تابعنا على فيسبوك وتويتر

abdulkarim ibrahimاهم مميزات القطاع الخاص هي تحفيز الكوامن الذاتية عند الفرد ، والقضاء على  داء الروتين والتركيز على الجودة والنوعية والانتاجية . المسرح ليس بمنأى عن مفهوم القطاع الخاص ؛لانه في فترة الثلاثينيات والاربعينيات  شهد تحولا كبيرا نحو بناء قاعدة فنية قادها الرائد المرحوم حقي الشبلي بعد التأثر بالتجارب العربية ولاسيما المصرية  منها وبالذات تجربة جورج ابيض الذي اسس مسرحا شعبيا خرج الآف الممثلين العرب .
الفنان حقي الشبلي استطاع ان يؤسس لمفهوم المسرح الخاص والخروج عن شرنقة الدولة ،ساعده في هذا الامر الانفتاح الثقافي والادبي اللذين كان يعيشه العراق ، من خلال كثرة الاندية الادبية والمسارح والمجالس الثقافي التي كانت تغص بها بغداد في ذلك الوقت .النكسة التي حصلت في عموم المشهد الثقافي العراقي والمسرح بشكل خاص  هو توقف عجلة التمويل الذاتي والاعتماد على الدولة في كل شيء ،وربما تكون مرحلة ما بعد 1967 هي اهم بوادر هذا الانحراف السلبي الذي لم يشعر به الا القليل ولوبعد حين ،حينما اصبح المسرح دائرة الحكومية عليها تنفيذ الاوامر الصادرة من الجهات العليا ،وبهذا اصبحت ادوات التحكم خارجة عن ايدي المسرحيين ؛ والفنان غدا موظفا لدى الدولة تستطيع التحكم به حيثما شاءت ،ما عطل رسالة المسرح  العالمية .
ادرك بعض الفنانين هذه الحقيقة ولكنهم واجهوا عنجهية عسكرية وامنية من خلال سيطرة  بعض المقربين من النظام على قيادة مراكز الابداع الفني ،والعمل على تهميش الذين ينبض فيهم عرق التغيير والنقد ،ورغم الاجواء البوليسية ،فان المسرح العراقي استطاع ان يحصد اغلب جوائز المهرجانات العربية والدولية ،لان هناك اصرار من قبل المسرحيين على خلق المستحيل . بعد عام 2003 تصور بعض المتجاهلين ان الذي يعصف بالمسرح العراقي هو الاحداث التي اعقبت هذا التاريخ ،متناسين ان نتائج التغيير لاتظهر بصورة مفاجئة ،بل تحتاج الى سنوات طويلة كي تطفو على سطح الواقع ويمكن تلمس تأثيراتها  على ارض الواقع ،لان المسرح الخاص يكاد ان يكون معدوم  في ذلك الوقت وما تعبه بعد التغيير ،ما خلا بعض المحاولات التجارية التي تنتمي الى مفهوم المسرح الرخيص ،مع مفارقة جميلة هي سيادة مسرح المحافظات على العاصمة بغداد وظهور النوع المفتوح بعدما كان يقتصر على مسرح العلبة فضلا عن مساحة الحرية،قد تكون الاحداث الامنية ساهمت من تفاقم عزلة مسرح العاصمة بعد اغلاق واحراق المسارح البغدادية واقتصارها على مسرح يتيم هو الوطني الذي اصبح دائرة ومسرحا في ذات الوقت  .
المهم ان دعوات البعض في ربط المسرح بالدولة من خلال تقديم الدعم والاسناد له ،هو تكرار للتجربة السابقة المريرة ،ومهما كانت نوعية الدعم المقدم ؛الا ان الحرية الفكرية ستكون مقيدة وبالتالي انتاج مسرح مشلول يعيش في جلباب الحكومة ،غير قادر على التطور والنمو ، يعيش على هبات الدولة . الحل يكمن في تأسيس نواة للمسرح الخاص كي يتحول فيما بعد الى شركات انتاجية خاصة تتولى قيادة الفن بعيدا عن الحكومة ،ولابأس من وضع حجر هذا المشروع مع الجهات الحكومية ،هو ما يحقق مبدأين :الاول المنافسة التي تذكي نار الابداع والحماسة في النفوس، والثاني تحسن المستوى المالي للفنان نفسه وابعاده عن شظف العيش ،وهذا لايقتصر فقط على قطاع المسرح ، بل يشمل جميع القطاعات التي يراد لها النهوض بمسؤولياتها وتطوير امكانياتها ،وهو التحول تدريجيا  الى الابتعاد عن الدوران في فلك المؤسسات الحكومية ؛ لانها ستكون مقيدة وخاضعة لرؤى المسؤولين المتنفذين ،وهو العودة الى ادلجة الانسان العراقي من جديد ،وربطه بالدولة وتقدم له جرعات دعم متفاوت ، تجعله دائما يفكر في ارضاء هذا او ذاك الطرف ، سعيا وراء لقمة العيش .
يجب ان ندرك  ان الدول التي شهدت نهضات على مختلف الصعد ،كان ذلك بفضل القطاع الخاص الذي اثرى المجتمع بالمخترعات والنظريات والابداعات ،واختزل حلقات الروتين الملل التي دائما تعشعش في مفاصل بعض الدوائر الحكومية ،ولعل الفن من اهم عوامل النهضة في اي بلد ويجب ان يكون في مقدمة المشاريع التي تحتاج الى خصصة  واعادة بناء بطريقة جديدة قائمة  على الاستفادة من التجارب السابقة وعدم تكرارها وتجاوزها الى افاق مثمرة تعود بالفائدة على جميع الاطراف .


ملاحظة : الآراء الواردة في النصوص والمقالات لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع.

شاهد جميع مقالات
بواسطة :

مقالات ذات صلة

التعليقات

إكتب تعليقك

إسمك الكريم * رابط موقعك "اتركه فارغا اذا لم تمتلك واحداً"