جميل الشبيبي: قراءة في المجموعة الشعرية (عربة النهار)

رؤيا شعرية حوارية

jmel_alshbebeيمثل الاهداء ( الى عطية طعمة اسألها الغفران ) عتبة مهمة في قراءة هذه المجموعة الشعرية فهو في بنيته اللغوية يمثل جملة شعرية تتمرد على النثر باتجاه الشعر فعبارة اسألها الغفران ترفع رتبة الجملة الاسمية وكذلك الاسم المقصود (الام عطية طعمة ) باتجاه السمو والرفعة لان لفظة السؤال تحيل الى علاقة بين الادنى والاعلى بين مستجدي العطف والرأفة وبين من له قابلية العطاء والعفو والمغفرة ، والغفران هنا مرتبة اخرى تضاف الى المسمى لتسمو بها وتخفض السائل –الذات الشاعرة الى منزلة ادنى ، وقد بنيت هذه العلاقة من خلال المكابدة والمرارة التي تشعر بها الذات الشاعرة بعد ان بدد الموت امكانية التعويض الحياتي ، وقد تأسست هذه العلاقة بعد فوات الاوان لتشي بتقصير ربما كان بسبب العسرالمادي للذات المنشدة او بسبب الانشغال بمباهج الحياة والانغمار فيها بدرجة تنسي الذات واجباتها الاساسية ، فاذا كانت كذلك فأن الاهداء يرفع قامة الأم ويخفض الذات بل يشعرها بخسارة عميقة لا تستطيع تعويضها الا بالشكل المجازي الذي وردت بها عبارة الاهداء فهي تعويض مناسب فيه اعتراف بالفضل واعتراف بالمرتبة السامية التي لايمكن الوصول اليها للذات الغائبة وفيها شعور عميق بالاسى والخسران .وفي هذا المجال استطيع ان اقول باطمئنان ان قصائد الشاعر هاشم تايه المندرجة في ديوانه ( عربة النهار ) تبنى بالشكل الذي بني عليه الاهداء : مفارقة وانزياح كبيرين عن النثر باتجاه الشعر ، وميل واضح في تشكل رؤيا شعرية حوارية مع الذوات الاخرى ، باعتبارتلك الذوات قرائن للذات الشاعرة او ذوات تخطتها باتجاهات رؤيوية متجاوزة ، وفي كلا الامرين نلحظ تلك الحميمية واسباغ الصفات العالية على تلك الذوات ، اما بنية الجملة الشعرية باتجاه تاسيس خطاب شعري مكتمل فيمكن ملاحظته بالانزياح الكامل عن الوظائف اللغوية التي اشتغل عليها جان كوهن في توصيفه الشعر واختلافه عن النثر (1):

وظيفة الاسناد ، وظيفة التحديد ، وظيفة الوصل. فوظيفة الاسناد تعمل على الملائمة بين الفعل والفاعل والمكونات الاخرى في الجملة النثرية وهي علاقة جوهرية في النثر ، اما في الشعر فيعمد الشاعر الى خرق هذه الملائمة بالمنافرة بين الفعل والفاعل والمكونات الاخرى كما نلاحظ ذلك في بيت ملارميه ( ماتت السماء ) .اما وظيفة التحديد فتعمل في النثر على تسمية الشئ وتحديده نسبة الى اسماء اخرى( فالنعت الذي يؤدي وظيفة التحديد في اللغة المعيارية ينبغي له ان ينطبق على جزء من الاسم والا ينطبق الا على جزء فقط )(2) اما في الشعر فتتعرض هذه الوظيفة الى الخرق كما في الصورة التالية : الشذى الاسود التي تمثل منافرة دلالية بين الصفة والموصوف . وتتعدى وظيفة الوصل اللغة لتتحقق في خطابات غير لغوية كالرسم مثلا ، كما انها تعمل على الربط بين الجمل والخطابات ايضا.اما في الشعر فتتعرض الى الخرق ايضا بما يسميه كوهن ( الانقطاع ) . ويمكننا التدليل على ذلك بامثلة وافية من المجموعة ولكننا سنكتفي ببعض هذه الامثلة للايضاح ويمكن الرجوع الى هذه المجموعة الشعرية لمعرفة ذلك عن قرب :

book_arbat-alnharاسأل الاجنحة

أن تهزالسماء

لا درّ درك ِ

ايتها الكذوب كشمس ليل !

كلما طار سهم العواء

رأيت ارتعاد الثريا

اصحح الصحيح

لكي يبيد النجم ،

بينا رقيق السماء

يطوفون بالكلمة الخرساء لليل ،

والرغبة الابدية الجائعة …

من قصيدة ( صحراء ص57)

والمقطع الذي اخترناه عشوائيا من قصيدة طويلة ،في الديوان يحقق معظم الوظائف الشعرية التي اشرنا اليها ، فالجملة الشعرية الاولى ( اسأل الاسئلة )تخرق مبدأ الملائمة الدلالية بين الفعل والفاعل على الرغم من ان هذه الجملة صحيحة من الناحية النحوية ، وهذ الخرق يشتغل على الجمل الشعرية الاخرى مثل ( ان تهزالسماء او رأيت ارتعاد الثريا ، او لكي يبيد النجم . ) فكلاهما تخرق الملائمة الدلالية باتجاه افق دلالي شعري وليس نثريا . وفي مجال وظيفة التحديد ، نرى ان المضاف والمضاف اليه في (سهم العواء ، ورقيق السماء ) يخل بقاعدة التحديد ، باتجاه غير مألوف في النثر ، ويتجه اتجاها شعريا مجازيا اساسه الصورة المركبة بين السهم وصوت الذئب ،التي يمكن ترجمتها دلاليا بالرعب من الذئاب وهي تطلق اصواتها وكأنها سهام سريعة النفاذ الى اعماق الذات التي تعيش عزلة مخيفة في صحراء قاحلة .وكذلك الحال في رقيق السماء التي تشي بعبودية مجبولة على الخضوع التام لتنفيذ ارادة جبرية اساسها الحفاظ على ناموس ينظم حركة الليل والنهار بعيدا عن تطلعات الذات واملها في نهار قريب .

وهناك انقطاع واضح بين الجمل الشعرية التي اخترناها تمتثل الى الغاء التسلسل المنطقي والتركيبي المنسجم لفقرات الخطاب النثري ، باتجاه تشكيل شعري يحتكم الى التطلع نحو افق مفتوح على دلالات متنوعة ويشمل هذا الاستنتاج معظم فصائد هذه المجموعة المتميزة فكل الجمل الشعرية تشتغل على محور الازاحة عن النثر باتجاه تكوين شعري بدلالات متنوعة .يضاف الى ذلك تحقق مستوى آخر في هذه المجموعة يختص بالبناء الشعري نفسه ، فهذ البناء يبتعد في تشكله وبنيته من البناء الشعري التقليدي الذي يعتمد على المجازات المألوفة كالتشبيه والاستعارة والكناية والمجاز المرسل ، فكل هذه المجازات لا تجد لها موقعا اساسيا في هذه المجموعة ، اما التشكيل الاساسي فيها فيعتمد على بناء صورتشكل في معظمها لوحات تشكيلية متحركة يستثمر الشاعر فيها الامكانيات المخزونة في الجملة الاسمية و الفعلية في هذا البناء التشكيلي الصوري مستفيدا من خبرته في مجال الرسم والتشكيل الذي برع فيه ، وهو هنا يرسم بالكلمات لوحات تشكيلية تقترب كثيرا من الرسم الحديث ، وهو تشكيل يميل الى التجريد وليس التشكيل الحسي الايقوني الذي يجد له مكانا متواضعا في هذه المجموعة ايضا :

قميصي كوته شمس باردة

وبين اضلعي

هلال من الخوف

أمضي

بقلب حليق

على كتفي قطط النهار

وبين قدمي

تراب اليوم

ص8

ونلاحظ في هذه الصورة علاقة تداخل بين خارج الذات وداخلها ، ومن خلال هذه العلاقة تتشكل لوحة تجريدية فيها الجانب الايقوني الى جانب الشكل التجريدي الذي يمثله ( هلال الخوف ) و( القلب الحليق) .يضاف الى ذلك لوحات متحركة ترفد الجانب التشكيلي بما يسهم في بناء لوحة تشكيلية متنوعة اساسها عنوان القصيدة ( بعيدا عن الوحل ) حيث تتجسد صور مؤثرة في هذا الطريق ( نعش من غبار ونسوة من دموع ) باتجاه انشاء خطاب يتخطى ذلك ولو بالتوسل وعدم المطاوعة :

اقول للطريق

يا صديقي ،

تعقل وخذني بعيدا

عن الوحل

ص9

وفي قصيدة ( خيول ثملة ) المكتوبة عن فلم ايراني بهذا الاسم يعمد الشاعر الى قراءة متفردة لاحداث الفلم عاقدا صلة عميقة بين الاحداث الجارية فيه وبين التلقي داخل الصالة :

في العراء

كان الثلج يصرع نارهم

في رؤسنا

لكنهم قلما نسوا تلك النار

يسكبونها في مائنا

……….

………….

كانت ظهورنا

تطيع اثقالهم

ومثلها قلوبهم تختض

في الزمهرير

وحيث قلب الموت الابيض

يخزن المصائر

في حظيرة العدم

كانت الارض

تحت بغال الثلوج الميتة

ص12

وهنا نشير الى العلاقة المصيرية بين الضمائر التي تتأسس عليها القراءة – التجربة ( نارهم في رؤسنا ، ظهورنا تطيع اثقالهم ، القبور الصغيرة لهم وحدهم

حين تقطّنا الفخاخ معا )

وفي مثل هذا الجو المعادي الذي يعيش ضمن اجوائه ابطال الفيلم يرسم الشاعر لوحة تشكيلية متحركة بلكلمات عميقة ودالة :

ومثل شواهد سود فزعة

انتصبت

جذوع ااشجار

اعشاشا لطيور الجليد

…….

لم تعدم السماء

شفتيها الرماديتين

جرّاء الصقيع

لكنها قلما وجدت مرتعا لكلماتها

فوق عشب

او عند ماء

ص13

كما يمكننا الاشارة الى وجود صلة عميقة بين التجربة الشعرية كبنية لغوية متحققة بالانزياح التام عن النثر وبين الدلالة التي تتاسس من خارج اللغة وعلى ضوء تشكلها في هذه المجموعة ، بما يحقق رؤيا شعرية تنمو باتجاه عناق الحياة والتأمل في حركتها وانعطافات هذه الحركة . فعنوان المجموعة ( عربة النهار ) يحيل الى هذا المعنى باعتباره تعبيرا مجازيا عن الحياة في حركتها وتجددها ومنغصاتها وفرحها وابتداء من العنوان ايضا تتمفصل القصائد على مجازات مبتكرة في مجال تشكل رؤيا شعرية ، بصور تعمل على اضافات نوعية الى قصيدة النثر العراقية بمثل هذه الابتكارات ، بالتضافر مع الثيم المتنوعة في قصائد الديوان باتجاه تشكل هذه الرؤيا . ففي قصيدة ( على مفرق الحجر ) تندفع الذات وهي تتحدث بضميرالانا الجمعي نحو الحياة على الرغم من كل الصعوبات والمنغصات :

نحن حصاد الاسئلة

نجيب النهار

بالعمل

وبحر الليل

بقوارب الاحلام

والطرق العمياء

بخيول الاقدام

ص4

وفي قصيدة ( مياه ) تتخذ نبرة حب الحياة اتجاها جماليا خاليا من اغراض الحياة اليومية بالتأمل العميق في الطبيعة البكر التي لم تشوهها اغراض البشر الدنيوية ، والشاعريدخر لقصيدتة الجميلة هذه ، اجمل البناءات الشعرية الجديدة في تركيبها والعميقة في دلالالتها :

اتبع المياه الخفيفة

الماشية بلا طريق

تحت الاعشاب

مثل ظلال فضية سائحة

نسيان شارد ،

ابتهالات ارواح خجلى ،

من يصفق لها

غيرُهذا الضياء ؟

من يدفعها

غيرُمحبتها للجذور؟

ص20

وهناك قصائد كثيرة في الديوان تشي بهذه المكابدة ،ولكنها تشرع بابها نحو الحياة ، كما ان الشاعر في بعض قصائده يتجه الى القرين او الشبيه في رحلة تعويض عن خسائر الذات ،كقصيدة ( الهائم …)فهي ابتهالات وتوسلات ونداءات روحية باتجاه الشبيه الذي لا يكنى ولايسمى، الهارب عن التجسيد والممتنع عن الحضور ، وهذه القصيدة في تشكلها وفي اسئلتها الوجودية المحيرة وفي دلالات هذه الاسئلة والنداءات تنحو الى عناق الآتي المجهول واللامسمى لتتموضع كتجربة صوفية اساسها الهيام في عشق المجهول والتطلع نحو افق بعيد المنال ، ذلك الافق الذي يستنكر الاوشال وادران الحياة ،ويهيم باتجاه الجمال الخالص :

ايها السامي بلا اسماء

الست خدين ضلالي

وصائد معصيتي

الراكض ورائي في المنحدرات

لتقودني الى مرعاك ؟

اليست قدمي هي خطوتك

وطرقي هي سفرك

وكاسي هي خمرتك

وعماي كاشف نورك ؟

ص90

وفي مقطع آخرمنها يقول :

تعال

اجلس على حصيرة طينتي الممزقة

بين الرياح وصلبان الساعات

هنا حيث سارية الغروب

تشطر وجه الشفق الهائج نصفين

والرمل بلا جدوى

يتشبث بموجة خلعتها الريح

ص94

وفي قصيدة ( حاملو الطريق ) المهداة الى اخيه الشهيد حاتم ،نتعرف على

رثاء من نوع جديد يكون فيه البديل قامة سامقة ،تقيم الذات الجمعية في اعماقها ، الذات العابرة نحو الاخر المتفانية فيه وله ، اما الخطاب الشعري هنا فيغترف من الشعر اجمله وابلغه ،مستثمرا ضمير المتكلمين ،في تمجيد من يكابد ويصارع ويعمل ليصوغ الجديد والجميل :

نحن ضوء الاصوات الحارثة

ولان نارنا امسكت باليدين

كلمتها الفريدة

فلن تنطفي

بسّامين ندغدغ الشجر

فترشقنا الطيور بافراحها

او

نحن الشراع الذي انهك المياه

طوافين نجلب للنهار

محياه الاجمل

ولسانه الفصيح

نحن سدنة الآهات

وبناة الثمر

لا نموت الا كالقناديل …

ص 106

وفي هذه المجموعة الشعرية المتميزة في قصيدة النثر العراقية يمكن ان نقرأ الشعر من اية صفحة او عنوان فيها ، ليس هناك سوى الشعر ، الذي يدفعك للاغتراف والتامل في الجمال الاسر والافاق الملونة ، واللغة المجازية التي تدخر في ثناياها رؤيا تحيط بآفاق مجهولة وتأسر اللحظات الجارية مجرى الزمن المتدفق ، ثم تطلقها في فضاء المجموعة ، تتحرك نحو فضاء لا حد له اثناء القراءة والتلقي ، فتستعاد مرة اخرى في قراءة ثانية وثالثة ورابعة وهكذا

—————————————————

(1)و(2) – انظر كتاب (اتجاهات الشعرية الحديثة ) الاصول والمقولات – يوسف اسكندر – دار الشؤون الثقافية العامة –بغداد ط1-2004 الفصل الخاص بجان كوهن : شعرية الانزياح الصفحات :133 ، 134، 135 …

شاهد أيضاً

الأديبة ليلى مردان الغائبة الحاضرة
محمد خضر – كركوك

نقطة حياة هل كانت تعلم بأن الموت ذلك الزائر البغيض ينتظرها أما أنه كان يرافقها …

عصام الياسري: الخيال والإبداع يقاوم الإكليل.. ومهرجان غينت السينمائي الدولي شكل فني غامر

لا يوجد استقبال افتتاحي تقليدي، ولكن يوجد وقبل كل شيء الكثير من الترفيه السينمائي. هكذا …

فاروق مصطفى: ذاكرة كركوك/ أصعدُ إلى القلعة بحثآ عن مخطوطاتها المتخيلة

اتذكر جيدآ انني تعرفت الكاتب الروسي الاصل ( هنري ترويات ) عبر روايته الشائقة ( …

تعليق واحد

  1. زياد طارق

    استاذنا العزيز جميل الشبيبي يا لك من رائع فيما تتناول حيث يراه القارئ ولا يراه ولكنك هناك تنبري كسياف الابواب الاسطورية لا تخترق اجواء الادب شوارد شعرية كانت ام نثرية او لغوية الا حصدتها كما القمح اللماع فكنت الشمس لنورها وهو نور وانت السيف الذي يبسطها للعوام واحيانا السطحين كشخصي ليتسنى لنا الالمام بما لم نحط الا سمعا كان علينا ثقيلا فشكرا لك لانك هناك يا قطر السماء بربيعها حاملا بسمة الورد وثمرة الحب بعد حظن الشتاء الطويل. بديعك زادني حبا لهاشم تايه المبدع الرائع

    ولدك زياد طارق – البصرة العامرة بامثالك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *