ناطق خلوصي : أبواب الفردوس (فصل من رواية)

الظهيرة قائظة، والماءالمالح ينز من مسامات الجلد والجسد المستلقي على سرير القلق يبدو كأنه كان قد تعرض إلى رشيش ماء دافىء  . لا أحد غيرهما في الغرفة : غرفة ملقاة على السطح في بيت مسكون بالوحشة ، والمدينة مركونة في زاوية قريبة من العاصمة لكنها تبدو نائية ً عنها نأي الصحراء عن البحر .
على حين غفلة ، حط طائر بصره الضجر على وجهها وصار يدب بقلق هناك فالتقط بصرها وهو يتلصص النظر اليه عبر عينين نصف مغمضتين . لماذا تنظر اليه على  هذا النحو المريب ؟ هو شبه عار الآن . يعرف ذلك . كان الحر الذي صاحبه غياب التيار الكهربائي قد ألجأه إلى التخفف من ثيابه ولم يُبق على جسده سوى سرواله الداخلي القصير ، وهو ما كان معتادا ً على القيام به في ظهيرات الأيام القائظة مثل هذا اليوم ولم يكن ذلك يستفز فضولها قبل الآن .
أحست بدبيب بصره على وجهها ، فأغلق عينيه دقائق، متظاهرا ً بأنه نائم، محاولا ًاستغفالها، وحين فتحهما رآها تنظر اليه ، تتأمله بشكل غريب ، ذاهلة ً، مأخوذة ً بشيء ما غامض وكأنها لم تره من قبل . أحست به يتحرك، فأغلقت عينيها وتناومت . نهض بهدوء وحرص على أن لاتُحدث حركته صوتا ً يثير انتباهها ويفسد ما ينوي القيام به . اتجه صوب سريرها المقابل لسريره ، حتى صار قريبا ً منها . مدّ رؤوس أصابع يده ، وخزها في خاصرتها ، فهبّت جالسة ً في سريرها .

قال متضاحكا ً:
ــ أتظنين انك تستطيعين خداعي ؟!
تألقت على وجهها واحدة من تلكم الابتسامات الآسرة التي ألفها فيها ، لكن الصوت تعثر بين شفتيها :
ــ كنت نائمة . صدقني .
احتد صوته قليلا :
ــ كيف أصدقك وقد رأيتك بأم عيني تنظرين اليّ كما لو انك لم ترينني من قبل ؟ ما هذا الذي استجد عندك يا نسرين ؟
همست :
ــ لا شيء . صدّقني لا شيء .
صار إلى جوارها على حافة السرير . اقترب بجسده من جسدها حتى حادد فخذه فخذها ليقيس ردّة فعلها . لمحها تنظر اليه كأنها تتفحص تفاصيل جسده  وقد توقف بصرها عند الأجزاء المكشوفة منه . همس :
ــ منذ طفولتنا ونحن معا ً . اعتدنا على المصارحة ولم يُخف أحدنا عن الآخر شيئا ً في يوم من الأيام . ألم يقع بصرك عليّ من قبل وأنا على ما عليه الآن ؟
ــ كثيرا ً وكل يوم من أيام الصيف !
ــ ما الذي حدث إذن ؟ هل تشعرين بتحوّل في داخلك نحوي ؟
أطرقت ولم تجب . عاجلها بقوله :
ــ لماذا لا تجيبين ؟  هل أصابك الخرس ؟
انتابتها نوبة استحياء  وخوف فخفضت بصرها وصوتها معا ً :
ــ لا أدري ما الذي حدث لي يا غزوان ؟ انني أنظر اليك هذه الأيام بغير العين التي كنت أنظر بها اليك من قبل !
أجفله ما يسمع . لقد حصل إذن ما كان يتوقعه ويخشى منه . منذ  طفولتهما المبكرة عاشا معا ً . أول الأمر مع أبيهما وأمهما ، وما ان كبرا قليلا ً حتى رأى أبوهما أنه لم يعد مناسبا ً أن يواصلا المبيت معهما في غرفة نومهما فيقع بصرهما على ما يحدث بينه وبين أمهما على سرير نومهما ليلا ً . سيترك لهما الغرفة العلوية إذن ويستقر هو وأمهما  في الغرفة التي تحتها . والى ما قبل يضع سنوات ظلا يضعان رأسيهما على وسادة واحدة  ويلتحفان لحافا ً واحدا ً .
نهض وصار يخطو في الغرفة ، لائبا ً ، واجما ً ، مسكونا ً بالحيرة ، وقد انتابته نوبة لوم : لماذا سمحا لهما أن ينفردا في هذه الغرفة، ولم يحسبا حساب ما يمكن أن يحدث ؟ انسحبت عدوى اللوم اليه هو نفسه : لماذا ظل يظهر أمامها على ما هو عليه الآن حتى بعد أن اجتازت  سنوات طفولتها ؟  يكبرها بأربع سنوات ، ويذكر انها في ليالي الزمهرير والظلام الدامس وتحت دوي الرعد الذي يتفجر ، كانت تبكي من البرد وخوفا ً من الدوي الذي تهتز جدران الغرفة معه ، فتلوذ به ، يحتضنها وتظل تنشج على صدره إلى أن تغفو  ، وها انها كبرت . كم يمر الزمن سريعا ً! انها الآن وسط المرحلة الحرجة في حياتها ولابد من أن يضع ذلك في حسابه . كان عليه أن يفعل ذلك قبل الآن .
استلقى على سريره مشغول البال بعد أن ارتدى منامته. لماذا وضعته دون غيره في ذهنها ؟  هل ان عليه أن يدفع ثمن وسامته الآسرة حتى في بيتهم ؟ يذكر ان الحوامل من نساء الأقارب والجيران كن يأتين في طفولته وصباه ومطلع شبابه ، يجلسن قبالته ، يتأملنه طويلا ً لعل الله يرزقهن بصبي في مثل وسامته دون أن يدري بأن بينهن من كانت تتمنى أن ينام معها ليحقق حلمها المنشود . أشعره تهافت الجارات عليه بفرح غامر بادىء الأمر وصار يغذي اعتداده  بنفسه ، حتى اذا ما بدأ يكبر أخذ يتضايق منه وصارت نسرين تتضايق أكثر منه ، بل انها صارت تغير عليه وتقول : ” اذا كانت كل هذه الحوامل سينجبن أولادا ً مثلك ، فإن عدد الوسيمين سيزداد وتفقد وسامتك معناها وقيمتها وتفرّدها . تصبح أنت شخصا ً عاديا ً ، لا  سمح الله ! ”
تناهى إلى سمعهما حسيس قدمين  يدبان في الممر الذي أمام الغرفة . أومأت برأسها نحو الباب  واستلقت على سريرها وأغمضت عينيها ، انفرجت ظلفة الباب قليلا ً وأطل رأس أمهما . تفحصت الغرفة ببصر قلق وإذ سقط على سرير ابنتها قالت :
ــ نائمة الخاتون ؟ !
تجاهلت تساؤل أمها وإن كانت قد ابتسمت في سلرها . سمعت أخاها يقول بنبرة لا تفصح عن ارتياح :
ــ خيرا ًيا أمي ؟
ردت وقد أدخلت نصف جسدها :
ــ ألا ترى  ان موعد مهاتفة أبيك لنا قد تأخر  أكثر من اللازم ؟
تسرب ضجره خلل صوته :
ــ  لعل مشاغله  أعاقته عن ذلك !
احتد صوتها قليلا ً :
ــ أية مشاغل هذه التي تمنعه من أن يتفقد أحوال عائلته حتى ولو لدقائق ونحن في أيام حرب ؟
قال :
ــ سننتظر إلى الغد واذا لم يتصل نحاول الاتصال به وأنت تعرفين كم هو صعب ذلك .
حشرج صوتها :
ــ لا يمكن أن أنتظر إلى الغد ؟
ــ ما الذي يجعلك تقولين ذلك ؟
ــ غفوت قبل ساعة ورأيت حلما ً سيئا ً . أريد أن أطمئن عليه .
جلس على سريره ونظر إلى أخته المتناومة قبالته الأن وما زال القلق يستبد به . لن يبوح لأمه بشيء . قال لها :
ــ انزلي وسآتي وأحاول .
لم يكن الاتصال من هاتف المنزل يتم بيسر. هذا الهاتف الأرضي هو أحد الهواتف القليلة في المدينة: هواتف مرتبطة بدائرة البريد والبرق وعلى من يريد الاتصال أن يتصل بهذه الدائرة أولا ً وينتظر إلى أن تربطه بالخط المطلوب ، وقد يصبح الانتظار مملا ًحين ينعلق الاتصال المطلوب بمن يقيم خارج البلد .
وجدها تقف قرب الهاتف محتفظة ًبسيماء قلقها . قال :
ــ ما أدرانا أين هو الآن ؟
نظر إلى االساعة المعلقة على جدار الصالة . أردف يقول :
ــ الساعة تقترب من الثالثة !
حشرج صوتها من جديد :
ــ اطلبه على رقم مكان سكناه . يكون هناك في مثل هذا الوقت .
ــ واذا لم أجده ؟
ــ اطلبه على  رقم الشركة .
ــ ومن يقول ان دائرة البريد ستحصل على الرقم الثاني ؟
تهدج صوتها :
ــ حاول ياولدي . لا تنس انه أبوك!
تمتم وهو يتجه نحو الهاتف:
ــ من قال غير ذلك ؟
زوّل الرقم وأعطى دائرة البريد الرقم المطلوب وانتظر . مرّت دقائق ثقيلة حسبها دهرا ً حتى رن جرس الهاتف . جاءه صوت أبيه فناولها السماعة وركض نحو الغرفة العلوية . تسلق السلّم على عجل وحين دخل رأى أخته تهز رأسها متسائلة ً . رد بصوت واطىء :
ــتركتهما يتحدثان .
رفعت رأسها قليلا ً وهي تبتسم ، مطمئنة ً إلى ان أمها ما زالت تواصل الحديث مع أبيها :
ــ لماذا عدت على عجل ؟ !
ــ لعلها تريد أن تقول شيئا ً ولا تريدني أن أسمعه .
ضحكت وقالت بصوت مسموع :
ــ أو لعلهما يتغازلان الآن !
وقبل أن تنتهي من كلامها تماما ً ، انفرجت باب الغرفة وأطلت أمها وقد أحمر وجهها وقدح شرر الغضب من عينيها . قالت تخاطب ابنها :
ــ أسمعت ما قالته الرعناء ؟ أي غزل ملعونة الأهل ؟ كلها بضع كلمات قالها على عجل .
عقّبت ابنتها وهي تخفي ضحكتها :
ــ مختصر مفيد !
تقدمت أمها خطوة إلى الداخل وشتمتها . قال :
ــ المهم .. ماذا قال ؟
ــ لاشيء غير : كيف حالكم ؟ أنا بخير . مع السلامة .
ضحك :
ــ انه مختصر مفيد حقا ً.
صاحت أخته :
ــ ألم أقل ذلك ؟
نظرت أمهما اليهما شزرا ً وغادرت وهي تدمدم  وتبعثر صدى دمدمتها في فضاء المكان .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| آمال عوّاد رضوان : إِنْ كُنْتَ رَجُلًا.. دُقَّ وَتَدًا فِي الْمِقْبَرَةِ لَيْلًا! .

رَجُلٌ مَهْيُوبٌ مَحْبُوبٌ، يَفِيضُ حَيَوِيَّةً وَنَشَاطًا بِوَجْهِهِ الْجَذَّابِ الْوَضَّاءِ، صَدْرُهُ يَكْتَنِزُ جَذْوَةً دَائِمَة الِاشْتِعَالِ بِالْغِبْطَةِ …

| عبد الجبار الجبوري : إنتبهْ، فإنّ البحرَ غدّارُ..!.

لَكَمْ يَمَمّتُ نحو وجهِها وجْهي، وزرْتُ أُهيْلَ حيّها، والقومُ نِيامُ،كانت خيامُ البدو تنأى، والنجوم تغزا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.