شوقي يوسف بهنام : مدينة أدونيس ؛ قراءة نفسية لقصيدة ” مدينة

shawki yuosif 5ما هي المدينة الفاضلة لأدونيس ؟؟  اين يريد ان يعيش ؟  اين يريد ان ينام إلى الأبد ؟؟ . ذلك ما سوف يبرز لنا ، كما يبدو لنا ، عندما نقرأ قصيدته المعنونة ” المدينة ” . وبهذا العنوان ينتمي أدونيس، أو على الأصح ينظم إلى أصحاب المدن الفاضلة . ولكن مدينة أدونيس ، على الرغم من فنطازيتها ، فهي أمامه شاخصة قائمة على ارض الواقع . وعلى خلاف نصوص أدونيس الأخرى ، فأن أدونيس ، في هذا النص يعيش ما يمكن تسميته بعملية الملاحقة .. بعبارة أوضح ، فأن نصوصا أخرى تكشف عن أدونيس .. الثائر .. الرافض .. الهارب .. أما في هذه النص فأنه يعيش حالة ، كما قلنا ، ملاحقة واقتراب ودخول في متاهة المدينة  التي رسمها لنفسه  . وأول ملاحظة يمكن رصدها هي أن هذا النص ليس الا حلما . والواقع ان اغلب النصوص التي تتحمل قراءات متباينة .. أو أن أدونيس يريد ان يشفر النص فيدرجه ضمن أحلامه . وكأني به يريد ان يقول ” ينبغي على الآخر ان لا يأخذ هذا النص على محمل الجد لأنه ليس الا حلما . إنني لست مسئوولا عن أحلامي ” هذه ظاهرة نجدها في شعر أدونيس تحتاج إلى وقفة خاصة وبحث مستقل لا مجال للدخول في تفاصيلها هنا … . سنأخذ النص دون تقطيع أو تجزئة ، لأنه حلم واحد ذو موضوع واحد . يتمحور على خبرة شخصانية واحدة . و لا بد من القول ان هذه الخبرة سوية وسليمة لا غبار عليها . انها لا تقارن بنصوص نزار قباني ذات البعد المكشوف . صحيح ان المضمون واحد ولكن لغة التعبير مختلفة  . ومن الصعب على القارئ ذو الذائقة السطحية ان يقف على مضامين النص وأبعاده . وهذا يعني ان هذا النص يحمل رمزية عالية تحتاج إلى تفكيك دقيق يتلاءم  وقصدية النص . تعالوا نقرأ النص سوية . يقول أدونيس :-
نمت’ مع المدينة
في أول الغصون  في بداية الجراح

كانت على سريري
أقلق َ من سفينة
في اللج .  واللقاح
يخضَّها ، يفتح كل عرق …
وأستيقظـَتْ ، كان السرير نهرا ً
للحب
واللقاح
تاريخ عاشقين

وكان نهداها مدينتين
( الآثار الكاملة ، مجلد2 ، ص 561-562 )

****************
ونعتقد ان نهايات النص هي مفتاح له .ومع ذلك فلا ضير من تحديد المفردات المشحونة بالبعد الجنسي والتي لا تحتاج إلى وقوف وهي :-
أ‌.    السرير
ب‌.    اللقاح
ت‌.    الحب
ث‌.    العاشقين
ج‌.    النهدين
*****************
ان هذا العدد في نص صغير مثل هذا النص إنما هو دليل على وفرة الدلالة الجنسية فيه  . علاوة على هذا فأن هناك أفعال تحمل نفس الدلالة وهي :-
أ‌.    نام
ب‌.    خض
ت‌.    فتح
ث‌.    فيضان السرير

*******************

على ضوء هذه الشواهد من الأفعال والمفردات ، يمكننا قراءة نص أدونيس هذا . و لاشك فأن هذه القراءة لن تكون القول الفصل في الموضوع . وكما اشرنا قبل قليل فأن أدونيس يتلاعب بالألفاظ والدلالات بصورة تجعل القارئ ، وهذا من حقه ، ان يضرب الأخماس بالأسداس . ولكن في نفس الوقت فأن هذا لا يعني أو لا يوحي بالتخبط أو ان أدونيس لا يعني ما يقول … . مهما يكن من أمر فأن هذه المقاربة النفسجنسية للنص قد تعطي واحدا من المداخل إليه … ولنبدأ مع المدينة التي نام معها أدونيس . ومن حيث المقارنة الرمزية بين المدينة والمرأة ، يمكن القول ولو على سبيل الفرض ان الاثنتين منطقة مجهولة للغريب . فهناك استخدام معروف للتعبير عن الفعل الجنسي يعبر عنه بمفردة ” دخل ” أو ” عرف ” أو ” وطأ ” وكلها كناية على مجهولية جسد الأنثى .. من هنا محاولة  اقتحامها . وقد كان أدونيس موفقا جدا في ذلك . ولو أهملنا عبارته ” أول الغصون .. في بداية الجراح ” من حيث ان دلالتها لا تتفق ومجرى السياق الكلي للنص . لكن هذا لا يعني ان وجوده لم يكن له ما يبرره . فقد تكون الغصون رمزا لليل أو للحظة التي بدأ بها الوطأ أو نشوتها .. أو ما يدل على هذا المعنى وذلك لسبب بسيط هو ان أدونيس نام معها  بعد صراع ومعاناة وعذاب . ولا ندري هل نام أدونيس معها حقا أم كان حلما ليليا أو حلم يقظة ؟؟؟ . المدينة إذن وبهذا التصور وعندما يقول أدونيس انها ” كانت على سريري ” .. هي رمزي انثوي واضح المعالم . ونعتقد أن مقدمة النص اعني ” في أول الغصون … ” هي جدار بين النص والمتلقي لكي يبقى النص مبهما عليه ، وحتى لا يفسر أو لا يربط  بين فعل النوم والفعل الجنسي . بعبارة أدق حتى لا يفسر النص في إطاره الشبقي . هل يمكن القول ان في النص .. اعني في بنائه ..نمطا من انماط التسامي Sublimation ؟ نعم يمكن القول بذلك .. فالشاعر يمر بخبرة سوية Normal  وطبيعية وهي قابلة للتكرار لأنها من خصائص الحياة . وبدلا من  أن ينقل هذه الخبرة بمفردات مباشرة تصطدم القارئ أو تثير اشمئزازه ، فقد حاول ترجمة الفكرة وفق النسق الرمزي ذو التكثيف العالي . ويبقى بعد النص هو هو . وحين يقارن الناقد نصا قبانيا حول أبعاد الجنس .. فمن السهولة وضع اليد عليه ..بينما هذا النص عند أدونيس يحتاج إلى ملاحقة واكتشاف ، كما اشرنا عن ذلك قبل قليل . لنسبح إذن في نهر أدونيس . لقد قضى أدونيس يومه هذا بتعب وكلل وجهد .. فترك كل ما في يده ؛ أقلام .. أوراق … كتب .. محبرة .. وربما ريشة ألوان .. المهم انه ذهب لينام .. واستغرق في النوم . وفجأة جاءه ملاك الحلم وذهب به بعيدا فوجد المدينة .. على سريره .. أليست هذه مفارقة إن لم تكن المدينة هي رمز للأنثى ؟؟ . كان أدونيس قد حلم في وقت سابق فتصور .. بل اعتقد أنه يحتضن الأرض مثل أنثى وينام . ونعتقد أن الأرض هناك والمدينة هنا ، عالم يلفه الأسرار مثل الأنثى ، خصوصا في نظر الشرقي ، تبقى موجودا يحتاج إلى فتح أو دخول أو وطأ .. ولنستمر مع حلم أدونيس .. كانت هذه المدينة .. أعني هذه الأنثى ، وهي مع أدونيس في وضع قلق وارتباك وشد وتوتر .. كانت أقلق من السفينة في اللج . اعني في لج أدونيس أي في بحره … بتعبير أدق في أحضانه !!! . من الذي يحرك السفينة اللج . أليس الربان .. الملاح .. أن أدونيس ، هنا ، هو الربان والملاح .. والقبطان …. . وهي ، أعني تلك الأنثى مثل سفينة شراعية تتلاطمها الأمواج .. أمواج البحر أو اللج .. لا تدري إلى أين تلتفت ؟ أنى ألتفتت فهناك يوجد أدونيس !!! . أليس هذا التعبير أو الوصف هو وصف للعمل الجنسي ؟ يقسم ماسترز وجونسون (1966 ) هذا العمل أو ما يسميه برد الفعل الجنسي   إلى أربع مراحل هي على النحو الآتي :-
1-    الهياج
2-    الهضبة
3-    الانتعاظ
4-    الخمود   (1 )
نعتقد أن عبارته ( يخضها .. يفتح كل عرق ) إنما هي تعبير عن هذه المراحل والوصول إلى ما يسمى هزة الجماع orgasm  . عن هذه الهزة يخبرنا د. الخولي في موسوعته عنها فيقول ”  هي بلوغ الإثارة والشبق ذروتيهما ، وما يصاحب ذلك من حركات غير إرادية  في نهاية الجماع تؤدي إلى زيادة التصاق الزوجين وتقريب السائل المنوي من عنق الرحم ( وإن كان ذلك يحدث في غير الجماع في الاستمناء مثلا ) ويعقب هزة الجماع  الفش Detumescence  وزوال الشبق وارتخاء الجسم …. ) ( 2 ) . أن فتح العروق .. عروق الجسد ، إنما هو إشارة رمزية جميلة لعملية ارتخاء الجسم هذه التي تعقب هذه الهزة . لكن هذه الأنثى وعلى ما يبدو لم تتحمل هذه الهزة فأستيقظت وكان سرير أدونيس نهرا جاريا !! . يمكن تأويل هذه الفقرة على انها علامة من علامات القذف Ejaculation . ولذلك فجسدها ، بعد الاستيقاظ ، أصبح مغمورا بماء الحياة . لقد استيقظ كلاهما وكان ما كان . فتاه في أزقة نهديها وتذكر تاريخهما . فتلك الأنثى كانت هي مدينته الفاضلة … ولذلك كان ذلك التيه . أن أدونيس في هذا النص لا ينتمي  إلى ما يسمى بالأدب المكشوف Pornography  أو المفضوح بل يتعامل مع ظاهرة الفعل الجنسي بأسلوب رمزي جميل يتفق وطبيعة أسلوبه الشعري وهذه المسألة نتركها للباحثين في الأسلوبية وما يرتبط بها من مناهج وتيارات …

الهوامش :-
1-    د .الحفني ، عبد المنعم ، 1978 ، موسوعة علم النفس والتحليل النفسي ، دار العودة ، بيروت ، لبنان ، ج2 ، ص 293 .
2-    د . الخولي ، وليم ، 1976 ، موسوعة علم النفس والطب العقلي ، دار المعارف ، القاهرة  ، جمهورية مصر العربية ، ص 361-362 .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| حسن المصلوحي : قليل من النقد كثير من المجاملات نموذج: رسائل “وطن على شراع الذاكرة” تأليف: روز اليوسف شعبان وعمر صبري كتمتو .

في هذا المقال سأحكي ما حدث في ندوة اليوم السابع المقدسية الخميس الفارط. كان الموعد …

| طالب عمران المعموري : التلميح والنَفَس الجملي القصير قراءة في “رأسي عشٌ للعصافير” للقاص خلدون السراي .

شكل من أشكال السرد،  لقطات من الحياة أشبه بالتصوير الفوتوغرافي أو بالمشهد السينمائي ..  جنس …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.