محمد علوان جبر : فاركونـــــــــــــــــات *

mohammad alwan 5  بانت من بعيد المحطة العالمية بوضوح بالوانها وبواباتها الخشبية الواطئة والمطلية باللون الاخضر الذي فقد الكثير من بريقه … بعد ان اجتازتها سيارة الكوستر توقفت ….ادار السائق رأسه للركاب .. واشار بأصبعه الى الجانب الاخر من الشارع ….ــ   هذه اخرمحطة لسيارة الكوستر ..قالها العجوز واضاف ..  يمكنكم ان تعبروا الحاجز .سيرا على الاقدام، ومن هناك تركبون ، ثم صمت ، نزل كما فعل ركاب السيارة ، وعلى الرصيف الملاصق للمحطة ، سار وهو يتأمل المسافة المتبقية التي يجب عليه أن يقطعها سيرا على الاقدام ، فوجدها قليلة ، زال عنه توتره حينما ملأت انفه رائحة الاشجار المنبعثة من حديقة المحطة العالمية ، بدأت خطواته تنتظم ، بما يشبه انتظام خطواته حينما كان جنديا ، وكما داهمته رائحة الاشجار داهمته الصور الضاجة … سفره الطويل الموحش بعد انتهاء الاجازة كان يبدأ من هنا .  تماما كما هو يسيرالأن قريبا من السياج الكونكريتي الملون، اعوام طويلة مرت وهو يمارس طقوس ليلة السفر بصمت يغلي وانغلاق عجيب , طقوس تذكرها وهو يستظل بالجدار، وبدلا من عبوره الشارع انحرف وهو يسلك دون ان يعرف لماذا الشارع الجانبي المجاور للمحطة  ، منذ خروجه من البيت حتى ولوجه بوابة المحطة محملا بحقيبة المسافر الى الحرب ، الحقيبة التي كانت ترصها امه بملابسه والكثيرمن الطعام مما يبقى زاودة له ليوم او يومين . حاذى الجدار الواطيء الذي يفصل عربات القطار، لمح من فتحات الجدار مجزرة الفاركونات التي تكومت بأهمال عجيب ، فبدت كأنها توابيت حديدية تنام على بعضها البعض وهي تشغل الفضاء الواسع الممتد خلف المحطة ، فاركونات بلا نوافذ استحالت الوانها .. حيث اختفى اللون الاخضر الداكن وحل محله لون رمادي باهت ، ابوابها مشرعة نحو السماء او على جانبها حيث غدت ككهوف سرية مهجورة ، الا من اسراب الحمام والعصافير التي لمحها من مكانه وهي تطير بعلو منخفض كأنها تسبح لكنها سرعان ماتعود الى تلك الكتل الحديدية التي كانت تحمل في حديدها وسكونها والوانها الباهتة حيوات مئات من الجنود وهم يمضون ليلهم يهتزون مع حركتها الرتيبة وهي تتجه بهم نحو الحرب ، وفي فسحة الظل الكثيف للسياج الكونكريتي الملاصق لجدار المحطة انبعثت صورة أمه وهي تقبله في المجاز الضيق المطل على الباب الخارجي للبيت ، سار في ذلك اليوم وهو يحس سخونة البدلة العسكرية التي اشبعتها امه بالماء ومررت عليها المكواة  لمرات ، لم يفكر بالوقت لكنه أدرك من السكون المحيط بالممر المؤدي الى البوابة التي تطل على الهيكل الحديدي للقطار ان الوقت مبكر ، وهذا ما لم يفعله من قبل ، اعتاد ان يصل الى المحطة قبل حركة القطار بقليل ولايهمه اذا لم يجد مقعدا ، فيمكنه ان يمضي الليل نائما في الممر ، حقيبته على كتفه وبيده كيس ملون تفوح منه رائحة الكباب والخبز البيتي ، ولانه كان اول الواصلين فقد اختار المقعد الامامي الذي يفضله الركاب عادة ربما لانه يتيح للراكب كنوع من التسلية وتمضية الوقت مراقبة حركة الصعود والهبوط  الدائمة للركاب في المحطات التي يقف فيها القطار ، فضلا عن ان النساء الوحيدات يفضلن ان يجلسن فيه ، وكما تمنى وجد كرسيا فارغا قرب النافذة ، وضع الحقيبة على الرف ، ووضع الكيس قريبا من مكان جلوسه ، ثم تحسس البرتقالة والتفاحة التي اوصى امه بهما ، وجدهما في مكانهما ، نظر الى الكرسي الفارغ المجاور له ، وصوله المبكر اتاح له مساحات هائلة من الاحلام ، فقطارات الليل تحتمل الكثير من الرومانسية التي تدغدغ الجنود الذين يعيشون الوحدة اكثرمن غيرهم، تمنى ان تكون رفيقته في الكرسي المجاورإمرأة او شاب يشبهه على الاقل ، وردد مع نفسه اذا كانت امرأة فسأقتسم الاكل الموجود في الكيس معها ، ويمكن ان نمضي الليل ونحن نتكلم ، سأكلمها عن المعركة التي سمع من الراديو قبل يوم انها تدور في مكان قريب من وحدته ، او ربما سيكلمها عن أمه ، لا .. فليترك موضوع الحرب وسوداويتها …. سيحدثها عن الفيلم الذي شاهده هو وصديقه  في سينما غرناطه ، كان فيلم الفراشة ، سيقول لها ان الممثل اسمه ستيف ماكوين ورفيقه داستن هوفمان ، اديا في هذا الفيلم اهم ادوار حياتهما السينمائية ، واذا ملت من الحديث عن السينما ، سيكلمها عن البصرة او بغداد ، واذا كان جنديا مثله ” فيمكن ان اعطيه قرص خبز ” هكذا كان يفكر ، حينما سمع صوتا انثويا ، رفع رأسه ، وجد امامه أمرأة فارعة القامة ، تضع نظارة طبية وبشعر كستنائي تفوح من جسدها رائحة زكية ، استأذنته المرأة أن يتنحى قليلا لتجلس هي قرب النافذة ، قفز من مكانه وفسح لها طريقا لتجلس براحة في الكرسي المجاور له ، لم ينظر الى وجهها مرة اخرى لان القطار تحرك وبدأت العيون تودع معالم مدينة تمر من النوافذ ببطء مصحوب بمنبه القطار المتصل ،  حاول ان يفتح موضوعا او حديثا مع الفتاة الجالسة قربه التي بقيت صامته وهي تدير وجهها نحو النافذة ، التصق بكرسيه وبدأ يتنفس بصعوبة وجسده يستجيب الى حركة القطار ، ارتجاجات يمارسها الكل ، ادار رأسه نحوها ، كانت تضع وجهها قريبا من النافذة تتطلع نحو البعيد ، ولم يتبين له هل هي نائمة أم مستيقظة ، وقف القطار في الكثير من المحطات ، صعد راكبون جدد ، فيما نزل اخرون ، فكر في الطعام بعد ان شاهد جنودا وهم يفتحون حقائبهم ويخرجون منها الطعام ، سحب كيس الطعام من تحت الكرسي ، فرش اقراص الخبز وامسك قرصا رص فيه قطع العروك ولفها جيدا ، وامسك باليد الاخرى تفاحة حمراء مسحها جيدا ، وقدمها الى الفتاة التي رفضت في أول الامر ، لكنها حينما دارت بعينيها في فضاءات العربة ، ولمحت اهتزاز اجساد الركاب .. السكون ورجة القطار وهو يشق طريقه في فضاءات الليل الساكن شجعاها لتمسك بيد مترددة قرص الخبز الملفوف ، وحاولت ان تعتذر من قبول التفاحة الحمراء ، لكنه سألها توجد برتقالة هل تريدينها ، اخذت التفاحة وهي تشكره بأبتسامة مهذبة …. ” انها شابة ربما تفهم شيئا عن السينما ” هكذا فكر وهو يحاول ان يفتح موضوعا عن فيلم الفراشة ، لكن الشابة أدارت رأسها نحو النافذة مرة أخرى ، كأنها كانت تحرص على تكملة مشهد أخرجها منه عنوة ،  مد عينيه نحو النافذة ، لم يتبين شيء من خلف الزجاج المحاط بأطار خشبي ، بقي متوترا رغم انه أجهز على قرصين من الخبز والكثير من العروك .. وأمسك البرتقالة ، وحاول أن يقسمها إلى قسمين ، وبصعوبة نجح ، رغم تدفق السائل الحلو بين اصابعه ، قدم لها نصف البرتقالة ، تركت النظر نحو النافذة  ، وسألته عن وجهته ، فرح للفرصة التي أتيحت له ، شرح لها إن اللواء الذي هو ذاهب اليه يعسكر في البصرة وهو يشترك الأن في معركة شرسة كما سمع من الناس في المحطة قبل أن يتحرك القطار ، قالت له ببساطة .. ” لماذا تذهب إذن ..؟” عد إلى بيتك وزوجتك  .. أخبرها بسرعة انه غير متزوج ، ضحكت من سرعة اجابته .. وحدثها عن الليالي التي يمضيها مع أصدقائه في إجازته ، مشاهدة افلام سينمائية …  مثل …  ومثل .. عدد لها أفلاما ، تمنى أن تكون تعرفها ، وسألها عن فيلم الفراشة وأعد نفسه ليحكي لها قصة الفيلم ، بدأ حديثه عن ستيف ماكوين .. هل تعرفينه ..؟ لكنها كانت تهز رأسها ، بعدم معرفتها بهذا الفيلم وهذا الممثل .. أو ذاك .. وقالت له أنا أعرف ممثلا إسمه فريد شوقي ، لأنه يشبه خالي حينما يكون غاضبا !…  صمتا . فيما أدارت رأسها ناحية النافذة ، واصل جسده الإرتجاج فغفا ،  إستيقظ فيما بعد ، وجد أن القطار وصل محطة المعقل ، ولم يجد الفتاة ، لكنه حينما وضع قدما واحدة على الأرض والأخرى كانت على دكة العربة ، رأها تسير برفقة شاب يرتدي ملابس مدنية وهما يتجهان إلى بوابة الخروج، وفكر بالمعركة واللواء الذي يشترك في الحرب ، لم يتذكرسوى ابتسامتها ، هبط من القطار، وعبرإلى الجهة المقابلة حيث يقف في مكان قريب من بوابة الخروج  القطار العائد إلى منطقة ( العلاوي ) في بغداد.  سار الخطوات التي تفصله عن العربة التي وجدها شبه فارغة ،  اختار المقعد الامامي الذي يقابل البوابة ، لكنه لم يجلس قرب النافذة .
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ    

*  فاركونات …. التسمية الشعبية لعربات القطار

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. قصي الشيخ عسكر : الرجل ذو الوجوه الجديدة – قصة لمحة .

كلّ يوم يبدو بوجه جديد وجه يختلف عن الوجه السابق حتى هو نفسه إذا نظر …

| محمد الدرقاوي : انغماس….

قصة حب عمرها فاق الخمسين سنة في ثلاث فصول 1 ـ انغماس 2 ـ قناديل …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.