د. حسين سرمك حسن : هيفاء بيطار في “ايقونة بلا وجه” ؛ سفر الوفاء العظيم (الحلقة الثانية)

hussein sarmak# الحياة للأحياء :
——————
يجب على نبوغ ، لتحقيق التكيّف مع الوضع الإعتقالي الجديد ، أن تزيل من فكرها ذاك (شعورها الرائع بالأمان وتوسّد رأسها على صدره ، كانت تضحك منتشية تداعب جذعه المشدود : لا أخاف من شيء وأنا معك – ص 22) .. وعبثا كنّا نحاول كأطباء نفسانيين ، وباستماتة مخلصة ، إقناع قياداتنا العسكرية في الحرب بأن الشهداء ليسوا أسبقية أولى في الإخلاء والعلاج الطبي . الجرحى هم من مسؤولية الأطباء ، امّا الشهداء والقتلى فمن مسؤولية الله أو كلاب الميدان . ونبوغ تنتقل تدريجيا بتخطيط لاشعور حازم من هذه الضفة الآمنة الرخية إلى ضفة العذاب والمرارة والوحدة والكفاح . مرّت الإنتقالات الجزئية لدى نبوغ بتساؤلات جارحة ذات طابع فلسفي شعري مركّب .. الفجيعة تجعل الإنسان شاعرا ومتفسلفا :
(لامت نفسها وهي تفكّر أنها كان بإمكانها أن تحبّه أكثر . يجب أن نعيش وكأننا في محطة سفر ، فأحباؤنا الذين يعيشون وسطنا يمكن أن يغادروا دون استئذان ، دون كلمة وداع حتى – ص 22) . . (تساءلت بكل حواسّها : أإلى هذا الحدّ أحبك يا بدر حتى اشعر بكل هذا العذاب ؟ وما الحب وما العذاب ؟ أليسا شيئا واحداً ؟ ترى ما سبب الحاجة الماسّة للحب بين البشر ؟ الحب عذاب ، الحب هو الصليب .. أين قرأت الجملة : أن تُحب يعني أن تخسر ؟ لم تعد تتذكر – ص 23) .. هذه كلّها ، وغيرها ، تأمّلات “شعرية” عميقة جداّ ذات طابع فلسفي ، لم تكن لتمر ببال نبوغ في السابق .. تمتزج الآن في “تركيب” نفسي معقّد مع أحاسيس لا مفر منها بأنها قد “تشوّهت” ؛ شوّهها الحزن والفقدان والقهر حدّ ضمور نهديها وجفاف نبعيهما النهائي ، ليحاول هذا “التركيب” نفي ذاته على الطريقة الهيغلية إذا جاز الوصف ، بارتجاعة توهميّة أخيرة ، لن تتكرر أبدا ، حضر فيها “الغائب” بجانبها ، ربت على كتفها ، وطلب إليها ألا تنهار .. (وأن تقوّي ذلك الخيط الباهت مع أنوار الفجر الأولى ، والذي تسلل إلى قلبها من النافذة ، أجل شعاع ناحل ، واهٍ ، لكنه قادر أن يشق الظلام نصفين، ثمّة بذرة بحجم رأس الدبوس تنمو في صدرها لتساعد على العيش .. عليها أن تنمّي أهم صفّة لازمة لاستمرار الحياة : الصبر – ص 24) .
.. وأن تتماسك ، و – ولاحظ التعبير الشعري الرائع والمحسوب – (تلحم شظاياها بملاط الأمل – ص 24) ..
(كزّت على أسنانها وهي تقاوم دموعاً تطوف من عينيها: أجل الأمل ، تماسكي يا امرأة ، وإلّا ..
صرخت بصوت مسموع جعل أمّها تستيقظ : وإلا ماذا ؟
قالت المرأة الغريبة التي تعكس المرآة صورتها : وإلا مات الصغير – ص 24).
وعند هذا الحدّ من العودة إلى إعطاء أولوية الإهتمام للأحياء لا لـ “الغائبين” ، تعود قدما نبوغ ، لتستقر نسبياً على أرض واقع الفجيعة المسننة ، برغم أن هذه العودة قد لا تُرضي النفوس الهائمة في سماوات الرومانسية الشفيفة .

haifa bitar 3# التسليم والإكتئاب :
———————-
لكن عودة نبوغ هذه لا تعني استقراراً صلبا من دون انجراحات ، وعلل ، تصيب روحها . لقد عادت نسبيا كما قلنا ليستولي التفكير في الموت على عقلها وتصرفاتها وحتى على انشغالاتها اليومية :
(بعد الحبّ الموت . أحسّت أنها تنزلق من الحب إلى الموت ، دون أن تعي تماماً هذا التحوّل ، مرّت مرحلة الألم الحادة ، ثلاثة أشهر على اعتقال زوجها دون أن تعرف عنه أي شيء – ص 25) .
نحن الآن في دائرة “الإكتئاب” والأسى الذي يعقب الخسارة ، والذي يترتب على الإعتراف بالواقع المرّ ، والتصافق مع تحاملاته. يستسلم المرء أمام الطعنات التي لا منجاة منها .. بل يتصافق معها . وقد تأكد لنبوغ الآن أن الأمر لم يكن مزحة ولا وهم ، وأنه لا يُحل ، لا بالتفكير السحري ، ولا بالمقايضات المؤذية ، مهما كان نوعها .. ولا بتدمير الذات .. ولا بالهرب من غيلانها بإغماض العينين .. أو بالغيبوبة . كلّها في الواقع حلول تخديرية تهرّبية . لقد تأكّد لديها وبصورة نهائية :
(أنه هناك ، وهي هنا) (ص 26) .
لقد اعتقل بدر ولن يعود . لكن الروح الإنسانية المكلومة لا تتقبل خساراتها بالإذعان والرضوخ. تحتج ، وترفض هذا الفقدان القسري الغادر. واحتجاجاتها غريبة في الكثير من الأحيان خصوصا عندما يكون الفقدان مفروضا مكرها من ناحية ، وتُكتف فيه إرادة الإنسان المثكول بلا أدنى فسحة للفعل والإحتجاج من ناحية أخرى . تحزن نبوغ على خسارتها متماهية مع “الغائب” المظلوم ، الذي انخلع من روحها فصار فراغ روحها مدوّياً برحيله . إنّ أي نوع من الرحيل – كما تقول الحكمة الشائعة – يعني قليلا من الموت . وموت المحبوب المعنوي قد يعني موت الذات ، فما دام موضوع الحب المؤمثل بمثل هذه الهشاشة بحيث تغيّبه دسائس ووشاة ، فإن الذات المحبّة تتقوّض أركانها ، وتصبح هي الأخرى مهدّدة وهشّة . وهذا موات تدريجي بطيء حيث تتقطع مكوّنات الذات الداخلية ، من أمل وإرادة وشعور ووحدة ، وتتهاوى . والمشكلة أن الفرد يقف يتفرج على بنيان ذاته كيف يخوى ويتهاوى بلا اكتراث :
(وجدت كأنها تحوّلت لأحد الرخويّات ، حتى العالم حولها صار رخواً . لا تشعر أن هناك شيئا يملؤها ، ينبض في داخلها انين خافت تسمعه من حين إلى آخر ، مجرد صوت يذكّرها أنها حيّة … توقّف عقلها عن التفكير . كان دماغها رهن الشحوب ، مُنهكاّ، كأنه أعلن استقالته من كل العمليات الفكرية – ص 26 ) .
وخلف أستار هذه الكآبة القاتمة ، تتململ غرائز الموت وتدمير الذات من خلال عمل شحنات العدوان المكبوتة واللائبة ، التي لا تجد منفذاً ، على تدمير الذات المهزومة حين لا تستطيع الظفر بثأرها من الظلمة المفسدين الذين تسبّبوا بالفجيعة . أن تنفلت هذه الشحنات الضالّة الهائلة في وجه الجلّاد هو الإستجابة الطبيعية والمتوقعة من الضحية . لكن ردّ فعل نبوغ العدواني المبرّر ، ينطلق في وجه من ؟ ويثأر من من ؟ ثلاثة أشهر مرّت ، وهي لا تعرف أين شريك روحها ، ولا أين مكان اعتقاله ، ولم تظفر بفرصة لمشاهدته ، بل لم تعرف حتى حقيقة أمر اعتقاله . رفع عقلها رايته البيضاء واستسلم ، فالتفكير لم يعد مجدياً مادام بلا منفعة ، ولا يوفّر حلّا ولو جزئيا للمحنة . وحين يتوقف فعل العقل الذي في اشتراطات إنسانية الإنسان الاصيلة ، هو علامة الحياة ، وليس حركة المعدة والأحشاء أو العضلات الحيوانية ، فإن الإنسان ، في عمق واقعه النفسي ، يحرّر شهادة وفاته بنفسه . يصبح الموت رفيقا رغم ثقله ، ويتحوّل التفكير في الفناء والإنحطاط بديلا لأجمل الأفكار التي كانت تداعب مخيلة الفرد المثكول في أوقات هناءاته مع “غائبه” ، والتي ولّت ولن تعود :
(لم تنتبه كيف بدأت تنساق وراء الموت كفكرة وفلسفة ، لعلّ الموت في داخلها يطفح منها فتتخيّل موات كل ما حولها ، كانت وهي تمسح الأرض تتخيّل يديها كيف ستهترئان في القبر ، وكيف ستصيران هيكلا بعد تساقط اللحم عنهما – ص 26) .
إن هذه المراقبة السلبية الحيادية ، بل المتشفّية بالذات ، وهي تتفسخ وتتحلل وتفنى وفق سيناريوهات متنوّعة مقزّزة تحيط بنبوغ من كل زاوية وتحاصرها في حركتها اليومية في البيت ، وفي تعاملها مع ذاتها . إنها نوع من “الحلول” .. الحلول المستوهمة التي يصوغها اللاشعور الجريح ، فإن كنت لا أستطيع أن اميت جلّادي ، فأنا قادر ، وببراعة واشمئزاز على أن أميتَ ذاتي المندحرة ، وقد تكون هذه هي ، الفلسفة الجوهرية ، لسلسلة وقائع حرق الذات في بلدان الطغاة والديكتاتورية التي اجتاحت الوطن العربي .. لقد حطمت حياتي بنار ضيمك وظلمك ، خذ ، الآن أنا أدخلها بسلام واستخفاف .. هذه آخر أسلحتك .. خذ .. لقد هزمتك بهزيمتي المشرفة ، ودمّرتك بتدمير ذاتي بالحرق المقدّس . المهم .. أن خيالات الموت والفناء هذه صارت سلوكا متكّررا لدى نبوغ ، لكنه ، وهذا ما هو متوقّع ، لا يشفي غليل لاشعورها المهضوم ، فجعلت تختار كبش فداء – scapegaote . صارت ، بدورها ، “جلّادة” لـ “ضحية” بريئة كسيرة مثل حالها . وهنا ، أستدعي مقولة معلم فيينا عن كون المبدعين هم الحلفاء المؤكدون للمحللين النفسيين :
(إن الشعراء والروائيين حلفاء موثوقون وينبغي أن تثمن شهاداتهم عاليا، لأنهم يعرفون أشياء كثيرة ما بين السماء والأرض ليس بمقدور حكمتنا المدرسية بعد أن تحلم بها. إنهم أساتذتنا في معرفة النفس، نحن الناس العاديين، لأنهم ينهلون من ينابيع لم نجعلها في متناول العلم بعد) (4) – سجموند فرويد- الهذيان والأحلام في قصة “غراديفا” جنسن- ) .
( فالشاعر – كما يقول معلم فيينا – يركز انتباهه على لاوعي نفسه هو ويصيخ السمع إلى كل كموناته ، ثم يمنحها التعبير الفني بدلا من أن يكبتها بالنقد الواعي . إنه يتعرف بواسطة داخله هو نفسه إلى ما نتعرف إليه نحن بواسطة الآخرين : ما القوانين التي تنظم حياة اللاوعي . بيد أنه لم يك بحاجة البتة للتعبير عنها ولا حتى إدراكها بوضوح ، فقد اندمجت هذه القوانين في إبداعاته ، وبفضل من تقبّل عقله ) (5) .

kh haifa bitar aikona# المبدعون حلفاء المحللين النفسيين : مذبحة الذباب :
—————————————————
وتقدّم لنا هيفاء بيطار ، في أغلب رواياتها ، نماذج رفيعة لهذا التحالف المقدّس بين المبدعين والمحللين النفسيين ، الذي يهدف إلى سبر مجاهيل النفس البشرية المظلمة المخيفة . وهنا توفّر لنا مثالا بسيطا وبليغا في الوقت نفسه ، فقد كانت ضحيتها/ كبش فدائها ، هي “الذبابة” الضعيفة البريئة كحالها :
(صارت تكتشف بدهشة طفل كيف أنها بضربة واحدة لا مبالية تحوّل الذبابة الفائرة بالحياة إلى جثة ، تدهشها تلك الحقيقة كأنها تكتشفها للمرة الأولى ، تتقحّص الذبابة الميتة كأنها تعتذر لها أنها سلبتها حياتها ، أحسّت أن يدها التي تحمل الموت للذباب والنمل والصراصير تشبه يداً خفيّة تبطش بالبشر ، لم تكن تعرف لماذا تقتل الذباب بتلك السادية، فتحدّث نفسها ساخرة : لا تملكين سلطة في هذه الحياة إلّا على الذباب ! وذات يوم انتابها هياج قتل الذباب ، فأخذت تُسقط الذباب واحدة بعد الأخرى في شرك الموت ، كوّمت حوالي عشرين ذبابة على الأرض ، وأخذت تتأملها كيف تحوّلت بطرفة عين إلى جثث ، تضحك ضحكة باردة ميّتة ، ورأت وجهها بعين خيالها بشعا منفراً ، كرهت نفسها من ساديتها ، فجأة أخذت تبكي بمرارة فائضة ، غامت جثث الذباب وسط تدفّق دموعها ، تخيّلت بدراً وأصدقاءه في السجن أشبه بتلك الذبابات ، ثمّة يد تبطش بهم ، كيدها التي تسفح تلك المخلوقات الضعيفة السعيدة بخفقان أجنحة الحرّية التي تحملها على ظهرها والتي ترضى بالفتات المستمر ، لكنها هي – السادية – تمنعها حتى من الإقتراب من فتاتها ، تتصيّدها وتسحقها ، تغار منها ، لأنها تملك أجنحة الحرّية والتحليق فوق عالم البشر ، بدت لها تلك الذبابات الميّتة تعتذر لها أنها عاشت ، ندمة على أنها تجرّأت وخفقت بأجنحتها فربها وحطّت على فتات مائدتها – ص 26 و27) .
لقد اشاد معلم فيينا ومن تبعه من مريديه ، ومن ثار عليه أوديبيا ، أغلب جوانب منهج التحليل النفسي على اساس الدوافع الخفية السرّانية التي هتك سترها المبدعون بدءا من سوفوكل ومرورا بدستويفسكي ودافنشي وشكسبير وغوته وهاينه وغيرهم . لكن المبدع يقدّم المادة “الخام” التي تشد انتباه المحلل العالم إلى دائرتها لتصدم بصيرته وتداعب ما يختزنه هو نفسه ، فينقلها إلى مخبره التحليلي الداخلي . قدّمت هيفاء بيطار عبر بطلتها الجريحة نبوغ قطعة هائلة من مادة النفس البشرية الخام .. وعلى النقاد والمحللين الإشتغال عليها لاستخلاص دروسها . وهنا يكمن الدافع الرئيسي للإقتباس السابق الطويل نسبيا .
وسريعا ، ولكي نثبت ذاك التحالف المقدّس الذي تحدثنا عنه بين المبدعين والمحللين ، وارتباطا بذباب ضحايا نبوغ ، أقول إن المحلل النفسي المعروف “إريك فروم” – في بحثه الخطير والواسع عن “التدميرية البشرية” – إلتقط “علامة” من علامات السلوك العدواني والدوافع العدوانية التي كانت تمور في أعماق رئيس الوزراء البريطاني آنذاك “تشرشل” ، وذلك أنه كان في زيارته لأفريقيا في الحرب العالمية الثانية ، يقوم وهو على مائدة الغداء بقتل الذباب ، بحماسة عارمة ، ثم يصفّها أمامه على المنضدة في صفوف منتظمة ! وقد عدّ فروم هذا التصرّف علامة على النوازع “النيكروفيلية – necrophilic ” التي تغلي في داخل تشرشل (6) . ونبوغ تشترك في “مظهر” الفعل ومرجله .. لكنها تنحرف بعيدا في المسار ، وفي الدوافع اللائبة ، وفي تداعياتها المعرفية والنفسية والحياتية .
وفي العادة يصيب حجر اللاشعور الصغير المسنن أكثر من عصفور برمية واحدة . يأتي “التفريج” عن الدوافع العدوانية المقموعة ، أولا ، خشية إنقجار مرجل الذات الصغير الحجم .. ثم تشكيل الدراما النفسية في إعادة تمثيل الحدث/ الفاجعة الذي قد يوفّر قدراً ولو ضئيلا من الإحساس بالإقتدار حتى لو كان ممزوجا باستعادة الشعور بالمهانة .. التحكّم بمصائر “كائن” آخر والتلاعب به بنفس الطريقة التي تلاعب بها “الآخرون” بمصير الضحيّة .. الدوران على محيط دوامة حلقة العذاب المفرغة من إثم وتكفير .. تسريب شيء من السخط اللائب والمكبوت على الضحية/ الغائب نفسها ، فقد “رفرفرت” الضحية بأجنحتها وهي تعلم عواقب ذلك .. أغلب مراثي الشعر في العالم تحمل في باطنها قدرا من لوم الضحية .. عملية الحزن نفسها في الثكل فيها سخط على “الغائب” لأنه غاب ، ففي جوهر عملية “الموت” والغياب هناك إحساس لدى الضحية المهجورة بالخذلان بل و”الغدر” . وهناك ما يتضمن الخطورة القصوى في سلوك الضحية عبر أوالية ” التماهي مع المعتدي- theaggressor with identification ، هذه الأوالية التي شاعت بين اسرى الحرب العالمية الثانية ، وجعلت الأسير المُذل يتزيا بزي الجلاد ، ويتسلّم إدارة شؤون رفاقه الاسرى ، وحتى تعذيبهم أكثر من الجلاد الأصلي نفسه . وفي ظل أنظمة الطغيان في مجتمعاتنا ، وحتى في بيوتنا ، يتسلسل هذا التماهي ، حتى نبدأ بتعذيب بعضنا بعضا ، نحن الذباب الصغير .
وهناك ما يمكن تسميته بـ “الوجه الثالث للعملة” ؛ الوجه الثالث لعملة الدوافع السادية والمازوخية ، “التركيب” الذي يحكم أغلب عملياتنا النفسية وأفعالنا اليومية ، وليس أقطاب السلوكيات المفردة (الاسود مقابل الأبيض) .. تراكيب يصممها اللاشعور الماكر فلا تمسك خيوطه الخفية إلا بصعوبة هائلة . إنه الجلد السادومازوخي المبارك للذات في عمليّة تداولية لإشباع الدوافع تحت خيمة الخذلان التي ترسّخها ديمومة انفتاح المحنة على اللاجدوى والخواء وشلل الإرادة .

# وقفة : قطيعة عربية بين المحللين والمبدعين :
————————————————-
كان معلم فيينا يقود ضيفه إلى مكتبته الشخصية ، ويقول له ، وهو يشير إلى مؤلفات الأدباء شعراء وؤوائيين : هؤلاء أساتذتي ! فقد أسس فرويد الكثير من اكتشافاته في مجالات النفس البشرية على الإلتقاطات الكاشفة لخبايا هذه النفس التي قدّمها المبدعون في أعمالهم . ومن يراجع مؤلفات فرويد واختصاصيي التحليل النفسي ، بل اختصاصيو علم النفس بشكل عام ، سيجدونها تغصّ بالإستشهادات من محتلف الروايات والقصائد والأساطير وغيرها من المقبوسات الأدبية . وفي الوقت الذي يتفاخر فيه شبابنا الكتّاب وهم يكررون أفكار ونصوص ومقولات بودلير ورامبو ودستويفسكي وألن روب غرييه وغيرهم ، ويخنقون كتاباتهم باستشهادات منهم ، نجد معلم فيينا مثلا يرصّن استنتاجاته باقوال : وكما قال ابن الرومي .. وكما ذكر الحريري في مقاماته .. وغيرها من مفكري العرب والشرق ومبدعيه . الغريب هو أنك من النادر أن تجد مقالة ، في علم النفس عموما والتحليل النفسي خصوصا ، لمختص عربي تحمل أدنى اقتباس لمبدع عربي ! والسبب ليس لأن المبدع العربي غير قادر على سبر غور النفس البشرية كقرينه الغربي ، ولكنه انبهار وتبعية المختص العربي . يمكن لـأي باحث عربي أن يأخذ رواية هيفاء بيطار هذه كأنموذج لكشف جوانب كثيرة شائكة وملغزة من عوالم النفس البشرية عموما والعربية خصوصا . ولعل الموقف الذي تناولناه قبل قليل ، “مذبحة الذباب” ، واحداً من الأدلة على ذلك .

# عودة : الحكاية هي فنّ تأمّل الموت :
—————————————
ولكن ما لا يقلّ أهمية عن كل تلك التداعيات التي أنضجتها “مذبحة الذباب” ، هو “تأمل” الموت ، فلسفة وفكرة ، كما قالت نبوغ . قهذا هو المعطى الإيجابي العظيم الذي يفوق كل تلك المعطيات السلبية التي أفرزتها المذبحة . فليس شرطً أن يقف الفرد الممتحن – مثل نبوغ – متأملا الموت فكرة وفلسفة كنتيجة تترتب على اعتقال زوجها إن لم تكن القاعدة اللاشعورية مهيّئة لاستقبال الفكرة –  بل إنباتها – واحتضانها وتنميتها . نحن لا نفكر أبدا في الموت برغم أنه يحيط بنا ويمشي معنا منذ ولادتنا وحتى موتنا . بالعكس ، نحن نفكر بموت الآخرين وفنائهم أكثر مما نفكر بموتنا وفنائنا الشخصي . فـ (نحن نحتفظ بموقف تجاه موت إنسان غريب ، يختلف اختلافاً جذرياً ، عن موقفنا إزاء موتنا نفسه . فليس لدينا اعتراض على موت إنسان آخر ، لأن ذلك يعني فناء مخلوق مكروه ، ولا يوجد لدينا أي تردد في إحداث هذا الموت تحت غطاء المعاداة ، ولا حاجة بنا لأن ننسب لأنفسنا تلك الغريزة التي يُقال أنها تكبح جماح الحيوانات الأخرى عن قتل وافتراس الحيوانات من نوعها . لقد كان موتنا ومازال بالنسبة إلينا هو نفسه أمر لا يمكن تخيّله ، وغير حقيقي تماما ) (7).
لكن متى نذعن ، ونقرّ ، بأننا مخلوقات هشّة قابلة للفناء حالها حال المخلوقات الأخرى التي تتبدد وتفنى حولنا كل لحظة ؟
يحصل هذا عندما يتزلزل لاشعورنا نحن نفسه بضربة من ضربات المثكل أو ممثليه ؛ أن يُخلع من لاشعورنا جزء عزيز تماهى مع محبوب واجتافه كما حصل مع نبوغ في انخلاع بدر من أناها بعد أن صار جزءا منه . وهذه هي الحالة المضافة التي (يتصارع فيها الموقفان المتعارضان تجاه الموت ، وهي حالة بالغة الخطورة ، وتسفر عن نتائج بعيدة الأثر ، وهي الحالة التي كانت تحدث حينما نرى شخصاً يمت إلينا بصلة، زوجة ، إبنة ، صديق حميم ، وهم الذين نحبهم بالتأكيد كما نحب ذواتنا ، ذلك أن الحب لا يمكن أن يكون أصغر كثيرا من الشهوة إلى القتل ، عندئذ – وفي لحظات ألمنا – سيتعين علينا أن نتعلم أننا أنفسنا يمكن أن نموت ، وهو اعتراف سيجعل كياننا كله يتمرد عليه ، ذلك أن كل واحد من أولئك الأحباء الراحلين العزيزين علينا هو بكل صدق جزء من “أنانا” الشخصي المحبوب) (8) .
وهنا .. وهنا فقط ، تتلبسنا حالة استثنائية وفريدة من “تأمل” الموت ، والتفكير فيه كفكرة وفلسفة تحيط بنا ، بل تبرّر حيواتنا ، كما حصل لنبوغ ، وهي تقلّب جمرة “رحيل” حبيبها الحارقة بين أنامل لاشعورها المرهفة :
(إنها لا ترى بأعماقها سوى الموت ، وترى كيف أن كل أشكال الحياة مبطنة بالموت . ما معنى هذا العالم إذاً ؟ كان الموت يسبح في عينيها بهدوء ونقاء وهي تقرأ العالم بمنطق المهزوم ، أجل الإنسان مهزوم دوماً ، لتعترف بهذه الحقيقة ، فالموت يهزمه ، كانت تحمل تلك الحقيقة في أنفاسها ونظراتها الشاحبة ، وتطرق حزينة وهي ترمق صغيرها بحنان كيف سيموت ذات يوم . فتحس بالعبث يعربد أمامها كشياطين لئيمة تتفنن بتعذيبها . هل نحن ذباب تجاه قوة ما ؟ كل تساؤلاتها تنبع من الموت ، لتعود وتصب فيه . أجل ، حين ابتعد الحبيب عن دنياها لم يبق لها سوى الموت . فكّرت أنها حين كانت معه لم تفكر بالموت ابدا ، كان بعيدا تماما عن حياتها، كأنه يستثنيها وأسرتها من طغيانه ، لا شيء يطرد الموت مثل حرارة الحبّ – ص 28) .
لقد اصبح الموت بالنسبة لنبوغ الآن “إشكالية” في الوقت الذي لم يكن يخطر لها على بال سابقا . وحين يصبح الموت “إشكالية” خصوصا عندما تأخذ طابعاً تأمّليا “شعريا” عميقا ، كما حصل لدى نبوغ ، بتصميم من الكاتبة طبعا ، فإن هذا إيذان بـ ،  وإشارة بدء ، لعملية التكيّف الناجح بالوقوف الصلب في وجه المحنة من جانب ، وهو علامة من علامات نضج الشخصية وقوّة مكوّناتها من جانب ثان مكمّل . إن كل ما نرفل به من “نعم” نفسية في الحياة يعود الفضل فيها إلى الموت . وقلّة من الناس – والشعوب – من استطاعوا تحويل الموت من مصير مؤكد غادر ينبغي تجنّبه إلى “همّ” ، ومشكلة وجود ، وإشكالية . ودائما يكون الإنشغال بالموت علامة على تحوّلات كبرى في تاريخ الشعوب (لاحظ ما حصل بعد الحربين العالميتين من نهوض حتى في البلدان المدمّرة والمهزومة ، كما لاحظ إنمساخ روح الحضارة الغربية الآن بعد أن لم يعد الموت إشكالية بالنسبة للإنسان هناك، وهذا ما فصّله إشبنغلر في كتابه الشهير “تدهور الحضارة الغربية”)(9) مثلما هو علامة رصانة وتماسك ورهاوة في مسار حياة الفرد .
كانت الذكريات تأتي عقل نبوغ كاسحة ، مفككة ، وعنيفة ، فتثير في وجودها الفوضى .. ذكريات سود لا تحمل غير نذر الضياع والخراب والتخطّم ، فتثير فيها استجابة “التجنّب” والعزلة . حتى الصمت كان يخيفها ، ويعمل على “تجسيم” مخاوفها وتضخيم أشباح غيلان إرهاصات عالمها الداخلي . الصمت جعلها أكثر هدوءا واسترخاء برغم أن عملية التذكّر الموجعة ، والإستعادات المريرة مع الزوج الغائب هي هي نفسها . أمّا الآن ، فقد :
(صار الصمت هو عالمها ، الصمت هو التذكّر .. وحيدة في ذكرياتها معه .. ثمة رابطة روحية أبدية بينهما ، زواج الأرواح لا يصيبه التلف . لم تعد تشعر أنها تشبه الناس أو تنتمي إليهم ؛ إنها تنتمي إلى ذلك الصمت الدافيء الذي يملؤها ويحرّض ذكرياتها – ص 29 ) .
صحيح أنها منهكة ، مجروحة ، محاصرة ، بل مّذلّة مهانة . ولكنها الآن تسير ، ولا تندب حظها على صليب المعاناة الثقيل الذي وُضع على كتفيها .. كانت مرعوبة منه .. حاولت أن تفرّ منه إلى البكاء والعويل الطفلي (البابا راح .. ) والتفكير السحري والمقايضات السحرية والخلاص من الوعي بالغيبوبة . لكنها ، الآن ، تحمل صليب آلامها الباهضة بعزم بالرغم من نوبات الإنهاك والهذيان وضباب التشوّش ومؤامرات الذاكرة اللعينة . الموت “يقكّر” كثيرا بحياة من يفكّر فيه . وقد جلت أنامله الصلبة الحانية الصدأ عن روح نبوغ ، فقفزت روحها صقيلة شفافة ملتمعة بذهب المشاعر الإنسانية الباهرة :
(تغيّر صوتها فصار مرتشحا بنغمة شفقة عميقة ، مشيتها صارت أبطأ ، عيناها اتسعتا عن عمق ما تعانيه ، لكن حمم الإنفعالات تفور دوما في أعماقها ، كانت وهي تمشي تحسّ بعمق الحرمان الذي يعانيه السجين ، الشارع ، الناس ، الباعة ، الروائح ، الشمس ، المطر ، الضجيج ، العمل ، الحب … الأطقال ، تتابع المسير بمشاعر انسحاق لا مفرّ منها – ص 29 ) .
هذا هو مضمون ومظهر التعبير الشعري والسردي الذي نسمعه كثيرا ، وكررته نبوغ على أسماعنا عن أنها لابدّ أن تتصدى لحمل صليبها وتمشي ، وأن لا تتوقف لحظة واحدة ، لأن الحياة يعيشها الأحياء فقط . وهذه العزيمة تجعل الحياة ترتجف من تحت رماد اليأس ، وتنسرب في ممارسات قد تبدو غريبة ، مثلما حصل لنبوغ ذات يوم ، عندما كانت الشمس سخيّة والطبيعة ملتمعة بعد مطر استمر يومين . لقد بدت لها الحياة جميلة على نحو جارح (ص 29) . تذكرت زوجها الغائب المغدور ، والتهبت حتى مشاعرها الحسّية المعطّلة التي اشتغل دوران عجلتها الإيقاعي . فبدأت تركض وتلهث باسم بدر غير مبالية بنظرات الناس .

# المشهد الدرس :
——————-
من هذه اللحظة التي تنطلق فيها نبوغ ، راكضة كسهم ، وهي متخففة من أعباء معاناتها اليومية ، بهيجة تلهج باسم زوجها ، سوف تقدّم الروائية – من وجهة نظري طبعا – “وثيقة” نفسية ، ومشهدا حكائيا ، يمكن أن يصبح ، بالدرس الراكز والتحليل العميق ، من النماذج العيون لتحالف المبدعين والمحللين النفسيين أولاً ، وللكيفية التي تتشكّل فيها موضوعة “الغائب” – مسيحاً أو مهديّاً – سلوكا وفلسفة ثانيا ، والأواليات المستترة التي تُنضج الموقف الصوفي ثالثاً . طبعاً ، هذا النص ، مثل أي نص محكم ومُتخم بالجمال وبالفنّية العالية ، ومسيطر عليه باحترافية متفرّدة ، لن يسلّم لك أسراره في الحقول الثلاثة الآنفة هذه بيسر ، متواطئاً مع عطالتك الإستقصائية ، وهمود جذوة احتدام روحك التفاعلي مع النص ، وهمود الرجفة الجمالية في روحك بقعل القبح المستشري في حياتنا الذي جعل الجمال مذعورا .

# ركضة الغائب :
—————–    
لقد جاءت انطلاقة نبوغ بعد مدّة طويلة خيّمت عليها الوحدة موحشة ، والانتظار المتطاول المشرعة أبوابه على الخراب ، واليأس المرّ الذي يغذّيه باستمرار حساب اسوأ الإحتمالات التي أزاحت أي توقع إيجابي . طفل ينمو بلا أب ، وعليها أن تلعب معه دور الأم والأب معا . شعور قاهر بالعجز والمهانة والإستخفاف بوجودها الإنساني من خلال عدم قدرتها على تحقيق أي قدر من الدور “الإنقاذي” بالنسبة لزوجها . والأهم هو هذا الخواء العاصف في العون الجمعي والفردي “الإنقاذي” . وجدانها – مثل وجدان أي ممتحن منّا حين يكون في موقعها – يتساءل باستمرار وعبر الصمت المدوّي عن : من “ينقذني” من شدّتي الفاجعة هذه ؟ وصولا إلى السؤال اللائب المستتر والمجدّف بشرعية اللاخلاص والحيرة والذل : أين الله ؟ يشعر الإنسان المقهور – خطأ طبعا – أن الله كثيرا ما يتواطأ مع الطغاة . وأنه يكتفي بالفرجة .
على هذه الأرضية النفسية الشائكة ، ومن فتحة غير محسوسة في عالمها الداخلي المظلم ، أشرقت الشمس السخية على نبوغ ذات صباح ؛ شمس تآمرت معها الطبيعة ذلك الوقت بيومين تمهيديين من المطر المنعش . بدت لها الحياة جميلة على نحو جارح كما تقول (ص 29) . الوحدة والعزلة واليأس والوحشة تحرّك أحيانا قوى اللاشعور التي لا تموت ، ولا تنام ، ولا تعرف التصالح على حساب إشباع رغباتها التي عُطلت طويلا . لم تعلن نبوغ – بفعل تعفّفها الرائق ، والذي أوسقته الروائية مع حالتها السلوكية العامة الزاهدة المُختارة والمفروضة – عن حرمانها الجنسي الذي يمثل حق لاشعورها المشروع عليها . بالعكس ، لقد تعالت على هذه الحاجات المشروعة التي تظل تلوب وتئن وتنهش بمخالبها الورديّة جدران الداخل الناعمة المتقرّحة :
(منذ سجن زوجها تحوّلت طبيعتها ، لا تشعر مع الأيام أنها جسد ، بل مجرد روح سديم من مشاعر غنية متداخلة بفوضى جميلة ، ما عادت تميّز بين الحزن والفرح ، بين القلق والإنتظار ، بين الرضا واليأس ، لم تعد تفكّر بزوجها كجسد ، بل كرمز للحب وشقيق للروح ، لم يعد جسدها يطلب شيئا ، وحدها الدورة الشهرية كانت تذكّرها أنها تملك جسداً من لحم ودم – ص 32 ) .
هذا ما يعلنه “لسان” شعورها الذي عليه أن يجد مخرجا تبريريا للحرمان متحالفاً في ذلك – وبصورة تغيّب انتباهة أكثر القرّاء المراقبين دقّة – مع أواليات اللاشعور المتلمّظ . يمكن للاشعور نبوغ – وقد صار عنقود العنب الحلو والمشتهى عالياً – أن يتصافق مع شعورها ليعلن أن العنب صار مرّاً .. أو – على الأقل كخطوة استدراجية تبريرية وتمهيدية – أن العناء في سبيله واللهاث لالتهامه ليس ضمن أولوياته . لكن ما يوضع في خانة الغرابة والتشكيك – وينبغي أن يكون هذا موقفنا مع أي تحوّل في سلوك الفرد ، مفاجيء ، وملفت ، نوعياً أو كميّاً – هي هذه المراجعة النقدية لسلوك عاطفي وجنسي مقرّر وضروري جدا بين الأزواج خصوصا العاشقين منهم مثل نبوغ وبدر :
(تحرّرت من سلطان الجسد ، من الرغبات ، صارت تسترجع بدهشة حقيقية صور وصالهما الجسدي ، عريهما الناصع ، وأنين الشهوة وهي تكافح من أجل الإشباع ، ثم ذلك السلام الأقرب للغيبوبة الذي يدخلان فيه . لم تعد قادرة على فهم تلك الفيزيولوجية المتطلبة والملحاحة – ص 32 ) .
ويا لمكر اللاشعور الذي لا يستطيع أي شعور مهما كان حاذقا و”أصوليا” أن يفلت من مصائد ألعابه الماكرة . تحدّث معلم فيينا مرّة عن حالة المعلم الذي كان يدور على صفوف التلاميذ محذّرا إياهم من القول أن السيّد مدير المدرسة تافه وقليل الخبرة وظالم .. إلخ . هنا يوكّل شعور نبوغ للإعلان عن مقلوب تلك الحالة حيث تُصاغ الممارسة المُدانة بأروع التعبيرات الشعريّة الحسّية الملتهبة :
(لم تعد قادرة على فهم تلك الفيزيولوجية المتطلبة والملحاحة ، والتي تجعل الشفاه تفنى في عناق رطب ملحاح ، والأصابع تتشنج ذارعة جسد الحبيب صعودا ونزولا وضغطا ، لاستنزاف لذة سرعان ما تنطفيء ، لم تعد تملك شهية تلك الممارسة ، ولم تعد قادرة على فهم دوافعها ، عجبا لماذا لا يكتفي البشر بالحب ؟ ألا يكفي اللطف والحنان لإيصال الناس إلى النشوة ؟ – ص 32 و33) .
نحن هنا أمام محاولة لاجتراح حلّ أُلبس لبوسا نظرّيا تطهّرياً ، وترفّعت فيه نبوغ عن دنس الجسد ؛ حلٌّ تفصل فيه الحنان “البريء” (الحب والعشق والهيام) تجاه “روح” المحبوب ، عن الشهوة “الآثمة” (الغريزة والإتصال الجنسي) تجاه “جسده” . وهذا يتطلّب جهداً “تنظيرياً” معقّداً وبجهد “إخراجي” غير يسير يمكن أن ينقلنا إلى مركز دائرة السلوك التصوّفي في سعي الفرد الزاهد للإتحاد بـ “المطلق” عبر انتباهات تفرض – وبإلحاح – ثقافة تحليلنفسية ، بل وفلسفية عالية من القاريء والناقد . تواصل نبوغ تيار تساؤلاتها البريء :
(أليس الحنان وحده هو لغة التواصل الحقيقية بين البشر ؟ بل بين الكائنات الحية كلها ؟ بدا لها الجنس أسلوبا قاصرا ولا يفي بغرض البشر الجوهري ، وهو الوصول إلى المطلق . مطلق النشوة الروحية التي ينفرد الحب وحده في تحقيقها ، عجبا لم تعد تتعرّف نفسها كيف كانت تسلك كامرأة من لحم ودم بين ذراعي رجل تحبّه ، تُرى لمَ كلّ هذا العناء ؟ في سبيل ماذا ؟ مجرّد اقتطاف لذّة ، لا تُعطي سوى المزيد من الجوع لاستئناف البحث مجددا عن إرضائها ؟ الحبّ لا يحتاج لهذا العناء . إنه شعور فوقي لا تعذّبه قوانين الغدد ، ولا يخضع لمستوى الهرمونات في الدم . صارت تتأمّل جماع القطط بقرف ، وترى كيف ان البشر لا يختلفون كثيرا عن القطط حين يستسلمون لغريزة اللحم – ص 33) .
ولا يعجز التفكير الإجرائي لأبسط قاريء عن أن يدحض ، عبر تساؤلات بسيطة ، أسس “ديانة” نبوغ الجديدة هذه . لا يوجد أي زوج تستطيع زوجته إقناعه بالإكتفاء بالحنان والتوق ، عن بعد ، كلغة تواصل حقيقية ووحيدة بينه وبين شريكته . لكنها ديانة اللاشعور المحروم ، والذي أُحبطت كل سبل إشباع نزعاته الطبيعية الخالدة المسعورة . وهو في سعيه هذا قادر على تسخير الشعور لوضع أسس “ديانة” ، بل فلسفة جديدة . فلو كانت نبوغ تعالج هذه المشكلة/ الأطروحة في نص فلسفي ، لاشادت لنا معمارا ميتافيزيقيا باهرا . كان المعلم الأول “أرسطو” يؤكّد دائما على أن أسنان المرأة أقل من أسنان الرجل ، وللوصول إلى “مطلق” تفوّق الذكورة على الأنوثة ميتافيزيقيا ، نسج أعقد وأوسع النظريات . في حين كان بإمكانه ، وقد تزوّج من امرأتين ، أن يفتح فم إحدى زوجتيه ، ويعدّ أسنانها ، ويحسم المشكلة “الميتافيزيقية” هذه . ألم نكرر كثيرا أطروحة التحليل النفسي المركزية التي ترى أن الإنسان ليس كائنا منطقيا بل كائن تبريري – not rational human being but rationalized human being ، تلوب دوافعه المُجهظة والمُحبطة باحثة عن أي منفذ للإشباع ومداراة الخيبة ، فتخز قوى الشعور الفكرية الهائلة لتصمّم لها “مخرجا” نظريا ، قد يصل بتعقيداته أحيانا مستوى أعقد الفلسفات . ونبوغ نفسها لا تستطيع القفز فوق حواجز فطرتها السليمة العالية ، فنراها تعود سريعا إلى حسابات الحرمان ، والبحث عن إشباع حاجات الجسد “القططية” المقدّسة الآثمة :
(صارت تتأمل جماع القطط بقرف ، وترى كيف أن البشر لا يختلفون كثيرا عن القطط حين يستسلمون لغريزة اللحم . صارت تشعر بسعادة السموّ والإنعتاق من كل ما هو مادّي ، لكنّها في أحيان كثيرة تحسّ بألم عميق وهي تشعر أن فتيل الحياة منزوع منها . أليست الرغبة دليل شهيّة الحياة ؟ لكن أيّ توق عميق في روحها يجعلها تسعى لتجريد نفسها من جوع الغريزة ؟
ذات يوم لمحت عرَضا نهديها عاريين في المرآة … فجأة أحسّت أن يديها تطبقان على نهديها ، تعتصرانهما ، هاجها شوقها العقيم كاسحا عفّتها الزائفة ، واستعادت نشوتها معه – ص 34) .

# ديانة نبوغ الجديدة :
———————
لكن الروائي الحاذق نهّاز فرص ، لا يمكن أن يفوّت موقفاً يستطيع أن يستثمره للغوص بدرجات أعمق في ظلمات النفس البشرية . وهيفاء بيطار معتادة على اعتصار هذه المواقف حتى ثمالتها الدلالية . فهي تضع بطلتها الآن أمام فرصة لا تتكرّر للبحث في موجّهات “ديانة” جديدة تقوم على اساس فصل الحب عن الشهوة ، وفصل متطلبات الروح المتعالية عن حاجات الجسد الأرضية . لقد سحرتنا بتفصيل اسس نظرتها الجديدة إلى الحياة الجنسية . رفضتها – ولو مرحليا – عبر رفع راياتها الحمراء الساحرة . لكنها قدّمت قبل صفحتين ما هو أعظم من ذلك . قدّمت جانبا خطيرا وفريدا من الناحية الدلالية النفسية وموجبات تشكيل السلوك الروحي الأسطوري عبر تلك الحادثة الفعلية ، التي قامت بها نبوغ في ذلك الصباح الذي شرعت فيه بالبادرة السلوكية الحركيّة ، النواة ، التي ستلتم عليها الأفكار النظرية لديانتها :
(ذات يوم كانت الشمس سخية ، والطبيعة ملتمعة بعد مطر استمر يومين . بدت لها الحياة جميلة على نحو جارح ، كان إيقاع خطواتها يردّد اسمه أبداً : بدر .. بدر . بدر .. تسارع الإيقاع ، صارت تلهث باسمه . فجأة أخذت تركض غير مبالية بنظرات الناس ، تسارعت خطواتها ، وتسارع وجيب قلبها حتى أحسّت أن الدم يكاد يتفجّر من أذنيها – ص 30 و31) .
لقد تحرّكت حفزات روحها في الداخل بإثارات هذا الجمال الجارح في الخارج ، إثارات جمال معبّر عن دوافع الخصب والنماء والجمال ، دوافع الأنوثة وعطاياها التي تضفيها على الكون والطبيعة ، والتي عطّلتها الفاجعة في نفس نبوغ طويلا . تململت حركة هذه الدوافع اللاشعورية ، وهي إفعوانية بطبيعتها ، بـ “همسة” أو “همهمة” سحريّة نادت باسم موضوع الحب المفقود : بدر .. لتتحوّل – وهذه توريات اللاشعور المسمومة – إلى تفريغ حسّي حركي يلهث فيه الجسد في الشارع بدلا من لهاث الأحضان الإلتحامي الذي ألغى الجلادون كل سبيل إليه . ولكن إلى اين ؟ من ، وما هو الهدف النهائي الذي يُصاغ لركضتها الإنعتاقية / الإشباعية ، كي تصبح ذات جدوى أولا ، وكي يبرّرها شعورها أمام ذاتها كي لا تُتهم بالجنون والناس يرونها تعبرهم كسهم من نار ، ولا يتزعزع اعتبارها الذاتي ؟ :
(شعرت أنها تركض باتجاه محرقة أو مذبح ، سعيدة أنها ستختار مذبحها . أحسّت أنها تسمع صوت أنفاسه من خلال لهاثها ، إنها تركض باتجاهه ، بل إنه يركض من خلالها ، أمكنها أن تحسّ بمتانة عضلات فخذيه وساقيه من خلال ركضه المتسارع ، وبدفء جلده الذي تدوخ حين تنشق رائحته بعمق … ياه لو يتمكن السجين من الركض ! – ص 30) .
وتتصاعد الهمهمات الإفعوانية في الداخل ، لتتضخم عبر حركات الجسد في “الخارج” ، متسارعة محتدمة متلاطمة ، لتصل الذروة في الإحساس بالطيران ، الطيران والتخفّف المقابل والساتر ببراعة للشعور بالذروة ، بعد الركض العزوم باتجاه المذبح . باتجاه “الغائب” .. ظلاله .. أو فكرته .. أو “مرقده” .. أو “مقامه” .. إنها ركضة كل المحرومين وقد “استحال” فيها الشعور بالقهر والإنذلال والعجز والحرمان الجنسي إلى صرخة حركية .. صرير جسدي غير مسموع تحتك مكوناته بمكونات جسد “الغائب” ، وتشتعل وتنصهر عرقا ولهاثا وسعيرا مموّها بـ “السعي” للصول إلى اللانهاية .. حيث “مطلق” الغائب المرتجى ، وحيث اللحظة المنتظرة للإلتحام بـ “منتظرها” .. ذاتها المؤمثلة بعيدا ، التي ستتوهّج في لحظة الإلتحام . سيكون الهدف أمامها .. مريدٌ يمشي على جمر الحرمان بتضاؤل الإحساس وانغماس الإدراك الحسّي التام والكامل في “هدفه” المطلق . نبوغ “تتدروش” :
(صار ركضها أشبه بالطيران كأنه من غير كابح ولا يبالي بحواجز، تساقطت مخاوفها وكآبتها على الرصيف ، داستها بسعادة شامتة . كان داخلها يضيء كبطارية مشحونة بالحب ، لم تبق مشوشة ولا ضعيفة ، الركض جعلها قويّة ، لم تعد ترغب في التوقف ، تريد أن تستمر بالركض حتى تصل إلى اللانهاية وتفارق الجاذبية الأرضية لتتوه بين المجرات الكونية ، أحسّت بسعادة الإنعتاق من كل شيء … أنصتت للهدير العظيم الإلهي في داخلها . إنه هدير الحياة ، غدت ذراعاها جناحين قويين ، ولم تنتبه أن دموعها غزيرة إلا حين شاهدت الشارع يغرق في نهر دموعها – ص 30) .
لركضة نبوغ المركّبة هذه ، التي لم تعرف هي نفسها في البداية كيف تململت دوافعها ، ونمت وتحوّلت إلى هدير راكض ، عطايا ، قد لا تدركها هي نفسها . عطايا بذرتها كامنة في تربة الحرمان الجنسي ، بلا تردد ولا مناورات . والتمت عليها الحاجات الوجودية الأخرى لتغلفها وتموّهها وتزيّنها حدّ خلب البصر المعرفي ، وتعشية البصيرة النقدية . من الهمسة الجريحة باسم الحبيب الغائب “بدر” .. ومرورا بركضة المنتظر – لنسمّها هكذا – وهي تسمية دقيقة برغم الإستفزاز . وانتهاء بـ “الكشف” .. عبرت نبوغ حسب تسلسلات الأواليات الصوفية مراحل دقيقة وطويلة اختصرتها بركضة موجزة ، من الإدراك فالورود فالكشف والإلهام فالشهود .. وصولا إلى ذروة “الفتح” .. و “الفتح” بمعانيه المطلقة الإلهية والمعرفية … و .. والجنسية .
وقد يفسد التحليل النفسي جماليات السرد أحيانا ، لكنه بدوره “إفساد” كشفي ضروري ومعرفي . الآن ليست نبوغ بحاجة إلى إغماض عينيها كما يفعل المتصوّفة المبتدئون لـ “تعرف” كنه ذاتها ، وتشاهد اللآليء النادرة في قعر نهر روحها الباذخ الذي سدّت مجراه ، طويلا ، صخرة الفاجعة . إنها ترى مكونات روحها العظيمة باتساع عينيها ، وبركضها الغير مبرّر ظاهرا والمستفز للناس تحت شمس الصباح السخيّة . كم يُظلم الأشخاص الملتحمون بموضوعات حبّهم ، اللاهثون بإشباع ذاتهم بذاتهم ،  من راصديهم ، لأن الأخيرين لا يرون ما يراه الأولون ، ولأن الأولين في لحظة الفتح لا يستطيعون شرحا أو تفسيرا ، بل بالعكس فإن الشرح والتفسير يزيد أفعالهم غرابة في نظر الآخرين ، وقد يسمهم بالجنون . وهذه هي الإستحالة التي تحاصر ذهن نبوغ بالتأكيد ، لو سألها أي عابر متطفّل عن سرّ ركضتها الخارقة ، وهي تتكيء الآن ، بإلفة ، على رفيقٍ ، منفي وعتيق هو الآخر ، وهو عمود الكهرباء :
(استنفدت آخر دمعة وآخر تنهيدة قرب عمود كهرباء عتيق ومنفي . اسندت رأسها إليه شاعرة أنها تسنده إلى كتف زوجها ، تلاشت على جذع العمود كتنهيدة أخيرة وطويلة . لم تفهم لماذا ركضت بجنون ، ولا زخم المشاعر العنيفة التي بلبلتها ودفعتها للطيران . لكنها عرفت كم تطهّرت روحها من السموم ، وكيف أنها غدت شفّافة لدرجة أمكنتها أن تنظر إلى أعماقها كما لو أنها تنظر في أعماق بركة ، وترى حصى القاع المتلألئة . لكن قاع روحها ليس مفروشا بالحصى ، بل باللآلىء الشفافة كالنور – ص 31) .
ولم تشفّ بحيرة ذاتها عن لآلىء مكنوناتها البارقة حسب ، بل شفّت حدودها كذلك ، فصارت المكوّنات المادية الخرساء ، تنطق وتنفعل وتحنو ، لأنها دخلت في إطار “المجال الحيوي” لوجود نبوغ ، التي صارت لا “تُسقط” سمات النفي والنبذ والعتق على عمود الكهرباء حسب ، بل تحييه وتؤنسنه وتسمع دقّات قلبه . ومن المتوقع أن تأتي سمات هذه الأنسنة من سمات “الغائب” الذي ألهب ذكر اسمه ، والحاجة المستميتة إليه ، الإنطلاقة الإيقاعية لحركة أقدامها ، وتفجّر الطاقة الشهوانية في أعماقها . وليس لأن حتى المصباح – كما يُقال – يصبح أفضل صديق للإنسان الوحيد حسب ، بل لأن اللاشعور بمنطقه الطفلي قد توفّر له غطاء من الشعور المنبوذ التائه والناكص ، فصار العمود ، حليفاً ، يقدّم الإشارات السحريّة والنبوءات الإستشرافية عن حال الغائب المعذّب :
(خفق العمود الخشبي كا لو يضم قلباً في جوفه ، لامس وجهها لحاءه الخشن ، تذكّرت ذقنه التي كانت تخزها بمتعة ، لم تعد عيناها قادرتين على ذرف الدموع (…) رأته في تلك اللحظة جالسا على الأرض وقد نحل وشحب وجهه ، يفكّر فيها ، حدّقت في عينيه الحزينتين ، فاختلج فجأة عمود الكهرباء . آمنت أن هذه نبوءة أو إشارة من القدر تعني أنه متوحّد معها في تلك اللحظة (…) كانت تعرف أنها تمشي ولن تصل إلى أي مكان ، بل ستظل تائهة . توقفت ، واستدارت فجأة تجاه العمود الخشبي وسألته بحنان أخرس : منْ منّا يصل إلى أي مكان في هذه الحياة ؟ – ص 31 و32) .

شاهد أيضاً

مروان ياسين الدليمي: رواية” العار” للكاتبة البنغلاديشية تسليمة نصرين: التطهُّر من جحيم العنف الطائفي

اثارت هذه الرواية عندما صدرت عام 1992 رد فعل عنيف جدا تجاه الكاتبة تسليمة نصرين …

صباح هرمز: تمر الأصابع لمحسن الرملي.. شخصيات تتقاطع وتتشابه بعضها مع البعض، ومع نفسها

إذا كان علي بدر، قد كتب ثلاث روايات، تعبر كل واحدة منها عن مرحلة معينة، …

دروب الليل تحاكي الأزمنة
قراءة في ديوان “تجليات عين الشمس” للشاعر عبد الزهرة لازم شباري
بقلم: توفيق الشيخ حسين

يمشي في دروب الشعر عبر محطات أبت أن لا تفيق , ويعيش الآهات التي تمضي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *