سلام إبراهيم : في باطن الجحيم ؛ رواية تسجيلية وثائقية عن حملة الأنفال من 1987 إلى 1988 (القسم الأخير)

salam ibrahim 5القسم الثالث :

التشرد ـ ما لم يطلبه المحققون ـ

فتحتُ بريدي الألكتروني في صبيحة يوم ممطر عاصف من شتاء 2004، فوجدت رسالةً مقتضبة من زميلي وصديقي ورفيقي ـ يحيى غازي رمضان ـ  كان طالباً معي في المعهد الزراعي الفني ببغداد 1973ـ 1974 حيث نشطنا وقتها بتنظيمات ـ أتحاد الطلبة العام ـ السرية ( وهو واجهة من وجهات ـ الحزب الشيوعي العراقي ـ المتحالف وقتها مع البعث ) التي منعتها سلطة البعث بعد سنة 1975. الرسالة تتساءل عن شخصي وهل أكون أنا هو المقصود. فيحيى قرأ نصاً منشوراً أرثي فيه صديقي الشاعر الشعبي ـ عزيز سماوي ـ الذي مات بغتة في منفاه الأنكليزي 2002. النص ذكرتُ فيه حادثة قديمة جدا تعود إلى تلك الفترة؛ عن بكاء عزيز سماوي حينما أضطر النحات ـ منقذ شريدة إلى ضرب شابين كنت قد تعرفت عليهما في ليلة من ليالي تسكعي السابقة، وكنا لتونا قد خرجنا من بار ـ  سرجون ـ في شارع ـ أبو نؤاس ـ وسط ـ بغداد ـ، وذكرت بكاء ـ عزيز ـ الحار جراء فعل الضرب الذي يمقته. ذكر لي ـ يحيى غازي ـ أنه تأكد من شخصي رغم أرباك الاسم فهو يعرفني باسم ـ سلام عبد إبراهيم ـ بينما النص المنشور كان باسم ـ سلام إبراهيم. تأكد من هذه الحادثة من شخصي فقد كان معنا في تلك الجلسة لكن الاسم أربكه، وأنا لم أره منذ أواسط سبعينات القرن العشرين، أي منذ قرابة ثلاثين عاما.
قفزتُ من كرسيي، وصرخت من هول المفاجأة، حينما مرت عيني على السطور التي يخبرني فيها بأنه جواري في مدينة ـ مالمو ـ السويدية هو وعائلته. رددت عليه فوراً، فردَّ وكأنه كان ينتظر جوار الكمبيوتر. أتفقنا على اللقاء في محطة قطارات كوبنهاجن الرئيسية.
تحممتُ. حلقت ذقني. لبستُ أبهى ما لدي من قميص وكأنني ذاهبٌ للقاء حبيبة.. فهو زميل وصديق تآلفتُ معه في ماضٍ صار بعيداً، وضيعتنا السنون والأحداث في عراق لم يهدئ يوماً، وبعد ثلاثين عاماً ظهر بغتةً قريبا في المنفى. أخذت القطار المتجه نحو كوبنهاجن، خفيفا وكأنني موشك على الطيران. جلست جوار النافذة الزجاجية العريضة، وسرحتُ بعيداً إلى تلك السنين حينما كنا نعتقد بأننا سندير دفة العالم قريباً، وسنحول الكرة الأرضية إلى ـ جنة ـ يطبق فيها مبدأ الحلم الماركسي ـ كلٍ حسب قدرته.. وكلٍ حسب حاجته ـ. تذكرتُ كيف أخذني إلى مدينته ـ العزيزية ـ التابعة لمحافظة الكوت. واللحظة التي دخلت فيها بيتهم مساءً. كنا نجتاز المدخل، فلمحت من باب غرفة الأستقبال النصف مفتوح أباه بلحيته البيضاء الطويلة وثوبه الأبيض الطويل يمارس طقسا غريبا عليّ. عندها فقط عرفت أن يحيى من الطائفة الصابئية. وقتها كنا أقرب للإنسان كمفهوم ووجود من فكرة الطوائف والقوميات. كنا أجمل الناس. أخذته إلى مدينتي ـ الديوانية ـ فأصبح صديقاً لأخي الرسام ـ كفاح عبد إبراهيم ـ الذي قتلوه في أقبيتهم لاحقاً. هاأنذا في طريقي إلى قطعةٍ من ماضٍ يذكرني بأسطع أيام شبابي.
ترجلتُ من سلالم القطار الثلاثة القصيرة، ونهبت الرصيف واضعاً قدمي على السلم الألكتروني متخيلا شكله القديم قائلاً مع نفسي:
ـ سيطالعني حتما عند حافة السلم الصاعد!.
فقد كان دقيقاً في المواعيد مثل ساعة، عملي، مضوبط، متوقد، يأخذ الدنيا بما فيها، يستطيع التأقلم مع أي ظرفٍ، وهذا حسب تقديري ما أبقاه حياً، ومنحني فرصة رؤيته بعد غبار ثلاثين عاماً مرت مثل حلم. ما أن نقلتُ قدمي اليمنى من السلم المتحرك وصرت في باحة المحطة حتى أقبل نحوي صارخاً بنفس ملامحه القديمة، نفس الحيوية. فتح ذراعيه دامع العينين وأعتنقني صارخاً:
ـ سلام.. سلام.. سلام..
وأجهش!.
تصلب دمعي وأذهبتْ بهجة رؤيته حزني. هدأته قائلاً:
ـ اليوم سنضيع كما كنا شباباً، فلا تفكر في العائلة أو العقل حتى!.
كان يوماً فريداً ماتعاً ضعنا فيه، وكأننا لم نزل طلبة لتونا بلغنا حافة العشرين، متحررين من وطأة العائلة والمدينة وضائعين بدهشة العاصمة ـ بغداد ـ مثقلين بهاجس المساواة والحرية. وعن تفاصيل هذا اليوم قصة أخرى ليس مجالها في هذا الموضع. لكن المهم في ذلك اللقاء أكتشافي أن صديقي ـ يحيى غازي الأميري ـ ( هو الآن صحفي وكاتب مقال بارع ونشيط على صفحات الأنترنيت والصحف أتمنى أن  يكتب شهادته عن الأنفال ) كان شاهداً على نفس التفاصيل التي أرويها ورويتها عن ـ حملة الأنفال ـ من جانب الجيش العراقي وقتها.
أفضى كل منا للآخر قصته منذُ فراقنا عام 1975. لخصت سيرتي حتى الأنفال وتشردي مع زوجتي في معسكرات اللجوء التركية والإيرانية. بالمقابل سرد لي ما كانه؛ أستقال من وظيفته زمن الحصار، وفتح محلاً لبيع الذهب بالجملة قرب سوق السراي، وأنشغل بأمور الطائفة الصابئية، والوسط الثقافي العراقي، وفجأة سألني:
ـ سلام بيا منطقة كنتم بكردستان!.
ـ في وادي يسمى ـ زيوة ـ على مجرى الزاب الأعلى خلف العمادية!.
صرخ على الفور مدهوشاً:
ـ وحدتي بالأنفال كانت هناك!.
راح يروي لي تفاصيل قصته، فقد سِيقَ جندي أحتياط، فخدم في وحدة عسكرية كانت من مهامها الزحف على المناطق التي كنا فيها في ـ بهدينان ـ مع فرق الجيش عقب إيقاف الحرب العراقية الإيرانية في 8 ـ 8 ـ 1988 التي أجتاحت القرى المحررة وقواعد الثوار الذين أنسحبوا إلى الأراضي التركية والإيرانية.
قال:
ـ كنت في قلم الوحدة نتتبع خلف زحفها ونسجل الخسائر والأسرى ونؤمن وصول التموين.
وأفاض في وصف خطوط سيره ذاكرا أمكنة وأرياف كنا فيها أسياداً، طريق زاويته ـ سرسنك ـ، العمادية ـ ديره لوك، الطريق ما بين زاخو ودهوك، بامرني، ذات التضاريس التي كنت أجوب فيها حاملاً بندقيتي في مفارز متنوعة قتالية وأعلامية وتموينية. ذات الأماكن ورفيقي القديم في صفوف اليسار العراقي مع العدو يسجل غنائمهم، ماطورات ماء، مولدات كهرباء، بطانيات، مشاجب أسلحة لم يلحق الثوار في سحبها أو إخفائها.
كنت أنصت متأملا ـ عراقيَّ ـ العجيب الذي جعل رفيقين ليس  ذلك فحسب بل حبيبين يتقاتلان.
أنصت إلى صديقي وهو يقص عليّ ما كان يجري في الطرف الآخر. كنتُ تواقاً لمعرفة مصائر بشرٍ وحيوات ضاعت إلى الأبد في تلك المذبحة التي لم يحرك العالم وقتها ساكناً. لا أمريكا ولا الإتحاد السوفياتي ولا أوروبا، فالجميع كانت لديه مصالح مع ـ الدكتاتور صدام ـ وقتها.
الجيش العراقي بسيطرته المباغتة على سلسلتي جبال گارا ومتين، حاصر مواقع عديدة للثوار وسكان القرى المحيطة بتلك المواقع المنتشرة حتى أطراف دهوك والموصل.
فالفوج الأول التابع لبيشمركة الحزب الشيوعي العراقي حُصٍرَ بأكمله، ومعه عشرات القرى من سكانها الفلاحين الأكراد البسطاء، وسكان عوائل من إلتحق بالثوار والذين هجروا لهذا السبب.
تمكن المقاتلون من التسرب نحو دول الجوار، لكن عوائلهم وجّلهم من الأكراد اليزيدية لم يكن أمامهم خياراً سوى التسليم، فهم مثقلون بالأطفال والعجزة والنساء، وجميع من سلّم من تلك القرية التي قامت جوار الفوج القائم في وادٍ يدعى ـ مرّاني ـ ضاعوا إلى الأبد ولم يعثر عليهم حتى في المقابر الجماعية المكتشفة حتى الآن.
كان ـ  يحيى ـ يقص عليّ تفاصيل يومه، وهو يجوب في سيارة جيب عسكرية، ملاحقاً خط سير وحدته حتى دخولها مواقعنا على الزاب، فقد وصف جغرافية الوادي والمجرى بدقة وبعينين مدهوشتين من تلك الأمكنة الساحرة، وسماه بالأسم ـ موقع الفرع الأول للحزب الديمقراطي الكردستاني ـ عندما وصل إلى هذه النقطة قاطعته متسائلا:

عائلة النصير ـ صباح كنجي ـ التي حجزت في قلعة دهوك أختفى أثرهم إلى الآن
عائلة النصير ـ صباح كنجي ـ التي حجزت في قلعة دهوك أختفى أثرهم إلى الآن

ـ ماذا صار بالعوائل والبشر التي لم تتمكن من الوصول إلى الحدود التركية؟!.

كنا نسير في شارع مكتظ وسط كوبنهاجن في يوم شتوي بارد رطب، والمساء هبط منذ حين معّتماً الوجوه والجدران التي تظللت بمصابيح الطرق والتقاطعات. توقف عن السير وأغتمت قسماته قبل أن يبدأ بسرد ما جرى لأولئك الذين شغلوا بالنا طويلاً، ونحن نتشرد عبر الحدود في معسكرات لجوء سنرى فيها الذل والويل، فرغم عناء التشرد في طريق هروبنا الطويل نحو الحدود كنا نفكر بمصائر كل من قطع الجيش عليه سبيل الحدود. كنتُ أتخيل عنف ما سيواجوهونه وهم يقعون في أسر تلك المؤسسات التي تحولت لفرط عنفها إلى مسالخ بشرية. أتخيل ذلك وفي نفسي يقوم رعب تجارب الأعتقال التي تعرضت لها في حياتي، والتي لم أكن وقتها ناشط سياسياً، بل كنت أرفض الإنتماء إلى حزب السلطة ولدي علاقة بمثقفي اليسار ومثقفين أكراد ناشطين سياسياً. أحرز في نفسي عارفاً مدى قسوة تلك السلطات، فيقشعر جسدي متخيلاً ما سوف يلاقونه على أيدي الأجهزة الأمنية ومنتسيبها الفارغين من الضمير والعاطفة.
لم أخبر ـ يحيى ـ بهذه الأحاسيس الدفينة، لكنني تقت، بعد قرابة أكثر من خمسة عشر عاما على تلك التجربة، إلى معرفة ما صار بتلك الذوات التي أختفت إلى الأبد.
عاود المسير قائلا:
ـ جمّعوهم في قلعة رهيبة ، قلعة قديمة لها بوابات هائلة تستوعب دخول دبابة. القلعة تقع في أطراف دهوك قرب المنطقة الصناعية. كانت العديد من وحدات الفرقة 11 تشغل المكان ومن ضمنها وحدتنا ـ كتيبة مدرعات حطين ـ. كانت الوحدات تشغل الطابق الثاني، أما الطابق الأرضي فقد جمعوا في باحة القلعة الشاسعة، الآلاف العوائل المتلاصقة إذ حددوا لها مكاناً مسورا بأسلاك شائكة، تركوهم أياماً دون أغطية ولا طعام. كنا نتمزق ونحن نطل من الطابق الثاني على تفاصيل معاناة النساء والأطفال والعجائز وبعض الشباب حيث لا يسمح الذهاب إلى التواليت فيتغوطون أمام أنظار بعض في وضع مزري. كنا نتمزق كجنود على ما يجري تحتنا في باحة القلعة الشاسعة.
توقف موتراُ قامته القصيرة، ورمقني بنظرة عميقة وقال:
ـ هل تعتقد يا سلام أن الجندي العراقي المساق قسراً لإداء الخدمة العسكرية يقبل مع روحه بما يجري في باحة القلعة؟!.
ـ …!.
لزمت الصمت:
ـ لا.. لا.. سوف لا أنسى ما حييت ذلك المشهد الذي جعلني أنحب بكتمان، وينتحب من حولي الجنود لائذين خلف أعمدة طارمة الطابق الثاني. كنتُ في غرفة القلم أرتب البريد وأرد على الرسائل حينما سمعتُ ضجة وصراخ وشتائم وبكاء أطفال ونساء يأتي من باحة القلعة، فتركت ما بيدي وأسرعت بالخروج من الغرفة. ومن حافة سياج الشرفة الطويلة رأيت رجالً أمنٍ بملابس مدنية يصرخون مطالبين بخروج جماعة ـ خالد ـ لا أعرف ماذا تعني جماعة ـ خالد ـ حتى الآن، كانت الكتلة المحجوزة تتكتل ملتمة فتحولت إلى كتلة واحدة، محاولة حماية المطلوبين. عندها تجنن رجال الأمن، وأنهالوا على الكتلة ضرباً بالكبيلات المحشوة بالحصو، فتفتت الكتلة، وسط صراخ الألم، وسحبوا المطلوبين سحباُ خارج الدائرة. طروحوهم أرضا، ووضعوا على أجسادهم الناحلة إطارات قديمة لمدرعات وجلسوا عليها لدقائق. بعدها راحوا يقفزون ضاغطين على الأجساد المختنقة وسط عويل امهات وزوجات وأطفال من يُعصر ويُخنق تحت الإطارات.
توقف ولزم الصمت لدقيقة. تفحصته خلالها بعمق، كان يرتجف وكأنه يرى المشهد الذي يرويه الآن لا قبل قرابة عشرين عام.
ـ يا صديقي قتلوهم خنقاً تحت ضغط الإطارات أمام أعيننا. ولحظة لفظ أنفاسهم الأخيرة ضجت الزوجات والأمهات بالعويل والنحيب، والندب

أطفال الأكراد اليزيديين الذين حجزوا في قلعة دهوك وضاع أثرهم حتى الأن وهم يغنون في موقع  كلي ـ مراني ـ بسلسلة جبال گارا
أطفال الأكراد اليزيديين الذين حجزوا في قلعة دهوك وضاع أثرهم حتى الأن
وهم يغنون في موقع كلي ـ مراني ـ بسلسلة جبال گارا

بترديد ما يشبه أشعار الرثاء باللغة الكردية.
كنت أستمع لرواية صديقي القديم ـ يحيى غازي الأميري ـ مستعيداً وجوه وقامات العديد من المقاتلين الذين حينما خيروا بين ترك الأهل والأختفاء بأمل التسلل إلى دول الجوار أختاروا البقاء مع زوجاتهم وأطفالهم وهم من واجه عناء القتل والذل المضاعف. أشطح بذاكرتي إلى تلك الوجوه الكردية التي أحببتها والتي ضاع ذكرها إلى الأبد، كما هو الحال مع عوائل اليزيديين الأكراد ممن أسر في حملة الأنفال وأندمل أثره.
طوبى لكل من أختار البقاء والموت بين عائلته دون مرارة المنفى.
طوبى لأخي الشهيد ـ كفاح إبراهيم ـ الذي أدرك باكراً كذبة الدنيا وفنى ذاته لشرف الموقف وصار رمزاً.
طوبى لإلتباس الحال وأنا أنصت لصديق قديم يحدثني عن محنة الدنيا حيث يجد الإنسان نفسه في موقف يرثى له كحاله وهو يطل من حافة سياج طارمة طابق ثاني في قلعة دهوك، على مذبحة لم يدرك أحدٌ وقتها مقدار فداحتها.
بغتة سألني عن مجموعة عُثِرَ عليها مرميةً بالرصاص:
ـ لم قتلتوهم؟
لم أكن أعرف عمن كان يتحدث، يبدو أنهم لم يكونوا من طرف الثوار. أجبت:
ـ لا أعرف عمن تتحدث؟!. وكنت أعرف لكنني لم أشأ أخباره.
بقيتُ أنصت وأتخيل خطاه وهو يمرُّ على نفس الأمكنة التي جبت بنواحيها طوال سنوات، عن سفح سلسلة ـ متين ـ وعن الشارع الرابط بين الفوج الثالث ومقر قاطع بهدينان في وادي ـ زيوه ـ. فعاد بيّ إلى ذلك الغروب الشاحب يوم دفّننا رفاقنا الثلاثة الذين قضوا في قصف زيوة، أبو الوسن ـ أبو سعد ـ أبو جواد.
عدنا متعبين من تلك الظهيرة المهلكة وبصحبتنا كل من ـ عمودي ـ و ـ  منذر ـ وكان الأخير يهذي شاتما كل شيء ويتحدث بكلام غير مترابط، بينما الأول يعيد سرد أحداث تلك الليلة المروعة التي قضوها تحت القصف. في المساء قرر الرفاق الإنسحاب بإتجاه الشريط الحدودي العراقي ـ التركي والتوجه صوب المثلث التركي ـ العراقي ـ الإيراني حيث المقرات الرئيسية. حملنا ما هو مهم من وثائق وحاجيات، سرجنا البغال الثلاثة، وتجمعنا على فسحة ضيقة في السفح. كنت مع رفاق أربعة نرش النفط على الغرف والقاعة الكبيرة والمطبخ. كانت تنتابني مشاعر مختلطة عميقة لا تنسى؛ أسف على أمكنة وجدت فيها حريتي رغم مخاطر الموت وقسوة حياة الجبل البدائية يختلط بمشاعر رسخت في ذاكرتي من رواية ـ الحرب والسلام  لـ ـ تولستوي ـ والروس يحرقون المدن وينسحبون أمام زحف ـ نابليون ـ، يضاف إلى المجهول الذي ينتظرنا خلف القمة التي نقف على سفحها. شعرت بمتعة خفية لما حككتُ عود الثقاب بالكبريت فتوهج. رميت به على القاعة المشبعة بالنفط فشّبت النيران. كنا ثلاثة كلفنا بحرق المقر. صعدنا بعدها خلف الرفاق الذين توقفوا عند منتصف السفح يرمقون النيران تتصاعد من أرجاء مقر ـ فصيل المكتب السياسي ـ للحزب الشيوعي العراقي ـ. كتلة نار هائلة تصاعدت في دقائق متوهجةً أضاءت وجوهنا في ذلك الغروب الحزين المضطرب بأصوات قذائف وانفجارات بعيدة. كان الجميع يحملق مذهولاً غير مصدق ما فعلناه، فقد أحرقنا كل ماكنا نحرص عليه من مستلزمات الحياة. بدأنا بتسلق السفح الحاد والوعر. وقتها كنت نشيطاً قوياً رغم أصابتي السابقة. كنتُ في المقدمة. كلما أرتفعنا يبدو المشهد تحتنا ساحراُ كما في الأفلام والروايات. قافلة غالبيتها رجال كبار السن وشباب مصابين في معارك سابقة؛ أبو نصار ـ جابر هجيل ـ مقطوع الساق يركب بغلاً تقوده زوجته ـ أم نصار ـ. وزوجتي ـ ناهدة ـ (بهار ) تحمل طفلتهما ـ لهيب ـ بنت الشهرين وبندقيتها والحقيبة القماشة التي فيها وثائقنا الحقيقية. نصعد بعناء لاهثين وتحتنا في عمق الأودية أنتشر الظلام على إيقاع قصف يتخافت قليلاً.. قليلا.. بينما تتضائل كتلة النار التي كانت مسكننا الليلة الفائتة. ظللنا نمشى طوال الليل في شعاب معتمة وطرقٍ وعره، إلى أن بلغنا سكان القرى الأكراد المتوجهين نحو نقاط معينة من الحدود التركية، تبين لاحقاً أنها نقاط عبور بين البلدين. نضطر للتوقف وقتاً قصيراً لتناول الطعام الذي كان عبارة عن لحوم معلبة وخبز حملناه معنا من المقر، فيفضي لنا سكان القرى الأهوال التي رؤوها. قتلى بالقصف. أعتقالات بالجملة لمن لم يتمكن من الهروب.  شابة كردية جميلة الملامح من القرى المحيطة بالعمادية، لا أنساها ما حييت، تندب مولولة بغناء كردي حزين وتتمايل مثل سكرانة يمينا شمالاً رافضةًً توسلات النسوة المحيطات بها اللواتي يحاولن جعلها تأكل قطعة خبز أو تشرب جرعة ماء. سألت رجلاً من تلك القافلة عنها. فأجابني:
ـ مسكينة.. ضاعت ابنتها أثناء عبورنا نهر ـ الشين ـ!.
ـ كم عمرها؟
ـ خمس سنوات!.
كنا أخف وأسرع من قوافل الفلاحين الأكراد المثقلين بالأطفال والزوجات ربات البيوت المسكينات، وما يتطلب وضعهم من مستلزمات. فهم خبروا مثل هذه المحن، ويعرفون ما ينتظرهم من ظروف فقر مدقع وعناء في معسكرات اللجوء في دول الجوار. عبرنا عشرات القوافل الصاخبة بصراخ الأطفال وقرقعة أواني الطبخ المحملة على ظهور البغال. كانت الرحلة أشبه بحلم وكنت سعيداُ رغم المحنة، فحبيبتي ـ بهار ـ جواري تسير نحو مجهول غامض في عتمة الجبل حاملةً بنت رفيق معوق، متماسكةً، شامخةً تزيدني قوةً وعزماً، وأنا أصلاً أتوق إلى المغامرة منذ صباي وهاهي التجربة تلقي بيّ صوب نهرها الصاخب الذي لا أدري أين سيصبُ؟!.
اللقطة التي حدثت في الظلام في ذلك المسير الوعر والتي لم أنسَها أبداً هي تلك الصرخة المباغتة التي أعقبها صمتٌ. كنا ننحدرُ على سفح في ظلمة تشبه الفراغ حيث لا ترى حتى أصبعك. كنت أتلمس ما حولي باللمس وكان عليّ وقتها حمل ـ لهيب ـ أبنة (جابر) مقطوع الساق الراكب على بغلٍ والمنحدر أمامي مباشرةً. في ذلك الصمت والظلمة ووقع أقدامنا الخافت سمعت صرخة مباغتة مكتومة تصدر من ـ أبو نصار ـ أعقبها ضجة أقدام البغل الذي تعثر في الظلام بصخرة المنحدر. صرخة مكتومة وحيدة وساد صمتٌ، فتوقفت القافلة. جمدتُ مشلولاً والطفلة بين يدي هاتفاً مع نفسي:
ـ راح أبو نصار!.
تخيلته يسقط وهو مقطوع الساق فيرتطم رأسه في صخرة. تخيلته نازفاً، فشددت طفلته ـ لهيب ـ إلى صدري بقوة وكأنني بهذا الشد أحميه. بعد لحظات بدت كدهرٍ سمعت صوته الموجوع ينادي الرفاق كي يساعدوه، فتنفست بعمق.
مع إنبلاج الفجر أصبحنا في جوار معبر حدودي. تجمع على بابه سكان القرى الأكراد. عقدت المفرزة  اجتماعاً تقرر فيه أن تنسلخ عوائل الأنصار عن القافلة  لتدخل الأراضي التركية حال السماح لها بذلك مع جموع سكان القرى الأكراد. كنت وقتها مستعداً لكل الأحتمالات، لكن زوجتي ـ بهار ـ رفضت ذلك القرار هي والرفيقة ـ أم نصار ـ وهي غير ـ أم نصار ـ زوجة ـ جابر ـ التي معنا في نفس القافلة،  فهي ـ إبتسام زغير ـ تعيش الآن في كندا. رفضنَّ بدوافع لم يدرك سرّها أحد، لكن دافع ـ ناهدة ـ أدرك سره كان أيديولوجياً يتعلق وقتها بالنضال وطهر المثل التي تحتقر من يترك ساحة النضال. ودّعنا رفاقنا من كبار السن،والعوائل الأنصارية التي قبلت مصيرها في البقاء مع جموع الأكراد على أمل العبور إلى الأراضي التركية.
واصلنا المسير في بقاع خاوية تشبه الأرض قبل خلق الإنسان. بقاع يصفر فيها الصمت والفراغ، شعاب ودروب وطرق جبلية موحشة. مررننا بقرى هرب سكانها. دخلنا بيوت مهجورة غادرها أصحابها على عجل تاركين أشيائهم بمكانها؛ قدرٌ على نار مطفأة، صحون طعام مملوءة بالرز والمرق، ثياب مبعثرة. يبدو أن القصف داهمهم فجأة مضاف إلى الهلع الذي تنشره الأخبار التي ينقلها القادمون من العمق حيث خلفوا قتلاهم في أمكنتها. كنا نبحث عن خبزٍ وكساء. وتحسباً للقادم حملت إبتسام ـ أم نصار ـ  و ـ بهار ـ  أردية  كردية قديمة تركتها العوائل الفارة، قد يحتجن إليها في حالة عبور الحدود. أردية قرويات هربنَ بأرواحهن على إيقاع ذاك الرعب الذي عمّ وقت زحف الجيش العراقي العائد من حربه مع إيران. مشينا يومين وليلة. ومررنا بعشرات الحقول المحروقة، والبغال القتيلة، وجثث الفلاحين التي قضت بالقصف، والمرمية على جانبي المسالك الجبلية وفي فسحات السفوح. لم يكن لدينا وقت للتوقف ودفنها، إذ كنا نسابق الزمن كي لا نحاصر في حالة سيطرة الجيش على القمم الحدودية التي فيها مواقع لربايا قديمة أضطر إلى تركها بسبب الحرب مع إيران. في صبيحةٍ توقفنا للراحة وتناول وجبة الغداء جوار عين ماء دافقة. شوينا ما نحمل من لحم معلب. وبعد مداولات قررت قيادة المفرزة ترك العوائل والرفاق المتعبين مع جموع الأكراد المنتظرين على نقط حدودية قريبة، يعني  أنا و بهار، أم نصار و زوجها، وبصحبتنا ـ أبو حاتم ـ (مناف الأعسم) الذي كان وقتها يعاني من مشكلة بفقرات ظهره. بررت قيادة المفرزة قرارها؛ لصعوبة وخطورة المرحلة الأخرى من الطريق الموصل حتى المثلث الحدودي، فسوف تضطر إلى الدخول مرات عدة عبر الجبال التركية وسط ربايا وقرى كردستان تركيا.  أتذكر مدى حرقة ـ أم نصار ـ أقدم نصيرة في كردستان، إذ ظلت تبكي مفجوعةً وكأن عزيزاً لها مات للتو. بقينا مع شخصين من أكراد تركيا يمتون بصلة قربى لرفاق لنا. سرنا من الساعة الثانية عشر ظهرا وحتى هبوط المساء. عند حافة سفح في الظلام طلبا منا تسليم بنادقنا قائلين:
ـ سنخبأها لحين عودتكم!.
كان قولهم كذبا بيناً!. نزعنا بنادقنا وسلمناها لأحدهم فأختفى بها على الفور، بينما الثاني  أكمل المشوار معنا. في اللحظة التي سلمت فيها بندقيتي والليل يساقط رذاذ عتمته أحسست بعجزي ووحدتي واستسلامي التام لمصيرٍ مجهول. قادانا عبر ممر ضيق على السفح عبر قمة الجبل فأطللننا على مشهدٍ جديرٍ بكاميرا من كاميرات الأفلام الكلاسيكية التي تحكي مأساة جماعية زمن الحروب والتشرد. مشهد جعلنا نتوقف لا شعورياً مبهورين. تحتنا ترامى وادٍ ضيق يعجُ بنيران وضجيج جموع الأكراد النازحة المنتظرة عند بوابة الحدود على امل السماح لها بالدخول.
قال لنا:
ـ تنزلون مع هذه الجموع ومصيركم مصيرهم!.
وغاب هو الآخر في الظلام.
بقينا لحظات مشدوهين قبل أن أتحرك وأقول:
ـ هيا بنا!.
أنحدرنا نتعثر بخطانا المخذولة، فضوء النيران المشتعلة في عمق الوادي تعتم المسلك الضيق النازل. كان ضجيج الحياة يتصاعد صاخباً من الحشود الملتمة حول النيران، قرقعة أواني طبخ، صياح، تنادي، ضجة، دخان يتصاعد. أحسسنا بصخب الحياة الصاعدة من الوادي  يطرد شعور الوحشة لتركنا من قبل الرفاق ونزع سلاحنا، فالمرء دون بندقية يشعر زمن الحرب أنه عارٍ فعلاً. قبل أن نصل عمق الوادي ونخلتط بالحشد، قامت الرفيقتان بتبديل ملابسهما خلف أكمة فألقين عنهن رداء البيشمرگه المكون من شروال وقميص،  ولبسن ثياب القرويات الكرديات الطويلة الفضفاضة الصارخة الألوان. أختلطنا بالحشد، والعوائل تتجمع حول نيران متقدة. تطبخ. تغلى الماء لتخدير الشاي. كان كل شيء مفتوحاً، فالمحنة وحدت الناس وجعلتهم عائلة واحدة تواجه الليل والغد المجهول، وهي محاصرة بين حرس الحدود التركي الذي لم يسمح لهم بالدخول منذ عدة أيام وبين الجيش العراقي المتقدم سريعاً من الشريط الحدودي. جلسنا مع عائلة، فقدمت لنا الطعام والماي والشاي، ووزعت علينا بطانيات خفيفة، فالوقت أواخر الثامن والليل بارد في الجبل.
لا أدري كيف مرت تلك الليلة المضاءة بنيران المواقد حيث يحشر الحطب المجلوب من السفوح القريبة بين حواجز صخرية!.
كنت أعيش جواً أحس أنني عشته سابقاً لكن في باطن روايات تحكي عن حروب أهلية وجوع وتشرد ورعب وحياة فاقه وتضامن ونيران في ليالي مظلمة مثل هذه تضيؤها نيران مثل هذه النيران. أجواء ذكرتني برواية ـ عناقيد الغضب ـ لجون شتينباك، وأجواء ـ مائة عام من العزلة ـ لماركيز.
هاأنذا في خضم رواية حقيقية شخوصها من لحم ودم، زوجتي رفيقتي وزوجها، الرفاق الذين تركونا وضاعوا في الشعاب و لاندري هل يصلون أم لا؟!. وجموع العوائل بأطفالها وأحمالها ورجالها ونسائها الطاعنين في السن الذين يروون لبعضهم على ضوء النيران المتأججة أهوال ما جرى لهم في طريق إنسحابهم الطويل، والحاجز الحدودي التركي القريب حيث يقف الحرس متأهبين شاهرين أسلحتهم على أهبة الأستعداد لأي طارئ قرب بنايات واطئة السقوف مضاءة بمصابيح خافتة الضوء تشرف على طريق عريض يسع لمرور مركبة. سمعتُ قصصاً تبدو مثل خيال، عن أمهات فقدن أطفالهن في القصف، أو أثناء عبور نهر ـ الشين ـ و ـ الزاب ـ أو عن أم كانت تبكي طوال الوقت فزوجها أصابته شظية وأبنها الرضيع أرتطم رأسه بصخور مسلك فمات على الفور عندما تعثر البغل وسقط على ركبتيه، وأبنتها بنت العشر سنوات كانت في زيارة لأختها الساكنة في قرية على السفح المقابل للجبل حُصِرًتْ ولا تعرف مصيرها. قصص تروى وراويها يحكيها أما باكياً أو مذهولاً على إيقاع الوادي الضيق الضاج بأصوات تنادي، وصراخ أطفال، وأقدام بغال تراوح في مكانها. قمت من مكاني فسألتني زوجتي:
ـ إلى أين؟!.
ـ سأقوم بجولة وأعود!.
ـ خاف أتضيع!
علقت ضاحكاً:
ـ كلنا ضايعين!.
وأردفت:
ـ لا تخافين.. سأرجع!.
خطوت بين أكداس البشر المتناثرة كأشلاء على فسحة الوادي الضيق، وعلى ضوء نيران تلقم بالحطب الجاف كلما خفتت رأيت ما لا يحصى من الوجوه والأجساد المنهكة، تروى قصصاً. تعري أجسادها المحروقة، المبقعة بالفقاعات، المسلوخة  بغازات الكيمياء. تسعل سعالاً مخنوقاً. تصرخ بألم. تغفو مجهدة. صخب وصراخ وقصص، وسؤال حاسم يتردد كل لحظة يقول:
ـ هل سيسمح حرس الحدود التركي بدخولنا؟!.
سؤال مؤرق، فإذا كان الجواب بلا معنى ذلك سيمسكنا الجيش العراقي مثل دجاج، ويقودنا إلى جهنم خبّرها الأكراد في أعقاب حرب 1975 حينما خسر ـ ملا مصطفى البرزاني ـ الجولة بسبب ـ كركوك ـ وأتفافية الجزائر بين العراق ونظام الشاه، لا زالوا يتذكرون ظروف تهجريهم إلى مدن صحراوية في قضاء عفك التابع لمدينتي ـ الديوانية ـ التي لا تزال مقابر الأكراد شاخصة فيها، وإلى نواحي الرمادي البعيدة، ونقرة السلمان التابعة لمدينة السماوة في عمق الصحراء الممتدة حتى الحدود السعودية. أذاقوهم الويل في تلك التجربة. وهذا الهلع الباين على الوجوه قادماً من قصص ورعب تلك السنين، لذا كان أمل فتح الحدود حلماً وباب خلاص.. لا عذاباً جديداً حيث معسكرات اللجوء والتشرد والضياع.
جبتُ الوادي من الطرف إلى الطرف متأملاً الوجوه والأجساد والنيران. أستوقفتني وجوه صبايا كرديات القرى البعيدة بجمالها الفتّان النقي. وجوه وذوات برية، شديدة البراءة لم تر شارعاً مبلطاً، جمالها خالص، هاهي تحت ناظري مشردة لكنها مبتسمة وكأن ما يجري هو شيء من اللهو واللعب سرعان ما سينتهى ويعدنَ إلى قراهنّ البعيدة. عكس ما كان يرتسم بوجوه الأمهات والأباء والشيوخ من هَمٍ وتأملٍ وخشيةٍ.
كنت مستسلماً لقدري مثل أستسلام الصبايا الكرديات لمجرى الأمور. اكتشفت ذلك الشعور في جولتي بين مجاميع الأكراد المتحلقين حول دوائر النار .. وبغتة هبَّ الجمع فزعاً صارخاً بصوت تردد صداه بأرجاء الوادي على دربكة أنهيار صخري هبط من أعلى السفح الحاد بأتجاه الفسحة المكتظة. صرخ الحشد بدويٍ لا ينسى مصحوبا بهدير تدحرج صخور عملاقة يتردد صداه في عمق الوادي، ويصم أذان الجموع. أقول عملاقة هكذا أحسسناها في الظلام، وتعجبت وقتها متسائلاً عن تضامن الطبيعة بسفحها الحاد مع الجيش العراقي الزاحف، إذ أفزعت الجمع المرعوب أصلا. لكن الصخور لم تصل الفسحة بل راحت في مسارب أخرى في الوادي.
عدتُ إلى حلقة نيران زوجتي، فوجدتها تدّور عينيها القلقتين باحثةً عني عقب صراخ الحشد، وما أن رأتني حتى هبت نحو وعانقتني بشدة هامسةً:
ـ وين صرت موتت حيلي!.
وبقينا ساهرين حتى إنبلاج الفجر.
دبت الحركة، وبانت الوجوه وتضاريس المكان. كان الإنهيار الصخرى بعيداً عنا لكنه في الظلام والصمت وصدى الوادي جعلنا نشعر أن الحجر سيسقط فوق رؤوسنا. تناولنا الفطور المعتاد في القرى الكردية البعيدة. شاي، وماستاو ( لبن ) وبقينا ننتظر الحوارات بين ممثل المحاصرين وحرس الحدود الذين أصروا على أن لا أوامر لديهم بالسماح لهذه الجموع عبور الحدود. بقينا هكذا حتى الظهيرة. كانت مشمسة، حارة أعطت للوجوه شكلها الحقيقي، فرأيت قساوة وجوه الرجال وبؤس وجوه الأمهات الممتحنات بكل الواجبات كزوجات فلاحين ووجوه الصبايا المتألقة، الباسمة التي لم تدرك بعد هول المصيبة.
عند منتصف الظهيرة، والشمس وقفت فوق رؤوسنا رغم ضيق الوادي سمعنا صوت قصف يقتربُ سريعا.. سريعاً. وكأن ثمة معركة في وادٍ قريب. مما جعل الجمع المحتشد أمام بوابة الحدود يصاب بالهلع.. هلع غير عقلي.. هلع غريزي ابتدأ لغطاً لكنه سرعان ما تحول إلى صراخ ينبعث من تزاحم كتلة بشرية هائلة تجاوزت العشرين ألف، متلاصقةٌ، مرصوصةٌ، ككتلة من الأسمنت الصلب الجاف، متاهبةٌ لإقتحام لا خط الحدود الوهمي بل حتى خط السماء. كتلةٌ كقلبٍ صلبٍ زلقٍ ذكي يقف حد باب الحدود المسدودة بحاجز خشبي ورجال مدججين بسلاحٍ مشهرٍ صوبها. كنتُ أمسكُ كف زوجتي، مرصوفين ضمن الكتلة الملتحمة الصلبة، المذعورة. ننتظر فرجاً يتيح لنا عبور خط الخلاص من جهنم ـ البعث ـ المشهودة الشبيهة بدرب الصد ما رد في حكايات ألف ليلة وليلة.
كانت الكتلة متراصةً كصخرةً من لحمٍ، حائرة بروحها، تنتظر خلاصاً من هولٍ عظيم شبيه بالقيامة حيث دفنت الناس أحياءً وضُيعَتْ في مقابرٍ ستكتشف بعضها بعد أكثر من خمسة عشر عاماً.
بدات الكتلة بالحراك والتموج، فأحتضنتُ حبيبة عمري ـ ناهدة ـ ملتصقا بجسدها من الخلف كي لا تضيع مني في موج الكتلة الصاخبة. طال الإنتظار وعصفَ بالكتلة غضبٌ جعلها تحتدم، وتندفع نحو الحاجزالخشبي التركي الواهن على وقع قصفٍ بدا قريباً من الوادي. شعر الكل المتراص المذعور أن الجيش العراقي يكاد يطبق علينا، فهبت الكتلة صارخة، وأندفعت مثل إعصار مجنون نحو حرس الحدود التركي. كنا نصرخ معها ونركض، بقيت ممسكاً بكف ـ بهار ـ وعيناي لاتفارقان صف حرس الحدود الأتراك الشاهر سلاحه. كان إندفاع الكتلة الألفية المتراصة خاطفاً. أبهت الأتراك وصارت عملية أطلاق النار بمثابة إنتحار، فخفضوا سلاحهم، وصعدوا على دكك غرفهم الجانبية مبتعدين عن الدرب العريض المبلط. عبرنا مخلفين نقطة الحدود، لم نتوقف عن الركضِ، فكلما أبتعدنا عن نقطة الحدود شعرنا بمزيدٍ من الأمان. كنتُ أركض ورفيقة عمري ـ بهار تركض جواري في الزحمة، وبغتةً حررت كفها من كفي، وخرجت من مسار الكتلة المندفعة لتحمل طفلاً إبن السادسة. خرجت من الحشد إلى جانب الطريق، وصلت جواري قائلة:
ـ أبو الطيب، هذا طفل ضايع!.
كنت أعرف سرّ محنتها، ومحنتي، حيث أضعنا طفلنا ـ كفاح ـ أبن الثلاث سنوات إذ تركناه في الديوانية جنوب العراق وقت إلتحاقنا بالثوار في شباط 1982. وأنا من قررت تركه بعد تجربة إلتحاقي لمدة ستة أشهر بصفوف الثوار قضيتها في أرياف ـ السليمانية ـ شارباجير وشهرزور وقرة داغ، ومعرفتي بالظروف القاسية. كان مصاباً بربو الأطفال الحاد، صار ذكره ينكئ حواسنا المجروحة التي أضناها فراق ضناها.
كانت ـ بهار ـ متألقةً وهي تحمل طفلاً كردياً لقطته في السيل البشري المذعور الجارف. ظلتْ ترعاه حتى الغروب إلى أن هجمت عليها امرأة كردية عشرينية، ونهبت الطفل من حضنها مطلقةً آهة ومرددة بصوت مذبوح:
ـ أوي دايكه (أخ يمة)
كانت شبه مجنونة. راحت تشمه وتتلمس كل قطعة من جسده حتى أنها لم تشكرنا، ولم تسأل كيف عثرنا عليه؟!. أبتعدت وهي تحملق في وجهه بصمت تاره وتضمه إلى صدرها وتشمه في أخرى. إلتفتُ نحو ـ بهار ـ فوجدتها تمسّح دموعها متصنعةً التماسك، قلت مع نفسي:
ـ الله يساعدك!.
من المؤكد أنها كانت ترى أبننا ـ كفاح ـ فيه.
لم أنس أبداً مشهد البيشمرگة الأكراد الذي أضطروا للدخول مع أسلحتهم إلى حيث كنا على مبعدة مئات الأمتار من نقطة الحدود جوار قرية تدعى ـ أتروش ـ. كان بعضهم ممن أكله اليأس يلقى سلاحه فوق كدس الكلاشنكوفات المرتفع على جانب الطريق الحصوي الممهد، لكن الغالبية كانت تضرب سلاحها في صخور جانب الطريق تكسّرها قبيل أن تلقي بها على تل البنادق. كنت أتأمل المشهد أنا الحالم أصلاً. أتأمل عزائم البشر ومدى قواهم. أتأمل، شارداً في وقفتي جوار حبيبة عمري تحت ظلال شجرة على جانب الطريق، أتأمل الثوار المنكسرين بحالاتهم المختلفة، الغاضب، المستسلم، الحزين، اليأس، المتوازن السائر نحو مجهول لحظة قادمة.
كنت أعيش مثل ممثل في فلمٍ يُصورُ مأساة بشرية. أقول أعيش كممثل لأن هذا الإحساس هو فقط من ساعدني على إحتمال ثقل التجربة وعنفها ومراقبتها أيضاً. بقينا مشردين نتوسد الأرض ليلاً منتشرين حول قرية كردية تركية حديثة فيها بناء وماء وكهرباء. بقينا عدة أيام لا أتذكر عددها الآن بالضبط. كانت العوائل المشردة والتي حملت معها مستلزمات الحياة البدائية توزع علينا الخبر وقت الوجبات. أتذكر أن زوجتي ـ بهار ـ وخوفاً من الأتراك أقترحت عليها العيش مع عائلة أحد رفاقنا من مدينة العمادية والتي تعّرفنا عليها في أجازتنا الوحيدة طوال وجودنا في كردستان، ففعلت. كنت أتفقدها بين ساعة وأخرى فأراها منشغلة بجلب الماء والخبز وتنظيف المكان الذي جعلته العائلة مأوىً. لم أرها مرة واحدة جالسةً. كانت تدورُ حتى وقت النوم. بعد يومين تركتهم عائدةً إلى الرقاد جواري على التراب بين دغلٍ من الشجيرات في عمق وادٍ قائلة:
ـ لا أحتمل حياة القروية الكردية، أنها تفعل كل شيء والرجل لا يفعل أي شيء!.
كنت أضحك، أردفت:
ـ حالي حالكم أنا بيشمرگة مثلكم.
أسعدتني عودتها. فالليلتان اللتان قضتهما بعيداً عني كانتا أكثر عناءً ووحشةً.
في صبيحة مشمسة جلبت السلطات التركية لوريات نقل الحصى والتراب، فتكدسنا في أحواضها العميقة وسط زعيق الأطفال والتدافع. كنا نعتقد أنها ستوصلنا إلى مكان آمن نجد فيه شيئاً أخف مما نحن فيه.
مضت بنا العربات نحو المجهول سالكة طرقاً جبلية مبلطة، مارةً بقرى كردية تركية. كان سكانها  يلوحون لنا بأيديهم وينادون بأصوات تضيع بضجيج ماكنة اللوريات الضخمة. كنا نرى في الوجوه الراكضة مشاعر حبٍ وألم لمأساة محنتنا. حللنا بعد مسير ساعات في سهلٍ أجردَ واسعٍ ينبسط بين جبال وقمم بعيدة. أنزلونا داخل منبسطٍ مسيجٍ بأسلاك شائكة. أدركنا أن هذا المكان المعزول أعدته السلطات التركية لتجميع الفارين من أكراد العراق نتيجةً لحملة الأنفال. كان المكان يدعى ـ گفرى ـ.
وجدنا جموع أخرى جُمِعَتْ من أمكنة شريط الحدود التركية العراقية القريبة.
كان الليل باردا في ذلك المنبسط الفسيح، وكنا بلا أفرشة وبدون أردية ثقيلة، فعصف بنا البرد وخصوصا على زوجتي ـ بهار ـ إذ كانت تعاني من أمراض عدة. كانت لتوها عائدةً من فترة علاج قضتها بين ـ لولان ـ و ـ إيران ـ حيث تسللت سراً بمساعدة تنظيمات الأحزاب الكردية كي يعاين وضعها طبيبٌ مختص. في مسير قافلة انسحابنا الطويل ولإنشغالنا برفيقنا ـ أبو نصار ـ المقطوع الساق وطفلته أودعنا قمصلتنا الثقلية لدى رفيق حميم من مدينتنا لصعوبة حملها. ولما جنَّ الليل وأشتدَّ البرد ورأيت زوجتي ترتجف وتصطك أسنانها، ولم يسعفها إلتصاقي بها وفرك يديها. هرعت راكضاً على الفور نحو ذاك الرفيق الحميم الذي حكى لي حينما إلتحقت بالثوار في كردستان عن كيفية إلتحاقه بالثوار. أخبرني بأنه هرب من ـ الديوانية ـ متخفياً في غرفٍ بالحيدر خانة في وسط بغداد شتاء 1979 بمساعدة أخي الذي يصغرني بثلاثة أعوام الشهيد ـ كفاح عبد إبراهيم ـ الذي رتب له كل شيء كي يصل إلى ثوار الجبل في ذلك الوقت الصعب. حكى ليّ كيف أختفى في غرفٍ وفرها له ـ كفاح ـ وكيف رّتَبَ له قضية إلتحاقه بالثوار حيث سلمه لرفيقٍ كردي، وكلفه بإيصاله إلى السليمانية، ليتسرب منها إلى مفارز الثوار الجائبة أريافها. في محطة ـ النهضة ـ  الكائنة في جانب الرصافة التقي بالرفيق الكردي. ركبا سيارة 18 راكب مارسدس. كنت أنصت لحكايته مستعيدا ظروف تلك الأيام فقد كانت سلطة ـ البعث ـ في أوج قوتها تستعد لخوض حربها مع إيران. كنا وقتها في موقع حدودي يدعى ـ بيتوش ـ في خريف 1982 داخل الأراضي الإيرانية المحاذية لشريط الحدود وكنت لتوي ملتحقاً هارباً من عنف معارك شرق البصرة الشهيرة تاركاً زوجتي وابني ـ كفاح ـ إبن الستة أشهر. وقتها كان مصير أخي ـ كفاح ـ مجهولاً فقد  أنقطعت أخباره منذ صيف 1980. كنا نسير على ممرٍ ضيقٍ مذهب بأوراق البلوط المتساقطة وكأنها دموع. كنت أحملق بهيئته المستكينة المسالمة التي تسرد عليّ تلك التجربة العنيفة، مفكراً بأخي الضائع متخيلاً سيارة الركاب المارسديس التي تستوعب 18 راكب والمسافرين المنشغلين بشأنهم الحياتي. أوصاه الدليل بالجلوس على مقعدٍ في صف يبعد عنه كي لا يثيرا الشبهات. توقفت السيارة في محطة إستراحة الطريق جوار مقهى على مشارف  ـ طوز خرماتو ـ المدينة الصغيرة الواقعة في منتصف المسافة بين بغداد وكركوك قائلا:
ـ أبو الطيب نزلت من السيارة، وما أن دخلت مطعم محطة إستراحة.. حتى رأيت ـ كسيتنجر ـ أسم يطلق على مفوض أمن بشع شهير في الديوانية خلال السبعينات مشهور بكرشه ووضعه سيجارة بطرف فمه أعدمه ثوار أنتفاضة أذار 1991.  وـ حمزة عباس ـ ( رياضي معروف في الديوانية، لاعب كرة قدم تحول إلى مفوض أمن مسعور) جالسين، معنى ذلك أنها مفرزة من مدينتنا تقبض على من يحاول الهرب إلى ثوار الجبل. كنت أهم برفع أول لقمة حينما لمحتهم بمرآة الحائط. قلت للرفيق الكردي بأنني ذاهب للتواليت، ومنها تسربتُ وأخذت أول سيارة عائدة إلى غرفة ـ كفاح ـ بالحيدر خانة. في المساء دق رفيقنا  الباب ليبلغ رفاقه عن سرّ إختفائي. رتبنا موعداً أخر نجحت فيه بالوصول إلى الرفاق.
كنت موقناً بأنه سينزع حالاً القمصلة العائدة لنا ويقول معتذراً:
ـ خذها رفيق!.
قلت:
ـ  بهار ترتجف ممكن إستعارة القمصلة!
ردَّ ببرود مفجع:
ـ لا رفيق صارت مالتي!.
للمرة التي لا تعد أتذكر حكمة الشيخ ـ عطا الطالباني ـ الذي تسللتُ من بغداد إلى بيته في ـ كفري ـ كمحطة أولى والذي قال ونحن نجلس في حديقة بيته الواسعة في غروب يوم من أيام أب 1982:
ـ دع عنك أحلام الثورة النظيفة ورجالها الأطهار سترى العجب من أقرب صديق في الأوقات الحرجة!.
أول مرة تذكرته فيها عندما خرجت معمفرزة بريد من فصيل ـ المكتب السياسي ـ في موقع ـ زيوة ـ خلف العمادية قاصدين منطقة ـ لولان ـ الواقعة في المثلث الحدودي العراقي ـ الإيراني ـ التركي. وبعد مسير ثلاثة أيام دخلنا أراضٍ تركية، كان الوقت ربيعاً. في بيت راعٍ تركي وحيد يقبع في قعر وادٍ وعر تعشينا، وبعد تناول الشاي بعث بأحد أبنائه كدليل صاحبنا حتى فسحة بين القمم تحاذى مجرى نهر يفصل الحدود. أشار نحو منحدرٍ بالكاد نتبينه قائلا:
ـ هذا الطريق سيوصلكم للجسر!
كان الغروب موحشاً توارى سريعاً. لم نعثر على الجسر قط، فضعنا في ظلمة كالحة لليلةٍ بلا قمر. ظللنا نتخبط ساعات. ندورُ بين المسالك، لنجد أنفسنا في نفس المكان. كان بعض الرفاق يتعثر في متاهة صخربة فقد أضعنا أثر الدروب الجبلية الضيقة. خفنا أن يطلع علينا الفجر فنكون قرب معسكر تركي أو تصيدنا الربايا العراقية المنتشرة على القمم والفسحات العالية في السلسلة الجبلية. كان اضطرابنا مضاعفاً ونحن نحمل بريد المكتب السياسي بكل ما يحتويه من أسرار. أهلكنا الدوران والقلق وأصبح العثور على المسلك الذي يرجعنا إلى بيت الراعي حلماً. لم يبق أمامنا للنجاة سوى هذا الاحتمال والليل يتآكل مقتربا من حافة الضوء. كنا نجلس بين الحين والحين ندّخن ضامين جمر سجائرنا بين أكفنا المكورة. نتحاور بهمس. لم نكن ندري أين أصبحنا في متاهة الظلمة والصخور. كنا حسب ما أتذكر كلٍ من، فرهاد ـ مؤيد كريم ـ إبن مدينتي والذي شاركني لاحقا بدفن الرفاق الذين قضوا في ـ زيوة ـ والذي سردته في القسم السابق، وعلي النجفي، و ـ أبو حسام ـ و ـ بختيار ـ وهو رفيق كردي له زوجة معنا نصيرة ـ مجده ـ، وأبو رائد، وأبو سطيف دليليّ المفرزة. أي كل هذه المجموعة فيها رفيق كردي واحد. وفيما كنا نتأرجح في ضياعنا عند حافات الظلام والضوء همس فرهاد:
ـ رفاق جعت ما واحد شايل شيء يؤكل؟!.
التفت نحو ـ … س ـ  سأحجم عن ذكر أسمه فهو لم يزل حياً، فهو من معارفي منذُ أواسط السبيعنات. تعرفتُ عليه في الوسط الأدبي ببغداد عندما كنت طالباً في المعهد الزراعي الفني. كان صديقاً لصديقي الشاعر المرحوم ـ عزيز سماوي ـ. كان وقتها يشتغل عاملا ومتعصبا لطبقته، يعني شيوعي حنبلي. لديه محاولات شعرية بسيطة، عند إلتحاقي الثاني بالثوار في شباط 1985 وجدته في الفصيل المستقل وهو فصيل مختص بتنظيمات الداخل فأخبرني بأنه جاب طويلا مع مفارز أربيل القتالية. فنشأت بيننا علاقة لها جذور. كنتُ أتوسم في العلاقة به الكثير فيما يخص الموقف والصداقة والثقافة. التفت لأنني لمحته في بيت ذاك الراعي، قبيل خروجنا يخفي رغيف خبزٍ تحت قميصه، أستغربت ذلك فسألته:
ـ لم يا رفيق؟
أجابني:
ـ تحسباً لأسوء احتمال!.
وها نحن نخوض في الأحتمال السيء الذي هجس به. التفتُ نحوه. لم يحرك ساكناً. اقتربتُ منه، وهمست طالباً منه أخراج الرغيف، فأحسست في العتمة بكفه تكمم فمي، وهمس:
ـ إش.. إش ششششش!.
أخذني الفضول رغم إضطراب الموقف وصعوبته، فَصَمتُ منتظراً فهم ما يكمن خلف هذا الوشيش الخافت المنسكب بأذني اليسرى. سكنت مستسلما لضغط كفيه الحاويتين كفيَّ. سحبني في العتمة بعيدا مسافة أمتار وهمس:
ـ أبو الطيب أسكت لا تقول وأعطيك نصفها!.
أخرسني هول الموقف. سكنت بين يديه القويتين متصلب العضلات وكأن كفيَّ صخرتين من الصخور التي نَضيع في متاهتها ونقف عليها. حرر كفيّ ودس يده اليمنى تحت قميصه واخرج الرغيف وقسمه نصفين بدربة لص محترف مخافة سماع رفيقنا الجائع ـ فرهاد ـ ( مؤيد كريم ). رأيتُ في تلك الحلكة الماحقة وجه الشيخ الكريم ـ عطا الطالباني ـ وهو يحكي لي عن موقفٍ في معركة ـ هندرين ـ الشهيرة في ستينات القرن الماضي، بيشمركه من أشجع المقاتلين كان يقاتل بشراسة، لكنه شعر بالجوع فطلب قطعة خبز. لم تكن متوفرة. هددهم قائلاً:
ـ إذا لم تحضروا لي خبزاً سأسلم فوراً!
لم يتمكنوا من توفير لا رغيف بل كسرة والمعركة محتدمة، فسلم على الفور.
دفعتُ كفه الممدودة بنصف الرغيف بصمتٍ حاساً بشيء من ماضيّ يتشوه ويتكسرّ.
أقصى ما عليَّ في كل تجربةٍ خراب مشروع صداقة أتوسم بها دفئاً من وحشة الدنيا.
دفعت كفيّه مقبلاً طيف شيخي ـ عطا الطالباني ـ الذي جعلني أصمت ولا أفضحه وقتها. دفعت كفه بنصف رغيفه البارد شاعراً بالمرارة والخذلان. حاول سحبي إليه. دفعته بعنف، وعدت إلى الدائرة الضائعة مكسوراً، أردد بصمت أبياتاً شعرية لصديقنا المشترك المرحوم عزيز سماوي:
ـ أگدر أعاند بالمشي وجه الريح
وأگدر أشوفن بالحچي ألوان تصيح
وأگدر أسوي الجسر دنبوس
وما أگدر أشيل الراس
لو سكة أنكسر ناموس.
نفس الأبيات التي كان  ـ س ـ يرددها ساخراً إذ لم يكن يدرك مغزاها وعمقها.. رددتها فتوازت قليلاً. قبل تباشير الضوء بقليل وجدنا المسلك.. عدنا إلى بيت الراعي الذي قدم لنا سلة من الخبز  وطوساً من اللبن.
لم أخبر بهذه القصة والموقف سوى حبيبتي ـ بهار ـ رفيقة عمري وبعدها تضاءلت علاقتي به قليلا.. قليلا حتى أصبحت نائياً عنه وكأن ما يفصلنا بحور ومحيطات رغم أن فراشي كان يجاور فراشه في قاعة الفصيل.
هاأنذا أقف وسط فسحة سهلٍ عارٍ شاسعٍ مكتظ بالنساء والأطفال وكبار السن والمقاتلين المرضى والمتعبين. سهل وصلنا إليه مكدسين في أحواض شاحنات تراب سارت طويلا، ترجلنا منها لنبيت ليلة في العراء على جانب طريق جبلي في فسحة مرصوفة بالحصو. وعلى كراته الصلبة غفونا منهكين غير آبهين بوجعها المغروز في جنباتنا وظهورنا فقد كان أخف وطأة من البرد الجارح.
هاأنذا أقف مخذولا من إنسان أخر كنت أعتقد به، فهو إبن مدينتي ـ الديوانية ـ ومسار حياته وكفاحه حولّه إلى رمزٍ من رموز المدينة.

*            *            *
لم يستطع أحدٌ النوم تلك الليلة، فالسهل المنبسط مع تقدم ساعات الليل تحّول إلى ما يشبة الثلاجة المفتوحة، ومما زاد الأمر سوءاً هبوب ريح باردة خفيفة، جعلت الجميع يغادرون رقادهم ويدورون طلبا للدفء، بينما قامت مجاميع بجمع الأعشاب وكسر الخشب الجاف من مناحي السهل المسور. فشبت النيران هنا وهناك وسط لغط النساء وأصوات تنادي الرجال، وصراخ الأطفال الباكين. كان الليل دامساً، لا أضواء تنوس حوله، فالمكان معزول وبعيد عن أي قرية أو مدينة. كنا ننتظر الغد المجهول واجبي القلوب. سقطنا في غفوة إنهاك ماسكين أيدي بعضنا جوار موقد نار تحلقت حوله عدة عوائل كردية. لا ندري كم بقينا غافيين؟!، فعندما فتحنا عيوننا رأينا ضوء الفجر الشاحب يلوح في الأفق البعيد،  راح يقوى كاشفاً المشهد برمته. العوائل متناثرة على فسحة السهر كأسمالٍ بالية متروكة في عراء الله بأوانيها وقدورها المعدنية ورزم الأردية وما هو ضروري للعيش. العدد لا يحصى، والشاحنات لم تزل تلقي حمولتها من القرويين الأكراد قادمة من منافذ الحدود القريبة. مع أرتفاع النهار زاد الضجيج والجوع، وصراخ المرضى والأطفال، والمصابين بالقصف الكمياوي الذي مشطَّ كل مناطق القرى التي لم يسيطر عليها الجيش والتي كنا نسميها ـ القرى المحررة ـ. وجوه أطفال محروقة تتلوى ألماً. بشرات مسلوخة عند المناطق الحساسة من الجسم. عيون كأنها قطعة من دم لا يستطيع المصاب فتحها سوى للحظات يضطر بعدها لأطباق أجفانه. أنين وصراخ وألم، وأصوات أحتجاج تطالب بالخبز والأغطية والعلاج. ظللنا ندور بين الجموع نساعد المحتاج ونقدم ما بوسعنا، فقد كنا نحمل ما تبقى من صيدلية الموقع من أدوية، أسبرين، مضادات حيوية، حقن وأبر، حبوب مضادة للاسهال، وما شابه. كان بصحبتنا رفيق طبيب كردي من أهالي ـ أربيل ـ كان في طريقه لإكمال دراسته التخصصية في جامعة من جامعات المنظمومة الإشتراكية المرحومة حينما حاصرته الحملة، لعب دوراً فعالاً في أنقاد العديد من الأطفال المرضى والمصابين بفحصهم ومعالجتهم. كان هو الأخر يحمل حقيبة مليئة بالأدوية، نشيطاً حيوياً.  يتقن الإنكليزية بطلاقة، مما أتاح له شرح أحوال المصابين لجموع الصحفيين الغربيين الذين توافدوا عند الظهيرة على المعسكر. فصوروه وصوروا تلك الحالات وسجلوا أقواله. كان لدينا عدة رفاق يعرفون لغات أوربية منهم ـ أبو ماجد ـ الذي كان يجيد الألمانية، فتحول شبه دليل ومترجم للصحفيين الألمان. جعلهم يفهمون ما يجرى، وما أصاب الأكراد من قصف وتشريد وقتل. كانوا يسجلون باهتمام ما يخبرهم من قصص عما يجرى هنالك في الأمكنة التي خلفتها هذه الجموع الناجية من موتٍ محتوم. صور العديد من الصحفيين جسدي المشوه عند الكتف الأيمن بأثار القصف الكمياوي قبل أكثر من عام، وأجساد الأطفال والشيوخ والنساء المصابة، كما أستمعوا إلى تفاصيل عملية القصف الذي طال زيوة بغازات الأعصاب تكفل ـ عمودي ـ بسرد تلك التفاصيل وكان الدكتور الكردي الذي لا أتذكر أسمه يقوم بالترجمة. كان القرويون الأكراد يتصورون أن ما يقولونه للصحفيين الأجانب سيغير أوضاعهم على الفور، إذ كانوا يتحمسون ويذكرون أدق التفاصيل، عن القتلى من عوائلهم، والمحاصرين في الأودية، وعلى ضفاف الأنهار البعيدة، وعن هول القصف وغازات الموت التي غطت الأودية والسهول وشعاب الجبل. كنت أراهم يبتسمون برضى حالماً يفضون بما رأوه لأولئك الأجانب الأنيقي الملبس الناعمي الأكف والوجوه.
في هذه الأثناء وصلت شاحنات تحمل مساعدات مقدمة من أهالي المنطقة الأكراد، بطانيات، خيم، علب زيتون، وجبن، وحزم من الخبز البارد. هجمت عليها الجموع الجائعة مما جعل الجندرمة الأتراك يقفون حاجزا بشرياً لصدها. تشكلت لجنة من المحجوزين قامت بتنظيم الأمر، فصفت الجموع في طوابير ونظمت سجلات، وتكفلت بتوزيع ما يرد من معونات. وقفت في الصف. تمكنت من الحصول على خيمتين، عشرة بطانيات، علبة زيتون كبيرة، علبة جبن كبيرة، وحزمتين من الخبز. أقتضى ذلك الأمر الأنتظار منذ منتصف الظهيرة وحتى غروب الشمس التي أصلت المشردين بنارٍ حامية حيث لا ظل شجرة ولا خيمة بعد. كنا نستغرب من إختلاف الليل ببرده القارص، والظهيرة بشمسها الحارقة.
مع الغروب أفتقدنا أثنين من رفاقنا، الدكتور الكردي، وأبو ماجد، ظللنا نبحث عنهما في أرجاء المعسكر التي بدأت الخيم تُنصب في أرجائه دون جدوى.
ـ أين صارا؟!.
ظلننا نتسائل مقلبين الأمر من جميع جوانبه، فمن المستحيل أن يكونا قد غادرا المعسكر المحصور بالأسلاك الشائكة وأبراج الحراسة الخشبية التي نصبها الجيش التركي خلال النهار.
أختفى أثرهما تماماً والليل حلّ بظلمته الكثيفة. في صبيحة اليوم التالي تكلمنا مع لجنة المعسكر المشكلة من بيشمركة سابقين في الأحزاب الكردية، فتحركت مطالبة الأتراك بالكشف عن مصيرهما. وعند الظهيرة رأيناهما قرب مدخل المعسكر بوجهيين مرعوبين يسيران بصعوبة بالغة، وفي خيمة من الخيم حكوا لنا القصة؛ في المساء قامت المخابرات التركية ـ الميت ـ بإستدراجهما إلى طرف المعسكر بواسطة كردي أخبرهما بحاجة عائلته إلى علاج مما سهل الأنفراد بالطبيب وخطفه. بينما تمكن كردي أخر يتكلم العربية والتركية من استدراج ـ ابوماجد ـ بحجة قدوم وفد صحفي ألماني يبغي كتابة تحقيق عن أوضاع اللاجئين، ومن غرف الحراسة خطفه رجال المخابرات. أخبرونا بأنهم عصبوا عيونهم وكمموا أفواههم وأخذوهم في سيارتين إلى أمكنة لا يدرون أين. أنزولهما وهبطوا بهما على درجات إلى أمكنة خانقة. وفي غرفة حققوا معهم كلٍ عن أنفراد مركزين عن سبب وجودهم بين جموع الفلاحين الأكراد، وعن أنتمائهم السياسي، وحينما لزما الصمت علقوهم بالمقلوب وضربوهما على أخمص قدميهما بالعصي البلاستيكية، مهددينهما بالتسليم إلى السلطات العراقية في حالة لزومهما الصمت، ولما لم ينفع ذلك، ضربوهما في انحاء جسميهما ضرباً مبرحاً. حرموهما من النوم طوال الليل إلى أن صعدوا بهما الدرج وأركبوهما سيارة سارت بهما طويلاً. ظّنا أنهما سيسلما إلى السلطات العراقية، لكنهما وجدا نفسيهما داخل غرفة حرس المعسكر الذين طلبا منهما مغادرة الغرفة. فرأيناهما مقبلين. قدّرنا أن مطالبة لجنة المعسكر بهما فعلت فعلها، لا سيما أنهما كانا وسيطين ومترجمين للصحفيين الأوربيين.
في الصبيحة التالية، الكل حائر ويتنظر مددا من السماء، من الله، من الصحفيين الأجانب المتوافدين بغزارة على المعسكر، من أفواه بعضٍ. كنا ندور وسط الجموع التي تتزايد وشاحنات التراب لا تكف عن نقل المزيد من النساء والأطفال والشيوخ من الشريط الحدودي إلى هذا الموقع. وتأزم الوضع البشري، ومزيداً من الأطفال الرضع يموتون لأبسط العوارض لعدم توفر الأدوية والرعاية الطبية والحليب والدفء والتغذية أضافة لرعب الأمهات في ذلك الوضع المضطرب، فالأطفال الرضع كانوا يموتون بأمراض البرد أو عوارض علاجها سهل في ظرف طبيعي. وحركة المخابرات التركية ـ الميت ـ حدت من تحرك الأطباء والممرضين من رفاقنا ممن لديهم خبرات كانت وقتها تنقذ طفلاً من الموت. فجعلنا نساعد تلك العوائل النادبة موت أولادها في حفر قبور ضحلة نواري فيها تلك الأجساد الغضة بوجوهها الملائكية وكأننا ندفن ملائكة تغفو بين أذرعنا وسط عويل الأمهات المنهارات وتكسر قسمات وجوه الرجال الصخرية في باطن ألمها . كم دفنا من الأطفال الرضع؟!. لا أستطيع العد، كنتُ أغيب منشغلاً بطقوس الدفن عن خيمتي ولا أعود إلا وقت وجبة الطعام المكونة من قطعة خبز وزيتون وجبن أبيض. أتناولها على عجل وأغيب في خضم مأساة تلك الذوات التي وجدت نفسها ترسخ في المجهول على أرض غريبة مسورة بالأسلاك الشائكة، جائعة، تفقد أبنائها، وعبر السلسلة اللائحة إلى الجنوب تركت عمرها، طفولتها، عِزّها، أمكنتها محتلة بطوابير الجند من أبناء جلدتها المسخرين لحروب الدكتاتور.
مرت أيام ونحن في هذه الدوامة. ومع زوال الصدمة، حيث بدأ الهاربون يتأقلمون مع الوضع الجديد. خيم، أرزاق منتظمة الوصول جلّها تبرعات من أثرياء أكراد المنطقة الأتراك، أشتدَّ وضعنا تأزماً، فنحن عرب، وكنت مثلا أحمل كل وثائقي الحقيقية من جنسية وشهادتها وجواز سفر وجنسية زوجتي وشهادتها، هذه الوثائق التي تشبثت بها بشدة رافضاً محاولات التنظيم سحبها للإستفادة منها. كنت مستعداً ليومٍ كهذا رغم أحتمالات قتلي منذ لحظة وصولي إلى ثوار الجبل. فلو نتعرض لتفتيشٍ من قبل القوات التركية ومخابراتها مثلا لدخلنا في دهليز يتعسر فيها تبرير وجودنا وسط هذه البيئة القروية الكردية المحددة الهاربة بروحها تخلصا من تبعات حرب بين ثوار وسلطة، لذا كنا شديدي التوتر، سريعي الغضب، نستقرئ مصيرنا ونترمد، ولم نكن نؤمن بمدٍ من السماء ينقذنا بلمحة، فقد كنا شديدي التعلق بالدنيا وسعينا لجلب الجنة صاغرة إلى الأرض معتقدين حد الموت بجنة ماركس المادية الفاضلة.
لا أتذكر أنني حلمت ليلة في ذلك المعسكر التركي، إذ كنت أسقط في النوم كالميت بعد يوم عملٍ طويل أمارس فيه مع رفاقي تقديم ما نستطيع لعوائل الفلاحين الأكراد الذين كنا نحلّ في بيوتهم في جوبان مفارزنا حيث كانوا يقدمون لنا الطعام والمأوى. كنا نوفي دينا أثقل روحنا طوال التجربة منذ بداية ثمانينات القرن العشرين وحتى الأنفال في 1988. هذا الإنشغال ألهانا قليلا عن فجاعة مصيرنا فيما لو وقعنا بيد المخابرات التركية ـ الميت ـ.
كنت أعود ليلا إلى الخيمة لأتوسد جسد حبيبتي الغض النابض غير آبهاً بالمصير وقادم الأيام. أتجاهل أسئلتها الدقيقة الدائرة حول الغد. كنت مثلها أكثر قلقاً من الغد المجهول، لكنني كنت أقفُ على مسافة من كل القناعات المطلقة بمدن فاضلة، بالعكس منها كانت راسخة وطامسة بمدينة ماركس حد الضياع بفضيلتها الموهومة.
ـ دعينا يا بهار من الأسئلة ولنغور ببعضٍِ!.
وكانت تلك أسعد أيام حياتنا الحسية ونتذكرها إلى الآن!.
فيما كنا في ذلك المخاض العسير، سمعت صوتاً يصيح على جادة سيارت تخترق المعسكر من طرفه الشمالي. فهمت خلاصة النداء باللغة الكردية المنطلق من مكبر صوت يدوي، لكنني وددت التأكد فهرعتُ إلى رفيقٍ من أهالي العمادية كان في خيمته مع عائلته. سحبته من مرفقه بهدوء، لكن بعجالة وقلت له:
ـ ماذا يقول المنادي بالضبط.. بالضبط، وما هذه شاحنات التراب العشر المصطفة على الجادة العريضة؟!.
أرهف سمعه للنداء المكرور وألتفت إلى قائلاً:
ـ رفيق هذا رجل دين تركي توسط كي ينقل من يرغب من اللاجئين إلى إيران بهذه الشاحنات!.
لم أصدق ما قاله، فطلبت منه الإنصات وترجمة ما يسمعه. أنصت للنداء المكرور والتفت نحوي مؤكداً ما ذهب إليه. ركضتُ مثل مجنون إلى خيمتنا وطلبت من ـ بهار ـ ضبّ أغراضنا فسوف نذهب إلى إيران !.
صبت الدهشة قسماتها الفاتنة، فخلدتْ إلى الصمت للحظة قبل أن تسألني:
ـ كيف؟!.
لم يكن لدي وقتا للكلام أشرت بيدي نحو صف شاحنات التراب التي يهرع نحوها العديد من اللاجئين العراقيين. لم تتوان جمعت في لحظات الضروري من الأشياء، حزمتها في حقيبتها وأمسكت بيدي قائلة:
ـ يله خلي نلحق!.
حررت يدي وحملت بطانينين من البطانيات التي حصلت عليها بالتوزيع. سوف تقينا من برد الطريق والخريف وأنتظارنا الطويل في نقطة الحدود التركية ـ الإيرانية. كنا وقتها من أسعد كائنات الدنيا نضحك من القلب. كنا ندرك أن مجرد الدخول إلى الأراضي الإيرانية سنكون في منأى من خطر التسليم للسلطات العراقية. كل رفاقنا العرب والأكراد وجدناهم معنا يتنظرون وصول قرار السلطات الإيرانية بالسماح بدخولنا إيران.
في اللحظة التي عبرنا بها نحو التيه ـ الإيراني ـ الجديد في رحلة منفانا المستمرة إلى الآن قررت أن ألقي عني أسمي الحركي وأسجل أسمي الحقيقي وذاك ما أغضب الرفاق، كنت ملتذا بأسمي وأنا أنطقه لرجل أمن إيراني قائلا بدلا عن أسم وهمي كما فعل الجميع:
ـ سلام عبد إبراهيم
ليس الرفاق فحسب بل زوجتي وحبيبتي ـ بهار ـ التي التفتت نحوي قائلة:
ـ ليش تكشف نفسك؟!.
أجبتها على الفور:
ـ أريد أسمي..  كياني..  بلا أسم حركي!.
وفي المعسكرات الإيرانية رأينا ويلاً لا يخلتف عن ويل معسكرت الأتراك إلا بأننا لم نكن مهددين بالتسليم للقوات العراقية
تجربة المعسكرات الإيرانية تحتاج إلى مسرد مستقل سوف أسرده إذا سمح ليَّ العمر والدنيا.

  أكتوبر 2008

صدرللكاتب:

1 ـ رؤيا اليقين ـ قصص ـ 1994          دار الكنوز الأدبية ـ بيروت

2 ـ رؤيا الغائب ـ رواية ـ 1996           دار المدى ـ دمشق ـ

3 ـ سرير الرمل ـ قصص ـ 2000         دار ـ حوران ـ دمشق

4 ـ الإرسي ـ رواية ـ 2008               دار ـ الدار ـ القاهرة

5ـ الحياة لحظة  رواية 2010            الدار المصرية اللبناتية – القاهرة

شاهد أيضاً

رحلة طائر الكاتبة
خلود الشاوي

ذاتَ يومٍ خرجَ طائرٌ عن سربِهِ لأنه كان منزعجا من قوانينِهِ الصارمةِ ،راحَ يُرفرفُ مسرورا …

لوحة ذالك الفلاح الذي اختار التحليق
محمد محجوبي / الجزائر

بين السمرة التي رسمت ملامح الفصول وبين وهج الطين الذي حفظ أنفاس الرجل تشابهت أوراق …

في ذكرى وفاة ميّ زيادة
كم مثلك يا ميّ من تخشى أن تبوح بأسرار قلبها
فراس حج محمد/ فلسطين

{الكلمة التي لا تموت تختبئ في قلوبنا، وكلما حاولنا أن نلفظها تبدلت أصواتنا، كأن الهواء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *