محمود شريح : محمود سعيد يتحدى الإحتلال والهزيمة !*

mahmood saeed 4محمود سعيد الروائي العراقي المحاضر في جامعة دي بول الأميركية في روايته الجديدة، فوهة في الفضاء، يعيدنا إلى العراق حرباً واحتلالاً وحياة وحباً وجمالاً وناساً، في 128 صفحة من القطع الوسط عن مؤسسة شرق ـ غرب ـ ديوان المسار للنشر، حيث البداية من الحرب العراقية ـ الإيرانية والحياة اليومية وشظفها، ففي البصرة عند سوقها القديم الشبان في مقهى يراقبون السوق، فها هو عليّ: «انظروا إلى هذه القنبلة النووية»، وأشار إلى فتاة سمراء جميلة في كعب طويل أزرق، وثوب من الساتان الأزرق، في الثامنة عشرة، رشيقة ذات عينين قهوائيتين، تشّد شعرها بشريط سلكي أزرق، ينسرح على ظهرها كذيل حصان ثخين: «أشبعوا نظركم، بعد ثلاثة أيام يبدأ التدريب، ثم الجبهة، ثم الموت. وانطلق أنور إلى الجبهة. أصوات المدفعية لا تنقطع، والمستشفى يستقبل العائدين من الجبهة».
ذاكرة محمود سعيد متّقدة فهو روائي ـ راوٍ يشحذ خيال القارئ بما يختزنه من تفاصيل ودقائق: «العميد الركن متوسط الطول، نحيف، تسبح بذّته العسكرية بالعرق، وبخاصة في منطقة الصدر، كأنه ركض الضاحية قبل قليل. الهواء ثقيل بالرغم من عمل المروحة المدوّرة المستمرّ. وجه متعب مصفرّ، مرتبك مشتت النظرات، يتوقّع أن يُنادى أي لحظة»، فكأننا أمام شريط سينمائي ناطق.
ثم يقع العميد الركن في الأسر في إيران، فزيارة إلى مبنى الأمم المتّحدة، والقناعة بأن 97 جندياً بقوا على قيد الحياة من أصل 1200 جندي هم عدد أفراد وحدة العميد، ثمّ يلجأ الروائي بين الفينة والأُخرى إلى التنويع على عود السرد العراقي: إلى البحث عن مطعم، فالحديث إلى امرأة ويذكّرنا بأن «القلوب سواقٍ»: «تجوّلت عيناه على صفحة وجهها اليُسرى، على شعرها الأبنوسي، على أنفها المستقيم الجميل، منخارها الصغير الذي يكاد أن يكون شقّاً ضيّقاً لا أكثر. ثم استقرت على شفتيها الممتلئتين الصغيرتين الملمومتين. شفتها السفلى مكتنزة، حبة كرز ناضجة تنتظر القطاف، وردية، طبيعية، من دون صبغة قط، لكنها مثيرة! يا إلهي! أيوجد عند أحد ما في الكون مثل تلك الجاذبية!».
يجنح محمود سعيد إلى الهذيان أحياناً بغرض إضفاء مسحة سريالية على جماليّة روايته حيث السكون أولى، وحيث «مئات النسوة يعرضن بضائع مختلفة مهرّبة من الكويت والسعودية: قمصان. دشاديش. عطور. ملابس نسائية. مكانس كهربائية. كؤوس. استكانات مذهّبة. ملاعق شاي مذهّبة. مفضّضة. مفكّات ناعمة. كوفيّات بيض وسود وحمر. كنّ يجلسن على طرف حصائر كبيرة ويعرضن بضائعهن على ما تبقّى منها. قالت: لا يوجد حرب هنا. ابتسمَ: من يدري! ربّما يجدون مدافع أبعد مدى».
على هذا النحو المتشائل يتحدّى محمود سعيد الاحتلال والهزيمة، وهو هنا على عادته ينحاز إلى الحياة مديناً الحرب وقلبها كيان المجتمع العراقي، فلا يتخلّى عن روح دعابة ونفس فكاهة.

* عن صحيفة “السفير”kh mahmood saeed 4

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| لجنة تحكيم مهرجان القاهرة الدولي تختار ترجمة يمنية لأول كتاب يؤلفه ربوت ذكاء اصطناعي في التاريخ الإنساني .

  اُختير  كتاب الباحث والكاتب والمترجم اليمني هايل علي المذابي والموسوم (عندما يكتب الروبوت مسرحية) …

| رواء الجصاني : ربـع قرن على رحيل الجواهري العظيم …

يموتُ الخالدونَ بكل فــجٍ، ويستعصي على الموتِ الخلودُ ———————————————————————- قبل خمسة وعشرين عاماُ، وفي صبيحة …

تعليق واحد

  1. حيدر علي

    لا أعلم كيف قرأ الأستاذ محمود شريح رواية المبدع محمود سعيد “فوهة في الفضاء” في مقالته التي نشرتها صحيفة رصينة مثل “السفير” ، فهو يقول إن العميد الركن وقع في الأسر .. وهو لم يقع في الأسر في الرواية .. ثم أين الهذيان الذي جنح إليه محمود سعيد في الرواية ؟ وأين السريالية ؟ وهل وصف البضائع المختلفة المهرّبة التي تبيعها النسوة على الرصيف هي مسحة سريالية ؟ عجيب .. غريب ..
    ثم هذا الوصف “ذاكرة محمود سعيد متقدة فهو روائي” ، ونحن نعرف منذ أربعة عقود أن محمود سعيد روائي !!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.