د. حسين سرمك حسن : هيفاء بيطار في “ايقونة بلا وجه” : سفر الوفاء العظيم (1)

hussein 5(.. لم تعد قادرة على تقبّله ، شيء بينهما فسد ، فجأة ، ومضت فكرة مذهلة في ذهنها ، وهي أنه يعرّي نفسه أمامها ، ويطلب منها التفهّم والمسامحة . فكّرت أن الإنسان لا يستطيع أن يعرّي نفسه تماما إلّا أمام الله . إنه بهذا المعنى يحبّها حبّاً فوق البشر ، إنه مثل المجرم الذي يركع أمام خالقه معترفاً بآثامه ، منتظراً الرحمة ، الرحمة أعظم من المحبة )

(الآن بدأت تعرف السجن ، يستحيل أن يدخل الإنسان السجن ويخرج من غير عطب ، ثمّة آلة تدمير تعمل ببطء وإصرار لتدمير النفوس (…) إنّها تنظر إليه الآن كمُعاق ، أكبر إعاقة هي السجن . السجن مدرسة تخرّج المعاقين)

                                             هيفاء بيطار
                                     رواية “ايقونة بلا وجه”

إذا كنا قد وصفنا جانبا من السلوك العاطفي والأمومي لبطلة رواية هيفاء بيطار “امرأة من طابقين” ، بأنه يقع ضمن “مرحلة ما بعد الحب” حيث تستعصي المشاعر الكاسحة على أن تستقر على أرضية إطار “الحب” الذي عرفناه ، والذي لا يهزّ بصيرتك إلا على حدود تجربة حب تعرفها ، ممارسة أو اطلاعا (1) ، فإن سلوك وعاطفة بطلة روايتها “أيقونة بلا وجه” (2) ، يمكن توصيفه بـ “ما بعد الوفاء” المستظل بظلال “ما بعد الحب” الحارقة .
تتكوّن محتويات الرواية (230 صفحة) من أربعة موضوعات :
– الإهداء :
———–
وجاء (إلى هشام شرابي)، عالم الإجتماع الفلسطيني البارز الراحل ، وعندما تكمل الرواية ، وبعيدا عن قصدية أو لا قصدية الكاتبة ، ستشعر ، وبقوة ، أي حاجة كبرى تكمن في أحشاء مجتمعاتنا العربية المريضة ، لدور علماء اجتماع شجعان ، تشريحاً وتعريةً وعلاجا بالمشرط التحليلي ، والكي المعرفي .
– نبوغ:
———
haifa bitar 2ويشكل القسم الحكائي الأول الفعلي (من ص 9 إلى ص 50) . ونبوغ هو اسم بطلة الرواية أو الشخصية الرئيسية فيها ، التي تلتم عندها خيوط الحوادث ، وتتكيء عليها أفعال وسلوكيات الشخصيات الأخرى ، بحيث أن لا عقدة تُركّب أو تُحل ، ولا مرجعية تأويلية لسلوكيات الشخصيات ، ولا نواة تتأسس عليها وحولها الحبكة الروائية .. إلخ .. من دونها . وهذا هو مفهوم “البطولة” في الرواية فنّياً ونفسياً ، وليس اجتراح الأفعال الخارقة . فنبوغ إنسانة بسيطة ، وبسيطة جداً ، شاهدنا الآلاف مثلها في المجتمع والشارع والمقهى والمنتدى ، قبل أن تقلب حياتها وتربكها الروائية المقتدرة . وهذا جوهر فن الحكي الروائي لا القصصي . فالروائي المقتدر هو الذي يطرح أمامك شخصيته – أو شخصياته – فتشعر بأنها عادية ومألوفة ، وقد تكون أنت فعليا ، وبعد تمهيد يؤسّس للإعتياد ويضع لبنات ركائز الصلة النفسية ، إذا بالإنقلابات العاصفة ، والتحوّلات المدوّية ، تمحق وجود هذه الشخصية ، وتقلب موازينها رأسا على عقب كما يُقال ، فتحصل “خضّة” مقابلة في عالمك الداخلي ، أنت نفسك ، كمستقبِل/ قاريء ، هذا ما يمكن أن يحصل لي ؟ أو لمن احبّهم (واحياناً أكرههم) . هذا ما يقوله صوت لاشعورك الداخلي الذي تيقّظ بفعل “صدمة” التحوّلات – وهي خرابية شرّيرة في أغلب الأحوال – التي صحا عليها ، بعد أن بلّدت أحاسيسه أتربة العادة ، وخنقت استجابات روحه المشرقة سموم الخوف من التغيّرات في مسار نهر حياةٍ – عام وشخصي –  رتيب علت أمواجه المطهّرة روائح العفونة .
تبدأ “البساطة” الحدثية – وكل روايات هيفاء بيطار “بسيطة” حدثاً واسلوبا وتناولاً ، البساطة هي جوهر الخلق الإبداعي المركّب  – من الصفحة الأولى :
(كانت تُرضع الصغير ، ثقل جسدها على فخذها الأيمن لأنها لو جلست عاديّاً ، فإن ألم خزع الولادة لا يرحمها . حين عاينها الطبيب بعد اسبوع من ولادتها ، وكانت تشكو بشكل فظيع من ألم الخزع . قال لها : الجرح ملتهب . وهناك احتمال أن يكون لعمقه ورماً دمويّاً لأن الانسجة مزرقّة . وصف لها دواءً ، وحذّرها من الجلوس وثقلها على منظقة الخزع . فكّرت أن الألم لم يخف رغم مرور أسبوع على استعمال الدواء ، أحيانا كانت تبكي من شدّة الألم فتتخيّل سكيناً حادّة تخرق تلك المنطقة الملتهبة ، تجرحها في العمق ليخرج ليخرج دماً مسودّاً . عندها سترتاح – ص 9 – الصفحة التاسعة من الرواية طباعيا ، والأولى سرديا) .
# وقفة : الإسلوب الإستعرائي :
—————————
لاحظ أن الروائية قد استعملت تعبير “خزع الولادة” في طرح سبب معاناة “نبوغ” من آلامها المبرحة ، وهي حسب علمنا طبيبة ، وتعرف حتماً أن المصطلح الأصلي لهذه العملية التي تُجرى للنساء الحوامل – خصوصا في الولادة الأولى بفعل قوّة عضلات العجان ، وكبر حجم رأس الوليد أحيانا – لتسهيل الولادة ، هو “شق المهبل أو خزع الفرج أو شقّ العجان – episiotomy”. ولكنها استخدمت تعبير “خزع الولادة” ، كتعبير متعفّف وحيي ومعبّر في الوقت نفسه . في الوقت – ويا للعجب – الذي تهروّل فيه بعض الكاتبات نحو أي تعبير أو مصطلح تُذكر فيه الأعضاء التناسلية الأنثوية ، لتحقيق مزيد من الإثارة في نفس القاريء ، إنهنّ يمارسن سلوكا “استعرائيا – exhibitionism” أمام أنظار القاريء مقارب للطريقة التي تخلع بها المرأة ملابسها في غرفة نومها . أحيانا لا يبقين على حتى ورقة التوت . وهو في الواقع سلوك عصابي ، لأن الإثارة تحصل مع “التغطية” ، وتُبتذل عند “الإنكشاف” ، خصوصا عندما يكون سوقيا . وأكاد اقول إن سمة “الوصف المتعفف الحيي” ، هو من السمات الأسلوبية التي تميّز كل أعمال هيفاء بيطار ، بالرغم من قدرتها الجلية والكامنة على التوغل في التصوير الحسّي المقابل . وقد يعتقد القاريء أن هذه مسألة سردية بسيطة ، لكنها بالعكس شديدة الخطورة في عالم ترعاه الولايات المتحدة الأمريكية ، ويسير بقوّة ، وفق منهج فلسفي مادي متطرّف بدأ بموت الله وانتهى بموت الإنسان ، ويرى أن الإباحية المعرفية لا تكتمل إلا بإباحية جسدية. قرأت قبل مدّة مشهدا روائيا ، بالإنكليزية ، شديد الإثارة عن فتاة تحترق تحت ضراوة الإنسعار الجنسي ، ثم يظهر أخيرا أنها تمارس الجنس مع “دبّ” !! وهذه الإباحية الطوفانية التي بلا حدود ، انعكست على “الموضوع” ، وعلى الأسلوب . ومن يصمد من الكتّاب – ومنهم هيفاء بيطار – معتقداً أن الفن للأرواح والأذهان وليس للفراش ، فهو يعبر عن قوة شخصيته الإبداعية ، خصوصا عندما تتأسس هذه الشخصية الإبداعية على أساس فهم حاذق لعملية الخلق ، كانتصار للإنسان – ليس ثوريا ولا واقعيا اشتراكيا فجّا بطبيعة الحال – في كشف “تفصيلات” عذاباته . أمّا “عموميات” عذاباته .. أمّا “التنظيرات” لخساراته ، فإن لها فلاسفتها الأشاوس .
# عودة : العشق بمشاعر أمّ :
——————————-
.. ولأن هيفاء بيطار تؤمن ، وبقوّة – حسب ما يبدو لنا من خلال مجريات تحليل أعمالها – بأن مجد الكاتب يكمن في التحامه بهموم إنسانه ، وانتصاره لعذاباته ، فإنها تغوص عميقا للإمساك بالتفاصيل ، التفاصيل المعذّبة الآسرة التي تكشف أي “إله” هذا الإنسان الذي يُستخف بوجوده – خصوصا في ظل العولمة – كلّ لحظة ، وتسفّه ملاحم انكساراته في كل مجال . ولعل الأنموذج الأول الذي يكشف “ألوهية” الإنسان الصادمة والمقدّسة هي الأنموذج الملتحم : المرأة الأم . أما الذكور فسيكون لهم حساب آخر .
تواصل الروائية وصف معاناة بطلتها مع ألم خزع الولادة ، الذي يشتعل حين ترضع صغيرها ، لأن عليها أن تحتفظ بوضع جسدي صعب ومضن ، مائل إلى اليمين طول مدة الرضاعة ، فتلتقط “التفاصيل” التي هي في الواقع “مسكّنات” روحها ، وليست “مسكّنات” الأطباء التي سيصفونها لها :
kh haifa bitar aikona(كان الصغير يرضع وحبيبات العرق تتفصّد من فروة رأسه التي يكسوها زغب أشقر . كان يلهث ويتوقف عن الرضاعة منهكاً ، فتداعب خدّه بسبابتها لتنشّطه على استئناف الرضاعة . كان أكمل الأسبوعين . ابتسمت له بحنان لم تعرفه في نفسها من قبل . كأنها تتساءل : أإلى هذا الحدّ تحب الأم طفلها ؟ مسحت جبينه بيد رؤوفة تندّت اصابعها بعرقه ، لعقت أصابعها وهي تحسّ بطعم مالح خفيف ، قبلته من يديه بقوّة وهي تقول له : عسل ، أنت عسل . تذكرت أنها تركت البيض على النار تسلقه . أسرعت تطفئها – ص 9) .
ودعنا نصادر استباقيا بقول المحلل النفسي الفرنسي “بيير داكو” ، في كتابه “سيكولوجية المرأة” :
( نساء أيامنا هذه أو النساء منذ بعض الزمن هي الاستطاعة الخفية التي تقود العالم ، سواء كن سراري بيوت الحريم أو الخدور أو مومسات أو عشيقات أم زوجات وأمهات أسر ، فليس نظام الأبوة ، ولو كان هادرا ، سوى مزاح لطيف بالقياس إلى القوى الغامضة التي يتصف بها النوع الأنثوي ) (3).
وأعتقد أن القوى الغامضة الأنثوية التي يتحدّث عنها بيير داكو ترتبط بالولادة أولا – الخلق من “لا شيء” أو “الأنموذج” الأساسي ، بعد فعلي اللاشعور واللغة ، لقاعدة “كن فيكون” – ثم نوازع الأمومة ، الفعلية أو الكامنة – في لاشعور المرأة . ونبوغ هي “أم” حتى مع زوجها .. هي أمّ زوجها ، وهذا تركيب لا يجترحه سوى اللاشعور الأصيل . لقد لعقت اصابع رضيعها ذي الاسبوعين ، لكي يصل ندى وعرق اصابعه اللدنة إلى أقصى طبقات روحها . هناك مهده الحقيقي . وها هي تقوم بالفعل نفسه مع “منامة” زوجها ، ولكن بمقترب وشكل أمومي حبي آخر :
(مدّدته [= رضيعها] على السرير ، حانت منها التفاتة لتجد منامة زوجها مقلوبة تدلّى القسم الأكبر منها حتى لامس الأرض . شعّت نظرتها بالودّ . رفعت منامته ؛ طوتها ، شمّتها وطبعت عليها قبلة . فكّرت كم هو رجل عظيم ، يكافح بصمت لتعيش أسرته بكرامة – ص 10) .
وحتى هذه اللحظة (الصفحة العاشرة) ، وحتى قبيل نهاية الصفحة الحادية عشرة ، ليس هناك سوى عرض لمشاعر باهرة لزوجة عاشقة لزوجها المخلص الشغول المضحّي ، وأم مغيبة بحبّ طفلها حدّ الرغبة في “اجتيافه” وتلبّسه داخل روحها ، الرغبة الممزوجة بالم الخزع . إمرأة تكافح مع زوجها وحش هذا الواقع الجائر (والغلاء المتعاظم يهدّدهم كوحش فاغر فاه لابتلاعهم – ص 10) .. وأم لكائنين : رضيع وزوج .. إمرأة مختنقة ، بفرح ، بمشاغلها اليومية المكرورة التي يكسبها حس التوهّج إنسراب الحب تحت أغطيتها الكالحة :
(إنّها تحبّه ، تحبّه ، وتحس برضا عارم يغمرها ، إنها في قلب السعادة مع زوج متيّمة به ، ومتيّم بها ، وطفل رائع . أخذت تقطع البندورة والخيار من أجل السلطة ، وتسمع بقبقة فقاعات الزيت الذي يغمر البطاطا . تساءلت باستنكار : كيف يقولون إن الزواج يقتل الحب ! أيّ كذب هذا ؟ إنها تحبّ زوجها أكثر بعد عامين . لم تنقص لهفتها له – ص 11 ) .
# المثكل يقتحم أرض السعادة :
———————————
وبالعزف الهاديء على أوتار هذه التفصيلات الرتيبة واليومية ، تنمّي الروائية خيوط الصلة بين بطلتها والقاريء ، وتمتّن هذه الخيوط بنسغ الحب العارم والحنوّ الغامر الذي طرحته عبر صورتين بسيطيتين ثرتين . لكن هذا هو التمهيد الذي يرخي بصيرة القاريء ، وينعّم انتباهته ، لكي يُفاجأ بحضور “هادم اللذات ومفرّق الجماعات” حسب وصف سيّدة الحكّائين : شهرزاد ، التي كانت تحس بأن النهايات السعيدة تعني إجهاض مشروعها الحكائي و “التربوي” الإنقاذي ، لأنها تعني ببساطة “نهاية” الحكي ، من الناحية النفسية ، ولهذا كانت تتوسّل بسطوة المثكل – حسب الوصف الموفّق لجدّنا جلجامش – أي الموت لتشعل ترقّب الملك المعصوب، والقاريء . وكان الروائي الراحل “عبد السلام العجيلي” يقول : “الأمم السعيدة لا روايات عظيمة لها” ، ويمكننا القول “إن الروايات العظيمة لا نهايات سعيدة لها” . وهذا ما تدركه هيفاء بيطار في أغلب رواياتها . أينما يحضر الموت وممثله : الخراب ، يستعيد وجه الحياة ألقه وبهاءه ، كما يقول معلم فيينا . ولم يكن التمهيد الذي شادت من خلاله الروائية جسور “التماهي” في الواقع بين بطلتها والقاريء “بريئا” . بل كانت بعض لمساته “المحايدة” مخطط لها ، ومصوغة بتوقيتات مدروسة لكي “تعدّ” القاريء لاستقبال الزائر الكريه . إن إعلانها أنها تحب زوجها ، ومتيّمة به ، وبطفلها ، طفلهما ، وتساؤلها عن خطا الرأي الذي يقول أن الزواج يقتل الحب ، وأن لهفتها لم تنقص خلال عامي الزواج ، هي الجرعات الإسترخائية التي تطمئن القاريء ، لكي تباغته بضربة القدر التي لا ترحم والتي سوف تهير كل العوالم التي بنتها على أرض السعادة – أو في قلب أرض السعادة كما تقول – . هذه الضربة تساءلت عنها أولا في هيئة انزعاج بسيط من تأخّر زوجها .. ثم امتعاض وقلق متصاعد جاء أخوها ليحسمه ، لا بإطفاء جذوته المزعجة ، ولكن بتحويله إلى حريق مرعب لن تنطفيء ألسنته حتى النهاية : لقد اعتقل زوجها بدر بمكيدة سياسية دُبّرت له من قبل رئيس عمله وثلة اللصوص القذرين والمرتشين الذين يمثل وجود مهندس شريف وسطهم كارثة بالنسبة لهم .
ويأتي الإهتمام الفني حين يبلّغ الأخ أخته ، التي كانت مسترخية في أحلامها ، وهي ترضع وليدها ، هي تعطي الحليب والحنان الللازمين للحياة ، وسفلة الحياة يسلبونها مصدر حنانها وحبها الوحيد . وفي استعادة خيالاتها في الإستهلال ، وهي محاصرة بألم الخزع ، حيث تخيّلت سكينا حادة تمزّق المنطقة الملتهبة ، ليخرج دمها مسودّا ، وترتاح . الآن ، وأخوها يبلغها بكارثة اعتقال زوجها ، تفجّر ألم الخزع وحشياً ، فتخيّلت أنها تغرز سكينا في جرحها المتورّم ، ليسيل الدم الأسود ، دمها كله صار أسود بعد سماعها كلمة : إعتُقل . لكنها الآن لن ترتاح .. لن ترى الراحة ابداً . سوف تُعتقل هي بدورها بسجن قد يبدو اقل عنفاً في الظاهر ، لكنه ، في الباطن ، أكثر وحشية واستلاباً وعذاباُ . وفي عملية أخرى ، لتحقيق الصلات والوشائج بين جوانب نسيج الحكاية المختلفة ، كي لا تظهر مفككة ، كما يحصل لدى بعض الروائيين ، فإنها تسعى إلى أن تجعل أي ثيمة مركزية مؤثرة تنسرب في أوصال الرداء اللغوي والتعبيرات الوصفية كي تسم المناخ – وتسمّمه – بشحنة الخراب المركزية . زوجها بدر كان يعمل في شركة للبناء (وسط ثلة من اللصوص .. يغشون في مواد البناء ، كيف سيسرقون الحديد والإسمنت ، ويأخذون عمولة من معلم البلاد ، ومعلّم التمديدات الكهربائية ، وغيرهم … – ص 13) .
وقد جاء وصف الروائية لانفعالات بطلتها المحطمة بتعبيرات تهاوي البناء وأحجاره : (احسّت أنها كبناء تهاوى حجرا حجرا حتى انسحق تماما . وليس بإمكانها ترميم نفسها بعد هذه المصيبة – ص 16) .. وخيّمت أحاسيس الإعتقال والإعتقال الموازي ، لها ، ولحتى الاشياء المحايدة المبتذلة . فـ (البيض المسلوق سيظل حبيس قشره ، سيظل معتقلاً داخل قفص كلسي لا يحوي مساما ولا يشف عن شعاع ضوء – ص 15) ..
وهذا هو حال واقعها النفسي الآن الذي تتمظهر مظاهر اعتقال جوهره الحرّ قبل لحظات في تعبيرات شديدة الدقة : إنها ببسلطة “تتكلّس” :
(أخذت المصيبة ترشح في جلدها وتعطيه صلابة ، سرت قشعريرة باردة في نهديها ، أحسّتهما تقلصا وانكمشا ، انفصلت عن المكان ، ما عاد أخوها موجودا – ص 15) .
# محاذير تماهي الكاتب مع ابطاله :
————————————
وبعض الروائيين – خصوصا من “يتماهون – identification” مع أبطالهم – وهيفاء بيطار من هذا النوع لكنها تبقى متيقظة لاشتراكات الحكاية الفنّية  – كثيرا ما “ينسون” أنفسهم ويحلقون عاليا – أو يغوصون عميقا – مع تداعيات ابطالهم بوجهيها : المنعش ، والحارق ، على التوالي ، فينسون – في حالة “نبوغ” التي تتهدّم الآن  – أن لديها رضيعا أوسدته على الأريكة بجانبها ، وأخّاً يجلس أمامها ويبغي إكمال خبر الفاجعة . لكن هيفاء بيطار ، افلتت من مصيدة مضاعفات التماهي هذه ، في هذا الموقف ، وفي كثير غيره كما سنرى ؛ أفلتت بحوار داخلي مكثف ومعبّر عن الخراب الذي تحدثه عاصفة اعتقال بدر زوجها الآن . لكن هذه العاصفة العمياء التي أطلقها الطغيان والفساد ، قد تستمر إلى ما لا نهاية أو لزمن طويل في أفضل الأحوال . ولهذا تغوص هيفاء بيطار مع بطلتها تلاحق تحطّم بنيانها الداخلي ثم تصمّمم نقطة التوقّف التي تشركنا في تعبيريتها الدامية : خزع الولادة الملتهب :
(وجدت أنها تقسو على روحها وتغيّر جلوسها وتُرخي كل ثقلها على الجرح ، فليجهز عليها الألم ، ليتفجّر من خلاياها ، لتعوِ من الوجع حتى تدخل في غيبوبة ، إنها بحاجة حقا لغيبوبة كي تريحها من وطأة تلك المشاعر – ص 16) .
على الروائي أن لا يتعب نفسه ، ويرهق المجال الإدراكي للقاريء ، وهو مجال محدود بطبيعته ، وبسبب التركيز القرائي ، بصور مستحدثة ، ورموز مبتكرة ، مع كل مشهد جديد ، وأن لا يحمّل كاهل سلسلة الوقائع السردية باثقال تعبيرية مضافة . خذ متغيرات معدودة واطرق عليها بصور خلاقة عشرات المرات ، ولا تتعاطى مع عشرات الرموز والمتغيرات لمرات معدودة . لقد قلّصت المصيبة كيان نبوغ ، جعلتها اشبه بحيوان منكمش من البرد (ص 16) .
# عطايا التفكير السحري ومخاطره :
————————————-
وهنا ، وفي بحث الروائية عن خط للدفاع النفسي لبطلتها يخفف عنها طعنات المصيبة السوداء ، فإنها تجعل نبوغ تلجأ إلى أوالية “التفكير السحري – magical thinking” ؛ أوالية نفسية دفاعية ترافقنا منذ الطفولة وحتى مماتنا ، بعيدا عن تنقجات التفكير العلمي . بل إن جيمس فريزر يرى أن التفكير السحري هو نواة التفكير العلمي ، ويتشارك معه في القواعد الأساسية . ولتحقيق هذه الغاية الحمايوية ، كان بإمكان الروائية اللجوء إلى عشرات الرموز والأشياء والمتغيرات في البيئة المحيطة بها ، لكنها تصرفت بصورة “اقتصادية” نفسية توفّر عليها مقاددير من الطاقة النفسية ، مثلما توفّر على القاريء ما يصرفه من جهد في مجاله الإدراكي ، وتحقّق في الوقت نفسه أواصر مشهدية حكائية تعزّز لحمة المكان ، وتقوّي الأواصر التي تربط الحوادث ، وترسّخ مركزيّة إيحاءاتها ، مثلما تستحضر الشخوص الغائبين الذين ترتبط بهم دلالاتها .
في هذا الموقف استعادت الكاتبة رمز “المنامة” ؛ منامة زوجها التي شمّتها وطبعت عليها قبلة في البداية السعيدة لحكايتها . لكنها الآن تستعيد الأبعاد السحرية لوضعيتها على السرير : (مقلوبة تدلّى القسم الأكبر منها حتى لامس الأرض) ، والتي لم تثر في الوجدان المستريح آنذاك سوى مشاعر الودّ وقبلة العرفان . الآن تمزّق الوجدان ، وهو يبحث عن عون بمقدار قشّة ، مهما كان طفليا أو خرافياً . نبوغ تصرخ بطريقة جنونية : أموت لأراه :
(طغت صورة منامته المقلوبة والمجعّدة، والتي كانت تلامس الأرض تكاد تسقط عن السرير. آمنت أن هذه الصورة كانت إشارة إنذار من القدر لاعتقاله – ص 17).
وحين يخنقها الإختلاط المرير بين الحقيقة والوهم، تحاول عبثا البحث عن “بقايا” حبيبها المغدور، بقايا تمثله “كلّه” ، سحريّا ، فلا تجد غير منامته، وفي اللاشعور يكون الثوب رمزا للجسد:
(دفنت وجهها في منامة زوجها، تنشّقت بعمق رائحته، أمكنها أن تشعر بدفء جلده، ترى اين هو؟ هل يعذّبونه؟ عند هذه الكلمة أطلقت آهة طويلة خارجة من حناجر كل المعذّبين- ص 18) .
وتتحوّل المنامة إلى جسد الحبيب الغائب ، يلف المُحِبّة المعذّبة، يحميها من ضربات سياط القدر الجائر، ولسعات الوحدة في ظلمة الليل الموحش:
(الليل يتقدّم، يزداد ذهولها كلما أمعنت العتمة، لبست منامة زوجها كأنها تحتمي من الرعب المتفتق في روحها كدمامل مخيفة – ص 20).
# القصة القصيرة فن ، والرواية “علم” :
—————————————–
على الروائي أن لا ينسى ، ابداً ، أيّ مكوّن من مكوّنات روايته ، مهما كان بسيطاً، خصوصا حين تلح عليه الحاجة لإعادة توظيفه واستثمار دلالاته في مواقف مضافة . ولا أمل من تكرار مقولتي : “إن القصّة القصيرة فن ، أمّا الرواية فهي علم” .. الرواية “علم” يحتاج صبر عالمٍ في مختبره ، وحدّة رؤيته ، وقدرته على لمّ أطراف المشهد” البحثي المتطاولة والمشتتة . ومن دون هذه القدرة تصبح الرواية حقلا للفوضى اللغوية والفنية اللاخلاقة . ويتحوّل الروائي إلى حكّاء تقليدي “قصّخون” يشرح ويبرّر ويذكّر ، وقد يستخدم يديه وصوته في التعبير . أي مفردة ينبغي أن تكون محسوبة ، ومن “جنس” اللحظة الإنفعالية والسلوكية التي تحيط بالشخصية . لاحظ أن نبوغ عندما أبلغها أخوها بكارثة اعتقال زوجها ، تحوّل سلوكها ، بل وجودها كلّه ، إلى سلوك ووجود إنسانة معتقلة وهي خارج السجن – هذا ما سوف نتوقف عنده – لكن ما لا يقل اهمية هو أن المفردات اللغوية التي بدأت الروائية باستخدامها لوصف حالتها الممزقة ، كانت من جنس الموقف الإنفعالي الإعتقالي إذا جاز الوصف . ففور سماع نبوغ لمفردة الفعل : “إعتُقل” من فم أخيها ، قالت الروائية : حلّ صمت من رصاص (ص 14) .. وكان دويّ الكلمة مزلزلا كقنبلة فجّرت سلام روحها ، أحسّت أنها تلقت صفعات متتالية .. صُعقت روحها (ص 15) .. أخذت تتحسس رقبتها براحتيها كأنها تختنق حقّاً بحبل وهمي (ص 16) .. وحين تفكّر بحال بدر في المعتقل يختنق صوتها (كأنّ حلقة حديد أخذت تضغط حنجرتها – ص 22) .
إنها اللغة المناسبة لحال إنسانة أحسّت ، من لحظة تبليغها باعتقال زوجها ، بمكيدة سياسية ، بأنها قد حُكم عليها بالإنتقال – وبطرفة عين – من ضفّة الناس الآمنين السعداء ، إلى ضفة المنكوبين (ص 15) . هذا الإنتقال هو في حقيقته تحوّل حاد وقاطع من حياة الحرّية إلى حياة الإعتقال والحبس ومصادرة الوجود بصورة موازية لانتقال حبيبها القسري والعنيف من الحرية إلى السجن الفعلي . أن يُسجن الإنسان يعني العودة به إلى الحالة الفجّة من فقدان الإرادة ، وهي الحالة الحيوانية . لا يختلف في حال العبودية هذه عن أي حيوان في قفص سيرك . هذا الإحساس “بتحيون” الوجود الإنساني الذي يفرضه القهر ، سرى كقشعريرة باردة في نهديها ، أحسّتهما تقلّصا وانكمشا ، انفصلت عن المكان (ص 15) .. (قلّصتها المصيبة ، جعلتها اشبه بحيوان منكمش من البرد (ص 16) .
# كبوة :
———  
من غير المعقول أن امرأة مثكولة بزوجها المُعتقل ، ومهددة بوليدها الذي جف نهداها المطعمين له ، تفكّر بهذه الطريقة :
(ركعت قرب الصغير تصرخ مذبوحة، بصوت متشظّ : البابا راح، البابا راح… وقي قلب إحساسها بالمصيبة، فكّرت أن هذه اللقطة ستكون ممتازة لو استغلها مخرج سينمائي. سيصوّر أمّاً منهارة قرب طفلها لأن زوجها اعتُقل، تخيّلت المشهد السينمائي تماماً. بل إنها رشّحت ممثلة تحبّها للقيام بالدور – ص 18) ..
لكنها ألعاب لاشعور المؤلّف الماكرة التي على الكاتب الذي يتنامى إحساسه بالقدرة الكلّية – omnipotence كخالق يتلاعب بمصائر خلقه ، أن يحذر منها ، وهذا ما سنتوقف عنده قريبا .
# فرضيّات وبراهين :
———————–
لكن فرضيّات وبراهين الفن الحكائي ، هي ليست فرضيات وبراهين علوم الجبر والرياضيات . في الأخيرة يأتي الترابط محتّماً وصلبا ومتسلسلا وبلا روح . أما في الأولى فإن ترابطها يأتي تلقائيا ومرنا وانتقاليا ، وبعيدا عن حسابات العلة والمعلول الرياضية الفجّة . ولكن هذا المخطط المعبّر عن دينامية الروح البشرية يرتبط بقوّة بمهارة الكاتب ، وإدراكه الحي والحار لوقائع النفس البشرية وطبيعة استجاباتها ، وعدم خضوعها للقواعد الفيزيائية . كانت ضربة المصيبة لنبوغ قاصمة ومروّعة ، حاصرها ألم الفجيعة الذي مزّق روحها ممزوجا بجرح الخزع الحارق ، فأحسّت أنها بحاجة لأن تقسو على جرحها أكثر فأكثر ، ليجهز عليها الألم ، ويتفجّر من خلاياها ، ولتعوي من الوجع حتى تدخل في غيبوبة . إنها بحاجة لغيبوبة كي تريحها من وطأة تلك المشاعر (ص 16) .
هذه هي الفرضية التي وضعتها الكاتبة على لسان بطلتها “نبوغ” ، كمخرج من مصيدة التشوّش والتحطّم وفوضى الذهن والروح ، التي سببها خبر الإعتقال الذي لم تستطع استيعابه . وكان يمكن أن يأتي “البرهان” الحكائي على يد الروائية ميكانيكيا على طريقة السبب والنتيجة الفيزياويين ، وبصورة مستعجلة ، بل فورية . ولكن حين يكون الروائي متمكناً من أدوات فنّه ، وعارفاً بأسرار النفس البشرية ، فإنه يحقّق الغاية نفسها بفنّية مؤثرة ، وعبر انتقالات متدرّجة تقابل ما يحصل في حياتنا الفعلية . فبعد إعلانها المكتوم عن حاجتها لغيبوبة تريحها من عذاب التشوّش واختلاط المشاعر الموجع ، بدأت تتدحرج ببطء على منحدر متدرّج نحو الغيبوبة الفعلية ، بدأت بالإحساس بالإنكماش الجسدي كحبوان تعرض للبرد القارص، ثم باغتتها نوبات التفكير السحري الطفولي بشارة إنذار وضع منامة زوجها ، وهي في عمقها انحدار نحو استسلام الوعي لضغوط المحنة . خطوة أخرى نحو قعر الغيبوبة تمثلت بانفصال جزئي عن الواقع متمثلا بتبلّد إحساسها بما يجري حولها :
(لم تنتبه أن أخاها أجرى عدة اتصالات هاتفية ، وأن أمّها حاطتها بحنانها وأخذت تحدّثها حديثاً لم تفهم منه شيئاً – ص 17) ..
وهكذا خطوة خطوة محسوبة ، وغير محسوسة ، تسلم نبوغ إلى قاع الغيبوبة الفعلي حين تصحو في المستشفى عبر تشوش في وعيها تلا آهة طويلة خارجة من حناجر كل المعذّبين ؛ صرخة الوعي ، وهو يتهشّم مارّاً عبر نفق من تلوّنات الإنحدار في الرؤية والإدراك :
(تشعر أنها تدخل في نفق ضيّق يتلوّن من الرمادي إلى الأزرق ، يعمّ الأزرق ويغمر كل الوجوه التي تعرفها ، والتي لا تكفّ عن الكلام ، لكنها لا تفهم شيئا ، ما هذا الحبل المعلّق بيدها ؟ حين استيقظت كانت إبرة سيروم مزروعة في وريدها – ص 19) .
هنا تعيد الكاتبة ، ذاكرة القاريء ، إلى تلك الحاجة الملحة والإنقاذي للغيبوبة ، والتي تمنتها نبوغ كخلاص أخير ، ولو مؤقت ، من جور لطمات الواقعة . هكذا تتم الإنتقالات والصلات بين فرضيات الشخوص ، ومن ورائهم الكاتب طبعا ، وبراهين الواقع السردي ، بصورة هادئة وغير مقصودة .
# مراحل صدمة المحب الحرّ ، هي مراحل صدمة المعتقل نفسها :
————————————————————–
إن من أسوأ مضاعفات الطغيان والظلم الهائج هو الإعتقال التعسّفي . بدر اعتقل ولم يمنح فرصة ، لا لرؤية عائلته ، ولا لاستخدام محام ، ولا للدفاع عن نفسه . هكذا مرة واحدة وببساطة ، خُلع من حضنه العائلي الدافيء وألقي في غيابة جبّ السجن . لكن ما هو أكثر سوءا ، ويترتب على هذا الخلع القسري ، هو “اعتقال” أحبته بالرغم من أنهم يشعرون ، واقعا وفعليا ، بأنهم أحرار . أفعال الجلاد تشمل الضحية وكل من يتعلق بها عاطفيا ، بل حتى المراقب المحايد الذي سيراجع “درس” الإعتقال هذا ، ويستقي منه “عِبَر” السلامة ، وعدم التحرّش بالفساد والمفسدين وحماتهم الجلادين . البعض يتعلم – كما أعلن لي صديق وبفخر – أن لا يمشي جوار الحائط ، ولكن في الحاشط نفسه ، ليقي ذاته شرور الطغيان . لدينا مثل شائع يقول : “كل من يأخذ أمّي ، يصبح عمّي” . متناسين أن أمنا بهذه الطريقة تتحوّل إلى مومس ، ونحن قوّادوها .
المهم أن نبوغ “اعتقلت” ، وهي في الخارج ، اعتقالا يوازي اعتقال زوجها بدر في “الداخل” . والأهم أنها عانت نفسيا وفق نفس مراحل معاناة زوجها . فالمعتقل حين يواجه صدمة الإعتقال ، يواجهها أولا بـ “الإنكار” ، ورفض التصديق : هذا غير ممكن .. خطأ .. غير صحيح . وعلى الإنكار يترتب خليط من أوهام الرجاء والإنقاذ الخرافي والتفكير السحري . هذا الإنكار يعقب أحيانا مرحلة وجيزة جدا من الذهول والإختلاط الذهني يصعب تمييزه عن الإنكار الفعلي :
(لقد اعتقل ..
كلمة لم يستغرق قولها شحطة من ثانية جعلتها تترنّح (يا للثانية التي لا تُمحى) كلمة تافهة كفقاعة صابون سرعان ما تتلاشى في العدم، لكن لها دويّا مزلزلا كقنبلة فجّرت سلام روحها، احسّت أنها فعلا تترنح وتهوي … تحركت شفتاها بلا وعي منها وقالت : إعتقل! أحست أن هذه الكلمة تُفرغها من ذاتها وتتركها قربة جوفاء، إشتعل لهيب رأسها – ص 14 و15) .
وفي العادة ، تختلط الأعراض والعلامات السلبية في سلوك الضحية ، فحتى بعد استعادة عابرة – رأيتها مفتعلة – لصلاحية ركوعها ناعبة قرب رضيعها كمشهد سينمائي ، بما تعكسه من تماسك شكلي ، وبرودة انفعالية ، تعود لتنكر حقيقة الفجيعة ، وترى أنها عبارة عن كابوس سيمرّ سريعا ، وسيعود زوجها ، ولن تتسامح مع أخيها بسبب مزاحه الثقيل المؤذي هذا (ص 18) . إنها تدرك تماما بعين شعورها أن زوجها قد اعتقل ، وانتهى الأمر . لكن لاشعورها يناور ويصطنع عمليات تخدير وعيها ، وصولا للغيبوبة ، فيجعلها “مستنفدة بانتظاره” . هذه من أفضال أواليات اللاشعور الدفاعية اللاواعية – unconscious defence mechanisms ، علينا وعلى حيواتنا الهشّة التي تتلقى طعنات الواقع الطغياني الجائر من كل جانب ، وفي كل لحظة .
كل عرض وعلامة سلبية يحمل ، في الواقع ، قدراً من الدفاع للحفاظ على سلامة حدود الذات ونسيجها من التمزق والإختراق بحراب المحنة ، على الرغم من ظاهرها السلبي المتشفّي . إن نبوغ تستعيد ، وهي تتشوّى بألسنة لهيب الصاعقة ، المشاهد الأخيرة لسلوك زوجها قبيل مغادرته بيته ، كيف قبّل كفّي طفلهما ، وكيف أنها كان عليها ، حين سألها : هل تريدين شيئا؟ ، أن تقول له : أريد أن تعود (ص 17) . هذا اللعب الطفلي الحرّ الذي يعتقد بأن الأمنية ، معبرا عنها بالكلمة ، كافية لتحقيق الغايات ودرء الأذى عن الأحبة . هو موقف “شعري” في الحقيقة ، وهنا تبزغ الأهمية الكبرى للشعر في حياتنا .. أهمية الإبداع عموما ، والرواية خصوصا ، أهمية الحكي كعلاج . أن نحكي لكي نبقى .. نحكي كي لا نُجنّ ولا نموت . إنه ليس تفريجا – catharsis على الطريقة “الأرسطية” ، برغم أهميته، حسب ، بل قضية عقل أو جنون ، وحياة أو موت . وهذا ما يتصدّى له الروائي الخالق . ولكن هذه التصافقات اللاشعورية قد تصل مستوى خطيرا جدا في عالم الأماني كما يراها القاريء المراقب من الخارج ، وذلك حين تطفح أنانية عالم اللاوعي ملتهبا بيأسه وخساراته الجسيمة . فنبوغ تتمنى الآن :
(فكّرت وهي تحضن جسد الصغير بين ذراعيها ، بفكرة جعلتها تتمنى الموت لفظاعتها : لو مات الصغير ، أليس أهون من ذهاب بدر إلى السجن ؟ تُرى أية مصيبة أكبر ؟ هل تمنت للحظة لو تحصل تلك المقايضة وتتحق تلك الخاطرة ؟ لا يمكنها أن تجزم ، فهي لا تفكّر ،  بل تهلوس – ص 21) .
إن هذه المقايضة الغريبة ، هي من نتائج القهر الذي يُسلّط على الإنسان ولا إرادة لديه لردعه . حتى في الحياة الواقعية ، تحصل مقايضات شديدة الغرابة يرتكبها الإنسان للخلاص من الظلم والجور .
ونبوغ التي اعتقلت فعليا بموازة اعتقال زوجها ، سوف تصبح في الواقع الإجرائي رهينة “معتقلين” كما عبرت عن ذلك بدقّة (من الآن ، ستنشطر حياتي إلى هنا ، وهناك – ص 22) .
وعليها أن تتكيّف مع شروط المعتقلَين وتستجيب لضغوطهما . وفي مقدّمة هذه الضغوط هو التوافق مع “الفقدان” .. مع حقيقة أن بدر زوجها لم يعد معها ، وأنه سجين في زنزانة .. والأهم أنه لن يعود قريبا ابداً. وهذه مهمة ساحقة وجسيمة ، فـ “بقايا” بدر تحاصرها من كل جانب كأشياء وسلوكيات وذكريات . وما يحرق المحب المثكول هو “التفصيلات” الصغيرة .. والرواية فنّ التفاصيل والجزئيات وليست فن العموميات والكلّيات :
(بدت الغرفة أوسع مما هي ، موحشة ، لكن روحه مرفرفة فيها . ترى أين هو ؟ هل نام ؟ هل نزع حذاءه ؟ نظرت في ساعتها ، بعد قليل سيحلق ذقنه لو كان هنا – ص 22) .. و (ظلّت متلاشية طوال النهار في السرير تحاول أن تتخيّل بذاكرة مخدّرة أين عساه ان يكون ؟ كيف اعتُقل ؟ بمَ يفكر ؟ ألا يشعر بالجوع ؟ هل انهارت أعصابه ؟ هل يفكّر بها وبالصغير ؟ هل سيسمحون له بنزع حذائه لأن قدميه تؤلمانه من الحصر داخل الحذاء ؟ تذكّرت بحنان موجع كيف ينزع حذاءه حال دخوله البيت ، ويغسل قدميه مستمتعا بتدفق الماء طويلا فوقهما – ص 20) .. وكل هذه الإرتجاعات من عمل الذاكرة التي لا ترحم في الظاهر فهي تشتغل – ومنذ لحظة المحنة ، وبصورة لا إرادية تقريبا ، على استعادة أدق التفاصيل المرتبطة بالغائب العزيز ، تنبثق في عقل المفجوع من كل زاوية ، وتستدعيها أبسط الأشياء والمثيرات المسالمة . لكن على المستوى العميق هو إجراء لاشعوري رحيم يبغي تحصين الذات من التمزّق . فالغائب مازال موجودا وما استلب هو كيانه المادي الذي يستطيع الجلّاد التلاعب به ، ولكن لا سطوة له على “الحضور” المختزن في أعماق الذات المحبة . وضرورة هذه الإرتجاعات الذاكراتية تتجلى في خاصية أنها “اقتحامية – intrusive” تخترق حاجز وعي المفجوع برغم إرادته ومحاولته دفعها وقتيا أحيانا . هي ، في الواقع النفسي العميق ، خطوات علاجية على طريق التصالح مع فاجعة الفقدان . إذ على نبوغ المفجوعة ، عاجلا أم آجلا ، أن تقرّ بأن زوجها قد اعتقل ، وأنه سيغيب في ظلمات السجن لسنوات طويلة قادمات تواجه فيها أعباء الحياة وحيدة ، ولا مجال للمراوحة على خط شروع الصدمة :
(كم هي ثقيلة الحياة! وما اشدّ وطأة الزمن ؟ يخنقها الرعب وهي تحاول تخيّل أيّامها خالية منه ، تحاصرها صوره في كل مكان – ص 20 ) .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| جمعة عبدالله : معاناة الانسان المضطهد  في الديوان الشعري “ثلاث روايات” للشاعر عبد الستار  نور علي.

  تشير بوضوح قصائد الديوان الشعري في بدايات السبعينات القرن الماضي , الى ولادة ونبوغ …

| طالب عمران المعموري : بنية الاهداء في المجاميع الشعرية  للشاعر مهند عبد الجبار آل ابراهيم.

لمنتجي النّص الابداعي  في عموم نتاجاتهم الأدبية أسلوبهم   فيما يكتبون  وإن كثيراً لهم بصمةٍ مميزةٍ  …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.