سلام إبراهيم : في باطن الجحيم؛ رواية تسجيلية وثائقية عن حملة الأنفال من 1987 إلى 1988 (القسم الثاني)

salam ibrahim 7مع قاضية المحكمة الهولندية في لاهاي

ـ عندما أدخل الدكتاتور رفاقي في الجنون ـ

رغم غياب الطاغية عن جلسات المحاكمة، فما زلت أتابع تفاصيلها، متأسفاً لإعدامه لجريمة لا تقارن بجريمة الأنفال أو التهجير، أو قتل عشرات الآلاف ممن خطفوا من الشوارع وأماكن العمل ووحدات الجيش والمدارس وكل مرافق الحياة. كان بودي أن يطول آسره ليسمع ما فعلت يداه بأبناء وطني، مع ذلك لم يخفت حماسي في الإنصات ومراقبة وجوه الشهود المنتشية، ووجوه الطغمة المكسورة، التي كانت اليد الضاربة للدكتاتور، والتي قامت بالتنفيذ الفعلي لجرائمه على الأرض.  عدا أن ما يسرده الشهود يشكل فصلاً مهماً حدد مصيري لاحقا.
أتابع جلسات المحاكمة مستفزاً من صلافة زمرة الطاغية وهي تتصنع البلاهة وتسوق مبررات واهية، يعرفها كل من عاش تلك التجربة سواء أكان في مدن كردستان أو في ريفها البعيد الذي يسيطر عليه الثوار. فلا وجود لقوات عسكرية إيرانية في أية بقعة من بقاع كردستان، لا في السليمانية، ولا في أربيل، ليس القوات الإيرانية فحسب بل لم يكن ثمة تواجد عسكري للأحزاب الشيعية التي تدعمها إيران، فطوال فترة جوباني أرجاء كردستان لم يصادفني إلا نادراً أنفار منهم في طريقهم للهروب إلى إيران أو التسلل إلى داخل العراق.
رغم وجودهم في القفص لم تزل وجوههم تحتفظ بقسوتها وصلافتها وتدافع عن الجرائم التي أقترفتها بحق العراقيين ومنهم الأكراد والثوار في الأنفال، وتجعلني أشعر بالخجل حينما أقارنها بموقف المدعى العام الهولندي الذي أعتذر لي عن جريمة أقترفها تاجرسلاح من بلده.
أشعر بالخجل من قسوة أبناء جلدتي وهمجيتهم ممن كان في السلطة وتحكم بمصائرنا قتلاً وتشريداً.
أشعر بالخجل وهؤلاء القتلة بدلاً من أن يعتذروا للضحايا، يدافعون عما أقترفوه!.
في الساعة الثانية عشر من صباح يوم من أيام المحاكمة، وعندما رُفِعتْ الجلسة لاستراحة الظهيرة. قمتُ من أمام التلفاز منتشياً من وجوه أولئك الفلاحين الأكراد المتماسكة وهي تقف لتروى ما رأت وتجشمت من أهوالٍ بصوتٍ واثقٍ قوي يزيد من صلابة وجوههم المتخذة من صلادة الجبل قوامها. وجوه كنت منذ التحاقي في نهاية صيف 1982 أطيل التحديق في ملامحها، في غرف بيوتهم، وهم يقدمون ما توفر من زاد للثوار، أو حينما تحتدم معركة فيقومون بتوفير الزاد والعتاد للثوار المنشغلين على القمم ومتاريس السفوح وهم يصدون هجوما للجيش، أو في رحلة الهجرة الطويلة مع حشودهم صوب الحدود التركية، ثم في معسكرات اللجوء في أقصى الشمال الإيراني. وجوه  تقف أمام طغمة الطاغية وتروي فأحسها بعمقٍ وشجنٍ مختلف تماماً عما يحسه المشاهد ممن لم يعش التجربة بالجسد خطوة.. خطوة..
نهضتُ قاصداً مدخل البيت كما أفعل كل يوم لفتح صندوق البريد المعلق جوار الباب الخارجي، فوجدت رسالةً على غلافها مطبوع أسمي وعنواني. قلبتها باحثاً عن المرسل. كان المرسل هولندياً. فتحتها على عجل. وعلى ضوء مصباح ممر البيت المتدلي من السقف قرأتها. كانت من محكمة ـ لاهاي ـ ترجو مني الاستجابة لطلبها في سفري إلى هنالك للإدلاء بشهادتي حول الأنفال في قضية تاجر السلاح الهولندي ـ فرانس فان ـ الذي كان وسيطا يزود العراق بمواد أولية لتصنيع الأسلحة الكيماوية، ( اخبرني المترجم حسين اليزيدي  ونحن بانتظار الدخول إلى غرفة التحقيق بأن هذا التاجر منحه صدام حسين الجنسية العراقية وأسمه العراقي ـ فارس ـ ولدية بيت في شارع حيفا وأنه حكم أقصى حكم في القانون الهولندي 15 عاما لكنه طلب التمييز وستعاد المحاكمة في الشهر الرابع 2007، وأخبرني أيضا بأنه باع كل ما يملك ونقل المتبقي من أملاكه إلى أولاده وعائلته كي لا يدفع تعويضاً للضحايا )   وستقوم الجهات الهولندية بتحمل نفقات السفر والإقامة.
لا أدري من زودهم بعنواني، ولم أسأل عن ذلك فقد  وجدت أن قاضية التحقيق لديها محضر التحقيق الذي أجراه معي المدعي العام الدنمركي، معنى ذلك أنها حصلت على عنواني منه. كان تحقيقاً مضنياً أستمر من التاسعة صباحا وحتى السادسة والنصف مساء، وهذا ما سأعود إليه لاحقا، لكن أشير إلى أن قاضية التحقيق الهولندية استخدمت طريقة مختلفة عن طريقة تحقيق القاضي الدنمركي. إذ كانت تسأل عن التفاصيل التي رويتها في القسم الأول ـ عندما أدخلني الدكتاتور إلى الجحيم ـ المنشور قبل شهرين في مواقع إلكترونية عديدة، فأدركت أنها درست القضية ومحضر التحقيق وصاغت أسئلتها الدقيقة التي واجهتني بها قبل أن أقوم برواية شهادتي من جديد، لكنها لم تطلب مني في مطلع التحقيق تفصيلاً عما جرى معي، بل ركزت على قضية أخرى هي تلك التي لم أروِِها لا في شهادتي التي كتبتها ونشرتها ولا بمحضر التحقيق مع القاضي الدنمركي والتي تتعلق بما رأيته وشاهدته من فظائع في حملة الأنفال، كنت قد أشرت لها عرضاً في الشهادة الأولى، بمعنى أنها ركزت على إفادتي كشاهد قبل إفادتي كضحية وهذا ما سأحاول روايته في هذا القسم.
حينما عدت إلى بيتي في الدانمارك، وتابعت بطانية الطاغية الجالسة على كراسيها في المحكمة.. استغربت جدا لبلاهة أقوالهم وهم يجيبون على أسئلة القاضي ـ محمد عريبي ـ، مصورين أنفسهم كأبطال كانوا يدافعون عن عدوان إيراني تارة، وفي أخرى كونهم يؤدون واجبا مهنيا تفرضه عليهم وظائفهم والتحصيل العلمي العسكري الذي أهلهم لذلك!.
أي منطق مقلوب هذا.. ومن يصدق أقوالهم؟!. أنا واثقٌ من أنهم يسخرون من أقوالهم سراًا!.
فما جرى من تهجير وقتل وقصف بالأسلحة الكيماوية، الجميع في قيادة الجيش والمخابرات والاستخبارات وحزب البعث والأمن يعرفون تفاصيل التفاصيل وبتنسيق تام أدى إلى طمر تلك الأعداد الهائلة من البشر في مقابر جماعية التي ما كشف منها حتى الآن ما هو إلا قطرة في بحرٍ عند مقارنة الأعداد التي ضاعت في الأنفال وغير الأنفال وعقب انتفاضة أذار 1991 مع عدد من وُجِدَ في المقابر المكتشفة حتى الآن.
سأسرد تجربة مرت بي قبل قيام الحرب مع إيران تبين دقة التنسيق بين الأجهزة الأمنية والتي صارت أكثر دقة أيام الحرب. في يوم الجمعة 6 ـ 6 ـ 1980 كنتُ مجازاً، فالتقيتُ بصديقٍ لي يدعى ـ عبد الحسين داخل ـ في بغداد. وقتها كنت مساقاً لخدمة الأحتياط، ووحدتي العسكرية على جبهة العمارة، إذ كان الجيش يحشد على الحدود الإيرانية، وفي نفس الوقت قامت الأجهزة الأمنية بحملة شرسة على القوى الديمقراطية والمعارضة. أخبرني ـ عبد الحسين ـ بأننا سنلتقي بصديقٍ له مختفٍ عن أنظار السلطة يدعى ـ ميثم جواد ـ علمت أنه خريج أداره واقتصاد وموظف حكومي، وفعلا التقيناه جوار مكتبة النهضة في شارع السعدون، وذهبنا إلى حديقة فندق قديم في شارع ـ أبو نؤاس ـ لا أريد الخوض في تفاصيل هذه القصة، فموضعها ليس هنا، لكن أود سرد ما يتعلق بإدعاء بطانية الطاغية عدم علمهم بما كان يجري من عمليات تقتيل وتهجير، فما أن خرجنا من البار في العاشرة ليلا حتى أنقض علينا رجال الأمن بعنف وسحبونا إلى سيارات ثلاث تقف في فرع جانبي. أخذونا إلى الأمن العامة القريبة وهناك أرونا الويل، في الليالي الثلاث الأولى، ثم فرقونا، إذ بعثوا بيّ إلى ـ الشعبة الرابعة ـ استخبارات، وكان مكانها في وزارة الدفاع خلف قاعة الشعب بالضبط. وعقب أشهر من إطلاق سراحي علمت أنهم أطلقوا سراح ـ عبد الحسين ـ بعد عشرين يوما كونه مدنياً.  أما ـ هيثم جواد ـ  فضاع في أقبيتهم إلى أن أبلغت عائلته شفهياً بإعدامه عام 1983.
ليسمع من كان في المراكز العليا من بطانية الدكتاتور، ممن يقول في المحكمة بأنه لا يعلم ما يجري حوله، وخصوصا وزير الدفاع ـ سلطان هاشم ـ، الذي صور نفسه حملاً وديعاً، وهو المكلف بقيادة حملة الأنفال، ليدقق معي في درجة تنسيق الأجهزة الأمنية ودقتها في أصغر التفاصيل المتعلقة بجندي قبض عليه في بار وأطلق سراحه لعدم ثبوت الأدلة، وهذا ما ورد في كتاب الاستخبارات ـ الشعبة الرابعة ـ بالضبط الموجه إلى وحدتي العسكرية، فكيف إذن بعمليات تتعلق بثوار رافعين السلاح أو بفلاحين وهاربين ممن يسكن في مناطق لا تسيطر عليها السلطة؟!.
أعود إلى سرد بقية القصة، وهنا أسرد ما يتعلق بالتنسيق ودقته لا شهادتي عن السجن ومعتقلات استخبارات الجيش التي مررت بها من بغداد إلى الموصل ورأيت بها ما رأيت فموضعها ليس هنا كما ذكرت:
قامت الاستخبارات بعد تحقيق سريع أكدتُ فيه ما قلته في الأمن العام، بإرسالي إلى وحدة في أقصى الشمال تعسكر جوار منابع النفط في ـ عين زالة ـ بالموصل. بدا الأمر وكأنه خطأ من قبل قلم الأستخبارات، فأعادتني تلك الوحدة إلى وحدتي في جبهة العمارة، وكان نائب ضابط القلم من معارفي في المدينة ولي علاقة ودية معه. أخذني جانبا وقال لي همسا:
ـ لمن كنت جوه عدهم وصلنا كتاب من أمن الديوانية فيه كل المعلومات عنك. كنت من تنظيمات الحزب الشيوعي سابقا!. وهذا ما لم تذكره في تحقيق الأمن العام!.
لاحظ ارتباكي، فطمأنني بأنه أخفى الكتاب، كي لا تعاد دورة التحقيق، فلم تبق سوى أيام وأسرّح. وهذا ما كان بالضبط.
ويقولون في المحكمة بصلافة:
ـ لا نعرف عن المعتقلين والمقابر الجماعية شيئا!.

*          *          *

في الطائرة المتوجه صوب أمستردام سرحت بعيداً، مستعيداً تفاصيل تلك الأيام التي مرّ عليها قرابة العشرين عاما، إذ يتوجب عليّ سردها من جديد. الله خصني بذاكرة تحفظ أصغر التفاصيل، فتتجسد أمامي بألوانها وأصواتها وروائحها وكأنني أعود مستقلاً مركبة الزمن في قصص الخيال العلمي، فأعيش من جديد كل قصة مرت بيّ.
الفترة الممتدة بين قصف مقرات زيوة العمادية الأولى بالأسلحة الكيماوية  في 5 ـ 6 ـ 1987 والثانية ليلة 20،21 ـ 8 ـ 1988 كانت عسيرة بالنسبة لي، فوضعي الصحي كان مضطرباً، إذ لم أكن أعلم مقدار الخراب الذي أصاب رئتي من القصف الأول، فكنت أقع مع كل زكام طريح الفراش بالتهاب الرئة، وعشت وحيدا مرتبكاً في الموقع، فزوجتي ـ بهار ـ حجزها الثلج الذي تساقط ذلك الشتاء بجنون فقطع الطريق بين لولان الواقعة في المثلث الحدودي الإيراني ـ العراقي ـ التركي، ففرقنا قرابة ستة أشهر، وكانت قد ذهبت للعلاج من التهاب الكلية وحالة هزال عام أصاب جسدها. سنكتشف في العام التالي 1989 ونحن في معسكر اللاجئين ـ أوردكاه خوي زرعان ـ في أقصى الشمال الإيراني أنها مصابة بالسل الرئوي، هذا على المستوى الشخصي، أما على المستوى العام فقد كان هنالك اضطراب شديد والأنباء المتواترة عن اتساع حملة الأنفال على أرياف السليمانية وأربيل، عقب قصف حلبجة بالأسلحة الكيماوية في أذار 1988.. مما جعل المقرات تعيش حالة أرتباك.. تغير مواقعها على فترات متقاربة، وذلك يعني المزيد من الجهد في البناء وتوفير المستلزمات، بالإضافة إلى خوض الثوار معارك شرسة في هذه الفترة دفاعاً عن قواعد الثوار والقرى المحررة ـ المقصود خارج سيطرة السلطة ـ مع ورود أنباء عن قرب نهاية الحرب مع إيران.
هذه لوحة الوضع حينما كنت أعد الليالي عداً، لاعناً الثلج والطبيعة التي أحسست أنها تعاقبني بإبعادها عني. ما كان يخفف عليَّ قليلا، هو وجود الرفيق الشيخ ـ أبو ماهر ( ثابت حبيب العاني ) والذي كانت غرفته مقابل غرفتي في المقر الجديد في قرية ـ بندري ـ التي هجرها سكانها، وتقع في وادٍ متطرف في الحوض، والذي انتقلنا إليه بعد شهرين من قصف 5 ـ 6 ـ 1987. كان الشيخ قد نجا من موتٍ أكيد، لكنه رفض أيضا مغادرة الجبل، فبقى جوارنا. كنت أقضي المساء في أحاديث ذات شجون معه، أتمنى سردها في يوم ما. أتذكر ملامحه الوديعة حينما غضبَ عليَّ حال عودتي من ـ لولان ـ دونها:
ـ ليش رجعت وعفتها هناك.. ليش.. ما بقيت وياها مو مريضة!
ولما أخبرته بأنهم أجبروني على ذلك، ردَّ علي:
ـ أش يسولك لو عاندت وبقيت.. لا أبو الطَيِبْ قصرت هواية!. مو أنت تعرف زين زوجتك اجتماعية.. راح تتأذى هوايَّ!.
وفعلاً ندمت جداً، والثلج مدَّ الفراق من شهر إلى نصف سنة، انشغلت خلالها ببناء غرفة لنا في الموقع الجديد، وجمع الحطب الذي لم نستخدمه أبداً، إذ أنها لم تعد إلا في أواخر نيسان 1988 في مفرزة غامرت لكنها وصلت.
كان ذلك اليوم من أسعد أيام حياتي. أقول ذلك بعد قرابة عشرين عاماً منه، إذ لم أرَ نفسي تعانق أقصى لحظات السعادة لاحقاً، مثل عناقها حينما دخلت عليَّ بغتة وأنا في غرفتنا الجديدة. وهذا ليس موضع كلامي فقد كتبته في فصول رواية معدة للطبع مزجت بها الواقع بالأخيلة، الأسطورة بالعقل.
عشنا تلك الفترة ولدينا إحساس، أن كل شيء مقبل على الانقلاب، لكن بأي اتجاه، لم يكن أحد يريد التخمين وقتها. كنتُ أعتقد شخصيا بأن الحرب مع إيران إذا توقفت، فسوف نقذف بظرف أيام خارج الحدود، ومن يقاوم سيقتل طبعا.. لكن وقتها لم أستطع ولا يريد أحدٌ الإجهار بذلك.
كنا نعيش على هذا الهاجس الداخلي، لكننا كنا شجعاناً نقاوم ببسالة ما نراه مخفيا في قادم الأيام. أقول ذلك الآن لأن ما جرى أثبت تلك البسالة التي يتمتع بها العراقي المقاوم بين جبال كردستان العراق.
*            *            *

أتابع تفاصيل المحاكمة والطغمة الجالسة في القفص، منتظراً دور أحدهم بالكلام، أصغي بعمق مراقباً وراصداً انفعالات الوجه ونبرة الصوت والحركة، فوصلت إلى خلاصةٍ تقول:
ـ أن هذا النمط من البشر مجرد من الضمير.. الذي يُشعِر الإنسان بالذنب.. هؤلاء لا شعور بالذنب لديهم مطلقاً.
هؤلاء غير معنيين بالآخرين، بالناس بالمجتمع.. لا يفكرون إلا بأنفسهم. هم لا يفكرون بالتفاصيل التي تنتج عما فعلوه.. وبالمناسبة هذه سمة لا تخصهم فقط بل تخص كل متعصب.
هذا النمط من البشر نُزِعَ منه الضمير، أو هو نزعه، أو هو أصلاً بلا ضمير. فلا يهمه مشاعر الآخر.
ـ قد يسأل القارئ كيف توصلت إلى هذه الخلاصة؟!.
هنا سأسرد على القارئ تجربة حية رأيتها أمامي وكلما أتذكرها الآن بعد مرور قرابة عشرين عاما أحس بشيء ما يفطر قلبي ويورثني الهم والحزن.
كما ذكرت كان الوضع مضطرباً. أنتقل مقر قاطع ـ بهدينان ـ فيها إلى وادٍ يدعى ـ شيفيا ـ وفصيل المكتب السياسي إلى ـ كاني ساركي ـ. وتقرر إبقاء مجموعة صغيرة سريعة الحركة في موقع ـ زيوة ـ، خيرونا بين البقاء أو الأنتقال إلى المقر الجديد، ففضلنا أنا وـ بهار ـ أن نكون من ضمنها بعدما أضنتنا الحياة الجماعية وتفاصيل الثوار. وفعلا كنا مجموعة صغيرة من الأنصار منسجمة إلى حد ما، ترتب يومها بشكل معقول منتظرة الآتي. كنت أشعر في أعماقي أن هذا السلامَ مؤقت عابر سرعان ما سيزول، لكن في قرارة نفسي أتمنى أن يدوم وحبيبتي بين ذراعي كل مساء في غرفة تجاور قاعة فصيل الإسناد. في أواخر الشهر السادس 1988 كنا نتناول وجبة الغداء حينما لمحنا من المسلك الهابط من قمة العمادية ثلاثة مسلحين وامرأة بثوبها الكردي الفضفاض يهبطون مسرعين، تبين أنهم من الفوج الأول المرابط في وادٍ من أودية جبل ـ كارا ـ. المرأة كانت زوجة الشهيد ـ أبو فؤاد ـ الذي قضى في القصف الأول للموقع 1987، جاءت تزور قبره بمناسبة مرور سنة على مقتله.
كيف أصف المشهد؟!.
كيف؟!.
سأحاول رغم المرارة رسم المشهد من جديد، لعل من يشاهد المحاكمة يدرك معي مقدار لا إنسانية هذه الطغمة التي تتمسكن أمام العدالة مصورةً نفسها وكأنها لا تدرك ما كان يجري وتعتقد أنها كانت تمارس واجبا وطنيا.
الموقع يطل على مجرى ـ نهر الزاب الأعلى ـ، على رابية متدرجة يبدو أنها كانت في أوقات السلم مزارع عامرة تحولت وقت الثورة والهجرات إلى مساحات عشبية متدرجة من الرابية وحتى ساحل المجرى في مسطحات تمتد لأكثر من عشرة أمتار. على المسطح التالي لفسحة رابية موقع الإسناد دُفِنَت جثتا ـ أبو فؤاد ـ وأبو رزكار ـ وعادة ما يقوم الرفاق بوضع الزهور على قبري الشهدين بين الحين والحين، لم يكتب شيء على الشاهدتين، لكن الكل يعلم من يرقد على اليسار ومن يرقد على اليمين. كنت أحس أن المرقدين مدفونين بقلبي حتى أني الآن لحظة الكتابة أراهما تحتي وكأنني عدت إلى تلك اللحظات المدمرة حينما كنت أضع باقتا زهور برية وأكلمهم عما جرى في غيابهم مستذكرا كل الأحباب الذين غابوا في المعتقل أو قتلوا لاحقا في المعارك.
قدمنا لهم الطعام. كنت أختلس النظر إلى وجه ـ أم فؤاد ـ التي رفضت بشدة تناول الطعام مكتفيةً بجرعة ماء بلّت فيه ريقها الذي بدا ناشفاً. كنت أتتبع الماء الذي تحاول بلعه بعناء، إذ يتكسر وجهها ألما. قلت مع نفسي:
ـ سيكون هذا اليوم عسيراً!.
ففي التحاقي الثاني بالثوار شباط 1985، ومعي زوجتي حللنا ضيوفا في بيتهم في قرية صغيرة أقيمت على عجل، تجاور الفوج الأول تجمعت فيها عائلات البيشمركة اليزيدين التي هجرتها السلطة من قراها، إذ كُلِفَ ـ أبو فؤاد ـ بتوصيلنا إلى مقر القاطع، فرأيت مدى عمق علاقة الشهيد بها، كان لا يكف عن المزاح معها مزاحاً لطيفاً يجعل وجهها يتهلل سعادة.  كان لديهم جوقة من الأطفال، أحدهم أرسل إلى ـ الاتحاد السوفيتي ـ للدراسة.. وهو وحده من نجا من العائلة إذ ستضيع جميعها في مقبرة جماعية لم تكتشف لحد الآن. وهذا ما سأحاول إلقاء الضوء عليه لاحقاً.
ما أن فرغنا من الوجبة حتى سألتْ عن قبره. ارتبكت الوجوه، ورحنا نحملق الواحد في وجه الآخر منتظرين مبادرة أشجعنا. كررت السؤال مرة ُثانية وثالثة، فهبطت قلوبنا إلى أسفل أقدامنا، ممعنين بالصمت، هاربين بعيوننا إلى القمم والسفوح وذرى الأشجار الشاهقة.. إلى أن أنقذتنا ـ بهار ـ مجيبة:
ـ سآخذك إليه!.
قادتها من ذراعيها وتوجهت بها صوب المسلك الهابط جوار مجرى النبع. تبعها المقاتلون الثلاثة الذين قدموا معها. خطوتُ خلفهم متردداً. انحرفتُ يميناً مبتعداً عن المسلك الهابط. تلفت فوجدت رفاق الموقع جميعهم يتوجهون صوب الحافة المطلة على فسحة القبرين. يتابعون بعيونهم المضطربة الموكب المكون من المسلحين الثلاثة السائرين خلف زوجة الشهيد يهبطون تتقدمهم ـ بهار ـ . استداروا صوب الفسحة الصغيرة الممتدة على مسافة عشرة أمتار فقط. أبطئوا الخطو. سحبتها زوجتي برفق من معصمها الناحل إلى أن وقفتا أمام القبرين. ورأيتها تشير نحو كومة التراب المرتفعة قليلاً.
كانت الشمس ساطعة في ذلك اليوم تضفي على المشهد وضوحاً يركز في الذاكرة.. تحجر نظري على وقفة الأرملة التي كانت تنتظر عودة زوجها من العلاج بعدما تعرض لمحاولة اغتيال قبل عامين، إذ دس رفيق تعاون سرا مع السلطات سم الثاليوم في كوب لبن. قاوم ونجا بعد علاج لمدة عام في إيران. كان في طريق عودته للقاء العائلة فحلّ في الموقع على أن يبيت ليلته ليواصل في الصباح الباكر طريقه إلى الفوج الأول في وادي ـ مراني ـ بگارا، وفي ذلك الغروب قصفت الطائرات العراقية ـ زيوة ـ بالغازات السامة، ومن سوء حظه أنه كان يجلس على حافة موقع سقوط القذيفة التي أعمته على الفور وغيبته بعد ساعات ست إلى الأبد.
أرى الآن وأنا أشرف من الربوة قامات الرجال الذين لم يجرؤا على الاقتراب، فبقوا على مبعدة أمتار إلى يمين ويسار المرأتين الواقفتين أمام القبر. رجعت زوجتي خطوتين وتركتها وحيدة، وتحتها يرقد حلمها المستحيل نائماً في الترابِ. طال الصمت وسكون قامتها المتماسكة المصلوبة جوار كومة التراب.
ـ هل كانت تخّلقه من جديد من ذاكرتها؟!.
هذا ما بت متأكدا منه، وما حدث معي حينما زرت العراق 2004 ووقفت أمام قبر أمي وأبي اللذين قضيا وأنا في المنفى!.
كنت غير مصدق بأنهما يرقدان هنا خلف حائط من الجص والآجر في سرداب صغير ضائع بين بحر من القبور في مقبرة ـ السلام ـ في النجف!.
تلفتُ حولي، فوجدت رفاقي موزعين خلف شجيرات الحافة، مثل من يخاف من شيء يلوح تحتنا على لوحة الفسحة الصامتة، رجال بأسلحتهم المتدلية على الجنب، زوجتي المنتظرة، قامة الأرملة الجامدة بثوبها الفضفاض الطويل وكأنها تؤدي صلاة ما سرية!. وخلفها غابة صغيرة، فالنهر الدافق،  ثم سفح قائم وكأنه جدار يرتفع عالياً أمامنا، وحده دوى مجرى الزاب الهادر يتردد صداه في الوادي.
هل كانت بصمتها الطويل الذي أربكنا ووتّرنا تمارس طقساً من طقوس الموت لدى الطائفة اليزيدية؟!.. لا ادري!. لكن تلك اللحظات أشعرتني بفداحة الفقد المباغت لمحب حميم.
لا أدري كم من الوقت ظلت ساكنةً كتمثالٍ من حجرٍ.. فزمن تلك اللحظات زمن مختلف لا يقاس.
كنت أحبس صراخي مستذكراً أحبابي الذين ضاعوا في المعتقلات!.
كنت أحبس دمعي متخيلاً ألم كل عراقية فقدت زوجها غيلةً!.
كنت احبس هاجسي متخيلاً زوجتي الواقفة خلفها بمسافة مترين، تقف هي أمام كومة ترابي لو قضيت في القصف الذي قضى على أبي فؤاد!.
كنت أركز نظراتي على قامتها الجامدة، فلمحت أول تمتمة دون صوت بانت من حركة شفتيها. تمتمت بصمت فيه جلال، وقليلاً قليلا بدأ الصوت يظهر ضعيفاً مكسوراً أول الأمر، ثم شرع في التماسك شيئا فشيئا إلى بات واضحاً، خصوصاً بالنسبة لنا نحن الواقفين على حافة تطل على المشهد. بدأت بسرد قصة حبهما وكأنه متجسدٌ أمامها. تقص وتعلق وكأنها تسمع ما يقوله لها. القصة جديرة بالسرد في موقع غير هذا. ففيها يتجسد حجم معاناة زوجة العراقي المتورط بالسياسة، والذي يحبها وتحبه، فالأمر ليس بسيطاً كما يتخيل البعض. من يتورط في السياسة بصدق المبادئ، ويعارض سلطة دكتاتورية ويضحي بكل شيء حتى بتشريد عائلته داخل وطنه ذلك يعني أن مثل هذا الشخص كرس كل عمره لحلم مدينة فاضلة ما زالت الإنسانية تصبو إليها.
كنت أنصت لصوتها رائيا ألوان القص، شاما روائح الحكاية، لامساً أجسادَ الشخوص.
قصت كل ما جرى لها وللعائلة أثناء غيابه الطويل الذي بات وقتها سنتين. سنة علاجه في ايران، ومرور سنة على مقتله.. قصت إلى أن أنهكها الكلام والحكاية، فصرخت صرخةً واحدةً طويلةً حادةً أصابتنا بالكمد وارتمت على كومة التراب. غطتها مولولةً صارخةً باسمهِ. كنت أنشج بصمت، وجواري ينشج رفاقي. وتحتنا ينشج الرجال الثلاثة بصمتٍ، وأم فؤاد تناديه كي يقوم من جديد قابضةً على ذرات ترابه في حركة تشتد وتنبسط وكأنها تحاول خلقه من جديد. وحدها زوجتي بدت متماسكة منتظرة لحظة مناسبة كي تنتشلها من وهم عودته.
كانت الشمس شديدة السطوع تبحر في سماء شديدة الزرقة، بالغة الجمال وجدتها شديدة القسوة، لحظتها اكتشفت أن الطبيعة الجميلة تبقى ساطعة غير آبهة بأحزان البشر ومأزقهم. هذا ما ينتابني حتى الآن كلما رأيتُ مشهد تفجير في بقاع العراق وخلف المشهد نخيل وسماء صافية ووجوه عراقية مندهشة تظهر على شاشة التلفاز مطالبة بالأمان. الطبيعة في كينونتها السرمدية ضد فعل القتل. هذا ما ترسخ لدي في وقفتي مطلاً في يومٍ صيفي مشمس زاهي على مأساة ليست فردية إذ أنها ستعمم منذ ذلك التاريخ وحتى هذه اللحظة حيث القتل والترمل بات مألوفا وكأنه قدر العراقيات.
أحسستها وكأنها تحاول الغور في التراب ومسكه فيزيقيا من جديد.
حلم مستحيل.. لوعة الأرملة المحبة، فتذكرتُ مشهدٍ مماثل وقفت فيه مثل وقفتي هذه محملقاً ومتأملاً ذات العذاب.. ذات الألم، لكن بوضعٍ مختلفٍ تماماً، فقد كان القتيل حاراً أي جسده الفيزيقي ملفوفا بالكفن الأبيض. كان جاري العسكري المطوع ـ مهدي خريبط ـ سائق الدبابة الذي قتل في جبهة الحرب الإيرانية العراقية عام 1981. كنت أحبه والمحلة والمدينة كلها. كان شفافاً حميما شهماً ودعّنا قبل مقتله بأسبوع، فدفع حساب المائدة في نادي موظفي الديوانية قائلا:
ـ يجوز بعد ما تشوفوني!.
وجلبوه ملفوفا بالعلم العراقي. حضرت طقوس الغسل على دكة غسل الموتى الأسمنتية في مغسلٍ بطرف مقبرة السلام بالنجف. تابعتُ ردود فعل الجسد الميت المستسلم ليدي المغّسل.. رأيته حياً يقف ذلك المساء قبل أسبوع وهو يودعّنا. أدركت أنه من البشر الذين يرون خفايا القادم. اصطحبت الجثة بعد التغسيل إلى مرقد الأمام علي، حيث لففنا بها حول الضريح ثم إلى المقبرة. وهنالك وجدت زوجته وأخته وأمه ينتظرون.
ركزت على وجه الزوجة لسبب خاص أكشفه الآن، ففي في ليلة صيفية من ليالي ـ الديوانية ـ كنا نمرّ جوار بيتهم ذو الطوابق الثلاثة الكائن خلف شارعنا في ـ الحي العصري ـ أنا و ـ هاشم لفتة ـ الذي سيقتل هو الآخر في الحرب بعد أشهر. سمعنا صوت ضحك امرأة صاخب مزق صمت الليل، يأتي من نافذة في الطابق الثاني لبيت خريبط. أسر لي هاشم بأنها غرفة ـ مهدي ـ وكان وقت السماع لتوه متزوجا، فتخيلت وقتها مقدار البهجة التي تكمن في سرير الزوجية، تذكرت ضحكتها وأنا أحملق في جثته وهم يخرجونها من تابوت الخوص ملفوفة بالكفن الأبيض لتوارى في حفرة. رميت بصري نحو وجه زوجته، فرأيت وجهها شاحبا.. لا بل ميتا.. كانت تحاول الصراخ دون جدوى، فصوتها مات، فراحت تجود بنفسها غاديةً رائحةً في مسافة عشرة أمتار تسمح بها فسحة بين القبور.
وجه جميل فيه صفرة الموتى سوف لا أنساه أبدا مختلطاً بصدى ضحكتها العاصفة الهابطة من شباك في طابق ثاني في الحي العصري.
يا إلهي.. لماذا تزيد من عذابي وتجعلني أشهد عذاب الأرملة العراقية وهي في أقصى لحظات تمزقها؟!.
يا لقسوة  ترابك يا وادي الرافدين!.
أقف على حافة رابية، وتحتي أرملة عراقية أخرى، قبضتها تمسك بتراب القبر صارخة بكل ما بالصراخ من وحشية، حالمة بقيام نديمها من التراب. نشجت بصمتٍ، لا ادري الآن لماذا كنت خجلا من التعبير عن مدى حزني لفقد ـ أبو فؤاد ـ لا ادري.. أفكر الآن لحظة الكتابة وأنا أتعّصر ألماً. لِمَ لَمْ أنزل وأبكي جوارها؟!. لِمَ؟!!. والجواب.. كنت في غير هذا النضج الفكري والإنساني الذي حذف بيّ عن كل فكر أيديولوجي وبقت لدي فكرة واحدة.. واحدة تقدس الإنسان كقيمةٍ مطلقةٍ.
في لحظة أدركت زوجتي ضرورة تدخلها.. وهذه اللحظة لا تحتاج إلى عقل بل هي غريزة. رأيتها تتقدم قاطعةً مسافة المترين الفاصلة بينهما تحت شمس الله المولعة، وتنحني نحو جسدها الحاضن تراب القبر وتشّده بذراعيها شداً خفيفا وكأنها تقول: كفى.. كفى. ساعدتها على النهوض. بدت الأرملة بائدة القوى، متعبة، فاستسلمت لذراعيّ زوجتي مكفكفة دمعها بطرف ثوبها، ومتمتمة بصوت خفيض كلاماً غير مسموع.
صعدت بها نحونا. كان ذلك اليوم من أشدّ التجارب ألماً، فان يقتل رفيق جوارك في معركة أو قصف، غير ما تشاهد من له علاقة حميمة به وهو يندبه.
أجلس أمام التلفاز كل صباح يبث فيه محاكمة مجرمي الأنفال محملا بهذه التفاصيل، متسائلا بذهول:
ـ كم عراقية ترملت في زمن العراق الدامي؟!.
ـ هل الجالسين في قفصٍ من صنف البشر؟!.
ـ هل يشعرون بذرة مما شعرنا به ونحن نشاهد فظائع ما فعلوه بمن عارضهم في الرأي؟!.
الشاهد الذي أوردته ـ أبو فؤاد ـ مثالاً يلخص كل ما فعلته زمرة ـ صدام ـ في العراق والعراقيين!.
هل تشعر الطغمة الجالسة في قفص الإتهام بما شعرت به أو يشعر كل إنسان ذو ضمير من تفاصيل القتل والتهجير والسحق لمناطق وبشر ليس لهم ذنب سوى وجودهم الجغرافي في أمكنة لم تستطع السلطة السيطرة عليها؟!.
أجلس كل صباح متابعاً تفاصيل المحاكمة ساخراً من مرافعاتهم التي يحاولون فيها تصوير أنفسهم كموظفيين مهنييين كانوا يؤدون واجباً!.

*            *            *

لم أجد سائق التاكسي الهولندي الذي كان من المفترض أن ينتظرني في مكان خاص بمطار أمستردام. انتظرت قليلاً قبل أن أتصل بصاحب لي معرفة قديمة به  يسكن ـ لاهاي ـ فنصحني بركوب القطار. قطعت تذكرة ونزلت إلى الرصيف. كان المساء قد هبط. اتخذت كرسيا جوار النافذة. كنت مطمئناً فمحطتي هي الأخيرة، مما جعلني أسترخي متأملاً وجوه الركاب، ووقع اللغة الهولندية التي لا أفهم منها شيئاً.. الوجوه مختلفة عما في الدانمارك.. إذ يظهر اختلاط الأجناس بوضوح من العاملين والمسافرين في المطار، ومن المنتظرين على أرصفة القطارات، ومن ركاب العربة.. شيء أشعرني براحة مضافة، فلا أحد هنا يرمقك بعينين مستغربتين، أو غاضبتين، أو ساخرتين، أو يتجاهلك بعد نظرة تعالٍ..  وفي أفضل الأحوال إذا تنازل وبادلك الحديث فأول ما يبدأ به سؤال يذكرك بغربتك ويشعرك بكونك طارئا:
“”Hvor kommer du fra?
ـ من أين أي بلد أنت؟!.
رغم كونك تجنست بالجنسية الدنمركية، مما يعمق نفورك من المحيط ويجعلك تحس أنك على هامش بشر هذه البقعة وهم يضعون الحواجز في أصغر تفصيل عند احتكاكك بهم.
هذا ما يحدث للأجانب كل يوم في الدانمارك.
وقليلا.. قليلا.. سرحت من جديد منفصلاً عن الركاب وضجيج العربة، مفكراً بما ينتظرني غداً في جلسة التحقيق.. فوجدتني أغور مرة أخرى في التفاصيل الصغيرة السابقة لقصف موقع ـ زيوة ـ الثاني بالسلاح الكيماوي.
مباشرةً عقب مغادرة أرملة الشهيد الموقع، فكرتُ بالتمتع بإجازة هي الوحيدة طوال فترة تواجدنا في الحركة المسلحة، كان ذلك من حقنا، لكن الرفاق العرب ليس لديهم مكاناً يذهبون إليه، بعكس الأكراد إذ يستطيعون زيارة عائلاتهم التي هُجِرَتْ من المدن كالعمادية ودهوك إلى مناطق تقع خارج سيطرة السلطة.
علقت زوجتي على مقترحي قائلةً:
ـ وين نقضيها؟!
قلت لها:
ـ نذهب لزيارة بيت ـ هوار ـ!.
وهوار رفيق من العمادية خريج أكاديمية الفنون الجملية ـ بغداد ـ، يعمل في التنظيم المدني، يسكن مع والدته التي هُجِرَتْ في وادي ـ هفنكه ـ المقابل لقلعة ـ العمادية ـ من جهة سلسلة جبال ـ گاراـ.
خرجنا بصحبة رفيق كردي ربطتنا فيه علاقة صداقة قوية ـ أشتي عمادية ـ كان دليلنا إلى بيت ـ هوار ـ فقضينا أياماً ممتعةً شاعرين بدفء العائلة بعيداً عن توتر القصف وحياة القواعد العسكرية، بلا حراسات، بلا طبخ، بلا احتكاكات، وتنقلنا بين بيوت الرفاق في ـ دريش ـ و ـ أسبندار ـ. و ـ رزو ـ قضينا وقتاً طيباً وحميما في بيت عائلة ـ سردار ـ ووجدت هنالك ـ كروان عقراوي ـ وخضنا في أحاديث وحوارات شيقة وعميقة، إذ كانا من المثقفين العاملين في التنظيم المدني للحزب الشيوعي العراقي. ( عندما تسللت إلى كردستان العراق صيف 1997  لجلب أبني الكبير ـ كفاح ـ الذي تركناه في مدينتنا عام 1985 عند إلتحاقنا بالثوار، سألت عن كروان، وسردار، فعلمت أنهما انتقلا إلى الحزب الديمقراطي الكردستاني، فأصبح الأخير مسؤول مشاريع في مؤسسة إعادة أعمار كردستان، والأول ـ كروان ـ مشرفاً على إعلام حدك أو شيء من هذا القبيل). ومن هناك ذهبنا إلى مقرات قريبة أخرى في  سلسلة جبال ـ گارا ـ الفوج الأول، وقاطع أربيل، ثم عدنا إلى بيت ـ هوار ـ.
بينما كنا ننعم من جديد بدفء البيت وطقوس العائلة، وفي غروب يوم رائق، أمطرتنا مدفعية الجيش بعدة قذائف، وسمعنا صوت ضجة مصحوبة بطلقات التنوير فيما يبدو كمهرجان احتفالي،. كنا نقف على فسحة تطل على الوادي الضيق وبساتين التفاح والنبع البارد الذي كنتُ أسبح في حوضه كل ظهيرة، محدقين بتساؤل عن سرّ قنابل التنوير والضجيج والقصف المفاجئ. لم يطل اللغز سوى دقائق إذ قدم سردار نحونا قائلا:
ـ لقد توقفت الحرب مع إيران!.
كان ذلك يوم 8 ـ 8 ـ 1988. أدركنا دون تصريح بأن الأيام القادمة ستكون حاسمةً. قررنا العودة إلى المقر ـ زيوه ـ فوراً، فعدنا في نفس المساء. عشنا تفاصيل اليوم المعتادة، لكن ثمة شيء غامض يثقل حواسنا. نشعر به يقترب منا حتى نكاد نلمسه ونشمه في الهواء المحيط بنا، في الأشجار، في الشروق والغروب وضجيج النهر وشكل الظل، ولم تكذب حواسنا إذ سرعان ما ضَّج الغد بطوابير سكان القرى وهم يتجهون صوب الحدود التركية، حاملين الضروري من مستلزماتهم على ظهورهم، وعلى البغال، لكن لم يبلغنا شيء من قيادة القاطع. كان الجو ساكنا، جميلا، والأيام مشمسة دافئة. كنت أعيش شاعراً بمزيج مشاعر متناقضة، فمن جهة لازلت غير مصدقٍ عودتها من مجهول إيران والقواعد البعيدة، أتلمسها كل مساء وكأنني أتعرفها لحظة اللمس، بكل لذة المرة الأولى، ومن جهة ثانية كنت أشعر أن ثمة كارثة مخبوءة في الأفقِ، قادمة لا محالة، ستغّير كل هذا الترتيب، وهذا ما حدث بالضبط بعد أيام.
لم أنس إلى هذه اللحظة ذلك الغروب الرائق من يوم 20 ـ 8 ـ 1988. كيف أنسى ذلك الغروب والمساء والليلة وصبيحة اليوم التالي. كيف أنسى؟.. ولولا تلك الصدفة التي حذفت بـ ( بريفان) — وهو بيشمرگه من مدينة العمادية، لديه أخ ـ دليفان ـ فقد ساقه الأيمن قبل أشهر في معركة لكنتُ في العالم الآخر.
كما ذكرت كنا مجموعة صغيرة من المقاتلين بقينا في موقع ـ زيوة ـ . أجد من الضروري توثيق أسماء المتواجدين ذلك المساء، كونهم سيتوزعون بين شاهدٍ وشهيد. كانت تتكون من: سلام مروگي، عمودي، منذر، أبو الوسن، أبو جواد، أبو سعد، أبو نادية الفوج الثالث، أبو الطيب، بهار ـ ناهدة جابر جاسم ـ، يضاف إلى عائلة ـ أبو طريق، وأم طريق ـ اللذين كانا ضيفين على الموقع،  فمنذ القصف الكيماوي في 5 ـ 6 ـ 1987 انتقلت الفصائل إلى أماكن مختلفة لتقليل الإصابات في حالة وقوع قصفٍ مماثلٍ.
كان غروباً رائقاً، لا يعكره سوى أصوات تصلنا من عمق الوادي. كنا مجموعة منسجمة تقريباً، نقضي الوقت بأداء المهام اليومية من حراسة وطبخ، وباقي الوقت نزجيه بالضحك والتعليقات والذكريات والأحلام. فالمجموعة بأجمعها عربية، أي تركت مدنها وأمكنة الطفولة والصبا والشباب وامتزجت بثوار الجبل الأكراد منذ أكثر من ثمانية أعوام. للذكرى والأشواق مسافة في يومنا الهادئ ظاهراً، المضطرب بهاجس ضجيج سكان القرى الأكراد العابرين النهر نحو الحدود.
صمتٌ مريبٌ، وغسق يلوحُ رائقاً. هذا ما رَسَخَ في نفسي من ذلك المساء المفصلي. كنا غارقين في ضحكٍ وتعليقاتٍ تتعلقُ بما صدناه في ظهيرة اليوم السابق من سمكٍ، والتعليقات تتعلق بمراقبة بعضنا لبعضٍ في الكيفية التي كنا نلتهم بها السمك المشوي. كنا في ذلك الجو المرح حينما أنحدر ـ بريفان ـ نحونا على المسلك النازل من القمة. كانت تربطني به علاقة حميمة، إذ كان يبات في غرفتنا حينما أجريت عملية قطع ساق أخيه ـ دلفان ـ المصاب وقت غياب زوجتي في ـ لولان ـ. وصار يكن لي وداً عميقا حينما بادرت وتبرعت بدمٍ لأخيه. ألقى التحية علينا، ثم أقبل نحوي. تعانقنا، وسألته:
ـ هل تعشيت؟!.
ـ نعم في القرية!.
ألححت عليه كي يذوق سمك ـ الزاب ـ المشوي، فنزل عند رغبتي وأكل واحدة. رجعنا إلى الهزل والضحك والنكات، لا سيما بوجود ـ أبو جواد ـ الذي لا شاغل لديه سوى رواية النكات ولقط كل ما يضحك في يوم الجبل والحياة. كان ـ بريفان ـ يلزم الصمت وعيناه تجوب في وجوهنا المرحة منصتاً لسيل النكات، لكنه بدا وكأنه لا يسمع إذ لم يضحك مرة واحدة. كففت عن الإنصات ورحت أتتبع  قسماته التي ستكون باباً أتاح ليَّ العيش حتى الآن كي أروي ما أرويه. كان مذهولاً ً وقسماته تخفي حزناً يلوح من طرف عينيه اللامعتين بدأ يتسع، ويتسع مع إمعاننا بالضحك وراحة البال. كان المساء يهبط ببطء شديد قادماً من عمق البساتين والوادي وشعاب الجبل. كنت أحلم بليلة هادئة أتوسد فيها جنب زوجتي الحبيبة عقب هذا المساء الرائق. كنت أحلم حينما انتهز لحظةَ صمتٍ تحدث عادة عندما يحاول أحدهم ترتيب قصة أو نكتة، فقال من جلسته المسترخية المتأملة بهدوء مشوب بالدهشة:
ـ أنتم ليش باقين. ما تشوفون كل العالم تترك قراها وتروح للحدود التركية. تره ما بقى أحد. بقائكم هنا ما به معنى!.
قال ذلك وغادر القاعدة لا أتذكر الآن بأي اتجاه، إذ أسقطنا كلامه في صمتٍ مضطربٍ. بقينا نحملق بوجوه بعضنا البعض محاولين الوصول إلى فكرة ما تجد منفذا للمأزق الذي وضعنا فيه رفيقنا دون جدوى، كلنا نحب الحياة وتفاصيلها في الموقع الصغير المحدود العدد المنسجم، لذا لم يستطع أحد قرابة دقائق جاوزت الخمس قول شيئا ما.. إلى أن نهض مسؤول الموقع العسكري الرفيق ـ منذر ـ من جلسته،  بقامته القصيرة، ووجهه العريض، وشاربه الكث، كاسرا صمته الطويل، ـ هو الآن لاجئا في النروج ـ . توسط تبعثرنا على الفسحة الممتدة جوار قاعة الإسناد، واجهر بصوت حازم يقترب من الصراخ:
ـ رفاق القضية يبدو مو طبيعية!.
كان لدي رغبة شديدة بقضاء تلك الليلة في غرفتي مع زوجتي .. فسألت:
ـ أش تقصد!.
ردّ على الفور:
ـ القضية تبدو خطيرة.. تغادر العوائل الموقع الآن دون نقاش!.
كان يقصدنا، وعائلة أبو طريق!.
نظرتُ إلى زوجتي كانت شاحبةً، وكنت أدرك أنها تعاني من مرضٍ غامض سيتبين لاحقا أنه ـ سل رئوي ـ. علقتُ بضعف:
ـ منذر لكن ـ بهار ـ تعبانه!!.
أشتدَّ غضبه، وجعل يصرخ بكلام غير موجهٍ ظاهراً إلى أحدٍ، لكنه كان يقصدنا.  أتذكر كلماته الحادة:
ـ .. لا تخبلونه.. لا تخلونه نخربط.. هسه العوائل تطلع من الموقع.. هسه بلا نقاش ولا تأخير!.
أصراره يشترك مع خبر ـ بريفان ـ العابر كونهما منحاني هذه الفضلة من عمري.. وجعلاني أعيش وأكون أسرة وأكتب كتبا.. وأشهد عما رأيته!.

*          *          *

استيقظتُ على ضجيجٍ. وجدتُ القطارَ متوقفاً في محطةٍ، والركاب جميعاً يغادرون كراسيهم باتجاه أبواب النزول. أدركت أن هذه هي المحطة الأخيرة ـ لاهاي ـ. حملت حقيبة الكتف السوداء البالية وترجلتُ من سلالم القطار. كان الرصيف طويلا وعريضا. توقفت قليلا عليّ أرى ـ خريف ـ لكنني لم أجده. في المسافة بين الرصيف وبناية المحطة تأملت شخصية صاحبي الغريبة، فهو من عائلة يسارية رافقت نضال اليسار العراقي في كل مراحله، وأخرها تجربة الكفاح المسلح في ـ كردستان ـ خلال عقد ثمانينات القرن الفائت. التحق ستة أفراد من عائلته بثوار الجبل أستشهد منهم اثنان. أما ما تبقى، فقد حلّ أثنان منهما في موسكو كطلبة دراسات،  وبقي معي أصغرهم  حتى حملة الأنفال. صاحبي فقد ضاع بين كردستان وإيران والأحزاب الكردية إلى أن نط في هولندا لاجئاً في منتصف التسعينات، ولي عليه غيض قديم فقد تجاهلني ـ رغم أننا من نفس الجيل وعشنا نفس التجربة أخرها اختفائه في مشتمل ـ الوزيرية ـ في بغداد بين 1979 ـ 1982، حيث كنت أتردد  حتى التحاقه بالجبل، تجاهلني في مقهى بقرية ـ زيوة إيران ـ رغم مناداتي عليه، إذ توقف لعشر الثانية، كان أنيقا ببدلته الكردية، حليق الوجه، يحمل مسدساً ظاهراً على جنبه. رمقني جانبا وردد:
ـ سأرجع بعد قليل!.
طبعا لم يعد، ولم أره منذ ذلك المشهد. ومن المفترض أن يكون في انتظاري على رصيف المحطة. كنتُ عازما على استقباله بعنف وبلغة أحيائنا الشعبية السوقية التي يجيدها كلانا، لكنه استقبلني بحفاوة وراح يقّبل عيني ويحضنني جاهرا بأشواقه قولاً. أخذني إلى الفندق سيراً على الأقدام. وطوال الطريق كنا نخوض في ذكرياتنا التي تبدو أبدية عن أمكنة طفولتنا وصبانا وشبابنا ونضجنا في الديوانية، فصورني بطريقة لم أكن أعتقد أنها سائدة حولي. قال لي:
ـ أتعرف ماذا أتذكر منك في المدينة؟
قلت:
ـ ماذا؟
أجاب:
ـ ضحكتك العاصفة المشهورة!.
تساءلت مستغربا:
ـ كيف؟!.
فمن المستحيل عليّ تخيل مرحي في عراقيَّ العاصف، فقد كنت طوال الوقت مضغوطاً، متوتراً، قلقاً.
قال:
ـ كنا نجلس في مقهى ـ عواد ـ  ومن بعد أكثر من مائة متر نسمع ضحكتك العاصفة فيقول حسن شطاوي: هذا سلام!. وفعلا  يقترب هدير ضحكك قليلاً.. قليلا حتى تصل المقهى.
سكت قليلاً قبل أن يسألني:
ـ ألا تقل لي الآن ما الذي كان يضحكك طوال الوقت؟!.
أجبته:
ـ وهل حقاً كنت أضحك هكذا؟!.
في غرفتي بالفندق طلبت منه الاتصال فوراً بأخيه الذي يصغره وهو صاحبي أيضاً. قدم على الفور وسهرنا ليلتها سهرة أفضت بنا إلى مقاه وبارات في ـ لاهاي ـ لا أتذكر منها سوى أضواءها الخافتة ودخان سجائر روادها ووقع لغتهم الغريبة على مسمعي فتبدو لي الآن مثل حلم خاطف. لم أرَ من هولندا سوى، المحققين، والمترجم، ووجوه خاطفة في القطار والبارات والمطار، والأخوين اللذين غادرا قبيل الفجر بقليل وتركاني في حالة صحو غريبة.. في تركيز حواس تكثف من زخم ذكريات المدينة وتلاقينا فيزيقيا في غرفة وثيرة، وزحمة ما ينتظرني من امتحان ذاكرة عسير سأواجهه غدا أو بعد ساعات قليلة في حضرة قاضي تحقيق هولندي وأنا بهذا التعب والإنهاك.
رميت جسدي المهدود في السرير العريض الناعم، قائلا مع نفسي:
ـ لأنم لساعات ولو!.
فموعد قدوم التاكسي في الثامنة أي بعد ثلاث ساعات فقط!
حاولت بكل الطرق جعل حواسي تخفت إلى حدود الغفوة دون جدوى. فما ينتظرني غداً في حضرة محققين شديدي الدقة، محايدين جعل ذاكرتي تتوقد في محاولة لتبرير نفسها. كنت أفهم وأدرك مأزقي، لكنني كنت أبحث عن فسحة أجدد فيها قواها، لكن هيهات.
وجدت نفسي وحيداً في غرفة الفندق، مستلقيا على السرير العريض، أحملق مطلاً على باقي القصة التي كانت تتوارد أمامي على كرسي عربة القطار، وكأن ذاكرتي تريد جعلي شاهداً واثقاً غير مضطربٍ في الغد في مواجهة موظف أوربي ليس له علاقة بالمطلق بما يجيش بنفسي من عواطف وأشجان أبثها الآن بالحروف. موظفٌ معني ليس بما عانيته أو رأيته، بل بجمع وتمحيص الأدلة بحيادية. أحتاج إلى تذكر تلك التفاصيل كما حدثت بالضبط كي أكون مهيئاً للردّ على الأسئلة المتعلقة بتلك التفاصيل التي مرّ عليها أكثر من عشرين عاما.
حَجّرَ أجفاني غروب ذلك المساء البعيد الذي يتوجب عليّ سرد تفاصليه غداً. لبثتُ ساكناً في السرير، أحملقُ بسقف غرفة الفندق الخفيض وكأنني استيقظت تواً من نومٍ عميق. رأيتني مشدوها.. حائراً والظلام يوشك على الهبوط بين تعب زوجتي والموقف الحرج. كنت أستطيع العناد والبقاء رغم ثورة ـ منذر ـ، لكنني تحاورتُ مع  زوجتي، فأتفقنا على مغادرة الموقع. لملمنا وثائقنا وما هو ضروري  من الملابس على عجلٍ، وغادرنا الموقع بصحبة أبو طريق وزوجته المتواجدين الآن في السويد.
انحدرنا نحو مجرى نهر الزاب، والغروب يوشك على العتمة. صرنا جوار ـ الترفيك ـ وهي عربة معلقة على سلك نحاسي غليظ يربط بين ضفتي النهر، يعلوه سلك أخر يُسحب من قِبَلِ الراكب كي تسير عجلة العربة على سكة السلك في اتجاه الضفة الأخرى.  كنا نشعر بأن ثمة شيء ما سيحدث قريبا.. شيء لا ندرك كنهه، وكنت أودع بعيني وقلبي الأشجار والوادي والبساتين والصخور والهواء وصفحة السماء الضيقة بين القمم المحيطة بشجن. أصافح تلك الأمكنة التي صار لنا فيها أكثر من سنوات ثلاث، نضحك ونحزن وندفن شهدائنا، ونحلم، ونتخاصم ونتصالح، ونزرع، ونأكل، ونلعب، نسيج حياة فريدة أكسبني خبرة حياة تعادل ما سبق من عمري. ساعدنا بعضنا في العبور وصرنا على ضفة ـ الزاب ـ القريبة إلى مسلك يؤدي إلى الحدود التركية. قطعنا الضفة الوعرة، فوصلنا إلى طريق سيارات فقد فعاليته مع الثورة التي سيطرت على مسالكه. وجدناه يحتشد بطوابير سكان القرى الأكراد، نساء ورجال وأطفال وبغال محملة بما استطاعوا يرتقون الطريق الصاعد نحو الحدود التركية.  صعدنا مثقلين بالهواجس. ننصت لتنادي الفلاحين وصراخ الأطفال وصمت الجبل، والسكون المخفي الضامر شيئاً ما. أول مرة ألمس بكياني المثل الشائع الذي يقول ـ هدوء يسبق العاصفة ـ متجسداً ببطء إيقاع خطانا المرتقية الجادة التي تبدو في الأفق كخيط رفيع يضيع في عمق الوادي. عند مفترق في منتصف الشارع العريض، أنفتح وادٍ جانبي ضيقٍ فيه مسلك يؤدي إلى موقع المكتب السياسي. عزمنا على الذهاب إلى فصلينا القديم حيث حللنا فيه فور التحاقنا بالثوار. فقلت لأبي طريق وزوجته:
ـ سنذهب إلى فصيل المكتب السياسي. هل تأتون معنا؟!.
رفضا مواصلين الطريق نحو مقر قاطع بهدينان في ـ شيفيا ـ . تسلقنا المسلك وحيدين، مسرعين بخطانا، فالليل أوشك على الحلول . خلفّنا تحتنا قرية ـ كاني ساركي ـ كانت خاوية من سكانها، صعدنا صعوداً حاداً قرابة نصف ساعة فبلغنا  الموقع الذي وجدناه مضطربا.. كان المساء قد هبط مضفياً على المشهد مزيداً من القلق والحركة غير الطبيعية، فالجميع يهيأ نفسه للرحيل دون التصريح بذلك علنا.
كان العديد من القيادات قد أنتقلت إلى لولان  حيث جرت هنالك أيضا أخر المعارك العنيفة في حملة الأنفال. وما تبقى جمعاً مختلفاً غالبيته من كبار السن، وبعض الرفاق المعاقين بسبب المعارك ـ أبو نصار ـ ( جابر هجيل) الذي فقد ساقه الأيمن من فوق الركبة لأصابته بمعركة، وزوجته ـ أم نصار ـ وأبنته بنت الشهرين ـ لهيب ـ ( تتواجد هذه العائلة في السويد ).
لم نستطع النوم ليلتها!. جعلنا ضجيج الطائرات المروحية الذي بدا لنا قريباً، وصوت القصف المدفعي المكثف الذي شعرنا به يقترب قليلا.. قليلا من الموقع الذي كنا فيه نجوب سطوح غرف وقاعة الموقع المرتفع المطل على الطريق الرابط بين زاخو وكاني ماسي ومجرى الزاب، وحوض زيوة تحتنا تماما بخط مستقيم بدا قريباً جداً.
عند منتصف الليل تقريبا، هزّنا صوت انفجارات متوالية بدت وكأنها رشقة راجمة صواريخ. كان القصف مكثفاً، تكرر شديداً بحيث تمكّنا من فوق سطوح غرف الموقع رؤية لهيب الانفجارات العنيفة وصوتها القادم من موقع الحوض، مصحوبةً بضجيج طائرات مروحية لم نستطع رؤيتها في تلك الليلة شديدة الحلكة.
كنت أتتبع ذنب الصاروخ المتوهج في طريقه نحو الحوض شاعراً وكأنه يخترق جسدي. همست لزوجتي:
ـ على جماعاتنا بالضبط!.
ـ متأكد!.
ـ …!.
لم أقل شيئاً، إذ لفنا الصمت والسكون التام الذي أعقب القصف، فَلبثنا نحملق بالظلام عاجزين إلى أن بادر الرفيق ـ أبو الجاسم ـ  مسؤول الموقع ( يقيم الآن في مالمو السويدية ) طالباً من الجميع ممارسة الحياة كما يجب، فرُتبت الحراسات، وطلب من البقية الخلود إلى النوم أستعدادا لإحتمالات الغد.
لم تستوعب قاعة المقر عددنا، رغم درامية الوضع كانت تعليقات أبو نصار ـ جابر ـ مقطوع الساق الساخرة تضفي على الجو المضطرب شيئاً من الرواق إذ تجعلنا ننخرط بضحك عاصف. كنا نحشر زوجتينا بيننا. قام بجذعه الأعلى ورمق الأجساد المحشورة الضاجة وهي تعدل أفرشتها على ضوء الفانوس الشحيح وقال:
ـ أبو الطيب.. أشلون شدة هاي.. الليلة ما ينعرف رجلها من حماها!.
وأطلق ضحكته العاصفة.
لا أدري كيف سقطتُ في النوم، لكنني أستيقظتُ على ضجةٍ تأتى من نافذةِ القاعةِ المطلةِ على المسلكِ القادم من أسفل الوادي. نظرتُ إلى ساعتي اليدوية كانت السابعة إلا ربعا صباحا. قفزتُ من فراشيَّ على الفور، وهرعتُ نحو باب القاعة متجهاً نحو مصدر الضجة، ومن حافةِ جدار القاعة بان لناظريَّ رفيقين ممن كنا معهم مساء البارحة؛ الأول ـ سلام مروگي ـ يعيش الآن في السويد ـ،  والثاني ـ أبو نادية الفوج الثالث ـ. كانا هلعين، يتنفسان بالكاد، ويوشكان على الانهيار، يضربان على جبهتيهما براحة كفيهما ضرباً شديداً صارخين:
ـ  راحَوا الرفاق!.
ويلطمون على جبهتيهما.
كان ـ أبو الجاسم ـ يقف جوارهم رابط الجأش، يحاول تهدئتهم كي يرويا لنا ما حدث بالضبط، لكنهما كانا متهسترين. كنت واقفاً على مبعدة ثلاثة أمتار أحملقُ في قسماتهم المفزوعة تحت شمس الصباح الساطعة. عيونهم الزائغة  تشردُ من وجوهنا نحو أقدامهم وأيديهم، والوادي والجبل  في ذهول كجنون، بينما يروون ما جرى لهم بطريقة سأفهمها بعد ساعات إذ وجدتها مناسبة للهول الذي رؤوه. كان كلامهم مضطرباً، متقطعاً بلطم الجباه وكأنهم يرون في تلك اللحظة رعب الليلة السابقة. كنتُ أنصت رابطاً بعناء جملهم غير المترابطة :
ـ أنضربنا كيماوي.. ما ندري.. صارت بينا هستريا.. كل واحد  ركض بصفحه. أحنه ركضنا باتجاه الزاب وسحبنا ـ أبو سعد ـ وعبرناه للجهة الثانية، لكن لما ركبنا ـ الترافيك ـ صرخ بنا؛  لا تتركوني. تره أضرب رأسي بطلقة .. لا.. لا.. لا.. !.. أرجعوا.. أرجعوا!. كنا نفكر بالبقية، سحبنا السلك ولما صرنا فوق نص النهر، سمعنا طلقة، كان الظلام شديد، وما ندري هو عدل لو لا.. رجعنا للموقع وفتحنا كل بنادق الرفاق وطلعنه الإبر. وجمعنا أسلحتهم وضميناها تحت لوح خشب في مكان دكان المقر القديم.
كان حديثهم مصحوبا بتحريك الأذرع الواهنة التي تسقط إلى الجنب خائرة شبه ميتة مع جزع القسمات وضياع العيون في ضباب الليلة المجنونة، ومأزق رفاقهم الباقين، وصدفة النجاة ومحنة مطالبنا بسرد ما جرى كي نفهم ونتصرف. لم يقولا لنا كيف قضّيا ليلتهما قبيل الوصول لموقعنا. لم يطالبهم أحدٌ بذلك، لكن حينما تعرفت على تفاصيل المشهد لاحقا قدرتُ أنهما عرفا كل التفاصيل لكنهما لم يستطيعا البوح وقتها.. أو قدرا فداحة ما جرى وفداحة عجزهما أيضا في فعل شيء يساعد البقية.
كنت رابط الجأش أنصت مجمعاً التفاصيل متخيلا مصيرنا أنا وزوجتي فمن المفترض أن نكون معهم لولا ـ منذر ـ.
كان وجهيهما بائسين شاحبين يائسين. بينما بقية الرفاق المحتشدين  حولنا ينصتون فاغري الأفواه.
لم يكن الأمر يحتاج إلى طول تفكير. التفت ـ أبو الجاسم ـ نحو حشد الرفاق وقال على الفور:
ـ رفاق من يتطوع للنزول إلى الموقع؟!.
ـ ..
ساد صمت كثيف مخجل، والخجل لم يكن مبعثه الجبن، بل لأن غالبية المتواجدين أما كبار السن أو مرضى.
الصمت لم يستمر طويلا، إذ حسم ـ أبو الجاسم ـ الأمر. إتجه صوبي قائلا:
ـ أبو الطيب أكلفك بالنزول إلى الموقع!.
رَمقتُ زوجتي جانبا. كان وجهها مضطربا، أجبته:
ـ أنا جاهز!.
تفحّص الوجوه بعيون حاذقة، وأختار أربعة. فرهاد ـ مؤيد كريم ـ من أبناء مدينتي الديوانية، وكان من كُلِفَ بتوصيلنا من بغداد إلى مناطق الثوار في الجبل عند التحاقنا ( يعيش في السويد ). و أبو حاتم ـ مناف الأعسم ـ ربطتني به صداقة عميقة نشأت في القاعدة، فوثقت به حد كلفته حينما تسلل إلى بغداد عام 1986 بالاتصال بعائلتي وفعل ذلك. كان يعاني من ـ الدسك  وهو يعني آلام أسفل الظهر المبرحة ـ حتى أنه يعرج بمشيته قليلا، وافق على الفور. وأثنان من حزب ـ تودة ـ الإيراني، ممن ضاقت بهم السبل زمن الثورة الإيرانية فلجئا إلينا. الأول ـ كامران ـ وهو شاب يصغرني كثيرا خفيف الظل حيوي، طلب مني تعليمه اللغة العربية قراءة وكتابة طوال سنتين إلى أن أتقنها ـ ستفرقنا شؤون الدنيا.. سألتقي به صدفة في إحدى شوارع ـ طهران ـ بعد أن قذف بنا الجيش العراقي العائد للتو من حربه مع إيران إلى تركيا وإيران، فكانت محنة رفاقنا الإيرانيين محنة. كان غالبيتهم من أكراد إيران. فضّل معظمهم البقاء في معسكرات اللاجئين  في تركيا، عدا قلة كان ـ كاميران ـ من ضمنهم. لم اكن أعلم ذلك إلا حينما سمعت أحدهم يناديني باسمي في شارع ( جمهوري إسلامي) وسط ـ طهران ـ. التفت فباغتني بوجهه  الباسم، تعانقنا بحرارة. كان بصحبة شاب أصغر منه يرتدي ملابس المغاوير العسكرية الإيرانية. قدمه لي:
ـ أخي الصغير
أخذني إلى مطعم راقٍ في شمال ـ طهران ـ هامسا:
ـ لا تخف لا يفتشون هنا!.
كنت أشعر بغبطة وأنا أستعيد تلك اللقاءات السرية الحميمة مع أخي الشهيد كفاح عبد إبراهيم ـ  وأولاد  عمتيّ ـ صلاح مهدي الصياح ـ و ـ علي عبد الباقي ـ ، وآخرين ممن اضطروا إلى الاختفاء في بغداد، زمن حملة الدكتاتور لتصفية اليسار والديمقراطيين العراقيين في أعوام 1978 ـ 79 ـ 80 .. كنت أسعد بتقديم المساعدة لهم. جلست معهما دون أن يراودني هاجس الخوف من ضياعي في سجون المعممين، بالعكس كنت سعيدا باللقاء وقضينا وقتا نسترجع فيه أيامنا  في مواقع الثوار بالجبل. كان شجاعا، حذراً يراقب الرواد بعينين ذكيتين، ويتصرف بثقة كشأنه  في التجربة التي أشرع بسردها للتوثيق، إذ كان أكثرنا حيويةً وتوقداً في معالجة الموقف الذي وجدنا أنفسنا فيه حال وصولنا الموقع ـ زيوة ـ  شديدي الارتباك!. منذ ذلك التاريخ خريف  1989 لم أره.   تحيتي له أن كان حيا علّه يطّلع على هذا النص الذي هو اللب فيه.
الثاني ـ شمال ـ وهو كردي إيراني من نمط الشخصيات الصامتة المنغلقة والدقيقة في تنفيذ ما يطلب منها وكأنه فُطِرَ منذ الولادة على الطاعة مثل جندي بالسليقة.
كان صباح 21ـ 8 ـ 1988  شديد الفتنة، مشمساً، هادئاً، بمزيج ألوان  أشجار السفوح الذهبية الأوراق، والمسالك الضيقة المغمورة بالورق البني والأصفر والذهبي والأرجواني المتساقط من أغصان البلوط والحور . أشعرتني ألوان الخريف بالضيق، فالفتنة الآسرة  لا تناسب قلقنا على مصير رفاقنا الخمسة.. لم تزل طوابير الفلاحين الأكراد تصعد عكس سيرنا متجهة نحو الحدود التركية. لم يتطلب الأمر كثيرا من الوقت إذ في أقل من 45 دقيقة صرنا جوار مجرى الزاب الهادر. أنعطفنا يساراً هابطين مع المجرى، قاصدين العربة المعلقة. كنت أقارن محتدماً بين جمال الطبيعة بشمس النهار الساطعة، وصفاء زرقة السماء ولوحة السفوح بديعة الألوان.. وعنف الإنسان رائياً  القتلى من زملائي الجنود في جبهات الحرب، من رفاقي الثوار والفلاحين الأكراد في القصف والمعارك. عنفٌ في عنفٍ في عنفٍ وَسَمَ تجربة حياتي منذ الصبا وحتى اللحظة التي أنحدر فيها جوار هدير النهر، هاجسا بمقتل رفاقٍ كنت بالأمس أشاركهم الأكل والشرب والمنام والهم وكل شيء. سألتُ نفسي ذات السؤال المّر الذي ينبعث كلما وجدت نفسي في مواجهة موقفٍ كهذا:
ـ هل الإنسان شرير بالسليقة؟!.
ـ هل الشر القاعدة.. والخير الاستثناء؟!.
ـ لم أنا هنا وأهلي وأمكنة طفولتي في الجنوب، محروما منهم ومنها.. دونهما الموت؟!
ـ وما نهاية المطاف؟.. هل سأقضي نحبي في هذه الأمكنة الغريبة البعيدة.. أو سأنجو؟!.
وقتها لم أكن أدري حقا، فلو كنت قد عاندت مساء البارحة وبقيت في الموقع لقضيت نحبي فورا مع زوجتي، فقد كنّا وقتها لم نبرئ بعد من أصابتنا قبل عام ونيف والتي سردت تفاصيلها في القسم الأول!. ماذا حدث لرفيقي ـ أبو الوسن ـ الذي أصيب في القصف الأول وظهر معي في شريط ـ فيديوا ـ صور بعد القصف بأيامٍ ثلاثة؟!.
كنت مشغولاً بالأسئلة، حينما لاحت في عمق الوادي عربة المعبر الأول المعلقة بين الضفتين. كان هدير الماء يزداد صخباً كلما ضاق الوادي، فينحصر المجرى بين سفحين يشهقان نحو السماء باستقامة. رغم ضجيج الماء سمعتُ أصوات تُنادينا من الضفة الأخرى. توقفتُ متطلعاً عبر الماء.   جاءت الأصوات ضعيفة من باطن الهدير. أعتليتُ صخرة عالية، فرأيت من يلوح بيديه إلينا صارخاً دون صوت، بالضبط كما هي الحال في الأفلام الصامتة وجواره ثلاثة أشخاص لم أستطع تبيان ملامحهم، فقد كانوا على مسافة بعيدة، يضاف أن هدير المجرى يجعل من المستحيل التعرف على صوت المنادي من الضفة الأخرى. صرخت برفاقي ملأ حنجرتي فالتفتوا نحوي. أشرت لهم عبر النهر ، فشخصوا بأبصارهم صوب ما أشرتْ، أقبل ـ أبو حاتم ـ مهرولا ليصعد جواري. أَحَدَّ البصر، ثم صاح بسرور:
ـ منذر وعمودي!.
لوحّنا لهما بأذرعنا ظانين أن رفاقنا قد نجوا، وركضنا نحو المعبر الأول، وشرع الرفاق بالصعود واحدا.. واحدا إلى العربة المعلقة. تريثتُ قليلا حينما تذكرت بغتة كلام ـ سلام مروكي ـ،  و ـ أبو نادية ـ اللذان كانا يلطمان جبهتيهما كلما وصلا في سردهما المضطرب إلى الرفيق ـ أبو سعد ـ الذي قالا أنهما ساعداه بالخروج من الموقع، وعبراه إلى الضفة التي نحن عليها الآن. قلت لهما:
ـ سأعبر من الترفيك الثاني!.
ـ ليش؟!
سألني ـ أبو حاتم ـ
ـ أشوف شكو هناك!.
ـ زين!.
قالها وسحب السلك النحاسي الممتد عبر النهر، فاندفعت العربة الصغيرة منحدرة على بكرة السلك الأوطئ متأرجحة فوق الأمواج الصاخبة التي ترتفع فيبلل رذاذها العربة. المسافة بين المعبر الأول والثاني تزيد على المائة متر. التففت على مسلكٍ ضيقٍ يحاذي حافة سفحٍ قائمٍ وكأنه جدار. مع كل خطوة أقطعها يزداد أضطرابي، فيضج قلبي ويصطخب، هامساً مع نفسي:
ـ لو أجده حياً يا إلهي!.
فهو  شاب في الثلاثينيات، نشيط، محب للنكتة. ساعدنا كثيراً وقت أُصابتنا في القصف الكيماوي الأول قبل عام، إذ كان ضمن مجموعة الدوشكا القريبة إلى القمة والتي لم تُصَبْ. أكمل تعليمه في موسكو وحصل على شهادة دكتوراه في العلوم الزراعية، وبدلا من الذهاب للعمل في دولة ما كما فعل العديد من زملائه، تسلل إلى الجبل عِبرَ الحدود سراً للمساهمة مع الثوار بحمل السلاح، حالماً بيوم الخلاص من الدكتاتور. كنت أتقدم نحو المعبر الثاني مستعيداً تفاصيل أول البارحة حينما تنافسنا على أكبر سمكة صدناها من ـ الزاب ـ . كان أسرع مني، فخطفها بخفة مطلقا ضحكة فوزٍ مرحةٍ. أمسكها بيديه. ورمقني بمكر، وكأنه قرأ ما يدور في رأسي. مد يده نحوي قائلا:
ـ خذها، لكن ليس لك لرفيقتنا ـ بهار ـ
أي لزوجتي.
بتُ على بعد عشرين متراً من المعبر الثاني، في منخفض المسلك الضيق، الذي بدأ يرتفع قليلا.ً. قليلاً.. كنت أعرف المكان بدقةٍ، فما أن أقطع هذا الارتفاع الممتد قرابة عشرة أمتار حتى أشرف على الفسحة المحيطة بموقع المعبر. تلكأت بخطوي، وقفت للحظات محاولا السيطرة على سيلٌ من الرعشات هزتني هزاً:
ـ هل سأجده ميتا أم مصاب؟!.
بعد ثلاث خطوات تسمّرتُ على المسلك الصاعد. رأيتني وكأنني أعيش اللحظة من جديد، فتقطعت أنفاسي وكأن ما رأيته قبل قرابة عشرين عاما يحدث أمامي الآن. نفضتُ رأسي مقاوماً سطوع ذاكرتي، متشبثاً في الحاضر وكأنني أود لقط أنفاسي قبل التذكر، فوجدتني مستلقياً على فراشٍ مرتبٍ، ساكناً أحملق بشرود في السقف الواطئ، هَدَأتُ أنفاسي قليلاً طلعت من القصة لأجد نفسي في غرفة فندق بمدينة ـ لاهاي ـ. التفت نحو النافذة.. الظلام يشحب قليلاً.. قليلاً.. والسكون يعم كل ما حولي ما عدا ضجيج ذاكرتي المشحوذة بتفاصيلها الدامية. تماسكتُ بعناء قبل أن أنحدر قليلاً.. قليلا  في جحيم ذلك المكان البعيد. شددتُ جسدي محاولاً التماسك وتقدمتُ مسرعاً تحت شمس تلك الظهيرة الساطعة.
من على مرتفع المسلك الهابط نحو فسحة العبور رأيته مستلقياً على ظهره على بعد خمسة أمتار من العربة المعلقة الساكنة. يحاذي حافة الماء تماماً، والموجة ترش جسده الساكن بين الحين والحين برذاذها المتطاير. ركضت نحوه يصفر في رأسي دوي فراغٍ دوار، مفجوعاً هلعاً. صرتُ فوقه تماماً. كان مستلقياً على ظهره بقسماته الساكنة، وعينيه المفتوحتين الجامدتين المحملقتين في صفحة السماء الصافية الزرقة. جمدتْ في قسماته صرخة رعب نحتت لحظته الأخيرة. بندقيته الكلاشنكوف نص الأخمص جوار رأسه. تهالكتُ على ركبتي اليمنى هابطا إلى جواره. حاولتُ إسدال أجفانه. لم تستجب لأصابعي. تماسكتُ من جديد. إنحنيت عليه. طبعتُ قبلةً على جبهته، فتساقطت دموعي. لم أزل حتى هذه اللحظة أشم رائحته القوية رغم موته. كانت بقعة مدورة من الدم تحيط رأسه، وثمة ثقب صغير حفر صدغه الأيمن بينما فتحة الصدغ الأيسر أعرض وأشد تمزقا. تخيلتُ مشهد ليلته الأخيرة مجمعاً ما سمعته من الرفيقين اللذين عبراه. كيف ساعداه على الترجل من العربة إلى دكة الصخرة، كيف تركاه مستقلين العربة. تخيلته يتهستر وهو يشعر بنفسه وحيدا في العالم، سمعتُ صراخه والعربة المنحدرة تضيع في الظلام رويداً.. رويدا، رأيته في الحلكة يدور مثل مجنون وغاز الأعصاب أذهب عقله، صارخاً:
ـ إذا تعوفني راح أضرب راسي طلقة!.
دون جدوى إذ غابا في الظلام والهدير، فسحب أقسام بندقيته.. وجلس ليركزها على ركبته ملصقا الفوهة الباردة بصدغه غاطاً في الحلكة. يسكن قبيل الضغط على الزناد، لينتفض مبعثراً ذاكرته ووجوده ويستلقي بالوضع الذي وجدته فيه.
نهضت من جواره منهكاً. قطعت الأمتار العشرة نحو العربة المتأرجحة، غير مستوعبٍ وقتها لِمَ أنتحر بعدما أخرجاه من موقع القصف سالماً، فما كان عليه سوى السير حتى موقع فصيل المكتب السياسي كما فعلنا غروب البارحة مجرد ساعة أو أكثر بقليل. حشرتُ جسدي في العربةِ الضيقةِ، وسحبت السلك الأعلى فأنزلقت نحو الضفة الأخرى. كنت شارد الذهن، فلم أنتبه إلى ـ كاميران ـ و ـ شمال ـ يحيطان بـ ـ عمودي ـ  و ـ منذر ـ ويقفان على مقربةٍ من مكان نزولي على الضفة إلا وانا فوق منتصف النهر. ترجّلتُ وعانقتهما. كان ـ منذر ـ يعط برائحة غريبة متوتر القسمات وفي عينيه شرود. لم يخب أنطباعي الأول، إذ سرعان ما هدر هاذياً بكلامٍ نابٍ غريب، رافعاً ذراعيه القصيرتين ملقياً خطبة تشتم كل شيء الحياة والوجود والبشرية. لزمتُ الصمت محملقاً في منقذي المتأرجح على حافة الجنون. كان لا يسمع أسئلتنا ونحن نحاول فهم ما جرى لهم ليل البارحة. كان يشتم كل ما يخطر على باله دون رابطٍ ما. بقيّ على هذه الحالة أكثر من أسبوعين، يغط في الشرود والخدر، ثم ينفجر بغتة. ظل حتى  وصولنا مخيم ـ گفرى ـ التركي، ولم يتزن إلا بعد مرور عدة أشهر.
أما ـ عمودي ـ فقد كان يترنح مثل سكران، لكنه بدا متمالكا نفسه قليلا ينصت لما نقول. سألناه عما حدث بالضبط، فبدأ برواية ما جرى ليل البارحة بوضوح وتفصيل جعلنا نعيش الحدث:
ـ كنا نسهر  في قاعة الإسناد، وكان ـ أبو جواد ـ يروي نكاتاً كعادته  عما شافه في سجن ـ إيفين ـ الإيراني، لما زار إيران وسجنوه. كنا غارقين بالضحك، وفجأة اهتزت القاعة مثل ما راح تطبق علينا. فطفرنا مثل المجانين. وركضنا بلا شعور مزدحمين بباب القاعة . وكان أول واحد طلع هو ـ أبو الوسن ـ كان يصرخ:
ـ كيماوي.. كيماوي.. رففففففففففففففففاق!.
خَبّلنا، كان يصرخ مثل مجنون وغاب بالظلام. القذائف تتساقط حولنا. كل واحد ركض لجهة وهو يصرخ بأصوات غريبة.. صرنا في حالة جنون كامل.. ( قصته سيرويها لمخرج سينمائي بريطاني جاء عام 1989 إلى مجمع ـ زيوة ـ في أقصى الشمال الغربي الإيراني، وسيختار المخرج انفعال عماد ـ يعيش الآن في فينا بالنمسا ـ  وهو يصف ما جرى لهم بالجنون الكامل، كنهاية مقطع ينتقل فيه المونتاج إلى مشهد مختلف في الفلم،وهو لدي على شريط فيديو حصلت عليه صدفة لما حللت في دمشق عام 1990 لدى صاحب تسجيلات كردي بمنطقة ـ ركن الدين ـ فاستنسخت نسخة ما زلت أحتفظ بها).
بعدين فقدت الوعي، لمن حسيت لقيت نفسي في عالم آخر غريب، كأني بيوم القيامة، كنت أصرخ بدون صوت وأتقلب على التراب، لكن ما ادري وين، تنفتح الأرض بصفي فأكمش حافة الشق خاف يبلعني.. شق أسود عميق يسحب جسمي.. أقاوم، أصرخ، أشِد التراب بأصابعي  بقوة، والشق يدور.. وأدور مثل سورة ماء، ونَفَسي يضيق.. أختنقت وحسيت بجسمي كله مشتعل تمنيت الموت حتى اخلص من العذاب والعالم الغريب العجيب اللي وقعت به . لكن أشلون أموت وما بيدي شيء أقتل به نفسي. حاولت لمن شفت بندقيتي قريبة. زحفت ومسكتها. سحبت الأقسام بسرعة وخليت فتحة الماسورة برأسي وضغطت الزناد، ظنيت أني متت، وما جرى بعد ذلك تصورته بعد الموت، فخرسني الرعب وحسيت السماء سودة مثل سقف تنزل وتطبق عليّ، وبصفي أنشقت الأرض نصين وسحبتني فوقعت بالهاوية. تصورت نفسي متت وقعدوني يوم الحشر.. عشت زمن مثل الأبد، لا بداية له ولا نهاية.. يا بويه أش لون عذاب.. أش لون انقضت الليلة وطلع الفجر ما أدري . فوجدتُ نفسي على الفسحة التالية لموقع الإسناد جوار قبري الشهيدين  ـ أبو فؤاد ـ و ـ أبو رزگار ـ وعلى بعد عشرة أمتار مني شفت ـ منذر ـ يتلوى بمكانه مثل واحد به صرع، زحفت صرت قربه. لزمته من كتفه ورحت أهزه وأصرخ:
ـ منذر.. منذر!.
ففزّ وراح يصرخ صراخا مرعبا، ويتقلب حتى وصل حافة الفسحة. فركت عيوني ولزمت الصخور حولي وظليت جامد قاطع نفسي أسمع صراخ منذر الغريب المتواصل وشتائمه.  حاولت أقوم وأمشي إليه، لكن ترنحت لما رفعت جسمي وسقطت مرة ثانية على الأرض. تحسست جسمي،  وقلت مع نفسي: لا والله أني عدل مو ميت.. بعدين سمعت صوت العصافير والطيور، وفجأة حسيت بنفسي قوي فركضت لـ ـ منذر ـ ساعدته على النهوض، ردت أسحبه فحرن بمكانه وعيونه على ضوه الفجر شفتها مثل عيون المخبل، وكأنه لا يعرفني. ظل دقيقة عيونه بعيوني وأنفجر بضحكة مخيفة، أنتهت بهذيان وشتائم، وكلام ما مترابط مثل ما تشوفوه. هزيته ألف مرة دون فائدة بعدين سحبته بالقوة ونزلنا لضفة الزاب. فكرت نروح لمقر ـ حدك ـ القريب وفعلا بنص الطريق جاء بيشمرگة ـ حدك ـ وأخذونا لمقرهم. ما نمنه إلى أن شفناكم.
فسّر لنا ـ عمودي ـ كل شيء، فلم نفهم من ـ سلام ـ  و ـ أبو نادية ـ سبب أفراغهما بنادق الباقين  من الأبر،  إذ لم يربطا ذلك بأنتحار ـ أبو سعد ـ. لكنهما تصرفا بالغريزة مدركين أن رفاقهم المتخلفين في الموقع ممكن أن يكون مصيرهم كمصير ـ أبو سعد ـ وأن القنابل التي سقطت تحوي شيئا يحرض على الهستريا والانتحار، لذا قرارا العودة لتجريد البنادق من إبرها وهذا في حقيقة الأمر ما أنقذ هم،  كما بدا من حكاية ـ عمودي ـ سنعرف لاحقا أنهم عادوا مرة أخرى لجمع البنادق وأخفائها تحت لوح خشبي.
وفيما كان عمودي يعيد القصة المرة تلو المرة، ومنذر يحملق بوجوهنا وكأنه لا يرانا وينهد بين الحين والحين شاتماً. لم أجد ـ أبو حاتم ـ فسألت عنه. أخبروني بأنه صعد إلى المقر علّه يجد ما تبقى من الرفاق، قلت على الفور:
ـ سألحق به!.
هرعتُ مسرعاً نحو صف أشجار الصفصاف والتين الممتدة بموازاة الشاطئ، أنحرفت إلى اليمين على مسلك عريض يرتفع جوار حقول كنا نزرعها في مواسم الصيف بالخضر، ثم أستدرت إلى اليسار مرتقياً درباً يحاذي مجرى النبع. في منتصف الدرب رأيت أبا حاتم ينحدر مغطياً أنفه بمنديلٍ مبلولٍ. أصبح على بعد مترين مني. كانت قدماه ترتجفان. وحينما نطق كان في صوته رعشه رغم محاولته التماسك:
ـ أبو جواد استشهد. لم أعثر على أبي الوسن ولا على أبي سعد!.
أخبرته عن أبي سعد!.
رد بحياد:
ـ يعني بقى بس أبو الوسن!.
تنحيتُ جانباً كي يمرّ، فلم يتحرك وقال مستغربا:
ـ وين رايح؟!، تره بعد أكو أثر ريحة في الجو!.
قلت:
ـ سأصعد.. الحقوا بيّ!.
لما وجدني مصراً، نصحني ببل منديلي ووضعه على أنفي كما فعل هو. لم أشم شيئاً رغم شدة حساسيتي للروائح منذ أصابتي قبل عام.. التفت نحوه، كان يخطو بعرجٍ خفيف برجله اليمنى ميمما صوب المعبر الأول، حيث وقف الرفاق منصتين لرواية ـ عمودي ـ الذي يعيدها المرة تلو الأخرى بنفس الحماس.
كان السكون طاغياً. وحدها العصافير تزقزق غير مكترثة على أشجار الله. كنتُ أنصتُ متخيلاً جحيم ليل البارحة التي صورها ـ عمودي ـ وكأنها يوم الحشر. لم أكن خائفاً، ولم أشعر بالخوف مطلقاً في المواقف الحاسمة. كنت أرتقي الرابية تواقاً لمعرفة مصير رفيقيَّ  المسكين ـ أبو الوسن ـ، أصعد وشعور بالإنزعاج من فتنة الطبيعة عاودني. فتنةٌ غير آبهةٍ بالمأساة. البلابل تصدح. الماء ينحدر بخرير خافت. الشجر يبدل أوراقه. والشمس مشرقة تغمر أشياء الأرض بذهبها. أحسستها تسخر من قسوة ودموية صراعنا المضاد لطبيعة أرضنا ومياهنا وسمائنا وعصافيرنا وطيورنا.. نبضٌ فتّان يخربهُ الإنسان بالعنف والقتل والتخريب.
وصلتُ إلى فسحة منبسطة تجاور قاعة فصيل الإسناد، وهناك خلف غرفة فصيل الإسناد ـ وَجدتهُ مطروحاً جوار الساقية الصغيرة التي تجري من نبع القمة العالية. أهتز خطوي وأنا أقتربُ منه شاعراً بفجوة فراغٍ تنفتح تحت قدميّ. اختللت متأرجحاً مثل سكران، فأسرعتُ ممسكاً بساق شجرة بلوط كانت جواري. لبثتُ حاضناً جسدها حتى استعادت الأشياء ثباتها. عاودتُ الخطو. وقفتُ على مبعدة خطوات منه مرتعداً. أحملق في همود الكتلة البشرية اللينة باستلقائها المبعثر.. الساقين مفرودتين إلى أقصاهما.. أطراف أصابع الكف اليمنى تطفو على سطح الماء الضحل الجاري في الساقية.. المنديل مدعوك ومتكور حول العنق الموحل، المخدوش بآثار أظافر. تخيلتهُ حياً في دكنة الليلة الفائتة، وهو يشد منديله المبلول حول وجهه ظاناً أنه سينقذه من غازات الكيمياء الهابطة من سماء الليل. تخيلتُ رعبه حينما أدرك لا جدوى المنديل، فأنطلق يصرخ في الظلام ساعياً خلف الهواء، مزيحاً بأصابعه المتوترة النقاب المبلل إلى أسفل.. أظافره تنشبُّ في عنقه.. تدميه. تخيلته كيف يدور في هذه البقعة حول نفسه المشلولة برعبها.. كيف وهنت قواه رويداً.. رويداً، حتى سقط من حافة الفراغ بالغاً مساحة الخدر والأحلامِ. أمعنتُ النظر في الجسد الذي يبدو حاراً وكأنهُ سقط في غفوة عميقة للتو.. فوضى الشعر الممرغ بالتراب.. السروال المسحوب والمحشورة حافتيه عند الركبتين.. الساعة المهشمة وأحشاء الزمن مبعثرةً حوله. كان الزبد الأبيض حياً بفقاعته الهوائية الصغيرة الممتلئة التي لم تزل تنفجر عند حواف شفتيه. ظننته حياً، ركعت جواره على ركبتي، وهبطتُ برأسي نحوه ملصقاً أذني على صدره. كان ساكناً يغور في غفوته متخلصاً من عذاب الدنيا. يرقد بسلام غير آبه بالشمس وزقزقة العصافير، بقلقنا وعذابنا.. حَسدتُ الميت. لبثتُ في جلستي المستسلمة جوار جسده المسجى. بدا لي وكأنه كان يحلم بحلمٍ مزعج قبيل سكونه الأبدي، فترك أثراً على تقاطيعه الجامدة.  قسماته منزعجة من شيء ما، أكثر من كونها مرعوبة كما هي قسمات ـ أبو سعد ـ التي تركتها عند حافة النهر. لحظتها أحسست بذنبٍ إزاء ما شاب علاقتي به. كان يصطحبني في مفارز تقطع طرقاً جبلية طويلة، محفوفة بالمخاطر والكمائن التركية والعراقية من هذا الموقع ـ زيوة ـ جوار العمادية وحتى المثلث الحدودي العراقي الإيراني التركي حيث مقرات ـ لولان ـ. كنت أسأله لم يخرج مع كل مفرزة رغم تَهَرُبْ غالبية المقاتلين من مثل هذه السفرة الطويلة المضنية، فكان يجيب:
ـ رفيق أحسن لي من الموت بالقصف هنا بمقر زيوة.
نفس المكان الذي قضى فيه. حكى ليَّ قصته، كونه لجأ إلى إيران فأعتقل وذاق المرَّ في سجن ـ إيفين ـ الإيراني قبل أطلاق سراحه، فعاد إلى الثوار في الجبل، وصار بهذا الحال يخرج في كل مفرزة مشغولاً بالتنكيت والضحك والمرح حتى صار وجوده خفيفاً يرفه من عناء يوم الجبل وثقله. كنت أسخر منه، رغم أنه كان يفضي لي برغبته في الحياة مفكراً بعائلته الفقيرة التي تركها في بغداد جائعةً معوزةً، وهي السبب الجوهري من خشيته من الموت كما أسر لي مرة فلم أصدقه قائلا:
ـ ليش التحقت إذن!.
وقتها كان ذلك بالنسبة لي مبعث سخرية فقد كنت وقتها ثورياً لا قيمة لحياتي إلا بمعنى الموقف منها. ( أخبرني ـ أشتي ـ قبل أيام في اجتماع لقدامى محاربي الأنصار هنا في كوبنهاجن الشهر الخامس 2007 حينما سألته عن أسم أبي جواد الحقيقي بأنه لا يتذكره وأن عائلته ـ عائلة أبو جواد ـ مسحوقة جداً ليس لديها مأوى، راجعت مقر الأنصار في بغداد، سائلة عن مصير أبنها، فأخبروها بشهادته. وأضاف أن عائلته سكنت مقر وزارة الدفاع القديمة في باب المعظم مع عشرات العوائل المسحوقة التي وجدت بعد سقوط النظام مأوى لها في أمكنة كان النظام يدير ماكنة القتل اليومي فيها ). كنت أرقد جوار جسده الساكن في الفسحة محملقاً في المنديل الرطب المنزلق من أنفه حتى حافة الحنك. تخيلته من جديد، يبلَّ المنديل ويضعه ظاناً أن ذلك سينقذه من غازات الموت.. تخيلته في لحظاته الأخيرة وندمتُ على لحظة خبث انتابتني وأنا أتأرجح على حافة الموت، كنتُ شبه أعمى محروقاً تماماً، لكنني حالما رأيته واقفاً أمامي يحملق في جسدي المحروق ووجهي بذعر وذهول قلت له:
ـ مبروك خِلَصِتْ!.
كنت أقصد القصف الكيماوي للموقع نفسه  في 5 ـ 6 ـ 1987 الذي أصبتُ فيه، إذ صادف أن خرج في مفرزة قصدت الفوج الثالث القريب قبل يومين فقط من قصف الطائرات.
جلدتُ نفسي بشدة، محتقراً خبثي تلك اللحظة وأنا أتدلى من حافة الكون، وأكاد أغور في هوة سقط ـ أبو جواد ـ المستلقي جواري فيها..
ـ أقسمتُ مع نفسي منذُ تلك اللحظة على احترام الإنسان في كل حالاته دون سؤال!.
ـ هاهو من كنت أظن أنه نجا قبل عام يرقد جواري ميتاً في صباح مشمس جميل يضج بصخب العصافير وهدير النهر وصخب ألوان الخريف وأنا الذي كان ساخراً أمكث جواره حائراً منتظراً.
ـ هل يدرك من يجلس في قفص الاتهام بقضية الأنفال فداحة الأبعاد النفسية التي خلفوها في كل من وقع عليه فعل القتل والتشريد التي أعرض الطرف الصغير والبسيط الذي عشته ورأيته!.
من المستحيل على  وزير الدفاع ـ سلطان هاشم ـ  قائد الحملة الميداني، وعلى زمرته من القتلة الإحساس بهول ما يعيشه الضحايا من تفاصيل صغيرة قبيل الموت في حملتهم، تفاصيل تجعل من رحلة العمر مجرد عذاب يتمنى المصاب فيها الموت والخلاص.
كيف تشعر الزمرة الحاكمة بهذه التفاصيل وهي تجلس في برجها محصنة بالأسوار، مرفهة تعيش في رخاء ودعة بتلك المآسي، لا تشعر بل تجد فيها مادةً للتسلية ليس إلا كما سيظهر في أفلام الفيديو التي عرضت بعد سقوط النظام على شاشة المحطات الفضائية !
وحتى الآن وهم في المعتقل مرفهين، ظروفهم غير ظروف المعتقل العراقي زمن سطوتهم ودكتاتورية رئيسهم ـ صدام ـ فهم في ضيافة السجن الأمريكي يأكلون وينامون رغداً، ولا يواجهون المرارة إلا حينما يجلسون في قفص الاتهام في الجلسات المتباعدة..
هؤلاء القتلة محظوظين!.
لسبب جوهري أنهم لم يذيقوا الذّل الذين كانوا يذيقونه لأبسط سجين على أبسط قضية. فما أن يلقون عليك القبض ـ وهذا ما صار معي في المرات الأربعة التي اعتقلت فيها بين 1970 ـ 1980  وأنت في المدخل يبدءون بضربك وشتمك، ويستمر الإذلال طوال وجودك في المعتقل حتى ينزعون إنسانيتك فترى نفسك شيئاً تافهاً يشبه الحشرة يسحقونها متى شاؤا.
الدكتاتور هو الآخر مات دون أن يذّل، فلم يلق ما أذاقه لضحاياه!
من أين للقتلة المحظوظين الإحساس بما اقترفت أيديهم من جرائم طالت مئات الألوف من أبناء شعبي!
أين لهم؟!.
أعود لأصف تفاصيل قليلة من عذاب ضحايا مساكين من رفاقي، وأبناء شعبي من الأكراد ممن قضى أو أصيب أو ضاع في الحملة، فما جرى لرفاقي هو نموذج لما جرى لكل فلاح كردي بسيط قصف في قرية بالغازات السامة والأعصاب، ولكل من عاش رحلة التشرد والنزوح، ولكل من دفن في مقبرة جماعية مجهولة، لكل عراقي ضحية الدكتاتورية!.
أستلقي على فراش وثير في غرفة فندق وسط ـ لاهاي ـ غير قادرٍ على النوم. أحملق في الجدار والسقف الأبيض، والفجر تسلل من النافذة المواجهة للسرير والمطلة على وسط المدينة بمبانيها المكتظة، حائراً بما سيواجهني به المحقق الهولندي بعد ساعات قليلة.. حائراً كحالي حينما كنتُ أجاور جثة أبي جواد، كنتُ مشلولاً، شارداً أتأمل علاقتي معه في صمتٍ يضجُ بأصوات الطبيعة. وبغتة  أنتابني الرعبُ وصراخ قذيفة مدفع حطم السكون. قذفت جسدي غريزياً جوار الراقد، مدوراً عيني الفزعتين بحثاً عن ملجأ قريب، لكن مسافة العشرين متراً التي تفصلني عن أقرب ملجأ صارت وكأنها في كوكب أخر والقذائف تتولى ساقطةً حولنا. أحتميتُ بجسده الساكن. أمعنت في الإلتصاق به غامداً وجهي في عنقه المخدش العاري. أنصت للسكون المريب الضاج بهدير النهر، وخرير الساقية، وحفيف ورق البلوط المتساقط، وصمت ما بين قذيفتين، أنصت للصمت الذي أمتد وأستطال. انفصلت عنه، فرأيت قسماته القريبة محتقنة تراءت ليّ حية غاضبة من ذاك التحديق اللصيق. سحبتُ جسدي مبعداً وجهه عني. الورم جسّمَ انفعالات فزعٍ كانت دفينةٍ. فزع وشم كل ذرة في قسماته الساكنة في أبديتها
ـ لولاك يا منذر لما أختلف مصيري وزوجتي عن هذا المصير!.
أختض جسدي خضاً وانا أتخيل جسد حبيبتي ـ بهار ـ بارداً ممرغاً بالتراب، وقسماتها الجميلة محتقنة مزرقة، مشوهة. أنقلبتُ على ظهري، فانبسطتُ فسحة السماء المرئية من قعر الوادي العميق زرقاء تبحر على صفحتها مسرعة غيومٍ بيضاء متفرقة مثل صدى أو حلم. بقيت منتظراً دقائق أخرى قبل أن أنهض وأنفض ما علق بسروالي وقميصي من غبارٍ وتراب وكسر أوراق يابسة. أول ما فكرت فيه هو البحث عن ـ أبي الوسن ـ وهاجس مقتله الملحاح أطرده رغم قوة المنطق فقد عرفنا مصير الجميع إلا هو فلو كان قادرا على الحركة والكلام لوجدناه. كنت أطرد هذا الهاجس فلم يبق في قلبي مكاناً لفواجع أخرى. كنت أظن وقتها ذلك، ولم أكن أعرف أن القلب البشري لديه طاقة تحمّل تفوق كل المقاييس. كنتُ أأمّلْ نفسي بالعثور عليه حياً:
ـ أين صار والجميع عرفنا مصائرهم!. فمن غير المحتمل أن يكون مختبئاً في مكان ما سالماً ولا يظهر رغم طلوع النهار؟!.
كنت أأمل نفسي بالعثور عليه حياً، أو فاقد الوعي مثلاً،  كنت أتمنى ذلك فهو من أكثر الأنصار مسكنةً. ينحدر من عائلة فقيرة تسكن ـ مدينة الثورة ـ هرب وقت الحملة على القوى الوطنية والديمقراطية 1978 إلى الخارج وعاش في اليمن وتسلل إلى كردستان عبر الأراضي التركية منذ أوائل ثمانينات القرن الماضي. وبين ثوار الجبل عانى بشّدة. كان يبث لي أسراره كلما يثقل عليه  يوم الجبل الذي أدخله في مآزق لم يكن يتوقع الوقوع فيها، حتى أنه تحول في الفترة الأخيرة إلى مدار للتندر والنكتة في وسط محيط من الأذكياء يطفو فيه الإنسان البسيط مثل أبي الوسن. وجد نفسه معزولاً وكل من يقربه يرى بعينيه ظلال سخرية. أسر لي عن عذابه من عيون تلوح فيها السخرية وأفواه تلوح على أطرافها بسمة استخفاف. لا أدري هل ما كان يشعر به هو حقيقي أم ظنٌ مَلكهُ لكثرة ما وقع فيه من مطبات؟!، لكنه كان معزولاً بالفعل  حتى أنه في الفترة الأخيرة لم يجد رفيقين ثابتين يشاركهما تناول وجبات الطعام الثلاث اليومية.. حيث يتوزع الثوار على صحن واحد ثلاثة.. ثلاثة، مما جعلني وزوجتي ندعوه ليكون ثالثنا في كل وجبةٍ. لستُ هنا بمعرض الخوض في تفاصيل حياة هذا الإنسان المسكين الحالم بمدينة فاضلة أفرزته وحيداً وسط رفاق له في النضال والسلاح، فما بثه لي من معاناة إنسانية عميقة كتبته فصلاً  في روايتي المنجزة والجاهزة للطبع ـ الحياة الفقاعة ـ التي تتناول هذه الكائنات البشرية من زاوية إنسانية مجردة من أبعاد الأيديولوجيا التي كانت تغيب معاناة التجربة، عنائها، ألمها، فداحتها، وحشتها،  بتفاؤل موهوم  كنت وشخصياتي ـ رفاقي ـ نخفيه كي لا يقول أحدٌ علينا ضعفاء، أو جبناء، كما صار مع القلة من الشجعان الذين أظهروا معاناتهم.
تذكرت ما رواه ـ عمودي ـ عن غيابه عند حافة السفح الكثيف الأشجار والأدغال، المطل على فصيل الحماية حيث أقف. نزلت مع المجرى أبحث عن أثر له بين  الشجيرات والأعشاب الطويلة. عدتُ صاعداً مع المجرى حتى القاعة. لم أر أثراً. ذهب روعي قليلا. قلتُ مع نفسي:
ـ ما رواه ـ عماد ـ إذن هو أخيلة رعب من ضجيج وفزع الليلة الماضية!.
هببت أدور بين غرف فصيل الأسناد، الغرفة المتطرفة خلف القاعة وجدتها فارغة إلا من أفرشة مبعثرة وحقائب لرفاق غائبين، في الحقول المجاورة. نزلت إلى الفسحات المتدرجة الكثيفة الأشجار حتى بلغت حافة البستان ماراً بقبري الرفيقين ـ رزكار ـ و ـ أبو فؤاد ـ. لم أجد شيئاً. صعدتُ إلى السجن وجدته مفتوح الباب، خالياً. إنحدرت مسرعاً على الدرب الضيق النازل حتى فسحة أسفل السفح، حيث مجمع القاعات ومطابخ فصليّ الحماية والإدارة، فوجدت تحت شجرة الجوز العملاقة بغلين ميتين الواحد جوار الآخر، وعلى مسافة أمتار عشرة وجدت ثلاثة كلاب غريبة نافقة متورمة الجثث. لم أدع مكاناً في المقر وحوله لم أبحث فيه، مما جعلني أخمن بأن ـ أبو الوسن ـ لابد أن يكون قريبا جدا من مكان الواقعة، فلو تمكن من الإبتعاد على الفور من دائرة القصف كما فعل ـ أبو نادية ـ و ـ سلام مروكي ـ لظهر حتماً، لذا سارعت بالصعود إلى فصيل الإسناد من جديد. وقفت أمام باب القاعة وتخليتهم يهرعون راكضين صوب الباب، وجمعت نتف ما سمعته من الجميع في ضفيرةٍ، فأيقنت بأنهم جميعا إتجهوا في طريق هروبهم نحو ـ الزاب ـ إذ خلفه تقع مقرات رفاقهم. خطوتُ من جديد متتبعا فرضيتي فوصلت جوار جثة ـ أبي جواد ـ هالني أحتقانها السريع، وتضخّم ملامحها كأنها توشك على الإنفجار.  نزلتُ وصعدتُ مرتين مع حافة المجرى حتى عمق الوادي دون جدوى. لم أيأس فكل ما سمعته وجمعته يشير إلى أن ـ أبا الوسن ـ قريب من المكان. وفيما كنتُ واقفاً جوار الجثة، على حافة المجرى الضحل، أركّز محاولاً ترتيب الحدث من جديد وقع بصري على قطعة قماش بلون الزيتون الأخضر. أحسستها أليفة لعينيّ جداً. هرعتُ نحوها. كانت ملقاة على كتف الساقية جهة السفح. بسطها بين يديَّ، كانت حقيبتي القماشية التي أعرتها لأبي الوسن قبل أيام:
ـ لابدَّ أن يكون قريب جداً!.
قلت مع نفسي، وانحدرتُ مرتبكاً على السفح. قطعت مترين. لم ألحظ شيئاً. كانت الشجيرات والأشجار كثيفة جدا بحيث بدت كدغل مظلم. أحست بدوي الصمت يأخذ رأسي كحالي في كل فاجعة أهجس باقترابها. نزلتُ أربعة أمتار أخرى.. ووسط دغل يحيط بشجرة بلوط عالية، رأيت شرولاً معلقا من حلقاته السفلية إلى الأعلى. استغربت. خضتُ في الأدغال مقتربا. أزحت بكفيّ أخر حشد لأغصان شجيرات السفح يفصلني عنه. أخرسني المشهد وأحالني للحظة إلى صخرة. أبو الوسن واقفاً بالمقلوب تماما. يرتكز على رأسه، المحشور لصق ساق شجرة بلوط متينة، تحيط بها سيقان شجيرات أصغر وأعشاب أحاطت بالرأس والجسد، فحافظت على وضعه قائماً بالمقلوب. سقطتُ جالساً جواره بائد

الشهيد ابو الوسن
الشهيد ابو الوسن

القوى. القسمات المسكينة المخدشة بالأغصان متضخمة محتقنة راكزة بين السيقان تحرزُ في أعماقها صرخة رعبٍ طبعّتْ كل مسامة فيها.
أي هول أَخَذَهُ في لحظته الأخيرة قبيل خلوده إلى الصمت واقفاً على الرأس رائياً العالم مقلوباً. أستعيد الآن هذا المشهد الفاجع الفريد، جلوسي للحظات منهاراً جوار الجثة الواقفة بالمقلوب.. حملقتي الشاردة بقسماتها المحتقنة، وإنهمار تفاصيل علاقتي معه منذ حلولي في ـ زيوة ـ وحتى إيابه.. كان الوحيد الذي ينطبق عليه المثل العراقي الشائع والذي قذفه عليَّ مرةً حينما كنا نحمل كيس جنفاص مليء بالتراب لرصف ممر في الفصيل معلقا حول ما وقع به من فضيحة تتعلق بالجنس فصار مادة للسخرية وقتها:
ـ جبر من … أمه للگبر!.
لا أريد الخوض في تفاصيل ذلك، ـ سيجدها القارئ كاملة في روايتي المعدة للطبع ـ الحياة فقاعة ـ لكن أريد التذكير بأنني لحظة إنهياري وجلوسي جوار نصبه القائم بالمقلوب تذكرت شكواه، كونه لم يمارس الجنس أبدا مع امرأة رغم بلوغه الأربعين. وكان ذلك قبل سنة من مغادرته الدنيا.
ما أسرده الآن ما هو إلا تجسّيم لتلك اللحظات التي كانت تمرُ كالبرق. نهضتُ. تسلقت المنحدر الدغلي الحاد، بلغتُ جثة ـ أبو جواد ـ التي أزدادت ورماً . أردت النزول إلى رفاقي كي نرتب قضية الجثث، لكنهم ظهروا من خلف سياج البستان المحاذي للمسلك الواحد تلو الآخر، كامران، أبو حاتم، شمال. اما ـ فرهاد ـ فقد بقى بصحبة ـ عمودي ـ و ـ منذر ـ. صرنا أربعة. أخبرتهم بعثوري على جثة ـ أبي الوسن ـ، فتبعوني إلى دغل السفح وعاينوا الموقف. أول ما فكرنا فيه هو دفنهم والانسحاب على عجل، فبين لحظة وأخرى كنا نتوقع تجدد القصف، أو سيطرة الجيش على السلسة المحاذية للزاب من جهة تركيا، فيقطع خط انسحابنا إلى المقر الذي قدمنا منه. تشاورنا حول الكيفية التي سندفن فيها الجثتين. كان من المستحيل حفر قبرين لهما، لا الوقت يكفي، وليس لدينا أدوات حفر. على سن ترابي لاحظت حفرة متروكة كانت مربض قديم لدوشكا فصيل الإسناد يطل مباشرة على فسحة دُفِن فيها ( أبو فؤاد، وأبو رزگار ). أقترحتُ وضع أحدهم في هذه الحفرة وردمه بالصخور والتراب. لم ندع الوقت يمر. نزلت وأبو حاتم نحو جثة ـ أبو الوسن ـ زحزحناها بصعوبة وخلصنا رأسه من الدغل وسيقان الشجيرات الكثيفة. حملناه من قدميه وكتفيه وحاولنا الصعود إلى حافة المجرى التي لا تبعد سوى عشرة أمتار، لم نستطع كان الجسد ثقيلاً. أنحدر ـ كاميران ـ نحونا وحاول مساعدتنا دون جدوى:
ـ سأجد حلاً.. أنتظرا!.
قال كاميران ذلك وتسلق نحو المجرى. وضعنا الجثة وجلسنا جوارها لاهثين. بعد دقائق عاد إلينا حاملاً بطانية، فرشها جوار الجثة. حملناه. وضعناه فوقها، ولففناه مما سهل علينا حمله والصعود به. توجهنا  إلى الحفرة المتروكة. أسقطناه في باطنها، وهرعنا إلى المسلك الحجري. ظللنا ننقل الحجر حتى ردمنا الجسد المكور في الحفرة الضحلة، ثم أهلنا تراب الحواف مغطين الفتحات بين الحجر. كنا نظن أن هذا الدفن مؤقت ـ حفاظاً على أجسادهم من نهش الحيوانات ليلاً ـ ، إذ سنعود حينما تهدأ الأوضاع وندفنهم بشكلٍ لائق.  بدا الإنهاك علينا سريعاً، ليس إنهاكاً جسدياً، بل نفسياً رغم أننا نحاول أن نبدو متماسكين، جديين، عمليين، نشطيين.
وقفنا حول جثة ـ أبو جواد ـ نفكر في مخرج يكفل لنا دفناً سريعاً. تفرقنا كلٍ إلى جهة نبحث عن حفرة ما أو أخدود يختصر علينا فكرة الحفر شبه المستحيلة دون أدوات وفي وقتٍ ضيقٍ مشحون بالإحتمالات. لم نجد شيئاً. تجمعنا ثانية حول الجثة نفكر ونتحاور، وفجأة تذكرت الشق الذي يحدثه مجرى سيل الربيع وسط الوادي الجانبي المؤدي إلى موقع فصيل المكتب السياسي القديم والفاصل بين غرف الضيافة وفصائل الموقع، قلتُ:
ـ ندفنه في الشق تحت شجرة التوت في الوادي!.
سألني أبو حاتم:
ـ أنت متأكد؟!
ـ نعم!.
ـ هل نستطيع حمله كل تلك المسافة؟!.
المسافة بعيدة حقا إذ تزيد على الخمسين متراً. كنت أفهم جيدا إستفهام ـ أبو حاتم ـ الذي كان يعاني من إنزلاق الفقرات سألتُ:
ـ عندكم مقترح أخر؟!.
ـ …!.
حاولت تذليل فكرتي وجعلها مقبولة قائلا:
ـ المسافة كلها نزول بس صعود خفيف لمن نصير ببطن الوادي!.
وافقوني بهزة من رؤوسهم. وضعناه على نفس البطانية التي لفننا فيها جسد ـ أبو الوسن ـ وحملناه كلٍ من ركن من أركان البطانية الأربعة. سرنا مسافة عشرة أمتار، فبلغنا حافة المسلك المغطى بالحصى الناعم المحاذي لسياج بستان فاكهة متروك. ما كان يبيد قواي هو دوي النهر الصاخب، وشدو البلابل، وزقزقة العصافير، وزرقة سماء ذلك النهار الصافية وشمسها الساطعة. الطبيعة الخلابة غير آبهة بما نحن فيه من توتر وخوف وحزن وإنكسار وتماس مع أجساد رفاق نحبهم تحولوا إلى هباء، ومجهول ينتظرنا في الساعات القادمة.

ـ هل ما أنتابني من شعور مرير بالعجز والخواء أنتابهم وجعلهم يَدَعونَ الجثة تسقط على المسلك الحصوي، ليقفوا لاهثين متصببن عرقاً كحالي؟!..
لا أدري لكن في اللحظة التي بادت فيها قواي، ففلتت حافة البطانية الملفوفة من بين أصابعي، أفلتت أيديهم البطانية أيضا. فارتطمت  الجثة بطبة مكتومة لا زال وقعها العنيف يرن بصمتي رغم مرور قرابة عشرين عاماً.
عشرة أمتار هدّتْ قوانا:
ـ ما أثقل الجسد الهامد؟!.
رددت مع نفسي بصمت، حينما تهالكنا جالسين، نلقط أنفاسنا بعناء حول الجسد المكشوف الذي تضخمت قسماته، وتورمت حتى تخيلتها ستنفجر بعد لحظات. لم أكن أحس بثقل الجسد في طقوس دفن الأحبة والأقرباء في النجف، فأدركت حكمة تبادل المشيعون حمل جثة الميت الساجي في تابوته الخشبي بعد خطوات قليلة. نهضنا بعد دقيقة. أمسكنا أطراف البطانية. حاولنا رفعه دون جدوى، كان قد تحول إلى كتلةٍ من الرصاص. حاولنا ثانية، فرفعناه بعناء شديد مسافة سنتمرات معدودة وأنحدرنا على المسلك خمسة أمتار، لنسقطه مرة أخرى، ونقف ناضحين لاهثين حائرين، متعبين، عاجزين. لم أجد بدا من القول:
ـ لنسحبه ذلك أسهل!.
ـ …
لم يجب أحدٌ، تفحصت العيون وجدتها مرتبكة، لكننا أمسكنا أطراف البطانية بصمت وسحبناه سحباً. كنتُ في المقدمة وجواري ـ كامران ـ نسحب من جهة القدمين. كنتُ أتوجع على وقع ما ينتاب الوجة المحتقن المنتفض المتجسد أثناء سحله على مجرى يابس مغطى بالحصى والصخور. مع كل خطوة على المنحدر، يهتز وجه الميت العابس، وكأنه يكاد ينفجر صارخاً كي ندعه وشأنه.. هكذا كنت أحس طوال عملية السحب المضنية حتى قاع الوادي. جلسنا حوله متعبين، نرمقُ السفوح والخريف المشتعل على الأشجار والأرض لوحةً توجع حواسنا. دخّنا في استراحتنا الوجيزة سجائرنا بأنفاس مضطربة، ثم نهضنا بعناء. حملناه ملفوفاً بالبطانية نفسها؛ بيضاء مخططة طوليا بخطوط خضراء ثخينة. كنتُ أقودهم نحو المكان. المسافة لا تتجاوز عشرين متراً لم نسترح خلالها.. وتحت شجرة معمرة هائلة العلو بان الشق الذي أقترحته عميقاً يغور تحت لوح ساحة كرة القدم. حشرناه في التجويف. حشرناه في رحم التراب، بين الجذور المتشعبة العظيمة، ورحنا نرتب الحجر على جسده وحوله. كان الوجه المتورم ينتفض مع كل صخرة تسقط عليه، تخيلته غافياً رُش بحفنة ماء، وسرحتُ.. سرحت غاطاً في بهمة مشاعر متناقضة.. عطف.. شفقة.. رعب.. فقدان.. أهلكني الاحتدام وجعل حركتي بطيئة، فمع كل رمية حجر شرود قصير، أجد نفسي فيه ضائعاً في بهمةِ أوديةٍ باردةٍ خاوية.. مهجورة وطأتها في جوباني مع مفارز الثوار في شعاب ومتاهات الجبال، فأستبهمت عليّ الأحاسيس ملتبسة فارغةً من جوهرها.. الحب.. الحقد.. الغيرة.. الطيب.. الخبث.. البخل والبذل.. الخيانة والوفاء.. الشجاعة والجبن.. التضحية والأنانية.. الشوق.. الغربة.. الأحلام.. النشوة.. الألم.. الحيرة.. الغبطة. عدتُ من شرودي، فشدهتني حيوية الرفاق المنهمكين بتغطية الجسد الساكن منتقين من حجر المجرى أثقله، دون مراعاة لأحزان الراقد الذي كان حميماً ليل البارحة، صاحوا بيّ:
ـ بربك أسرع.. لازم نغطيه زين حتى ما تاكله الحيونات ولاتجرفه سيول الربيع.. أسرع حتى لانرقد جواره.
أسقطنا حجراً كبيراً على الوجه وهو أخر قطعة في الجثة لم تغط. حشونا الفجوات والفراغات بين كدس الصخر إلى أن توارت ملتئمةً بجدار المجرى. قبل أن ننعطف في المنحدر باتجاه ـ الزاب ـ التفت إليه أخر مرةٍ، بدا كصخرة بيضوية بيضاء بحجمه، تركن تحت قامة الشجرة العملاقة، المنتصبة على حافة أخدود المسيل الجاف.
لم نسترخِِ. كنا نوسع الخطى مفكرين بدفن جثة رفيقنا ـ أبو سعد ـ المسفوحة على حافة النهر المقابلة تحت المعبر الأول. ذكرتهم بذلك مما جعل خطونا أقرب إلى الركض منه إلى المشي. بلغنا جرف النهر الهادر فرأينا على الضفة المقابلة مجموعة من الرفاق الذين قدموا من مقر ( شيقيا ) مستطلعين الأمر. وأول ما وجدوه هي جثة رفيقنا ـ أبو سعد ـ فدفنوه كما عرفنا لاحقا في الساحل الرملي لنهر ـ الزاب الأعلى ـ المنحسر وقت الخريف على أمل هدوء الأوضاع ومرور الأزمة، فنعيد دفنه بما يلق به.
عدنا إلى موقع المكتب السياسي في ـ كاني ساركي ـ بعد الظهر بقليل مستصحبين ـ عمودي ـ و ـ منذر ـ شبه المجنون.
بقينا حتى المساء حائرين إلى أن قرر ـ أبو الجاسم ـ الذي كان مسؤول الموقع الأنسحاب صوب الحدود التركية وحرق كل شيء.
لا أنسى ذلك المشهد أبدا، وكأنه مشهد سبق لي رؤيته حياً. مشهد روائي عشته لغةًًً حينما كنت إبن الخامسة عشر حينما قرأت رواية الحرب والسلام ـ لتولستوي ـ.
كان الموقع مبني على فسحة ضيقة تبرز من سفح حاد قريب من القمة، يشرف على عمق جغرافية الحدود العراقية التركية. تحتنا ـ الزاب الأعلى ـ  والطريق الممهد من ـ كاني ماسي ـ  حتى مجراه. تقرر حرق كل شيء.. نفذنا الأمر حاملين ما هو ضروري لنتسلق القمة بإتجاه الحدود التركية حيث سبقنا سكان القرى الأكراد.
ومن هناك ابتدأت رحلة أخرى سردها يعنى سرد محنة العراق والعراقي بشقه الكردي حيث جربت المقاومة من هناك. سأعود إلى هذي التفاصيل عند سنوح الفرصة.
عدت إلى نفسي، فوجدتني مستلقياً على سريرٍ ناعمٍ  يسع شخصين، في غرفة وثيرة في طابق خامس وسط مدينة ـ لاهاي ـ الهولندية. الفجر تسلل من شباكها العالي المفتوح على سماء مدلهمة بالغيوم. لم أزل مشدوها ملبوكاً ضائعا في ذاكرتي الدامية.
ـ هل غفوت وحلمت بكل هذا أم كنت صاحيا أعيش تلك التجارب الدامية في حلم يقظة؟!.
ـ لا أدري!.
الفجر نشرَ فضته الفاترة في سماء النافذة العالية. شعرت بإنهاك مباغت وتمنيت لو كنت في بيتي المعزول في الدنمارك أسكر وأنام بعمق غير آبه بالغد مهما تكن ذكريات ليل الشجن والتجربة. همدتُ مغطياً رأسي بالوسادة الناعمة متخيلاً لحظة سقوطي في النوم والأحلام. تأرجحت على حافة الغفوة.. وما أن أطبقتُ أجفاني حتى رنّ التلفون. رفعت السماعة، فجائني من الطرف الآخر صوت صبية، شديد النعومة أخبرتني  بأن التكسي سيصل بعد نصف ساعة. وضعت السماعة وتطلعتُ في ساعتي اليدوية كانت تشير إلى السابعة والنصف.

*          *          *
تركتُ السرير نشيطاً وكأنني نمتُ الليل. أخذت دشاً. ارتديتُ ملابسي. نزلتُ إلى الطابق الأول. تناولت فطوري قطعة جبن وخبز أسود وفنجان قهوة. هبطت بالمصعد إلى  باحة الفندق جلست دقائق معدودة أحملق عبر الواجهة الزجاجية العريضة بزحمة المرور وحركة المارة سمعتُ أحدهم يناديني بأسمي. التفت. وجدتُ رجلاً أسمر متجهم القسمات يدعوني لأصطحابه. أخبرني بأنكليزية متعثرة أنه سائق التاكسي المكلف بإيصالي إلى مبنى المحكمة. جلست على المقعد جواره صامتاً. أرمق عبر زجاج السيارة السوداء الأبنية والبشر. لم أجد إختلافاً يذكر في المسافة بين الفندق وبناية المحكمة والتي لم تأخذ سوى عشر دقائق، لم ألحظ فرقاً بين مركز أي مدينة دنمركية ولاهاي، طراز البناء من الخارج، وصرامة نظام المرور، وإلتزام البشر بتلك القوانين. أوقف السائق السيارة بمحاذاة رصيف عالٍ، وطلب مني التوقيع على فاتورة ظهرت من جهاز ألكتروني جوار المقود. تناولت منه القلم ووقعتُ. أنحنى قليلاً وأشار بيده نحو مدخلٍ طويل عال لا تبان نهايته قائلا:
ـ العنوان!.
ترجلتُ من السيارة. ظللت واقفا على الرصيف أتابع سيارة الأجرة التي غابت في زحمة تقاطع قريب. وقفت مذهولا مثل طفلٍ كما هو شأني حينما أجرد الأحداث من أبعادها. أقفُ وحيداً على رصيف في بلدٍ وصلته البارحة لا أعرف لغته، وترتيب السفر كله جرى عبر الأنترنيت ساعدتني في ترتيب كل شيء بنتي ـ همسة ـ التي تجيد لغات عدة بطلاقة.. فأنا معزول أصلاً رغم عيشي في مجتمع هو القمة في التطور، ليس من ناحية العلم فحسب، بل من الناحية الإجتماعية، فلا يعكر أحدٌ عزلتي قط. نفضت رأسي. وخطوت نحو السلالم الحجرية المؤدية إلى ممر رخامي يمتد طويلا إلى بوابة دوارة تجاوزتها، فصرت في باحة واسعة تنتهي بناصيات مكاتب يجلس خلفها موظفون. طلب مني الموظف الذي توجهت إليه بلغة هولندية لم أفهم منها شيئاً، قدرت معنى السؤال، فأخرجت الكتاب الرسمي الذي وصلني من المحكمة من جيبي ودفعته عبر النافذة الصغيرة. أشار نحو مدخل في طرف الباحة. أعترض طريقي شخصان فارعا القامة مفتولا العضلات. طلب مني أحدهم نزع معطفي والحزام وتفريغ كل ما في جيوبي، ووضعه على شريط يمر عبر غرفة كاشفة، جهاز يشبه بالضبط ما هو موجود في المطارات. فعلتُ ما طُلب مني،  دخلت أنا أيضا من خلال إطار كهرومغناطيسي فاحص. لم أسأل ما سر هذه الأجراءات الشديدة التي ليس لها مثيل في الدنمارك. فأن تذهب إلى المحكمة أو إلى الشرطة أو حتى عندما ذهبت للقاء محامي الدولة حينما حقق معي بقضية الأنفال، لم يكن هنالك حماية أو أي إجراء. أما هنا فوجدت خلف كل مدخل حارس وبوابة مقفلة لا تفتح إلا من قبل غرفة سيطرة يتوجب على الزائر إبراز ورقة تبرر الزيارة، حتى أحسست حينما وصلت إلى المكان المفترض إجراء التحقيق، وجلست على كرسي خشبي في فسحة أنتظار ضيقة؛ أنني دخلت غرفة من غرف حكايات ألف ليلة وليلة المتداخلة حيث كل باب يؤدي إلى غرفة باطنية، فأخرى، وأخرى فقد عددتُ خمسة أبواب دخلتها وأنقفلت من غرف سيطرة. أنتظرت على كرسي أبادل من خلف نافذة زجاجية موظفة الاستعلامات الشابة الشقراء النظرات كشأني، فتبتسم كلما وقعت عيوننا ببعضٍ. لم يستمر أنتظاري طويلاً فبعد عشر دقائق لا غير، أقبل داخلاً من الممر الضيق شاب نحيف يرتدي قاطا أسود مرتباً بشدة، توجه نحوي ماداً يده اليمنى بكفها الناعمة المفتوحة، فنهضت لأطبق على تلك الكف الصغيرة بكفي الضخمة، بادرني قائلاً:
ـ حسين المترجم!.
لحظتها بان لي كل شيء. دقة هذه الأنظمة في ترتيب الأشياء والأحداث والحياة. أول سؤال وجهتهُ إلى ـ حسين ـ هو عن هذه الأبواب المتداخلة والأجراءات الأمنية الشديدة. أخبرني بأختصار بأن السبب هو كثرة الجرائم التي قُتِلَ فيها المتهم في قاعة المحكمة إنتقاما أو قُتِلَ فيها الحاكم أو المدعي، غضباً من أحكام أو قتل مدعية غسلاً للعار، وغير ذلك من جرائم غامضة الدوافع، كانت تقترف لضعف إجراءات الحماية وغالبية مقترفيها من الأجانب المشكلين نسبة عالية في المجتمع الهولندي.
لم يمنحونا وقتا للحوار. نادتنا شقراء الاستعلامات طالبة منا التوجه إلى الباب الذي يفتح أتوماتيكاً. صرنا داخل قسم التحرك فيه حر. نزعت معطفي وعلقته على علاقة دوارة في زواية الممر الطويل. قطعنا ممراً أضيقَ تنفتح على جانبيه أبواب غرف فيها موظفين منكبين على كمبيوتراتهم غير منتبهين لمرورنا. دخلنا غرفة إلى يسار الممر فسيحة فيها امرأتين، واحدة جاوزت الخمسين تجلس خلف مكتب فخم، وجوارها شابة قاربت الخامسة والعشرين تميل إلى السمنة قليلا تجلس أمام جهاز كمبيوتر. قدمهما المترجم فعرفت أن المرأة الكبيرة هي قاضية التحقيق والشابة السكرتيرة وكاتبة المحضر. سألتني عن أسمي وكل ما يتعلق بالمعلومات المتعلقة بيّ والتي فيها تفاصيل دقيقة. أدركت لحظتها بأن المحكمة هنا كاتبت محامي الدولة الدنمركي Erik Hansen الذي حقق معي قبل خمس سنوات، وبأنها تستند في تحقيقها معي على تلك المعلومات لذا كان سير التحقيق مختلفاً. أود هنا الإشارة إلى دقة بحثهم عن تفاصيل تخصنا أو نعتقد أنها تخصنا فحسب دون الآخرين. أول شيء هو تركيزها على تفاصيل ذكرتها عرضاً للمحقق الدنمركي، كنتُ أعلق على فلم ـ الفيديو ـ الذي عرضه القاضي لنشاهده معاً حيث أظهر في لقاء قصير ثلاث دقائق وأنا شبه عاري، مسلوخ الجلد. كنت أعلق شارحاً المشهد ومصائر الرفاق اللاحقة حينما ظهر ـ أبو الوسن ـ و ـ أبو سعد ـ مثلاً فأخبرته أن الأول قضى في قصفٍ لاحق، والثاني أنتحر في نفس القصف فكان يوقف اللقطة على الرفيق الذي أحكي مصيره، فالمحققة الهولندية ركّزت ومنذ بداية الحوار لا على ما أصابني بل على ما شاهدته. لحظتها أدركت عمق وذكاء المحققه التي حاولت استخلاص تيمات التجربة من  ضحية صار شاهدا لاحقاً.
وهذا ما حرضني أصلاً على تحرير هذا النص الذي رويته شفاهيا لها. أستوقفتني عدة مرات أستطيع تسجيلها الآن. أول سؤال سألتني عن الانتماء القومي للمصابين في القصف الكمياوي في 21 ـ 8 ـ 1988. فأجبتها على الفور كونهم غالبيتهم من العرب، ففغرت فاها عجباً، ورمقتني بشرود معلقة:
ـ يعني لستم أكراد!.
قلت:
ـ لا.. الكثير ممن كان في الموقع وأصيبوا هم عرب ومسيحيين ويزيديين وصابئة  وأكراد، فالدكتاتور لم يوفر أحدا بل سحق الكل!. وهذا ما صار معنا وسوف تشاهدونه في فلم الفيديو الذي جلبته معي.
الشيء الثاني الجوهري الذي حاصرتني فيه المحققه الهولندية هو سؤالها عن الكيفية التي أدركت فيها بأن القصف الذي أصابني في 5 ـ 6 ـ 1987 هو بغاز الخردل الحارق، والقصف الذي أصاب رفاقي في 21 ـ 8 ـ 1988 الذين شاركت في إنقاذهم ودفن من إستشهدوا هو قصف بغاز الأعصاب.
أجبت:
ـ لست خبيرا لكن ما أصابني في المرة الأولى، من حرق جسدي وعماء هو غير الأعراض التي أصابت رفاقي في القصف الثاني والذي شرحت تفاصيلها عليكم.. لم أفقد عقلي في القصف الذي أصابني، لكن القصف الذي أصاب رفاقي جعلهم شبه مجانين يفضلون العدم على الدنيا في لحظة الإصابة.. عدا كون القصف الذي طال رفاقي لم يخلف أثارا جسدية مثلما هو الحال معنا، فقد تفحصنا أجسادهم. لم نجد أثراً سوى فقدان السيطرة الذهنية التي وصفتها بالتفصيل، ولهذا قدرنا أن نوعية الغاز مختلفة. وسترون الأمر واضحا عند عرض فلم أصابتي وتشاهدون الحروق التي مازالت أثارها توشم جسدي بعد قرابة عشرين عاما.
المحققة الهولندية دقيقة جداً. حققت مثلاً لساعةٍ كاملةٍ عما ورد  في محضر تحقيق محامي الدولة الدنمركي عن رتبتي في الجيش العراقي، فالمترجمة كانت مغربية أرتكبت خطأ كونها لا تعرف بنية المراتب في المؤسسة العسكرية العراقية، فترجمت رتبة نائب عريف إلى نائب ضابط. أضطررت كي أصحح الأمر إلى رسم بياني على سبورة يبين تسلسل المراتب في هرم الجيش العراقي حتى تتعرف بدقة على الفرق بين نائب الضابط ونائب العريف.
لم أكن سعيدا كما هي شهرزاد وهي تروي حكاياتها لشهريار، بل كنت محاصرا بدقة أسئلة هذه المرأة الحيادية.
استغرقت مرحلة الأستجواب الأولى من التاسعة صباحاً وحتى الثانية بعد الظهر، قضيتها في رواية ما كتبته في السطور السابقة. كانت تستوقفني أثناء السرد لتلقى سؤالا عرضياً، فأُجيب مستعجلاً، كي أتابع حكاية مقتل رفاقي الدامي.
ـ هل كانت تريد أختبار مصداقية ما أرويه؟!.
لم أفكر في حومة الروي بهذا الإحتمال، لكن حينما ترويت وهدأت وتأملت القضية وجدت بأسئلتها العرضية محاولة لإكتشاف مدى مصداقيتي، لكنني كنت أسرد كمن يفرغ ما يثقل على وجدانه من عنف تجربة فقد فيها رفاق حميمين ونجا بمحض صدفة تبدو كالقدر.
لزمت الصمت حينما بدأوا يتحاورون مع بعضهم باللغة الهولندية. التفت نحو المترجم فقال:
ـ أستراحة الغداء!.
ـ ..
ـ نصف ساعة!.
أسعدني ذلك، فقد أتعبني سرد تلك التفاصيل الدامية. في الطريق إلى مطعمٍ يقع على شارع عام خلف بناية المحكمة، حدثني المترجم عن الكثير من الشخوص الذين قدموا للشهادة هنا، أكراد، يزيدون، مسيحيون، عرب، ومن كل أطياف المجتمع العراقي.. وهمس لي بأن لم يهتم المحققون الهولنديون بأقوال شاهد مثلما أهتموا بما رويته. سألني:
ـ ماذا تعمل؟!.
ـ قلت له أقرأ وأكتب!.
ـ يعني أنت كاتب؟!.
ـ نعم!.
حدثني المترجم عن جهود رفيقي وصديقي العزيز ـ صباح كنجي ـ الذي فقد عائلته كلها في الأنفال في توفير الوثائق للمحكمة بسفره إلى سوريا وكردستان العراق مرات عدة لغرض تجميعها.
في فترة ما بعد الغداء، واصلنا من حيث أنتهينا. كانت تطلب سرد تفاصيل التفاصيل وبأسماء الأمكنة والبشر وكل ما يخطر ببالي. لم أذهب أبعد مما أصابني وما رأيته بالضبط في واقعتي قصف 1987 و1988. ما جرى بعد ذلك من أحداث وتفاصيل تفوق فداحتها فعل القصف المباشر لم تطالبني المحققة به. بعد دقائق معدودة، دخل علينا شاب ثلاثيني فارع القامة بصحبة شابة تمسك بيدها ملفاً. فتوقفت عن الكلام. قدمهما المترجم إلي قائلا:
ـ المدعي العام الهولندي ومستشارته القانونية!.
ظلا واقفين يتابعان مجرى التحقيق دون أن يتدخلا، إلى أن أكملتُ كل التفاصيل التي رويتها، وأجبت على جميع الأسئلة، فطلبت المحققة مشاهدة الفلم الذي حملته معي. أعتمت الغرفة بأسدال الستائر، ورتب جهاز العرض. علقت على المشاهد مشهدا.. مشهدا، شارحا أبعد من الصورة. كان الأربعة يشخصون صوب المشاهد المتتابعة، منصتين بنفس الوقت إلى ـ حسين ـ الذي يترجم ما أقول. كنت أتتبع قسماتهم، فاغري الأفواه يحملقون برفاقي وهم يتلون ألماً محروقي الوجوه والأجساد. يسعلون بشدة واضعين أيديهم على عيونهم غير قادرين على مواجهة ضوء الشمس. ولما كنت أعرف الفلم مشهداً.. مشهداً وبالتفصيل لكثرة ما شاهدته فقد أنصرفت إلى تتبع الألم الذي رسم وجوه الهولنديين الأربعة.. ألم وأستنكار للفظائع التي يرونها، في المشهد الذي يظهر فيه كتفي الأيمن في لقطة كلوز مليئا بالفقاعات محروقا. طلبت إيقاف اللقطة وأردت أن أتعرى كي يرون أثار تلك الفقاعات والحروق على جسدي. قال المدعى العام:
ـ لا داعي لذلك فنحن مصدقيك!.
في نهاية العرض والتحقيق، طلبوا مني إستعارة الفلم، فلم أوافق كون النسخة وحيدة لدي، فأستنسخوها. بعد ذلك أقترب مني المدعي العام بوجهٍ متألمٍ، متعاطف فيه خجل، وقدم لي أعتذاراً باسم المحكمة والعدالة الهولندية والشعب عما أصابني، ووعدني بأنزال أقصى عقوبة يتيحها القانون الهولندي بتاجر الأسلحة الهولندي الذي ساهم بتعويق حياتي، بتزويد الدكتاتور بمواد خام أتاحت له تصنيع الأسلحة الكمياوية. ( قبل أن يميز المتهم الهولندي ـ فان فرانس)
.  ـ كان قد حكم بـ 15 عاماً سجناً، وبعد التمييز زيّد الحكم في محكمة التمييز إلى 18 عاماً كما تناقلت الصحافة الهولندية والعربية )
أستيقظ كل صباح باكرا. أعد القهوة منتظراً بدء المحاكمة، مغتبطاً مما سيؤول إليه مصير من عوقني وجعلني أجود بنفسي سعياً للفوز بالهواء منذ تلك اللحظة وحتى مماتي!.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
رسائل المحكمة الهولندية
Planning for witnesshearing
التاريخ:     Wed, 29 Nov 2006 08:18:12 +0000
المرسل:      Korving, C. (Rechtbank ‘s-Gravenhage) <c.korving@sgrarr.drp.minjus.nl>
إلى:     ‘salam54@maktoob.com’ <salam54@maktoob.com>

Dear mister Ibrahim,

first of all, I would like to thank you for your willingness to come to
Holland in order to testify in a Dutch criminal case against Frans van
Anraat.

I would like to know if it would be possible for you to come to Holland in
the period from 08th untill the 9th of January 2007.

If it will be possible for you to come, than I will make the flight-and
hotelarrangements for you.

Thank you very much in advance for your reaction.

Kind regards,
Carola

Carola Korving
Rechtbank Den Haag
Kabinet Rechter-commissaris
Internationale Misdrijven
Tel: +31 70 3813419
Fax: +31 70 3813207

***********************************************************************
Aan dit bericht kunnen geen rechten worden ontleend.

Ministerie van Justitie.
***********************************************************************

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــرياً بـمـوقـعـنــا
| صالح جبار خلفاوي : السارية .

  اذكر عشقي الاول لفتاة بيتهم قرب ثكنة عسكرية في المساء زارنا ابوها هدد ابي …

| عباس خلف علي : نص في المكان – محاورة اللحظة لالتقاط ذاكرة القنطرة .

تراءت لي عند باب العروة ، القنطرة التي أثير اللبس حول انتزاعها من الضريح لتكون معبرا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.