شوقي يوسف بهنام : من أسفار ادونيس ؛ قراءة لمرآة أبى العلاء

shawki yuosif 4   ادونيس كما عرفناه  كائن جوال ، فهو الرجل الهائم الذي لا يسعه المكان . الم يقل هو انه ذلك الحجر الملقى من الأعالي .. من السماء ؟؟ فمن المؤكد انه كائن غريب .. بل مملوءا بالاغتراب . ولذلك نراه يتجول في التاريخ .. حاملا كيسا من الحجارة .. يرمي بها … هذا و ذاك .. متعاطفا مرة .. غاضبا .. ناقما مرة أخرى .. هنا .. سأقف عند واحدة من رحلاته ومحطاته الكثيرة . وفي هذه المحطة يسجل انتماءا إلى أرضه التي تقيأته كما تقيأت من قبل شاعر المعرة الكبير .. اعني به أبو العلاء . وله الحق في ان يزور قبر هذا الرجل لأن كليهما شاعر . و لا أريد أن ابرز مشاعر الغيرة التي تعتمل في صدر ادونيس من هذا الرجل الذي عانى ما عانى !!! . ولكن في ه1ه الزيارة بعضا من الإعجاب والأسف معا .. مما يقودنا إلى الاعتقاد ان الرجل يريد ان يكشف النقاب عن وجه مغيب .. إلى حد ما من التاريخ . القصيدة التي  تحمل عنوان مرآة أبي العلاء هي ذكرى من ذكريات ادونيس . يقول :-

أذكر أنــّي زرت’ في المعرّة

عينيك َ ، أصغيت’ إلى ’خطاك ْ

( الآثار الكاملة ، مجلد 2 ، ص 499 )

***************
adonis 2إذن الزيارة ليست الآن .. ربما تكون في حداثة ادونيس . لأن ادونيس يستخدم مفردة ( أذكر) للدلالة على فعل أو حدث في الماضي . المعرّة مدينة في سوريا التي ينتمي إليها كلا الشاعران . هنا ، أعني وحدة المكان ،  هو اساس التعاطف بينهما . وعلى وجه أدق بين أدونيس و أبو العلاء .  الثاني يلفه الغياب . الأول يعيش لحظة الحضور . ويوما ما سوف يلفه هو الآخر الغياب كذلك . الزيارة إذن ، وبهذا المعنى هي شاهد لهذا التعاطف بين الحضور والغياب . بين الحاضر والغائب . ماذا زار ادونيس في المعرّة ؟؟ لم يزر أحدا من الحاضرين .. اعني الأحياء .. بل زار قبرا يحمل رميم رجل مات منذ زمن بعيد . لقد زار قبر أبو العلاء . حملق في عينيه الغائبتين .. المعرى لم يكن له عينين !!! . لقد فقدهما وهو في عامه الرابع . وكل ما كان يتذكره هو الاحساسات والصور في هذه الأعوام الأربعة فقط . ما عداها سراب وتخيل وتصور اجرد لا يستند إلى واقع ما . ادونيس يلمح إلى هذه المأساة التي كانت سببا في العذاب الذي جاهر به أبو العلاء إلى الرمق الأخير .  ماذا رأى أدونيس في عيني أبي العلاء ؟؟ رأى تاريخ المأساة كله حاضرا فيهما . كان لهذه العينين خطاب أصغى إليه أدونيس . بكل جلال .. بكل وقار .. هذا أبو العلاء . الذي دوخ عصره .. أدونيس هو الآخر سوف يدوخ عصره سوف يقيم دنياه ويقعدها .. سوف يؤجج  حركا الساكن وأشعلا الحريق فيها . هنا أيضا .. مصدر التعاطف بين الاثنين . إذن هما شبيهان . متناظران . هكذا قال أدونيس وهو يتلمس التراب الذي يغطي القبر . لنرى ماذا جرى بعد ذلك . يقول أدونيس :-

أذكر’ أن القبرَّ كان يمشي مقلدا خطاك ْ

وكان حول القبرْ

صوتكَ  ، مثل َ  رَ جّةٍ  ، ينام

في جسد الأيام أو في جسد ِ الكلام ْ

على سرير الشعر

( المصدر السابق ، نفس الصفحة )

*****************
حتى القبر .. رآه أدونيس ماشيا مقلدا خطى المعري .. بمعنى… رافضا متمردا تفوح منه روائح الاستياء والتبرم من التاريخ والآخر والأشياء . صوت المعري الذي كان يحوم حول القبر كان مثل رجة . انه زلزال .. بركان .. طوفان .. أنه حوت أزرق هائج .. يصرخ  في جسد الأيام .. أو في جسد الكلام .. على سرير الشعر .. هذا هو المعري كما رآه هذا الشاعر الذي تفوح منه ذات الروائح التي فاحت من شاعر المعرّة . ما الذي  رآه أيضا في ذلك المشهد الذي زلزل كيان أدونيس بالكامل . يقول الشاعر :-

ولم يكن هناك والداك ْ

ولم  َتك’ المعرّة ْ

( المصدر السابق ، نفس الصفحة )

*************

يضع ادونيس يده على مأساة هذا الشاعر الكبير . الأبوان .. وعلى وجه التحديد الأب الذي كان مصدرا لشقاء الشاعر . ألم يطلب ان تكتب على قبره هذه العبارة :-

هذا ما جناه أبي علي وما جنيت على احد

وهي  إشارة إلى اعتقاد الشاعر  أن مأساة العمى أو مأساة الوجود كلها كانت بسبب وجود الأب . نعتقد هنا أن في هذه العبارة بعدا أوديبيا واضحا كان يرزح تحت تأثيره شاعر المعرة . و  لا أدري هل كان لأودنيس الإحساس ذاته ؟ . ادونيس لم يجد سوى قبر بلا أبوين . بمعنى ان المعري ، وهو على ما يبدو ، يشاطره ذات الإحساس ، كان لا يجد انتماءا لأحد .. أي لا للأب و  لا للأم ولا للأرض و لا حتى للسماء . جاء غريبا وسيذهب غريبا . ادونيس لا ينتمي  لأرض المعرة ولا لأبويه . لأنه حجر سماوي ألقته الآلهة من أعالي السماء .. فلم يجد له ( أين )   يسند به رأسه !!! فأصبح جسد يمشي بلا رأس !!! .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| سعد الساعدي : التاريخ الذي تكتبه القصيدة.. الكواز مؤرِّخاً .

إنَّ الناقد اليوم بحاجة لشيء جديد وطريقة اشتغالية جديدة، كمنهج يتماشى مع ما يجده أمامه، …

| الكبير الداديسي : بين التجريب وتبئير المشروع في روايات شعيب حليفي من “زمن الشاوية” حتى “لا تنس ما تقول” 1 .

بقدر سعادتنا بمثل هذه الملتقيات التي نجدد فيها الوصل بأصدقاء نعزهم ونحمل لهم في قلوبنا …

تعليق واحد

  1. أحمد جاسم

    منذ مدة ونحن نتابع هذه التحليلات الشائقة للأستاذ شوقي يوسف بهنام عن الشاعر الكبير الاستاذ أدونيس
    ولكن من المؤسف أن نجد فيها هذا الكم الكبير من الأخطاء اللغوية .. وهذه الحلقة شملت الأخطاء حتى نصب الفاعل ورفع المفعول به

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *