حامد سرمك حسن : إنسانية التجربة الفنية

hamed sarmakيتجاوز الفن في لغته حدود الزمان والمكان، لأن لغته هي لغة الإنسان التي تنطق بلسان المشاعر والتي تتلقفها آذان القلوب البشرية في أرجاء الأرض وعبر الحقب والأزمان، إنه اللغة الإنسانية المشتركة التي يفهمها الناس بغير قيود المعاني واللكنات التي تقف حائلاً بين لغات الشعوب . والتعاطف مع سائر الكائنات والشعور بالمسؤولية تجاهها واحترام مكانتها والاعتقاد بصدق وعمق وظيفتها وأهميتها هو أساس الفن العظيم، ولا يمكن للفنان معاملة  الوجود والكائنات وفق هذا المنظار إلا إذا أحب، فتأمُّل الفنان في الكائنات إنما هو لاكتشاف حقيقتها وماهيتها مما يؤدي إلى حبها، ((إن الفنان يتأمل من أجل أن يستوفي الحب، إن عاطفة الحب هي مبدأ الشعور الفني))( ).  فالفن يعد اللغة المشتركة للإنسانية، اللغة التي تعتمد على ما يتميز به الإنسان عن غيره من الكائنات، العاطفة،الجمال، المشاعر الصادقة، العقل. فالفن لا يعرف الحواجز، ولا يعترف بفوارق اللغة، والتربة، والدين، والجنس، لأنه تعبير جميل عن الإنسان، في أوسع مجالاته ومفاهيمه، فيلتقي فيه البشر –جميعاً- بوجداناتهم، كما يلتقي الأخ بالأخ في الأسرة البشرية الكبيرة: {وكذلك، جعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا} (الحجرات، 13) والناس صنفان، إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق.

والفن، بطبيعته، لابد أن يكون نابعاً من تجربة معينة قد خبرها الفنان ثم يسعى لنقل حالته الوجدانية والشعورية الناجمة عن تلك التجربة بحسب النوع الفني الذي يمارسه، فيتم التعبير عن ذلك الشعور إما بالحركات أو الأصوات أو الألوان أو الكلمات، والتي يتوجب أتكثيفها في صورة  فنية يحدسها خيال الفنان ليجمع شتات مشاعره وأفكاره في إطار واحد ينبع من صميم العمل فيصهره في وحدة واحدة.

تولستوي
تولستوي

يرى تولستوي إن الفن نشاط إنساني وجداني يعبر عنه الفنان تعبيراً واعياً بوسائل خارجية، وهو بهذا يوصل أحاسيسه التي عاشها وجربها إلى القارئ الذي يتأثر بها بدوره، فيحس بإحساسه. هذا التصور حول طبيعة الفن عند تولستوي لا يخرج عن الإطار الذي حدده لوظيفة الفن المتعلقة بنقل إحساس الفنان إلى الآخرين، كما ذكر في مكان سابق من هذه الدراسة. وفاعلية العمل الفني المنجز بوصفه تعبيراً عن تجربة شعورية، تتوجب على الفنان الابتعاد، زمنياً ومكانياً، عن موضوع التجربة ليتاح له فرصة التأمل والتوغل في أبعادها لسبرها والخروج منها بالعبر والصور الجميلة، والتوصل إلى ماهيتها. ذلك كله للوقوف عند أساس العلة المسببة، مما يتطلب من الفنان أن يكون على مسافة كافية فيما بين الموضوع والذات فلا الإنفعال والعاطفة الطاغية ولا برودة المفهوم المنطقي بقادرين على تحقيق عمق التجربة في العمل الفني، لأن طغيان أي منهما لابد وأن يؤدي إلى تخلف في التعبير. أن تكون التجربة في الأثر الفني مستعادة وليست آنية، يقول “تولستوي”: ((تعمل وظيفة الفن على أن يستعيد الفنان من نفسه عاطفة كان قد اختبرها، وبعد أن يستعيدها يعمل على بثها في النفوس بوساطة الحركة والتخطيط والألوان والصور المنعكسة في كلمات. ويتم ذلك على نحو يمكن الناس من اختبار تلك العاطفة في العمل الفني كما اختبرها هو في عالم الواقع))( ).

يدلي الشاعر “وردزورث” من خلال نظريته في الشعر، برأي مقارب لرأي “تولستوي” الآنف الذكر والذي يؤكد أن الفن في طبيعته تجربة مستعادة، الغاية منه نقل الأحاسيس إلى الآخرين، يقول “وردزورث”: يصدر الشعر عن الانفعال العاطفي المستعاد في حالة الهدوء، فالانفعال يستعاد في حالة الهدوء، حتى تختفي هـذه الحالة ويحل مكانها انفعال واعٍ هو الانفعال المبدع الخالق، الذي

ووردزورث
ووردزورث

يوصل به الفنان أحاسيسه إلى القارئ؛ فكلا الفنانين يتفقان على أن الفن عملية توصيل أحاسيس إلى المتلقي، أما رأي وردزورث في الشاعر فانه إنسان يتحدث إلى إخوانه في الإنسانية فيسمع صدى كلامه في نفوسهم، وهو عين رأي “تولستوي” في الفنان الكامل( ).
ولما كان الفن وليد تجربة شعورية حية فانه ينبع من صميم الفنان ويتفاعل مع المتلقين عن طريق المشاعر والأحاسيس والعواطف والهموم المشتركة التي تحيا مع تجربة الفنان طالما أنهم أبناء مجتمع واحد يمتلك مـن الأوتار المشتركة المتعارف عليها. لذلك لا يمكن للفن أن يفرض فرضاً على الفنان أو المجتمع ما لم يكن نابعاً من جوهر آماله وتجاربه ومن عمق تربته التي يحيا عليها. فالفن، في حقيقته، ((مثل شرارة وهي تشع في الوقت المناسب بين قطبين متناقضين، أحدهما فردي والآخر يخص المجتمع، إن التعبير الفردي رمز اجتماعي شرعي أو أسطورة(*1)  ))( )  .
على الرغم من صدور الفن عن تجربة ذاتية خاصة ومحدودة، إلا انه يمتلك القدرة على مخاطبة كافة شرائـح المجتمع بل حتى الوصول إلى مناطق شاسعة على مستوى الإنسانية. يقول “أليكسي تولستوي”: ((إن الفن يستند إلى تجربة ضيقة “بالمقارنة مع العلم” إلا إنها تجربة تميط من خلالها جسارة الفنان وثقته القناع عن تعميمات عصر بأكمله))( )، فالفنان هو إنسان، والإنسان في طبيعته عاجز عن الإلمام بكافة حقائق الحياة وجزئياتها ودراستها، لذا يلجأ الفن إلى التعميم وإلى إبراز المفاهيم والماهيات من خلال مصاديقها، وان كان مصداقاً واحداً بوصفه نموذجاً من عمل الفنان وخياله، ومهما تكن نوعية المعرفة التي بحوزة الفنان، إلا إن الفن لا يتكئ إلا على التجربة المباشرة التي يحياها الفنان، والذي لا تخونه أساليب الاستبطان(*2) والحدس والتأمل وقوة الذهن ودقة الملاحظة والخيال الخالق، والتجريدية التي هي، أي هذه الصفات، أساساً السمات المميزة للموهبة الحقة. فالفنان، في حقيقة الأمر، ((مدين بنجاحه، كما هو واضح، للخبرة الضخمة السياسية والسيكولوجية التي يحوزها ولتمتعه بنظرة أتاحت له التفكير بمقولات شمولية عريضة، ثم الحدس هذا النوع من الهبة الإبداعية التي يصعب اختصاره ضمن تعريف محدد يمتلكه بدرجات متفاوتة جميع الفنانين العظام))( ).

هوامش :
(1)   الصورة الأدبية- د. مصطفى ناصف – دار مصر للطباعة، مكتبة مصر – ط1، 1958. : ص6.( ) الأدب الثوري عبر التاريخ: ص157.
(2) ينظر: مقالات في النقد الأدبي- د. محمود السّمرة – دار الثقافة، بيروت – د.ط، د.ت. : ص72.
(*1)  ثمة سمات مشتركة بين الأسطورة والإبداع الفني وبالأخص من حيث شروط الشكل الفني والوظيفة الجمالية سنعرض لها بشكل أكثر تفصيلاً تحت مفهوم “أسطرة التجربة”:في طبيعة الفن(الفصل الثالث من هذه الدراسة).
(3) الفن والمجتمع: ص12.
(4) البيلوجي والإجتماعي في الإبداع الفني؛ مجموعة مقالات مترجمة عن الإنكليزية- ترجمة: محمد سعيد مضيّة – دار ابن رشد للنشر والتوزيع، عمان، الأردن- ط1، 1986. : ص31.
(*2) الاستبطان: “العملية التي بها تشاهد الذات ما يجري في الذهن من شعوريات بقصد وصفها لا تأويلها”. ((المعجم الفلسفي: ص12)).
– من مصطلحات الفلسفة وعلم النفس، ومدلوله أن تعي الذات باطنها لتقدير  ضميرها في حد ذاته بصفة نوعية أو لتقدير الضمير الإنساني عامة عبر الشعور بالضمير الفردي. ((الأسلوبية والأسلوب: ص142)).
(5) البيلوجي والاجتماعي في الإبداع الفني: ص33.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. هايل علي المذابي : لحية وبيادة!!.

شيئان قيّمان في الوطن العربي: اللحية والبزة العسكرية!! كانت اللحى في أزمنة غابرة مبعثاً للطمأنينة …

| هاتف بشبوش : آلان ديلون وعلي الوردي ..

مات زير النساء وجميل الستينات والسبعينات الممثل الشهير (آلان ديلون ) بطريقة الموت الرحيم ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.