير وياما أنفق من اجل الاخرين عشرات الليترات.

ام عرفان هي نفسها ام زينو ، لكن عرفان هو الاخ الاكبر والذي ربى لسنين عشر قادر الزين وعلمه حروف الكتابة وهو في الخامسة ، وفي سن السابعة جعل منه اصغر المتظاهرين في احدى حركات الهيجان الشعبي ضد الحكم الملكي في العراق تلك الاعوام ، الأرث المادي الوحيد الذي بقي من عرفان بعد ان طُعن بسكين في رقبته في العام 1955 هي مجموعة من الكتب الشيوعية التي لم يتوانى زينو فيما بعد بحفظها عن ظهر قلب.

الموت هنا مثل سر لم يُكشف وللبساطة المجتمعية آنذاك إنتهى الحديث في الموضوع.

في الخامسة عشر ترك زينو الدراسة ليلتحق بدورة مهنية للسياقة ، لكن النظر لم يمهله حتى إكمال الفحص الأخير ، فأنتقل بالوسَاطة الى السلك الإداري في إحدى شركات النقل البحري البريطانية.

ام عرفان عيونها الزرق وبياضها القطني لم يشفع لزينو في ان يكون جذاباً ، سماره وخشونة ملامحه وهيئته جعلته على الدوام بعيداً عن النساء وعالمهن السحري بالمكاتيب والعطور والنظرات المغنجة والحركات المائعة.

-“ايستوي الجمال مع القباحة ؟” يسأل زينو.

-“ابداً من قال يستوي ، انت مثلاً انفك المفروش كأفريقي ، حاجباك الملتصقين ، اسنانك المتفارقة كتوائم صفر زعلانة ، هل لك ان تكون بين اوساط المجتمع مثلي، شاربي الخطي المتوازن ، انحراف حاجباي السيفي ، انفي الفرنسي الرفيع ، شعري الداكن حد اللمَع ، ابداً انك لاشئ أمامي” يجيبه اسماعيل.

– يا اسماعيل انك لم تتوانى في تطهير نفسك وتعطيرها يوماً، ابحث في خباياك تحت قميصك ، ستجدك اسود فحمي، تشتعل غضباً حين يحصل غيرك على امتياز يطير من بين يديك ، انك حسود وودود بنفس الوقت ، اما انا فعاكس لذاتي ووجهي مرآة قلبي ، ولساني شاشة عرض دواخلي ، من الاجمل الآن برأيك؟

– لنحتكم الى النساء ، فالمرأة وحدها من تعرف الرجل جيداً وقد تعرفه أكثر من نفسه ايضاً.

في أواخر العقد السبعيني ، كان جميع الركاب في ذلك الطريق يبتسمون في وجهه رغم الارهاق او النهوض مبكراً وتبعاتها السلبية على المزاج ، اتم معهم سنة او تزيد قاطع للتذاكر في الباص الوحيد الذي يقلهم من القرية الى المدينة وبالعكس ، انهم ليسوا ريفيين ، بل موظفون ومهندسون وفنيين ، والقرية لا يمكن تشبيهها بألاخريات ، فهي منظمة ومقسمة واجمل ما فيها الورد ، فالكل يحتفي بوجوده.

سليمة النجار لم تكن تحلم بقاطع تذاكر ولا سائق حتى ولا مديراً للنقل الداخلي ، في كلية الهندسة – قسم الميكانيك ، المرأة الوحيدة ضمن مجموعتها من الرجال ، مَر عليها الكثير ، عربي فلسطيني ، وعراقيين وأردنيان ، لكنها لم تعر الجميع الاهتمام ، عيناها لا تفارق زينو وهو واقف يمسك بيده المتعرقة عموداً للاتكاء على الجانب اليمين للسائق ، انها وقعت في غرامه وحين اعترفت له بعد اشهر ، نقل نفسه الى خط آخر ، ولم تره منذ ذاك الحين ، فهل ستراه اليوم ؟

– “آه لو يعلم الناس اقدارهم!!” تجيب الممرضة.

– لو كان مثل هذا القدر يُرى من قبل صاحبه لجن او قتل نفسه قبل ان يصير.

– من الغريب انني سمعت كثيراً عن زينو ، انني لا اعرفه ، لا اميز اوصافه حتى، لا استسيغ رائحة المكان، هل لك ان تكمل لي في الخارج؟

سلمان العبيد تتباطىء قدماه المغادرتان مع الممرضة ، وعقله لا ينفك عن السؤال “كيف لي ان اغادر؟”.

(الاشتهاء والتبعية وسن الفيل وساعات الاورينت ووزير النقل ومدير الجوازات) كلها مفردات خطها زينو على ورقة وتركها في جيبه ولكل مفردة تعريف خاص يقارب الخمسة اسطر كتبها بقلم اسود ناشف ، وآثار الشطب على بعض الكلمات يوضح انه كتب مسودة ، التعرق اخذ منها الكثير والقدامة عجلت بعدم مفهوميتها.

قادر عبدالحكيم الزين الذي قضى عمره متنقلاً في حافلات طويلة واخرى قصيرة حديثة ومتعبة بيضاء وزرقاء وصفراء انتهى في كراج النهضة مرمياً على جانب احد الجدران من عصف الانفجار ، انه أمامكِ لكِ ان تسجلي ايضاً في الشهادة (توفي بسبب نزيف لم يتوقف ، الجميع نقل الى المشافي القريبة ، اما هو فقد نُسي ولا واسطةً لنقله للعلاج).

شاهد أيضاً

تحسين كرمياني: الذبيحة

عبد كعيد.. تعرفه بلدة جلبلاء، إنسان بائس، خارج نطاق الواقع والخدمة. الآن.. يقبع في سجن …

محمد الكريم: ما تجلّى في العتمة (4)

متسول تحت المطر السماء تسكب دموعها التي اكتسبت لون الشفق الذي راح يلوّن المدينة.. هطل …

محمد الكريم: ما تجلّى في العتمة (3)

خيانة جلست دينا تتابع قراءة أخبار الصحف. في حاشية إحدى الصحف قرأت “خيانة” “….وعندما دعتني …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *