حسين سرمك حسن:(( ليلة القدر العراقية ))

(( العراق مثل ثمرة البصل ، كلّما قشرتها أكثر سالت دموعك أكثر ))

(( …. ))

(( على أنهار بابل .. جلسنا هناك .. وبكينا ))

(( العهد القديم / المزامير – مزمور 137 ))

hussein_sarmak.. وعجيب أمر هذا العراق !! اربط اسمه بأي مفهوم ، فستجد هذا المفهوم يتغير فورا عما هو متداول في حياة العالمين .. ضعه جوار أي مصطلح تقلب هذا المصطلح على رأسه .. صله بأي ظاهرة تنقلب الظاهرة إلى نقيضها .. أضفه إلى أي أسطورة مؤسسة وراسخة في التاريخ البشري يرجع إليك بصر الأسطورة نفسها حاسرا وهو كسير عنه في أي موضع من المعمورة . وخذ مثلا أسطورة الخليقة في قاموس الأساطير واسند اسم العراق إليها ، وانتظر المفاجأة الصاعقة التي ستأتيك . في مخطوطة كتابي ” محاولة في تحليل الشخصية العراقية ” راجعت أساطير الخليقة في الكرة الأرضية ، فوجدت أن الإنسان الأول – آدم الأسطوري – في أي مكان منها يُخلق من طين وماء ( تجد هذا أيضا في الأديان ) ، عدا العراق .. وأؤكد : عدا العراق حيث يُخلق الإنسان الأول فيه من طين ودم .. نعم .. من طين ودم .. هذا في أسطورة الخليقة العراقية البابلية ، أما في أسطورة الخليقة العراقة السومرية فيُخلق الإنسان الأول من دم فقط . خذ أسطورة الطوفان . . في كل مكان من العالم – وهذا ما راجعته في المخطوطة أيضا – وفي التوراة والإنجيل والقرآن ، يغرق الله البشر بسبب كثرة آثامهم وشرورهم .. n3em_shrefعدا العراق ، حيث تغرق الآلهة العراقيين لأن الله ( آنو ) يريد أن ينام والعراقيون يتناقشون ( يلغون !! ) .. هذه تورية عن جبروت هموم أرض الرافدين . ما هو سرّ هذه الأرض الملعونة المباركة ؟؟ .. ليس هنا محل الإجابة على الأسباب ، لكن يكفينا أن نشير أن كل شيء على هذه الأرض لا يشبه غيره لدى العالمين ، وهذا ما يتأكد في تناول المبدع ” نعيم شريف ” لمسمّى راسخ في لاشعورنا الجمعي والفردي على حدّ سواء ، مسمى لموروث ديني له طقوسه المهيبة في مجتمعاتنا ، وهو ” ليلة القدر ” التي تعبّر عن معانيها سورة ” ليلة القدر ” القرآنية ؛ فهي خير من ألف شهر ، فيها تتنزل الروح والملائكة ، وهي سلام مبارك حتى مطلع الفجر . في الإبداع وضع الروائي ” الطاهر بن جلّون ” هذا المسمى عنوانا لأشهر رواياته : ” ليلة القدر ” وعالج فيها موضوعة إنمساخ إرادة الإنسان ، وتشويه هوّيته الجنسية ، وارتباك دوره الجنسي ، وضغوط القهر الاجتماعي التي تسحق كرامته ، فجعل الليلة – بالتضاد والتورية – ليل حرمان ومظالم طويل ومتماد . فكيف صارت معاني هذه الليلة الجليلة في قصة ” نعيم شريف ” القصيرة : ” ليلة القدر ” * ؟ . في الخطوة الأولى من الإستهلال يستدرجنا القاص عبر سطرين متعادلين نفسيا يقولهما الراوي – ووقائع قصة تُحكى بضمير المتكلم – بمفردات مسالمة بعيدة عن العنف وبصيغة تأملية هادئة :

( أتكيء على الصخرة ،الآن ؛ الصخرة البيضاء المنحوتة على هيأة كمثرى عملاقة ، ملمسها أنثوي ، وأقول : من نحتها ؟ وأحسّ سخونة سطحها على ظهري – ص 75 ) .
لمسة حيرة بسيطة غير مربكة عن النحات الخالق ، بل بالعكس هي لمسة محببة توحي بالتساؤلات الأزلية للإنسان عن سرّ هذا الكون الذي لا يزيد فيه وجودنا عن أن يكون ذرة مهملة ضائعة في طياته ومبحرة نحو مهاوي الفناء تتلاعب بها أنامل النحات الأمهر . وقد أضفى الراوي سمات البياض وشكل الكمثرى ( وقلب الإنسان يُشبه بالكمثرى عادة ) وملمس الأنوثة على الصخرة العملاقة فخفّف من سطوتها الوجودية عبر إحيائها وأنسنتها . وفي خطوة استدراجية مضافة ومعزّزة يقول الراوي ، وبهدوء ، أنه كان يسمع ، في وقفته هذه .. و ..

( في لحظة المساء هذه ، الترتيل الشجي لآي القرآن ، بصوت عبد الباسط عبد الصمد ، عذب النبرة ، ممطوطا ، من راديو جابر ، الراديو الأسود اللون ماركة قيثارة – ص 75 ) .

وهنا يرفع القاص جرعة الخشوع في هذا المساء الساكن الذي امتزجت فيه التساؤلات الوجودية القلقة بالترتيل الشجي لآيات القرآن المقدّسة التي يطلقها صوت المقريء العذب ( حتى القراءة القرآنية العراقية تختلف جذريا عن قراءة المسلمين :  فهي تذكّر بالموت وفيها درجة هائلة من الترهيب ، في حين أن القراءة المصرية تذكّر بالحياة وفيها درجة من التطريب ) .

وينسجم البياض مع صخرة الكمثرى الجبلية العملاقة التي يتأملها الراوي، مثلما يتوافق السواد مع المساء الراعش بالجلال والعزلة . لكن – وبعد هاتين الخطوتين الاستدراجيتين – يبدأ الجد السردي ، حيث تنقلب توقعاتنا فورا – وهذا يثبت أن لا العنوان ، ولا الاستهلال ، حسب البنيويين ، هو ثريا النص – من مناخ التوحّد الزاهد ذي المسحة الصوفية المرتكز على روح استقبالية مسالمة إلى اقتراب فاجع من حدود المحنة الملتهبة التي يكتوي بها الراوي ، فصوت المرتل للآي القرآني لا يسحبه عاليا نحو سماوات الرحمة الإلهية التي تنزل السكينة في قلب العبد المتوحّد ، إنها تثير أشياء غامضة غير محدّدة في روحه ، لكنها المدخل المميت إلى دائرة الجحيم،نحن هنا في مواجهة أولى مع ارتباط تناقضي شبه شرطي- conditioned حيث يصبح الفعل ( ترتيل القرآن بصوت عذب وفي مساء هاديء ) الذي يُفترض أنه محفز لاستثارة الأمن والطمأنينة في أرواحنا ، إلى باعث للانفعالات الموجعة المعاكسة . فالترتيل الشجي لآي القرآن صار – كما يقول الراوي – ( يقطّر ، في هذه اللحظة ، شيئا غامضا في قلبي بالقوة نفسها ، لرائحة الشواء التي تأتيني من الأسفل ، تماما ، من القرية الكردية ، قره جولان ، وأهجس أن فيها شيئا بشريا – ص 75 ) . من هنا يبدأ تقطيع القلوب على يدي اختصاصي مقتدر بتمزيقها نتذكر له قصة ” تقطيع القلب ” التي سحق بها قلوبنا عام 1994 عندما نُشرت في جريدة ” الجمهورية ” العراقية . يتركنا القاص معلّقين هنا بعد أن أربكنا وملأ أنوفنا وأرواحنا بتوجّس احتمالي مخيف طرحه الراوي الذي يشعر بأن في رائحة الشواء التي تأتيه من القرية الكردية أسفل الجبل شيئا بشريا . لقد ارتفع القاص بتوترات أعصابنا إلى عتبة عالية من عتبات التوقع الفاجع ثم هبط بنا إلى أرض ذكرى محايدة ، رغم أن توصيف مكانها ” الموضع ” يحيل أذهاننا إلى ” فزّة ” تنفلت في أعماقنا كلما ذكرت مفردة الحرب :

( أمام الموضع ، فرش ” سالم ” بطانية بنية اللون ، ثم فرد عليها صفحات جرائد قديمة ، ووضع فوقها آنية الطعام ، كان قد أعدّ لنا فطور ليلة القدر – ص 75 ) .

الآن وصلنا حدود المسمّى ، الموضوعة المقدّسة ، العنوان : ” ليلة القدر ” . فمجموعة الجنود الرفاق : الراوي ” وليد ” وسالم وجابر وسامي وعبد ، كانوا في حضيرة واحدة يتهيّأون لتناول فطور ليلة القدر . يتوجهون للوضوء فيعلّق الراوي تعليقا قد يبدو عابرا :

( كان في حضيرتنا أبريق واحد قبل اليوم ، الآن صار عندنا أربعة أباريق – ص 65 ) . ومن خبر الحرب وانطبعت آثار مخالبها الباشطة على روحه وصفحات ذاكرته مثلنا ، سيلوب في داخله احتمال الفقدان ، فكل زيادة تأتيك في الحرب تنجم عن فقدان ، وكل حضور لـ ” شيء ” يتضمن غياب ” شيء ” آخر ، لا تمنح الحرب عطاياها بيدين متوازنتين أبدا ، لها يد تأخذ وأخرى تعطيك ، لكن أي عطاء ، إنه عطاء ميراث الموت ، وبقايا الأحبة والضحايا . ولكوني أحمل ميراث ذكريات وقناعات سوداء هائلة عن غولة الحرب فقد توجّست عندما ذكر الراوي في الاستهلال أنه يستمع لترتيل الآي القرآني من راديو جابر الأسود . تعلمنا أن من حكم الحرب أن الشيء التافه : بسطال ، خوذة ، كلب ، بندقية ، أبريق .. هو أكثر خلودا من الإنسان .. وحضور راديو جابر يعني التساؤل عن مصير جابر الذي جلس وليد الراوي الآن يتوضأ قربه ، وقد راعت الأخير الرائحة الزنخة النفّاذة التي تنبعث من جابر . كان وليد يعتقد ن هذه الرائحة الفضة تنبعث من ملابس جابر ، لكن الأخير يجيبه بشكل قاطع أن ثيابه نظيفة ، ارتداها قبل ساعة بعد أن استحم طويلا في مياه العين . إذن من أين تأتي ” تلك الرائحة ” – طبعا ليست رائحة رواية صنع الله ابراهيم – ؟؟ . إنها رائحة دم !! . يقول جابر لوليد :

( رائحة الدم هذه التي شممتها أنت ، ستظل معي وسيشمّها الناس ويعرفون ، أنها تنبعث منّي … على الرغم من أنني كنت … – ص 76 ) .

يتخلص الإنسان من لطخات الدم التي تعلق بجسده بصورة أيسر مما لو علقت بثيابه . وحين يستحم طويلا – كما فعل جابر – لن يبقى عالقا بجلده الدم ، لا لونه ولا رائحته . لكن الجندي يختلف ، فرائحة الدم تعلق بروحه مثل العلق المتطفل ، لكنه علق لا مرئي هو علق الشعور بالذنب ، علق الوجدان الآثم الذي سيمتص نسغ روحه مدى الحياة :

( قال : هل تعرف لماذا لم أكمل وضوئي ؟

قلت : بالحقيقة لا أعرف .

قال : لأنني ملوّث

قلت : بماذا ؟

– قال : أنا ملوّث بدمائهم

قلت : من هم أولئك الذين تلوّثت بدمائهم ؟

قال : كلّهم ؛ الأطفال الثلاثة وأمهم ، أطفال قره جولان – ص 77 ) .

يتذكر وليد / الراوي الآن أنه كان عائدا بسيارة الإيفا من المستشفى العسكري بسبب آلام الروماتزم ، حين شاهد أعمدة الدخان تنبعث من القرية المسكينة . ومن مكامن قوة القص ، بل من اشتراطاته ، هو أن لا يمضي القاريء ساردا الحوادث بصورة أفقية ، بل أن يقدم وقفات ” عمودية ” تتأمل وتفسّر وتثير الإشكالات الوجودية رغم أن هذه الفُسح التي أسميتها بـ ” الفُسح التأملية السردية ” ضرورة للرواية أكثر من القصة . يحاول وليد الراوي مناقشة جابر المحطّم نفسيا ، والتخفيف عنه من خلال ” عقلنة ” دور الأول في الجريمة التي اقترفت في القرية :

( قلت : هل كنت سببا مباشرا في موتهم ، أم كنت شاهدا على موتهم ؟

نظر إلي نظرة غريبة لم أعهدها فيه من قبل

قال : وما الفرق ؟

قلت : الفرق هو نوع المسؤولية ، ربما ..

قال : سأترك تقدير ذلك لك ..

قلت : جابر ، أنا لا أطمع بأخذ دور القاضي , أنا صديق لك وربما كنت أنا من مرّ  بما مررت به – ص 77 ) .

هنا ننتقل إلى معضلة تاريخية كبرى تشكل محور ” فلسفة ” القصة ،وتتمثل في العلاقة بين الجلاد والضحية : كيف نحدّد درجة مسؤولية الفرد حين يصبح جلادا ؟ هل هناك جلّاد يلعب الدور ” رغم ” إرادته ؟ وهل تفيه هذه ” الجبرية ” من مسؤوليته ؟ وما علاقة الضحية بكون الجلاد الذي قتلها أو شارك في قتلها كان مرغما أو موافقا ؟ بل ما علاقتها بكون الجلاد المرغم إنما يؤدي ” وجبا ” ؟ . هل تخفّف الظروف المحيطة بالجريمة من مسؤولية الجلاد ؟ وهل الضحية التي أزهقت روحها ورحلت معنية بتقدير تلك الظروف ؟ هل تخلق تلك الظروف عذرا يخفّف الشعور بالذنب لدى المنفّذ المُكره ؟ . تساؤلات كثيرة لم يتناول منها وليد وهو يحاول التخفيف عن رفيقه جابر سوى جانب واحد يرتبط بتحديد نوع المسؤولية في مقتل الأم وأولادها الثلاثة : مباشرة أم غير مباشرة . وهو أمر ترك جابر أمر تقييمه لوليد في عملية التأويل النفسي الدفاعي التخديري هذه . فهي عقلنة تخديرية تبغي تخفيف نيران القلق المشتعلة في روح جابر ، فالأخير لن ينفع معه أي شيء ، لقد مُزّق وجدانه مرّة واحدة وإلى الأبد . لقد ” رأى ” كلّ شيء . فقد ذهب مع النقيب ، آمر السرية الذي قال له إذا رأيتني أرمي الرمّانة ( القنبلة اليدوية ) فانبطح أرضا بسرعة ، ودخلا القرية الكردية التي هرب منها البيشمركة . اختار النقيب بيتا محدّدا وطلب منه أن يرفس باب البيت ثم باب الغرفة ، فرأى امرأة تستند إلى الحائط وهي تحتضن أطفالها الثلاثة وهم يدسّون رؤوسهم في حضنها . ” أفراخا صغارا يلوذون تحت جناح الأم ” كما يصفهم العريف جابر مختزنا وصفه فزع دجاجات البيت قبل ذلك حين كسر الباب . يسأل الضابط الأم المرعوبة عن مكان زوجها المطلوب ، وحين تنكر معرفتها بمكانه ، يسحب الضابط مسمار أمان القنبلة ويرميها على الأم وأطفالها . يقول جابر :

( سمعت الإنفجار المدوّي .. ووجدت نفسي منبطحا على الأرض وأحست بشيء ثقيل يضرب مرفقي وسائل لزج يبلل ذراعي كلّها … نظرت إلى جانبي الايمن ، حيث موضع الألم وسخونة الدم اللزجة على ذراعي ، ورأيت رأس طفل مقطوعة ، يقطر من أوردتها المذبوحة الدم ، بدفقات متقطعة … كان رأس الطفل الذي رأيته ، الوجه المدوّر الجميل والشعر المسترسل ، ولا أدري إلى الآن ، كيف أمكنني رفع الرأس الصغير ووضعه قرب الجدار ، حيث اختلطت بقايا أجسادهم في كتلة لحم بشري واحدة ، متداخلة الأجزاء ، تسيل منها الدماء بخطوط دافقة ومتعرجة ، نازلة من المكان المرتفع قليلا عن مكاننا ، أنا والضابط – ص 79 و 80 ) .

لقد حاول جابر الاحتجاج حين قال له الضابط بأن ينبطح حين يلقي القنبلة ، فالسكان عزل ولا ذنب لهم .. وكلما تردّد في تنفيذ أمر كان زعيق الضابط يأتيه ناهرا حازما بأن يرفس الباب .. وحين ألقى الضابط القنبلة وهرس أجساد الأم وأطفالها الغضة صرخ جابر صرخة مبهمة .. صرخة رفض ممزوج بالعجز ، فسحب الضابط مسدسه وهدّده بإحالته إلى مجلس عسكري . كل ردود الفعل الرافضة ، المعلنة أو المقموعة أو المكبوتة ، هذه تشكل ذرائع لتخفيف شعور جابر بالمسؤولية عن إزهاق أرواح الضحايا الأربعة . فهو لم يكن مساهما بصورة مباشرة كما حاول وليد الراوي التخفيف عنه . لكن جابرا ” رأى ” كل شيء ، وحين أكدت على الفعل ” رأى ” فلأنني أريد القول أن رؤية جرائم الحرب بالبصر ، والأهم بالبصيرة ، من قبل المساهمين غير المباشرين ، أمثال جابر هي التي تنقل المشاهد إلى أرواحهم المعذّبة ، فتعلق بها حتى الموت . حتى الرائحة التي تؤرق جابر – رائحة الدم كما يصفها – لم يشمها فعليا لأن الدم لا رائحة له ، ولم تتسرب عبر أنفه ، بل عبر عينيه ، لقد ” رأى ” رائحة الدم . العين هي شاهد الإدانة الأهم في جسد الإنسان ( وليس عبثا أن أوديب الملك فقأ عينيه باسياخ الحديد فور معرفته بجريمته ) . وليس محض صدفة أن الفعلين : “رأيت ” و” نظرت ” يتكرران في قصة قصيرة من ثماني صفحات أكثر من ( 31 ) مرّة دون أن نظيف مفردة ( نظرة ) التي تكررت أربع مرات .

لقد جعل القاص الضابط القاتل يقول : توكلت على الله .. جابر انبطح ” قبل أن يُلقي القنبلة على الأجسام الأربعة البريئة . مثلما جعل المذيعة – والرفاق الأربعة يقودون رفيقهم المنهار جابر إلى مائدة الفطور – تقول :

( أعزاءنا المستمعين ، يُرفع بيننا الآن ، آذان المغرب حسب التوقيت المحلي لمدينة بغداد وضواحيها ، تقبّل الله صيامكم وأعمالكم ) .

ليلة القدر هذه ، التي اجتمع الرفاق الخمسة حول آنية فطورها ، هي أكثر ليالي رمضان قداسة ، فهي خير من ألف شهر ، وفيها يتقبل الله أعمال الصائمين ويغفر لهم خطاياهم . لكن التساؤل المدمر الذي يعصف بروح جابر ووجوده هو : أي عمل سيتقبله منه الله ؟ وأي خطيئة سيغفر له ؟ وإذا كانت ليلة القدر خير من ألف شهر فمن المؤكد أن الذنب الذي يُقترف فيها سيعادل ذنوب ألف شهر ؟ . وإذا كانت الملائكة  والروح تنزّل في هذه الليلة بإذن ربها من كل أمر ، بحيث أن السماء المحيطة بعرش الله ستكون خالية فإن الأرواح القتيلة الأربعة ستجد الله متفرغا لسماع نحيبها وشكوى مظلوميتها ؟ وحين تخبر هذه الأرواح ربّها أن الضابط قد توكل عليه قبل أن يطلق قنبلته عليها ، ما الذي سيفعله الله ؟ هل سيحاسب جابر العريف مثل حساب الضابط أم يعفو عنه لأن مسؤوليته لم تكن مباشرة ؟ . لم يهدأ ضمير جابر رغم محاولات رفاقه الأربعة تهدئته . لم يستطع مشاركتهم فطور ليلة القدر . هذه الليلة ليست له . مثلما أن رفاقه – وهنا تتمثل براعة القاص المبدع – قد غُيب وعيهم في خديعة لعبتها . فسامي يسأل عن فرق الوقت بين بغداد والسليمانية ، لأنه يخشى الله ويريد أن تكون إجراءات عبادته دقيقة في هذه الليلة المباركة ، لكنه لا يفعل شيئا وهو يعلم أن أربعة أرواح بريئة قد أزهقت في ليلته المقدّسة هذه . الراوي وليد منشغل بآلام الروماتزم في قدميه وكيفية إحالته إلى مستشفى الرشيد العسكري ، ناسيا أن ألم روماتزم من نوع ممزق ومرير يلوب في أحشاء رفيقه جابر . وحسب الحكمة الشعبية الباهرة فإن ” ضمير الحقير ميّت وضمير المؤمن صاحي ” ، عذاب ضمير العريف جابر المتيقظ ، أشد هولا من عذاب ضمير النقيب المُقال . ورفاقه الأربعة كلهم جلسوا يتناولون فطور ليلة القدر طامعين بالرجاء والغفران متغافلين عن ليلة قدر الأرواح الأربعة ، الروح الخامسة ، روح جابر انسحبت ولم تتناول من الفطور ، انسحبت لتحتفي بليلة قدرها المناسبة لها . انسحب جابر إلى الموضع .. غاب لحظات ثم خرج عاريا تماما .. واضعا ملابسه العسكرية على الأرض .. صابّا النفط عليها .. أحرقها .. لكنه ، في أعماقه ، يدرك أن رائحة الدم ليست في الملابس .. إنها رائحة ذنب وضمير مهزوم علقت في روحه .. لذلك صبّ النفط على رأسه وجسده ، وفي مشهد عظيم مصنوع بحرفيّة العين السينمائية العالية يصف الراوي اللحظات المروّعة الأخيرة :

( صحنا كلنا : لا جابر .. لا . كانت النار قد تلقفته منا ، أخذته النار إليها بأكفها العديدة ، وكنا نحاول بجنون أن نأخذه منها . وركض سالم يُغرق بطانيته البنية بالماء محاولا اللحاق بكرة النار المتأججة ، وكرة النار تدور ورأيناها تسقط في المنحدر ، ثم تتدحرج . وأراد سالم أن يلحق بها ، وصرخ عبد : سالم توقف . منطقة ألغام . وكنّا أربعتنا ، واقفين نطلّ على كرة النار في الوادي ، وتصعد إلينا رائحة اللحم البشري المحترق . حضورها طاغ – ص 81 و 82 ) .

أُزهقت الأرواح الأربع ، فأورثت جابر الشعور المدمّر بالذنب ، ثم أحرق جابر جسده تكفيرا ، فأورث وليد / الراوي الشعور بالإثم والمسؤولية رغم أنه يستطيع نفض يديه من رماد جسد جابر المحترق لأنه لا يد له في انتحاره . نحن أمام دورة عذاب لا تنهي يضعنا القاص في أتون جحيمها ، حين يغلق دائرة الخراب السردية من خلال إعادة الإستهلال الذي بدأ به الراوي مبتدأ بالحرف ” واو ” تعبيرا عن مواصلة مسيرة العذاب والآثام :

( وأتكىء على الصخرة الآن ، الصخرة البيضاء ، المنحوتة على هيأة كمثرى ، عملاقة ، ملمسها أنثوي ، وأقول : من نحتها ؟ وأحس برودة سطحها على ظهري ، وأسمع ، في لحظة المساء هذه الترتيل الشجي لآي القرآن ، بصوت عبد الباسط عبد الصمد ، عذب النبرة ممطوطا من راديو جابر ، الراديو الأسود اللون ماركة قيثارة ، يقطّر ، في هذه اللحظة ، شيئا غامضا في قلبي ، بالقوة نفسها لرائحة الشواء التي تأتيني من الأسفل ، وأعلم ، أن فيها شيئا بشريا – ص 82 ) .

إنه استهلال الفجيعة ذاته ، سوى أن سخونة الصخرة العملاقة صارت برودة ، ورائحة الشواء لم تعد تأتي الراوي من قرية محددة ، بل من الأسفل ، أسفل الروح الموجوعة وواقع الخطايا المحاصر،والأهم أن هاجس وجود شيء بشري في رائحة الشواء تحوّل إلى علم ، إلى حقيقة أكيدة ، شواء لحم الضمير الحي الذي لن يخفت سعيره . كل قرائن الكارثة الدامغة تجعل الراوي يختتم حكاية الخراب بالقول :

( وأشعر أن هناك شيئا يتصاعد من روحي ، شيئا يملأ عيني بالدموع ويجعلني أقول للصخرة البيضاء : قلبي مليء بالوحشة ، فضمّيني إليك يا أخت – ص 82 ) .

وعندها قد ، وأقول : قد تستدعي ذاكرتنا أبيات ” كازنتزاكي ” التي يقول فيها :

( سألت شجرة اللوز :

يا أخت .. حدّثيني عن الله

فأزهرت شجرة اللوز .. )

لكن كان ذاك نداء ” كازنتزاكي ” اليوناني في ” ليلة قدره ” التي تجلى له فيها الله في صورة شجرة لوز .. أخت .. مزهرة .. حنون .. تعبق منها رائحة اللوز .. وهذا هو نداء ” نعيم شريف ” العراقي .. المفجوع .. المستوحد .. الذي تخلت عنه حتى الآلهة ، فلاذ – في ليلة قدره – يائسا بأحضان .. أخت .. هي صخرة بيضاء عملاقة تطل على وادي تتصاعد منه رائحة شواء لحم الضمير البشري  ..

* من مجموعته : ” كلاب الآلهة ” – دار التكوين – دمشق – 2008 .

شاهد أيضاً

من قتل مدرّس التاريخ؟
فراس حج محمد/ فلسطين

كتبت مجموعة من المقالات عام 2015، عندما بلغ السعار الإعلامي أوجه في مناصرة صحيفة “شارلي …

حسين سرمك حسن: هل تصدّق هذا: المحتلون الفرنسيون يقطعون رؤوس الجزائريين ويحتفظون بها في المتحف الفرنسي؟
يحتفظ متحف الإنسان الفرنسي بـ18 ألف جمجمة من الشعوب المحتلة قطعوا رؤوس أصحابها؟
تمّ التعرّف على 32 منها لقادة جزائريين قُطعت رؤوسهم!

(مدير المتحف الفرنسي وسط الجماجم المحفوظة في علب كرتونية) جماجم” الجزائريين في فرنسا.. نسخة “داعشية” …

حيدر حسين سويري: عدوٌ محترمٌ خيرٌ من صديقٍ ذليل

قيل: عدو جائر خير من صديق خاذل. وذلك لأن سهم العدو يصيب الجسم، أما سهم …

تعليق واحد

  1. علي داود عبد

    عراق من النور وسع المآق/وفجر على الكبرياء استفاق
    تمر به النوب العاديات/ويبقى العظيم العظيم العراق
    كأن يد الله فوق العراق
    كأن جميع البرايا عراق
    عراق ياعراق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *