د. فاروق أوهان : الأفق الأخضر *

farooq  7                                                      تقديم
                                            ثلاثتهم أحببنها

خانها الوقت فمر سريعا ، أمام وجهها المنكمش ، فجعله يجـاري الـزمن، ويهرب منه الجمال والشباب .. ليبدأ في طور جديد ، وقديم في نفس الـوقت .. إن هذا الإحساس كان ينمو في داخلها على مَـرّ السـنين .. وفـي كـل صباح عندما كانت تنظر إلى وجهها في المـرآة ، بأسـى وابتئـاس .. كـانت  تنقل إلى نفسها ذلك الشعور الأبدي .. وتلك النظرة اليائسة بكـل نفـور وعزله..  اللهم إلا الاجتماع بالمدرسات ، وطالباتها في المدرسة ، ولـم تزل كل يوم تفتح دفتر مذكراتها ، وتقرأ عبارات قرأتها ، وقرأتها مَرّات ومَرّات ، كان لها أثرها في وقت ما ، وفي يوم لن تنساه ، ولم تنسه مطلقا فصار واجب مقرر عليها أن تذهب يوميا إلى صندوق حاجياتها لـترى ، وتضـع قبلة على شيء عزيز عليها ، إنه ولا شك عزيز جدا … جدا … ولكـن هـل يذكرها هذا الشيء بموقف معين؟ أم بشيء ذي أثر قوي عليها؟ لا بد أنه كذلك ، وإلا لما أثّر عليها كل هذا التأثير ، ولكـن مـاذا يخـبِّئ هـذا الصباح؟ بعد كـل هـذا الجفـاء والجفـاف، ومـاذا بعـد الحسـرات؟ هـي الوحيدة تعلم بأنها تركت كـل شـيء فـي دنياهـا السـابقة، تـركت الأهـل والأقارب، وكل ذكرياتها القديمة، وجاءت لتعيش في هذه البلـدة منشـغلة بتدريس الطالبات في إحدى المدارس الثانوية .. ولطالما تمنت أن تتحـقق رغبتها هذه  بعد الذي جرى  أن تبقى هكذا وذلك بالابتعـاد عـن بلدتهـا التي ولدت وترعرعت فيها …. ولكن هيهات .        عندما فتحت  عائدة  عينيها لأول وهلة هذا الصباح ، تصورت أنـه يـوم ككل أيام الأسبوع ، يوم كالأيام السابقة التي مَرّت بها بعد أن  هجـرت بلدتها .. لكنها فجأة تذكّرت أنها في يوم عطلة الأسبوع .. وإنهـا قـد سهرت الليلة السابقة إلى وقت متأخر .. وسألت نفسها عدة مَرّات .. مـا الذي جعلها تنهض مبكرة من النوم ما دام اليوم هو يـوم الجمعـة .. هـل لأنها تعوّدت ذلك !.. وفكّرت .. كم هي غبية لكي تصحو في هـذا الـوقت ، أوووه .. لقد نسـيت أنهـا منـذ الليلـة السـابقة قـد غـيرت برنامجهـا اليومي ،وطريقة سلوكها في الحياة .. منذ وصولهـا إلـى هنـا .. أو عـلى الأقل سوف تغيّره ليوم الجمعة فقط .. صحيح أنها لم تـترك الـدوام فـي    المدرسة حتى الآن .. ولن تتركه أبدا ، لأن ذلك .. سوف يجعلها تنسلخ عن جزء من كيانها الذي تريده ، ولكـن هـذا لا يمنعهـا مـن أن تنـام صبـاح الجمعة ، أكثر من باقي أيام الأسـبوع .. وأن لا تعـود إلـى  روتينهـا  الممل الذي تعودته في صباح كل جمعة .. الفطور .. ثم قراءة بعض القصـص .. والتسلي بسماع شيء من الموسيقى .. وشـيء آخـر أقـل أهميـة .. وهـو    تصفيف شعرها والتهيؤ ليوم السبت .. للظهور بشكل لائق أمام المدرسـات ، أو أمام المارين في الطريق إلى المدرسة .
وأقبلت إلى المرآة بدلال متكاسل تسألها .. وعـلى وجههـا ابتسـامة كانت قد نسيت المرآة شكلها منـذ أعـوام مضـت .. إنهـا نفس ابتسـامتها عندما تفرح ، وتضحك من كل قلبها .. ونفس ضحكتها الراضيـة عندمـا كـانت شابة يقبل عليها الأصدقاء .. لكن هذه الابتسامة فيها الآن شيء ناقص، أو مفقود .. لعلها نسيته بفعل الأيـام الأليمـة .. إنهـا تحـاول الآن تذكّره ، وتقصي ما هو مفقود فعلا ، ها هي الأصوات قد بدأت تترامى إليها من الماضي القصي .. ولكنها أصوات مشوشة .. أصوات مبهمة حـتى أنهـا لا تستطيع تمييز أصحابها .. عجيب .. إنها لا تتذكر حـتى صـوت حوارهـا .. ولكن .. هه .. هه .. وتسـمع صوتهـا ، وكلامهـا بأذنهـا الآن بعـد هـذه الضحكة الرقراقة .. تقول لباسم :
– إنكم تلبسون نفس البنطلونات ، أنت ، وحميد ، وسالم ، ما القضية ؟
ويجيبها الفتى الخجول  وهو يحاول عبثا أن لا يتعثر في الكلام  .. وقد تدفق الدم إلى وجهه :
– إنها المَرّة الأولى التي ألبس فيها هذا البنطلون ..
أجابها بعد أن فحص بنطلونه البني القديم بنظرات خائفـة .. متوجسـة .. إنه لا يستطيع مفارقتها .. أو الجلوس بعيدا عنها .. لهذا فهو يخشى كذلك أن يظهر أي عيب في مظهره .. أو هندامه .. لكنها رغم هـذا تحـاول العبث به ..
– وما هذا عند الركبة .. هل هو تقليعة هذا الموسم ؟
وفجأة رأى الفتى الخجول ، ولأول مَرّة أن بنطلونه ممزق عند الركبـة اليمنى .. فنظر باستغراب .. ثم استدرك بعد أن رآها تركّز نظرها كأنها ساحر يسيطر عليه :
– لقد لبست البنطلون هذا اليوم لأول مَرّة .. وهو على كل حال خـاص بالتمرينات المسرحية  حاول أن يجلب انتباهها .. فهذه فرصته  .. إننـا سوف نقوم بالتمرين على مسرحية جديدة نعدها للامتحان  أراد أن يدعوهـا لمشاهدتها  .. لكنها لـم تُعـر كلامـه أذنـا صاغيـة .. وإنمـا اكـتفت بابتسامة جامدة .. وسرعان ما انشغلت مع صديقاتها في حديث عن الرسم .. وظل الفتى جالسا على عشب الحديقة الرطب .. ينظر تـارة إليهـا ، وتـارة أخرى ، يُسلي نفسه، ويشغلها بتحديد زوايا متحَرّكـة بإطـارات متناسـقة للموضوع الذي سيطوّره على المسرح .. ولكن ضحكة صارخة من  صباح  صديقه الذي جلس بينها ، وبين صديقتها ، جعلته ينهض ليمشي إلى الطرف الآخر مـن الحديقة .. بعد أن شعر بالعرق يرَطّب زجاج نظاراته .. ومَدّ يده إلـى جيبه ، ليخرج المنديل ..
– لقد أسقطت منديلك .. أيها العزيز .
كانت هي التي بادرته ، وكأنها تمثال من المرمر الإيطـالي .. يعـوزه الحركة والنطق .. هذا ما تخيّلها وقتئذٍ .. وعندما نظر إلـى الأرض .. لم يجد سوى قطعة قماش لا تخصه .. لكنه لم يكَذّب ظنها .. أو مقلبهـا، وإنما ابتسم وانحنى ليرفع القطعة من الأرض .. عندها لاقته ابتسـامتها التي يعرفها عندما تكون رائقة صافية .. منتصرة .. وقالت :
– لا بد أن هذه أيضا خاصة بالتمثيل ؟
– نعم  ، وقد قلت ذلك حقا .. هو منديل للتمثيل
وشعر كلاهما بكذبته فقالت :
– لا بد أنك تمثل دورك الآن أيضا ؟
وأحَسّ بما ترمي إليه فأجاب بتواضع :
– كلا وإنما أحاول أن أجد طريقي إليه ..
وبدأ يسرد ما تعلمه من أصول جديدة ، وقواعد هامة لا بـد أن يتقنهـا .. وتردد صوته .. الذي صار كالدوّامة .. تدور في ذهنها .. لقـد سـمعت كلاما كهذا .. مَرّات ، ومَرّات .. عندما كانت طالبة في كليـة الفنـون .. الكل حولها يتكلم .. ويكثر من المصطلحات ، والأسماء .. لكـن الفتـى الخجول ظل في ذهنها .. كعلامة بريئة .. ناصعة .. غير ملوثة .. خاليـة من الزيف .. والتزويق .. وها هي تتذَكّر كيف كانت تتلاعـب بأحاسيسـه ، وانفعالاته .. أمام الطلبة .. فقالت لنفسها .. بصوتها المكتوم :
– عنفوان الشباب
هكذا تكلمت بنفسها ، وشعورها الداخـلي إلـى نفسـها المنطبعـة داخـل المرآة ، مغمغمة بكل ما يصبو إليه الشباب ..  لقد ولدت مجددا  وها هـي الحياة تبتسم لها من جديد .. إنها فرصة .. وقلما تكون الفرصة مثمرة :
– لا بد أن أعوّض عن كل ما فات .
كانت قد قررت الانعزال ، ودفن نفسها إلى الأبد .. وفعلا تَمّ لهـا ذلك .. لقد طرأ تغيير كامل على سلوكها .. في البيت وفي الخارج .. فـي تصرفاتها مع الناس الذين ابتعدت عنهم ، ولجأت إلى الكـتب .. تبحـث فـي بطونها عن منجد مسَلٍّ .. يفقدها عزلتها .. ولهذا فإن الزمن فـي هـذا اليوم .. له قيمته .. ولكل لحظة أهميتها .. ففي كـل رمشـة عيـن هنـاك حساب للوقت الذي لا تتمنى أن يذهب دون أن تملأه سعادة ، وهناء .
والتفتت إلى الوراء .. فحـانت منهـا نظـرة إلـى حـيث الكـتب فـوق أدراجها .. تنظر إليها بشوق .. يتـأمّل أحدهمـا الآخـر .. وكـأن هـذه تعاتبها لنكرانها الجميل بسرعة ، وكأنها تقول لها .. كـم مـن السـاعات قضيناها معا .. ساعات مؤلمة .. وجميلة .. إنها  معاشـرة  لا يمكـن أن تُنسى بسهولة .. وذهبت باتّجَاهها كأنما سمعت النداء .. وكأنها تريـد أن تستطلع أمر شيء ما ، منها ، أو تستنبط رأيا مناسبا لصحة تصرفها هـذا اليوم ، هي الآن أهلها ، ومنهما تأخذ المشورة .. ودفعت يدها بحركة آلية لتأخذ كتابا كانت قد أعدته للقراءة .. لكن يدهـا أسـرعت لتلامس جـميع الكتب التي بجانبه ، برقة ورهافة إحساس .. فابتسـمت لبراعة يدهاـ .. وأرخت خدها على حافة الدرج مبتسمة ، بعيون تنظر إلى الأمل الواقف خـلف المجهول ، والذي يخبئه المستقبل .. وجاءها نداء داخلي :
– أخشى أن تتكرر اللعبة من جديد .
لكن صورة الحياة تمثلت أمامها .. بابتسامة ، وزهرة .. وكلمات كبيرة .. إنها صورة متمثلة بإطار الحياة .. وسـنتها .. فـي تمثـال السـعادة المثلى .. إنه تمثال الفرح الساهر ، ضد التعاسـة ، والشـقاء .. وارتفـع صوتها في ترنيمة شابة تُذكّرها بأيامها السابقة ، وتجعل حياتهـا حلقـة موصولة مع تلك الأيام التي .. لكنها .. سكتت فجأة .. لتسـتبعد خـاطرا مشْؤوما ، ورد بذهنها .. إنها لا تريد أن تربط خيط ذكرياتهـا المقطـوع في طرف النهاية الشابة .. إنها تريـد أن تنسـى تلـك الأيـام التعيسـة والمظلمة .. تنساها أبدا .. لقد حاولت كثـيرا .. وتـوصلت مـرارا إلـى النسيان .. لكن هذا الخاطر الذي جاءها مع الترنيمة ..  أووه .. أووه  وفَكّرت .. لماذا كل هذا التشاؤم .. إنها ما تزال قوية ، وصلبـة. ومـا زال في عودها نبض الحياة ، والسعادة .. وقررت أن تبدأ من جديد ، بعيـدا عما يجول في خاطرها .. رغم أنها نسيت ، أو تناست ذلك الشيء المهـم فـي حياتها اليومية ، وهو الذهاب لفتح صندوقها القديم ، ورؤيـة ذلـك الشـيء     الذي تقبله كل يوم .. قالت :
– يجب أن أنساه تماما .. ما دمت قد وجدت ما يعَوّض عنه ..
إنها ذكرى مؤلمة ولا شك .. ولكنهـا كـانت ولا تـزال تعَـضّ عـلى شفتيها .. لفقدانهـا حبهـا وحياتها معا .. ولكـن لا يمكـن لأحد أن يتحَدّث عن أشيائه الخاصة أمام الآخرين دائما .. إنها لا تحَبّذ هـذا وإلا لعاشت في مدينتها السابقة .. ولصادفت تجارب أخـرى ، ونسـيت كليـا   قصتها .. ولا بد أنها عنيدة بعض الشيء ، أو أنها فقدت عزيـزا لا تريـد أن تفقد ذكراه .. أما الآن فإن الأمر مختلف تماما ، إن شـيئا آخـر قـد حدث .. وتمتمت بإصرار :
– لا بد أن أستعَدّ للخروج .
ترددت في إغلاق باب غرفتها .. لكنها عندما ودّعت غرفتها .. وقبّلت الخالة  فاطمة  صاحبة الدار .. تكلّمت بكل ثقـة وعـزم ، هـذه الطريقـة التي طالما تعوّدت عليها الخالة  فاطمـة  ذات الملابس السـوداء ، وقـد فاجأتها بالقول :
– سوف أخرج هذا اليوم لأغيّر روتين حياتي ..
لكن الخالة  فاطمة  علقت في سرها بالقول :
– لكنك قلت هذا مساء البارحة أيضا ؟
وخرجت  عائدة  إلى الحيـاة ، دون أن تنسـى حـمل المنـديل الأخـضر بيدها، خرجت لتنسى ولو لفترة وجيزة، إنها تحب الحياة ، وتنتظرها بشغف، وسرعان ما غابت بخطواتها الثابتة السريعة فـي زحام الشارع، بعـد أن تحاشت بعض الأصدقاء، هاربة إلى موعد جميل …
وفي مكان الموعد كان  سالم  قد حضر مبكرا .. محَدّثا نفسه :
– الانتظار شيء صعب ، خصوصا في أحوال كهذه ..
إن لحظات الانتظار المقلقة قد تقـود إلـى التصـرّف بعصبيـة .. لأن التوقع ، والتوّجس حالتي عذاب شـديدتي التـأثير .. لـذلك كـانت منفضـة سالم  مملوءة بأعقاب السيجاير .. ويده دائمة الطرق عـلى المـائدة .. بحركات لا إرادية .. فقط عيناه العسـليتان ، فقـد ظلتـا مثبتتيـن عـلى مدخلي المكان ، بينما يصطدم بلور عينيه بزجاج عيون المارة ، والداخـلين .. كأنه يسألهم عنها .. ويـأتي جـواب الأعيـن بأسـئلة جـديدة ، كأنهـا تستفهم هي الأخرى عـن السـبب، والسـؤال .. عـن النظـر ، والالتفـات .. ولربما تساءل أحدهم عن مطلب  سالم  من نظراتـه .. لكنـه ينتبـه لهـذا الأمر .. ويعكس الاتّجَاه من جديد .. ليتدارك الموقف الذي وقع فيه .. إنه يريد أن يتحاشى النظرات .. ولكن ما من مفر .. لأنه ما يـزال هنـا .. وما تزال الأعين تسير أمامه، داخلة ، أو مارّة .. في حـين يظـل هـو محملقا بالباب الذي هو مصدر هذا الشقاء .. بل أنـه الانتظـار .. لقـد اشتبكت عيناه الآن وهي هاربة من عيون الناس ، بأشياء أخرى .. جمد فيها تفكيره .. فهي على الأقل تعطي بعـدا مـا مـن معناهـا .. ولا يمكـن أن يترتب عليها موقف ما .. لكنها كانت تزيده قلقـا .. وتجعلـه يفكـر فـي معنى حياته الجديدة .. كم من مَرّة حّول نظره من واجهة دكان الأقمشـة إلى جهة أخرى .. لكنها تصطدم دائما بالألوان الصارخـة .. التـي سـادت كموديل لهذا العام .. وفكّر .. أن اللون الرمادي ينسجم مع البرتقـالي الذي ينسجم أيضا مع الأسود ، والأبيض .. أسود ، وأبيـض .. أبيييييـض .. رددها عدة مرّات مع نفسه ، وكأنها حلقـة مقطوعـة فـي ذاكرتـه ، أسـود X وأبيض  ، أسووبيييضددد ..
وفجأة تذَكّر مربعات رقعة الشـطرنج السـوداء والبيضـاء ، وتذَكّـر أيضا ، ماذا يمكن أن يتذَكّر ? أجل .. أجل .. تذَكّرها أيـام الدراسـة  وولعها بالشطرنج .. إنها تتحدى الكثيرين ، وقد تحَدّته يوما ما .. هـا هو يسمع صوتها الآتي من الماضي بتحدٍ :
– هل تحِبّ الشطرنج ؟
– ليس إلى درجة كبيرة .
– أما أنا فأنافس الكثيرين فيها ، هل تجرّب ؟
– ما دام الأمر هكذا  ، لنرى .
واجتمع حولهما ثلاثة ، أو أربعة من الطلبة المشـجعين ، لقـد تعَـوّد بعضهم تشجيعها بسبب أو بغيره .. وهي لا تبـالي ..كمـا أنهـا لا تريـد الخسارة ، أو المراوغة .. وتكره الخطأ .
– كلا .. كلا .. لقد لعبت الفيل ، وانتهى أمره .. ليس مـن المعقـول أن ترجعه .. هكككككذا ….
– إنني لم أحركـه مـن محلـه .. لقـد أمسـكته ، ولـم أرفعـه إلـى أي اتّجَاه.
– اتّجَاهه معلوم. مجرد لمسك أي قطعـة ، يعنـي أنـك تلعـب فـي أحـد الاحتمالات ، وهذا التراجع يربك مخططات اللاعب المقابل ، لـن أسـمح لـك بذلك ، فهذا قانون الاحتراف ، لأن لدي خطتي أن الأخرى ..
ووافقها بعض مِمَن كان حولهما .. ولم يطل الوقت كثيرا .. لأنه كان يشعر بأن الكـل يناصرونها .. علاوة على فقدانه التركيز .. خصوصا بعد أن تدَخّل أحدهم في اللعبة .. وصاحت بانتصار أخيرا   :
– كش ملك .. لقد خسرت اللعبة .
– الخسارة بداية الربح .
وابتسمت ، ابتسامة عريضة ورفعت أدوات الشطرنج ، وذهبت مـع صديقتهـا، وبقّي هو هكذا جامدا بلا حراك .. تغلي في داخله نوازع شتى .. وها هـو الآن وقد نسي كل شيء .. وعاد مجددا ليتذكرها ، وبسرعة ، ليعود لنسيانها ثانية .. لكن هذا الباب اللعين سوف يفقده صوابه .. إنه يخاف الانشغال بأي شيء آخر .. لأنها ربما لن تلمحه أن هي جاءت .. وقال معاتبا نفسـه . يلومها :
– لماذا أتيت قبل الموعد هكذا؟ وأنا أعرف نفسي جيدا .
ثم أقنع نفسه  :
– لعلي خفت أن أظهر مقصرا في نظرها لو جئت بعدهـا .. مَـرّة أخـرى هرب إلى واجهة الدكان .. ثم إلى دكان أخر .. وتهادى بعينيه إلـى لـون ينسجم مع ذوقه .. ويريح بصره .. وإحساسه .. إنه يحب الألوان الهادئـة .. المتناسقة .. وقال في نفسه :
– ربما تشاركني ذوقي هي الأخرى .. وهذا جميل لأنني سأراها في إطار متناسق .. يضفي عليها رونقا ، وبهاء .
وتذَكّر جهده ، خلال العام ، عندما كان يلاحظها من بعيد ، أو قريب في النادي .. وكم حاول أن يتذَكّر شكلها ، وصورتها .. كـم حـاول التقـرّب إليها .. لكنها كانت قد وضعت ذلك الحاجز بينها وبين الناس .. حتى كان اليوم الذي سمع ضحكتها .. وتذَكّرها .. تذكر أيـام الدراسـة .. أيـام الشباب ، والسعادة .. فكان اللقاء .. واللقاء .. ودار فـي ذهنـه سـؤال استبعده :
– هل تحب أحدا ما .. بعيدا كان .. أم قريبا ..
لكن شيئا من الأسى يغلفها .. وفي أثر هذا السؤال .. جاءت أسـئلة
أخرى كثيرة ، أقفلت عليه منافذ التأكيد ، والجزم ، أو النفي ، فقال :
– لست أبالي بالماضي .. فقد عرفتها سابقا .. وهي في حاضرها معي ..
– هل تأخّرت عليك؟
قالتها بلهفة وجلست ، بعد أن قام إليها بعجل …
– لم ألحظك عندما دخلت؟
أجابته بعد أن اعتنت بوضع المنديل الأخضر في مكان مناسب تحت حـزام وسطها لكي لا تنساه ، أو تفقده لو قامت على مسرعة :
– لا بد أنك مشغول البال؟
– كلا .. لقد ظللت أتابع الداخلين من البابين ، أكثر من نصف ساعة .
– آآه .. فقد أتيت قبل الموعد إذن ؟
– نعم .
– لا شك أن الانتظار صعب جدا؟
– ليس بانتظارك .
– شكرا جزيلا.. أنا أيضا لا أطيق الانتظار.. إنه يرهق الأعصاب .
وانطبقت شفاه البحر على قرص الشمس الهارب بين غيوم الوحدة الساهرة .. ومّرت النسمات الرقيقة ، هاربة مع أمواج الخليج الصاخبـة ، الطاغيـة على كل صوت .. إلا من دغدغـة القلبيـن الحـبيبين .. وجـاءت النظرتـان مجتمعتين في كل الاتّجَاهات .. تنتقل في جميع الأجواء .. وفـي مخـتلف المستويات .. تهرب بعيدا بعيدا مع الأمواج ، أو بالأحرى عكس اتّجِاهها .. تعبر تدفقها الجارف إلى سواحل الاستقرار .. تهرب مع صـواري السـفن التي تدفع الأشرعة المشدودة إليها ، عكس اتّجَاهات الـريح .. بعـزم .. وتدفق .. وكأنها تتعانق كما يتعانق الحبيبان على هذا السـاحل .. لكـن دوّامة عنيفة، رهيبة تدفع كل هذا التدفق، والعناق .. بعيدا .. بعيـدا ..إلى غياهب الماضي .. كأنها دوّامة بحرية تصارع الأمـواج .. والسـفن .. لتظهر بعنفوانها صورا ضبابية غائبة .. تتبلـور بـالصوت الآتـي مـع الماضي .. هي تحلم بالصوت المتجدد مع الذكرى .. إنه نفس اللقاء .. مع الحبيب الراحل .. على ساحل غير هذا الساحل ، ولكنـه شـبيه بـه ، ويجـيء صوته من وراء الأفق .. عابرا الآفاق .. والبحـار .. هـا هـي تـرى نفس الشمس تنطبق عليها شفاه بحر  مرمـرة  بينمـا تهـرب النسـمات الرقيقـة لافحة وجهها ، هاربة مع أمواج  البوسفور  الصافية .. إنها ذكرى قديمـة تتجدد .. لا تقوى على صدها …
– تلك منارة جامع  آيا صوفيا  .
–  آيا صوفيا  .. أسطورة رائعة .. وغريبة .
– كحبنا ..
– وذلك قصر بوابة المدفع  التوب قابي سراي  .
– كنوزه لا تساوي حبنا .
– ولا تساوي جمال عينيك .
– أتحبين البحر؟
– أحبه ، وأحب خصوصا الزرقة في أمواجه .
– إذن لقد التقى قلبانا .
ومرت باخرة أخرى متجولة بين الجزر المحيطة ب  اسـتانبول  .. إنهـا تنقل الناس من جزر ،  فلوريا ، بيوغ آده ، بروغاز ، يلوى ، قاضي كوي  إلـى قره كوي  ، في  استانبول  الواقعة على الحدود الأولى لأوروبا ..
–  استانبول  وحدة عجيبة .. لا تنفصم عراها مهما اختلفت عناصرها .
– كما لا ينفصم حبنا .
–  استانبول  تجمع بيـن آسـيا ، وأوروبـا .. فـي جسـر مـن الموجـات الرقيقة الانسياب ..
– حقا إنها كذلك .. وإلا لما جمعتنا ..
– هل جلست في ذلك  الإيوان المطل عـلى البحـر؟ في القصـر  “توب قابي” أي الباب العالي؟
– أجل .. وقد كادت الريح أن تجرف ، منديلي الأخضر ..
– لقد حاولت الريح معي ذلك أيضا .. حـاولت أن تجـرفني .. وتـأخذني كالمذهول .. لكن السياج شدني إليه بقوة .. إن مشهد البحـر مـن ذلـك الديوان  رائع أخّاذ .. خصوصا عندما يخرج المرء فجأة في غرفة الحُـلي الكبيرة إلى ريح  الإيوان  .
– كلاهما شديد التأثير .
– مَن ؟
– الريح .. وآواني الذهب المُرصّعة بالمرجان ..
– الريح .. أجل .. قوية .. لكنها لا تجاري قوة الْحـليّ .. لأنهـا
تأتي ، وتهرب بسرعة .. أما الْحليّ فإن قوتها .. تشُدّ المرء إليها .. لأنها ثابتة .. صامدة .. قوية .. لكنها لا تحمل دوِيّـا مزعجـا .. أو جعجعة فارغة تذهب هباء .. لقد بقيت هذه الأواني بعد أصحابها .. وظلّت على رقتها ، تبتسم لكل زائـر ، ونـاظر ، ومحـب  ومـرت سـفينة جـديدة مـن أمامهما ، وارتفع صوتها ، كالزئير .. زئئئييير .. ززززئيييررر .. زئير  .. ها هي  عائدة  ترجع مجددا .. إلى سواحل الواقع لتجده معها ..
– آآآهه ..آسفة .. آسفة جدا .
– كلا .. كلا .. ولكنك كنت كالمـأخوذة .. مَـرّت البـاخرة الأولـى فسرحت معها ، وجاءت الباخرة الثانية فعدت معها .
عقّب سالم وهو يحاول أن لا يشعرها بذنب ، ففـي الحقيقـة ، كـانت قـد تركته شاردة بعقلها ، تحاول تمزيق المنديل الذي تعتصـره بيـن بيديهـا ، وتجفف الدموع التي ملأت مآقيها ، لذلك لم يقم بأيـة حركـة تسـتفزها أو تبعدها عن دنيا أحلامها ، حتى أعادتها الأصوات إلى الـواقع ، ولـم يحـس إلا وهي تخاطبه بتمتمات ، وهما ملتصقـا الجسـدين ، وأضـافت ، تعتـذر مـن جديد :
– آآآهه ، آسفة ، ولكن لا شيء .. لا شيء ..
– يسعدني لو أنني كنت أحد موضوعات تلك الصـور التـي كـانت تـتراءى لك .
– آآهه .. هه ..نعم ، نعم .. كلا .. لا أعـرف مـاذا أقـول .. ولكـن
أعذرني .. ففي أثناء سرحان ذهني .. مع زرقة الأمواج .. أجـد متعـة لا يضاهيها إلا الهروب ، وراء أشهر الربيع المتكررة في زمن مفقود .. أقصد .. لا تعتبر هذا خارجا عن المألوف ، لكنني اعتدت عليه في أيام العزلـة .. وطوّقها بذراعيه لكي يبعد عنها كل شيء ، كل تفكير ، أو شرود يبعدهـا عنه .. أبدا .. لقد عرفها في الماضي .. قوية .. شـجاعة .. مـا بالهـا الآن هشة ، راخية ، تذوب ، أو تهرب ، شاردة مع أية همسة ، أو صوت ، أوضربـة .. وربما حركة لا إرادية .. وسرعان ما مضـى الـوقت .. وهمـا يعـاودان الذكريات ، الواحدة تلو الأخرى .. أيام الشباب .. أيام الدراسة .. كان هو يتذَكّر حادثة ، يرويها لها فتضحك .. وتقـوم بدورهـا .. بـالتطَرّق إلى موقف آخر .. فيضحكان .. وافترقا بجسديهما مؤقتا.. لأن كلا منهمـا يعيش على انفراد .. لكن قلبيهما ، وعقليهما .. لم يفترقا .. هكذا فكّر كل منهما .. دون كلام .. وأرسل كل منهما للآخر ، قبلـة فـي الهـواء .. لتلتقي مع الأخرى في بحر غير منظور .
عندما دخلت  عائدة  غرفتها  .. لم تفكّر في أي شيء .. ولـم تحـلم كعادتها ، وإنما ظلت هكذا ، بلا موقف ، لا تدري ماذا تفعل ، شـاردة .. لا تقوى على إبدال ملابسها ، وإنما انطرحت على سريرها .. وسرعان ما ذهبـت في إغفاءة سعيدة .. هانئة .
لكِنّ  سالم  صارعه الأرق رغم رغبته في النوم .. وظل هكذا يفكّر .. في يومه هذا ، والأيام التالية .. وأخذ يحَدّث نفسه :
– لقد تغَلّب على ذوقي ، وعقلي ، وكل صورة ذهنية .. اللون الذي تحبه عائدة  .. إنها لم تقل ذلك .. لكنني لاحظت أنها متعَلّقة به .. إنـه اللون الأخضر .. لون منديلها ، وربما لهـذا المنـديل تـأثير كبـير فـي حياتها الماضية ..آآآه حياتها الماضيـة .. ليتنـي أعـرف ، ولـو الشـيء لقليل عنها ..  ظل يحاول التَذّكر جاهدا .. فصارعه النوم ، وذهب فـي إغفـاءة ، وجـد فيها نفسه يدفع باب السلالم ، ليصعد إلى سطح بناية الكليـة .. حـيث رأى حميد  ..هه .. هه ..  حميد  ..
– إنه  حميد  إذن .
هكذا حدّث  سالم  نفسه في منامه ، ها هو  حميد  يجلس وكأن الانتظار يقتله ، و عائدة  إلى جانبه على خامس درجة مع صديقتها التي لا تفارقها وابتسم  سالم  صاعدا ، فابتسموا له جميعا .. ورأى أيدي ثلاثتهم تطـول ، وكأنما تريد سحبه إليهم .. فارتفع بجسده النحيل إلى الدرجـة الخامسـة .. وجلس في الوسط بينهما ، وبين  حميد  .. وكأنه في حلمه يتعَمّد الآن إبعاد  حميد  عنها ، وتذَكّر أن  حميد  كان يلازمها في المـاضي كـالظل .. وسالم الآن يحـاول تحاشـيه فـي الحـلم ، كأنـه يريـد أن يبعـده عـن خواطرها ، لقد بدت له في هذه اللحظة أكثر جمالا ورقة .. وغاب معها فـي كلام جميل .. وحديث طويل نسيا كل الآخرين حولهما ، ولم يشعر على الأقل من جهته حتى ب  حميد  الذي نظر إليه مبتسما لا مباليا ، فرغم تنافسهما على ود  عائدة  ، إلا أنهما من أخلص الأصدقاء .. واستغرق سالم في حلمه الذي انخرط فيه بعيدا في الماضي ، منتبها إلـى صديقتـه ، مـا بالهـا لا تفارقها أبدا ، وكأنها نسخة أخرى منها ، لا صديق لها، دميمة، ثرثارة،  نكاتها سخيفة ، لكنها خدومة ، وبخاصة ل  عـائدة  وأصدقائها، تلازمهـا كالظل أبدا ، وملابسها في غير انسجام ، رغم أنها زميلة  عائدة  في فـرع الرسم ، تدرسان على أيدي أشـهر الرسـامين ، مثـل  فـائق حسـن  و  خـالد الجادر  و وكاظم حيدر  و والقبرصي المغترب هنـا منـذ عشـرين عامـا أو أكثر ،  فالنتينوس  ، لكن ، صديقة  عائدة  .. وحار في تذّكر اسـمها ، دون جدوى ، .. فاستمرَّ ، لماذا تلبس كل هذه الْحليّ .. عـلاوة عـلى ألـوان ملابسها الصارخة .. وقلادة برتقالية من البلاستيك ، وثوب أحـمر صـارخ ،  .. وأحمر شفاه لامع .. في حين تبدو  عائدة  بملابسها الهادئة لاخضرار .. ساكنة ، ودودة ، كالوردة الصباحية ، ولعل هذا من أهم الأسباب لتلاصـق إحداهما بالأخرى ، كل منهما تريد إبراز نفسها بجانب الثانية ، من خـلال هذا التناقض ، هذه ليبرز جمالها ، وتبان محاسنها أكـثر ، وتللـك لتفتخـر بأنها وصيفة أجمل الجميلات .
– اسمحوا لي من فضلكم بالصعود إلى فوق .
كان المتكلم أحد الطلبة ، يحمل منضدة الكتب ، خارجا بها من الصف إلى السطح ،.. وللحظة تذَكّر  سالم  رغبته المؤجّلة في الذهاب إلى السـطح ، لكن تضخم الرحلة التي حملها الطالب صـاعدا باتّجَـاههم ، محـا رغبتـه ، لأنها ملأت المساحة التي تراها أعينهم .. وفجأة سمع صرخـة مرعبـة مـن الصديقة .. وسرعان ما رآها تنزل بسرعة .. ونظر إلـى ، أسـفل إلـى حـيث نزلت ، فلم يجد إلا خرزات متناثرة مـن القـلادة البرتقاليـة تهـرب مـن أصابع الصديقة ، كل خرزة باتّجَاه ، وبحركـات ضبابيـة ، مضحكـة وتمتمـات خائفة ، عرف الجميع أن القلادة التي تلبسها صديقة  عـائدة  هـي قـلادة خالة الصديقـة ، وفهـم الكـل أنهـا اسـتعارت القـلادة ، أو أخذتهـا مـن مجموعتها سرا ، لكي ترجعها قبل قدوم هذه مـن الـدوام ، طالمـا اسـتعارت أشياء من مجموعاتها ، ومرت الأمور بسلام إلا أن اليوم مختلف فربما سوف تلاقي أمامها كارثة تتقبلها من خالتها العانس المقيمة في بيتهـم ،  لا تعرف إلى أين ستقودها ، فقال  سالم  متهكما :
– يبدو أن الأمر محتوم اليوم ..
لكنه لم يسمع الرد من الصديقة ، وإنما سمع بكـاء ، وعـويلا صـادرين عنها .. ورغم أن  عائدة  كانت إلى جانبه .. إلا أنه لم يشعر بها بعـد الحادثة ، ولا ب  حميد  .. واقترب من الصديقة ليواسـيها عـلى شـيء لـم يعرف ما هو .. لكنها ابتعدت عنه متراجعة ، كأنهـا تتلاشـى فـي الأفـق ، والصراخ يزداد كلما ابتعدت … كانت تلك آخر مَرّة يشاهدها فيها ، ومع علو الصوت هبّمن إغفاءَته .. وقال لنفسه :
– لعله كان كابوسا ..
وقام إلى الشرفة ليبعد كل خاطر ، وهاجس يمُرّ بـه .. واستنشـق مـلء رئتيه هواء منعشا ، رطبا ، سحبته أنفاسه مـن عبـق الخـليج .. حـيث تطـل شرفته على ميناء الجزيرة التي عُرّفت بجزيرة الظباء ، ومن الشرفة مَدّ عنقه راغبا بالخروج إلى العالم كله ، كأنه يريد الانطـلاق إلـى أبعـد ، وأبعد ، غير نادم على فراق بلده الذي تركه مرغما ، لا يلـوي عـلى شـيء ، وإنما ليحافظ على نقائه ، وصفاء فكـر ، وفنـه ، وأشـعل لفافـة تبـغ صـار مذاقها في فمه مُّرا .. وأخذ يحَدّق في أنوار الشـارع المتراصـة عـلى الجانبين  .. إنها تمتد متلاشية في الأفق .. وفَكّـر كـيف للهـدوء أن يشمل كل شيء ، وكيف أصبح بعد فترة قلق ، أن يخرج إلى الشرفة دون تـردد ، من المسألة ، إن باستطاعته الآن أن ينزل إلى الشارع ويسير حتى الصبـاح دون أوراق ثبوتية ، أو دون أن يتعَرّض له أحد بالسـؤال  ، إذا لـم يقـم بعمل مزعج ، أو مخل ، لقد أحس بذلك منذ الأسابيع الأولى لهجرتـه ، فـرغم أنه كانت يحتفظ بجواز سفره دائما في حقيبته اليدوية إلا أن أحـدا لـم يسأله عنه أو عن أية أوراق ثبوتية ، مما اضطرّه لنسيان هذه العادة بعد أشهر .. قاده هذا لتذَكّر ما قاله هـو و عـائدة  أحدهمـا للآخـر هـذا اليوم .. ففكر .. لقد قلت لها عندما أغمضت عيني .. فرأيتها مجددا فـي مخيّلتي .. بالصورة التي أشتهيها .. ب :
– أنني أحبك ..
وقالت لي ، وهي تفتح عيني بشفاهها ، إنها تحبني مع كـل رقصـة بنـدول لكل الساعات، على مدى الوقت ..
وقهقه مفزوعـا مـن ذكـر الـوقت .. بطولـه ، وعرضهـا ، بتطاولـه ، ولا أباليته ، خارج حدود العمر ، وتذَكّر بأنه لم يسألها عن أهلها ، وبلدتها .. وحتى عن بعض الأشياء الصغيرة الأخرى .. لكنه اكتفى بالقول :
– أعلم أنها مدرّسة في ثانوية ، خولة بنت الأزور ، للبنات .. وأعتقد أنها لا تعلم عني أكثر مما أعرفه عنها ..
وعاد مجددا إلى خواطر اليوم .. والمـواقف المختلفـة .. فتذَكّرهـا عندما استلقت على المقعد الخشبي الخـالي مـن المسـاند .. فكـان حضنـه مسندها ، وسندها الذي سيكون قريبا ، وقال فـي نفسـه عندمـا اتّكـأت فـي المرة الثانية على مسند المقهى :
– خلت أنها تريد الراحة .. ولكن شيئا ما شدني إلى مقعـدي المطـاطي المريح .. هو أنها وضعت راحة يدها اليمنى عـلى إحـدى عينيهـا ، وجـعلت الأخرى ترمش ، بين الحين ، والآخر .. لتحكي مع هذه الرمشات .. مقتطفـات غير مربوطة عن الماضي .. وجاءه صوتها :
– لقد تركت بلدي .. وجئت هنا منذ خمس سنوات ، من أجل العزلة ..
وفكّر :
– آآآهه إن العزلة تعني أشياء كثيرة .. لكنني بقيت مصغيا إليها .. والنتيجة أنها لم تضف ، أية كلمة على ما قالته سابقا .. وتكلم بصوت مرتفع ، بعد أن رمى عقب سيجارته ، بقوة من الشرفة ، يَبغي إسقاطها في حفرة تَجَمّع فيها الماء .. لكنه أخفق :
– إن ذلك لا يعنيني الآن ما دمت أعيش معها اليوم .. ومادام كل شيء يعيش معها في الحاضر ..
وخطر بذهنه مجددا ، كيف انقطع حلمـه الآن .. وكـيف أنـه لـم يسـتطع إكمالـه .. وبـدأ يـربط أشـتات الحـلم .. الدرجـات الخـمس ، والقـلادة البرتقالية المقطوعة ، لكنه تذَكّر ، أنـه لـم يـر المنـديل الأخـضر .. وماذا عن  حميد  .. هل هو الشخص الذي كان في حياتها .. إنـه يعـرف أن حميد  قد مات ، ما دخل الصديقة ، والطالب الصاعد إلى أعلى ، ولماذا نسي هو نفسه الصعود إلى فوق ، وحاول ربط ما حدث اليوم ، عـلى السـاحل ، ومـا حلم به فلم يستطع ايجاد أية اشارة للربط ، وهكذا … أللهـم إلا غيـاب المنديل في الحلم ، ووجوده في الواقع وتعلق  عائدة  بـه كثـيرا، حـاول نفي مشاعره خوفا من أمر نحس يكره حدوثه، لكنه لا يؤمن به غالبا :
– آآآوه …
وقال لنفسه :
– لقد كان حلما مزعجا على أية حال ..
وعاد لكي ينام .. لكن ساعات الليل بعد تفكير مركّز ، لا بد أن تكون طويلة جدا .. وهكذا بدأ من جديد يفكّر .. ويفكككر .. ولم يجـد نفسـه إلا منتقلا إلى غرفتها .. وفجأة تساءل :
– لكنني لم أر حتى الآن غرفتها. فكيف لي أن أتخيّلها ، وأحلم بهـا.
إنه شيء مقلق حقا .. لا بد أن أنهي كل شيء غدا .. وأتزَوّج .. نعم .. سأتزَوّجها ، رغم كل شيء ..
وسرعان ما هدأت نفسه ، واستقَرّت .. فانسدل سـتار جفونـه برخـاوة على عينيه ليغلقهما.. ويغلف تفكيره، بوشاح ملّون كقوس قـزح .. وذهـب في نوم عميق .. عميييييييييييق .
وأرتفع صوت مضيفة الطائرة ، معلنـا ابتـداء الرحلـة ، وتكـلمت بلغـة عربية مصحوبة بلكنة تركية ، لتحدد الارتفاع الذي سـتير عليـه الطـائرة ومدة الرحلة ، والمكـان الـذي سـتتوقف فيـه الطـائرة فـي رحلتهـا إلـى استانبول .. وقالت :
– وستكون مدة البقاء في مطار دمشق ، ساعة فقط .. للـتزود بـالوقود ، بينما ينزل ، الركاب ، ويصعد غيرهم ممن تذاكرهم ليست إلى  استانبول  ..
نظر سالم إلى وجه  عائدة  وهو يحوّل نظره عن المضيفة التي راحـت تشـرح التعليمـات الخاصـة للمسـافر .. فــي الحــالات الاعتياديّــة ، والاضطراريّة ، عندما أحس بأنها إلى جانبـه بجسـدها فقـط ، غائبـة عنـه بوجودها ، ووجدانها الداخلي ، وتلمّس بإصبعه خـاتم الزفـاف الـذي أحـاط إصبعها ، غير مبال بالمنديل الأخضر عـن تعمّـد ، وراح يتخـيّل السـعادة التي ستجمعه معها ، في القريب من مستقبله السعيد ، بينما بدأت هي تبعـد عنها الخواطر التي عاودتها الآن ، بعد أن استقلّت الطائرة منقادة إلـى هواجسها بدافع خفي لا تعرفـه ، ولقـد دفعـت معهـا  سـالم  لركـوب هـذه الطائرة المتجهة إلى  استانبول  ، ولا تعرف هل ستذهب إلى المكان نفسـه  الذي ذهبت إليه مع زوجهـا السـابق  حـميد؟.. إنهـا تريـد أن تبعـد الخواطر ، وتريد أن تتحدى حتى نفسها ، بقوة ، وصلابة ، تريد أن تقضي عـلى كوابيسها .. بالتحدي .. و .. و .. ها هي تتخيّل نفسها بثوب الزفاف مع حميد  .. تصعد الطائرة .. و .. لكنها لا تريد أن تتذكّر الطـائرة .. خصوصا في عودتها .. لا تريد تذَكّـر رحلـة العـودة ، لا تريـد ذلـك .. لأنها تريد أن تبعد عن مخيّلتها منظر حلة السواد التي كـانت تجللهـا ، ولهذا ، فتحت عينيها وابتسـمت بـدلال ل  سـالم  ، مسـتجيبة لمداعباتـه ، وابتسامته ، لكن السؤال يدور في داخلها .. أهو جواب على نظرات  سـالم القلقة الملحاحة ، هل تقول لـه كـل شـيء ..؟ أو أي شـيء .. لمـاذا ..؟
لماذا لا تقول؟ .. ولماذا تقول ..؟ .. ولمـاذا  ، لمـاذا لا تريـد أن  تقول؟ … لتدع كل شيء يأتي في وقته ، وبمجراه الطبيعي ككل الأحـداث ، ولا تتعجّل الأمور ..
واصطدمت كتف  سالم  اليسرى بالمارة عدة مَرّات ، وهو يسير إلى جانب عائدة  في الشارع المزدحم بالناس ، من مختلف الجنسيات .. يحاول في كل مَرّة تفاديهم ، وهو يخشى أن يصدمها أحدهم فـي كتفهـا عمـدا ، أوعفـوا ، خصوصا وأنها تسير في الشارع كالحالمـة ، لا يعلـم هـل هـي مبهـورة ، أم سارحة في إحدى حالاتها الذي يفهمه فقط أنها تعرف هـذه المدينـة جـيدا  تعرف شوارعها ، وهي التي تقوده من شارع إلى آخر ، ومـن محـل إلـى آخـر ، وفكّر :
– لماذا لا يستطيع الناس النزول من على الرصيف ، والسير في الشارع ، بدل سيرهم هكذا ، متضايقين في أرتـال متراصفـة ، منتظمـة ، رغـم اخـتلاف الأهداف ..
وتصوّر نفسه معها .. دون هؤلاء ، إنه الآن سعيد لأنـه لا يسـير فـي مسالك الآخرين .. يسير على هواها .. وعلى رغبتها التـي تقـوده إليهـا وفي محطة  قره كوي  ركبا الباخرة التـي تنقـل المسـافرين إلـى الجـزر المنتشرة في أرخبيل  مرمرة ، والبوسفور  .. وقال لها :
– إنك تعرفين هذه المحلات حق المعرفة ..
– نعم .. فقد كنت أأتي إلى هنا مع والديّ كل صيف ، عندمـا كـنت فـي الثانوية .
وأحس بأنها أقفلت بوجهه كل الأبواب ، أما هي فقد أحست بأنها لم تقل كل شيء .. وسرعان ما جذبها صوت تحَرّك الباخرة ..فأصابهـا الـدوار .. وعرفت أنه ليس دوار البحر ، وإنما دوار تخافه .. وتخاف أن تـراه .. لا لشيء ، إلا لأنها تخشى التذَكّر .. أأأؤه .. وشـعرت برعشـة رهيبـة فـي جسدها ، وهي واقفة إلى جانبه .. وتمايلت ، لكنه أسـندها إليـه فـي آخـر  لحظة .. فراحت تغمض عينيها باطمئنان .. وفكّـرت .. إنهـا لـولاه لمـا حاولت  ، أو جرأت على أن تأتي مجددا إلى نفس الأماكن التي عاشـتها فـي أسعد ، وأتعس أيام حياتها ، ويتراىء لها وجه  حميد  زوجها الغارق عندما حاول انتشال امرأة سقطت من المركب في رحلة مماثلة بين الجزر ، وتحـاول عائدة  ابعاد هذا التصور فتغطي وجهها بالمنديل ، وتشم الرائحة الخاصة فيه .. وهكذا لم تجد  عائدة  نفسها إلا وهي تنزل من الباخرة .. هاربة بسرعة تجرجر خلفها  سالم  إلى ذلك الفندق .. فندق النجوم  يلدزلر  .. وقد وقفت أمام موظفة الاستقبال تطلب منهـا الغرفـة رقـم  103  دون أن تعرف لماذا ، هذا الإصرار على الاندفاع وراء هواجسها ، و سـالم  يبتسـم بغير مبالاة ، لا يرغب  بأن يعطّل ، أو يفسد عليها أحلامها ،  أحلام مـا بين اليقظة والمنام  .. ورغم ذلك فهو يحسـها فـي حالاتهـا هـذه أكـثر استجابة له ، وأقل تشنجا .. ولا يعرف ما السبب ، لكنها بالتـأكيد تعـرف الحقيقة أكثر منه رغم هروبها .. أو ابتعادها عن هواجسها ، إنهـا تعـرف بأنها تمارس لذّة مزدوجة عندما يقبلها .. أو يحَوّطها بذراعيه ، إنهـا  تحس به ، ولكنها تتخيّله .. زوجهـا  حـميد  .. وكـم مـن مَـرّة حـاولت الابتعاد عن هذا التخيّل ، لكنها لا تقوى ، لا تقوى الآن على الأقـل .. وهي بإصرارها .. تريد أن تبني كيانها ، من خلال محو الذكريات السابقة ، عندما تمّر مع  سالم  بكافة الأماكن التي كانت بها مع  حميد  ثم إنها قدر الإمكان سوف تتحاشى عدم ذكر زوجها ، أو على الأقل مأساتها ل سالم  لكي لا تكون عائقا آخر بينهما ، في الأيام التـي تـلي نشـوة السـعادة ، العابرة ، لقد اختارت  سالم  لأنه كان صديقهـا ، وصـديق  حـميد  بـل أن سالم  كان الأقرب لها كصديق ، وليس كحبيب ، بينما كان  حـميد  الحـبيب أكثر منه الصديق ، وقد اختارت سالما لا لأنه يذكّرها ب  حميد  ، ولا .. لأنها سوف تتخيّل فيه زوجها السابق ، وإنما لكي تبدأ معـه حياتهـا مـن جديد ، وفي نفس المحلات ، حتى يسـاعدها عـلى نسـيان المـاضي ، فـإذا مـا تذكّرت معه هذه الأمكنة أو بدونه فإنها لن تخاف من تذكّرها ، أو ذكرها مع نفسها أو أمامه ، لعلها بذلك تنسى الماضي ، أو تعيـد بنـاءه ، بمـرور الزمن ، لأن الذكريات وبخاصة عن مناسبة عزيزة عـلى الإنسـان مثـل شـهر العسل لا بد أن تعود على مدى العمر في كل لحظـة تقـترن الأمـور بهـا ، وتتضخم كثيرا كلما مرّ العمر ، وكم شعرت بحـزن إحـدى صديقاتهـا لأنهـا تزوجت ، دون مراسيم زفـاف ، لأن والـدة العـريس كـانت قـد تـوفت للتـو ، وتتذكرها في كل مرة تتحسر عندما ترى إحدى العـرائس تلبس بدلـة العـرس البيضاء ، وكم تمنت هذه أن تلبس البدلة البيضاء ، وتذهب مع زوجهـا إلـى لمصور لا لشيء إلا لتختلق لنفسها ذكرى  .. وعلى هذا فهي على استعداد الآن لتصارح  سالم  بكل شيء ، وتقول له أي شيء عن حياتها ، لو أنه طلـب ذلك ، كل شيء حتى عن زواجها ، وعن المنديل الذي تحمله بيدهـا ، أنـه ليس إلا هدة  حميد  الغالية ليلة الزفاف ، هو منديل جدته لإمه سليلة أميرة تركية ، ظل عبق العطر يلازمها منذ ما يقرب القرن من السنين … ولكن  سالم  لـم يبـادر بسـؤالها حـتى الآن … فلمـاذا تبـادره بالمصارحة؟ وكيف تبدأ؟ ..لا.. لا .. لا يمكن .. ولن يمكن .. ما دام سالم نفسه لم يسألها ، لعله لا يعرف .. ولعله يعرف ولا يريد السؤال .. ولعله لا يريد أن يعرف أبدا ، وذهبت فـي إغفـاءَة حـلمت خلالهـا حلمـا كالكابوس .. تخيّلت  سالم  يرتدي ملابس الغوص ، أو بدلة رجـل فضـاء .. وهو إلى جانبها في الطائرة .. فـتراه تـارة يغـوص فـي المـاء لإنقـاذ حميد  وتارة أخرى يقفز من الطائرة ، أو يهرب منها ، أو يقترب إلى درجة تطوله يداها لكنها لا تحس بملمسه ، وتارة ثالثة يسبح في الفضاء كما في الأفلام ، ثم يغوص نهائيا في ماء ثقيل ، وببطء شديد ، ويتراءى لهـا وجـه حميد  الغائب وقد انتشله الغواصون من البحر  ،  وهي حائرة فـي أيهمـا تفجع  ، ولكن .. آآآآهههه .. آآآههه .. وتصرخ فزعـة ، فتصحـو .. ويكـون سالم  إلى جانبها .. يهدئها ..
– ههه .. يا حبيبتي .. ماذا .. أهي الكوابيس مجددا .؟
– آآه .. نعم .. نعم .
– ماذا .. ماذا رأيت؟
– أوووه … لا أستطيع .. لا أستطيع ..أين كنت طوال هذا الوقت؟
– في الحمام هنا في الغرفة ، أخذ  الدوش  لماذا؟
– لا شيء .. لا بد أنه الدوار من جديد .
– حسنا .. سأجلب لك عصيرا باردا .
ويذهب  ، لتبقى هي وحدها حائرة .. إنها لا تستطيع أن تحكي لـه حـتى حلمها .. وفجأة .. تقرر .. مع ذاتها .. أن تبـدأ .. مـن جـديد .. مـا دامت قد حققت ما أرادت .. فقد طوت الماضي بهذه الرحلـة .. وعـلى هـذا السرير بالذات .. بكل مفارقاته .. لا بد أن تبدل الغرفة الآن ، وكـذلك الفندق ، وتبدل أيضا أي خاطر يمر بذهنها ، حتى تستطيع أن تبني ل سـالم    في مخيّلتها ، المكانة التي تليق به ، في نفسها ، وحياتها ، وحبها ، وتنهض من جديد ، لتقوم بلم الحاجيات استعدادا لترك الفندق ، لكنها ترى صورتها في المرآة ، فتضحك على نفسها ، من نفسها ، تضحك ، بعمق ، وصـدق افتقدتهمـا طويلا ، وتدور وهي تضحك حتى تجد أمامها  سالم  مبهوتا ، وهو يحـمل قـدح العصير ، الذي فضل جلبه إليها بنفسه ، والإشراف على عصر مكوناته ، فتقفز إليه بكل حب وحنان .. فتعانقه .. وتقول :
– هيا يا حبيبي .. هيا نحمل حقائبنا ، ولنبتعد عن هذا المكان ، إلـى مكان آخر غيره ، مكان جديد ، وإلى حياة جديدة ، إلى شهر عسل جديد .
وهكذا يبتعد صوت الباخرة التي تحمل  سـالم و عـائدة  الحــبيبين الجديدين ، عبر الأمواج ، بعيدا عن جزيرة  فلوريا  ، وفندقهـا ، والغرفـة رقم  103  .. بعيدا إلى عالم جديد جميل .. إلى حياة جـديدة سـعيدة .. وسرعان ما يتلاشى صوت الباخرة .. مع صورتها المرتسمة في الأفق .. أفق الواقع .. بعيدا عن آفاق التأملات ، والأحلام .. ويبقى هنا عـلى حافـة إحدى السفن ، منديل  عائدة  الأخضر الذي أفلت من يدها لأول مَرّة ، وهي تبتعد عن ماضيها .. ذاهبة إلى الأفق الأخضر .

* نشرت ضمن مجموعة الحصان والثلج عن دار مكتبة الحياة ببيروت 1997.
        * نشرت في ملحق جريدة الخليج الثقافي العـدد (16) بتأريخ 7\7\ 1982 .     وكتبت في نيسان/ إبريل 1982 .  

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. قصي الشيخ عسكر : الرجل ذو الوجوه الجديدة – قصة لمحة .

كلّ يوم يبدو بوجه جديد وجه يختلف عن الوجه السابق حتى هو نفسه إذا نظر …

| محمد الدرقاوي : انغماس….

قصة حب عمرها فاق الخمسين سنة في ثلاث فصول 1 ـ انغماس 2 ـ قناديل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.