الشاعرة والروائية “سهير المصادفة” : الكتابة لديّ كيمياء وجود.. وعطر حياة لا ينفد !*

suhair almosadfa* حاورها : عذاب الركابي

تراهنُ على أبدية مملكة الحروف والكلمات المسورّة بحنان الكون ، وأنغام الطبيعة ، وحراسة عذارى المدى .. لاتخسرُ هذا الرهانَ أبداً ، وهي تلقّحُ نبضَ القلب بفسفور مفرداتِ شوقها ، جاهدةً تصنعُ حياة الحياة ، وتؤكّدُ حقيقة الحقيقة ، وهي المنتصرُ الوحيدُ في موكبها البياني السّاحر ، وهو يتوّجها ببلاغةٍ طازَجة ، وأخيلة منتجة ، ومفردات من ضوءٍ وريحان ..!!
بدأت تشكّلُ أيقونةَ رفضها الضروريّ بكيمياء قصيدة مشاكسة .. مُستفزّة .. ومُقلِقة ، تضعُ من خلالها تفسيراً متفرّداً لكينونة عالم ٍ تعاكسهُ ، تلوي عنقَهُ بجمال الكلمات ، وشاعرية الرؤى والأحلام ، عالم ينظرُ إلى فعل الكتابةِ الصاخب المندلق من قريحة أنثى تجيدُ ترويضه ، بلْ تشكيله ،أنّه خروجٌ وجرمٌ ، وهي تغيّرُ في رؤاه العتيقة ، وتضعُ لأحلامهِ أبجديةً جديدة ..!!
المبدعة د.سهير المصادفة بينَ القصيدةِ والروايةِ تفتّتُ فسفور الروح ، وتجعلُ لرمادِ الجسدِ تاريخاً ، تصعبُ تفاصيله على الرواة ، حينَ تجدُ نفسَها متورّطةً في قصيدةٍ  ثائرة .. غاضبة ، تشكلُ واقعاً جديداً ، يُعيدُ صوغ الدفءِ والأمان .. أوْ تكون منقادةً لإيعاز روايةٍ تنبيء بعالم ٍ بنفسجي ، ليسَ في جغرافيته ، وحبر خرائطه تهميش الغلابة والمسحوقين والعشاق المنسيين ، بل ولادة أحلامهم على فم صباح ٍ جديد ..!!
يرى الفيلسوف ابن عربي أنّ ” المكان الذي لايُؤنّثُ لا يُعوّلُ عليه” .. وترى الشاعرة – الروائية سهير المصادفة ، كلّ كتابةٍ لايكونُ حبرُها دمعُ القصيدةِ لايُعوّلُ عليها .. ليسَ انحيازاً للشعر، ورغبة في أنathab alrekabiيتحول العمل الإبداعي إلى جنين شعري ، ولكنّها الصلاة في محراب الكلمات ، وهي في الأصل سحرية – كما يعبّر بورخيس العظيم .
كتبتْ هذهِ المبدعة الشعر والرواية والمقال لتحسمَ الجدل الذي لمْ يزلْ قائماً ، حول ” الكتابة حياة” أمْ أنّ ” الحياة كتابة” .. فالرواية لديها (كتاب
حياة ) بكلّ  تفاصيلها ، في الواقع – الخيال ، والخيال- الواقع .. والشعر الكيان المخمليّ المنيع ، هو قصر مبني بذهب الوقت في هذهِ الحياة ، لا أحد يستطيع الاقتراب من جغرافيته ، إلاّ مَنْ تشكّلَ في بركان المعاناة ، وتكهرب بهواجس الكلمات ، وتخيّل أنّه كان يكتبُ الشعرَ ( وهو في رحم أُمّهِ ) كما كان السرياليّ المتمرّد سلفادور دالي يرى نفسه ..!!
هي سهير المصادفة ، سيرتها الذاتية كلمات ، مرآة روحها الصافية ، كلمات بأبجدية لاتضاهى ، قصائد تنجو من خلالها من تضاريس زمن ٍ قاس ٍ تارةً ، وتارةً أخرى تحتمي بحروف روايةٍ ، حينَ تجدُ عصافير رؤاها في أحضان شجرة الفكرة التي ترتقي إيقاعاتُ ثمرها بالإنسان .. وتضيف إلى عالم الكتابة – الحياة فضاءً إنسانياً ، وهي تترجمُ صراخ وأنين كتّاب آخرين ، تدفأهم أضواء نجوم أكوان أخرى من أجل التواصل والحوار الحضاري الذي تميزه بلاغة راقية ، ومفردات تؤسّس لمساحات ودٍّ بلا انتهاء .. !!
. سهير المصادفة :
–    رئيسة تحرير – سلسلة الجوائز – الهيئة العامة للكتاب منذ العام 2004 وإلى الآن .
–    أصدرت عديد الأعمال الشعرية منها :
–    هجوم وديع – 1997 – الهيئة العامة للكتاب – القاهرة
–    فتاة تجرّب حتفها- 1999- دار المسار – الشارقة
من الأعمال الروائية :
–    لهو الأبالسة 2003 – دار نشر ميريت – القاهرة
ط2 2005- مكتبة الأسرة- القاهرة
–    ميس إيجيبت2008- دار نشر الدار- القاهرة
–    رحلة الضباع 2013 – المجلس الأعلى للثقافة – القاهرة

kh suhair 1. فعلُ الإبداع لا يقبلُ أيّ توجهات فروسيّة .

* في البدءِ كانت القصيدة!! مَنْ منكما الذي عثرَ على الآخر؟ مَنْ كتبَ مَنْ؟ القصيدة – المرأة، أمْ المرأة – القصيدة.. حدثيني عن هذا اللقاء الروحي – الكوني!؟
– عندما تحدد مصيره بانتصار الشاعر على الفارس، فجر مصرع “بوشكين” بوضوح سؤال فعل الإبداع الذى لا يقبل ــ بأى حالٍ من الأحوال ــ أى توجهات فروسية، فإما أن يجيدَ البطلُ البوحَ فيكون شاعرًا أو يُجيدَ الفعلَ فيكون فارسًا. أتأمل نهاية “بوشكين” الدرامية وأتساءل ما الذى يربط بين فلسفة هذه النهاية وكتابة المرأة؟ هل لأنني رأيتها عبر قرون طويلة في دور الشاعر الحكَّاء الذى يُدافع ــ دون هوادة ــ عن مفردات الحياة ويحمى إرهاصات الحب والخير والسلام والجمال ويقعى بصبرٍ أمام البذور التى غرسها ليتأمل مراحل نموها المختلفة مقابل لهو الرجال بالأسلحة الفتَّاكة والتسلية بإشعال بعض الحروب على بعض الحدود؟ ومِن هذا السؤال تتناسل الأسئلة تُرى ما الذى أعاق إذًا كتابة المرأة طوال الوقت وهى المؤهلة أن تُجيد وأن تُمارس فعل البوح دون غيره، فلقد نزع عنها سدنة العادات والتقاليد خلف أسوار عالية حُلةَ الفارس لأزمان طويلة، أزمان لم يكن للمرأة فيها دور سوى أن تكون شاهدةً  وقمقمًا يُحشر فيه مخزون معرفى وحياتى هائل.

  . أنا إلى الروايةِ أقرب الآن .

* شعر.. ترجمة.. رواية، أينَ أنتِ في عواصف هذهِ المغامرة – الشاقة، والرحلة – العذبة.. قولي لي مَنْ الأقرب إليك؟ أعني مَنْ الذى يجيب أكثر عن أسئلتك الحضارية ــ الإنسانيّة!؟

–    يبدو أنه كان عليَّ أن أنصهر تحت نيران شاعر يرى أنه أعظم متمرد في مواجهة العالم، وروائي يحاول أن يعيد بناء هذا العالم، شاعر لا يمكن محاسبته على شيء فهو طفل العالم المدلل الذي يستطيع ركل الكون في جملة واحدة أو وضع غيمة أوشمس في جيب بنطلونه، وروائي يحاسب على وصفه لمشاعر شخوصه وطريقة كلامهم وشكل بيوتهم ودموعهم وضحكاتهم وموتهم، شاعر يستطيع في كلمتين تحويل الناس إلى طيور مغردة أو مسخ الأسود إلى فئران، وروائي عليه أن يحاصر أحياء سقطت بكاملها من خرائط بعض الدول ومن حفلات شاي المسؤولين.. بلاد تنهار مثلما تنهار مثل بناية عملاقة تعرضت لزلزال، ومصائر مفجعة ومختلفة لبشر راحوا دون أن يعيشوا لحظة حقيقية في حياتهم، ودون أن ينتبهوا لإمكانية الشكوى إلا لله، ودونما التفاتة من الحياة نفسها إليهم، ولكنهم كأنهم تركوا لي جميعاً ثأرهم، فحاولت تثبيت صورهم، فلربما استطاعوا في حالتهم تلك الجديدة أن يهنئوا بحياة أفضل. وهكذا أجد نفسى إلى الرواية أقرب الآن.
. كلّ كتابة ليسَت شعريّة لايُعوّلُ عليها .

kh suhair 2* قرأتُكِ روائية ً متميزةً، ووجدتُ الشعرَ حاضرًا في كلّ سطرٍ وكلّ جملةٍ، وقدْ سحرني خيالك، قبلَ أنْ أقومَ برحلةِ اصطياف في دواوينك الشعريّة.. إلى أيّ مدىَ يستفيد الروائي والكاتب من الشعر؟ أعني مافضل الشعر على النثر؟ وماذا يضيف الشعر للسرد؟ وهل تستمرين في قراءة عملٍ فاقدٍ لكونهِ الشعريّ؟ حدّثيني!!
– أعتقد أن الشعرَ يمثل رافدًا من روافدى عندما أكتب الرواية، وأيضًا كتب الدكتور “محمد عبد المطلب'” في دراسته عن “لهو الأبالسة”.. أن الشعر هنا هو عمود من أعمدة السرد. وهذا السؤال بالتأكيد لن أكون محايدة عند الإجابة عنه، فلقد بدأت حياتي كشاعرة وما زلت أكتب الشعر، وما زالت شعرية اللغة تحلق فوق كتابتي النثرية بشكلٍ عام، ومن ثم أخشى أن أواجه قناعتي المستترة بأن كل ما ليس شعرًا لا يعول عليه كثيرًا. لا أستطيع مجرد تصور أننى قد هجرتُ الشعرَ أو أنه هجرنى، أظن أننى سأتوقف عندئذ عن الكتابة كلّها حتى كتابة إحدى المقالات. أيضًا أنا لم أحب أىَّ كتابٍ ــ بصرف النظر لانتمائه لأجناسٍ مختلفة مثل المسرح أو السيرة أو الرواية أو حتى بعض الكتب الفكرية والتاريخية وفى العلوم الإنسانية ــ إلا وكان الشعر عمودًا رئيسًا فيه، الكتب الكبرى مثل كتب النفَّرى أو أبو حيان التوحيدى أو الإمام ابن حزم أو حتى ألف ليلة وليلة أجدها دائمًا متكئة على الشعر. أعرف الكثير عن أسرار نجاح روايات خالدة نزح أصحابها من آبار شعرية خالصة، أعرف حتى أن أنجح الأفلام السينمائية لم يكن هناك ما يميزها عن غيرها لتكون باذخة الجمال هكذا إلا اقترابها من أن تكون قصيدة، أعرف أيضًا المدهش عن كلّ ذلك.. أن أكثر خطب الساسة التي غيرت وجه التاريخ والتي صنعت لأصحابها كاريزما مهولة حتى وإذا كانوا من النازيين كانت تحاول أن تقترب من الشعر. كما ترى لست محايدة في هذا الصدد وأرى أن كلَّ كتابة ليست شعرية لا يعول عليها كثيرًا.

   . الروايةُ كتابُ الحياة بكلّ مفرداتها .

* لماذا هذا الانحياز للرواية دون غيرها من فنون الإبداع؟ أهي الأكثر انتشارًا وقبولاً من قبل القارئ والناشر معًا؟ أمْ أنها ( تكتسحُ كلّ شيء) كما يقول سانت بيف؟ أمْ أنه (زمن الرواية) كما يروّج عديد نقادنا؟ أمْ أنها البديل للموسيقا كما يرى – ميلان كونديرا؟ أمْ ماذا؟
ــ ربما لأن الرواية أكثر تسامحًا من الشعر.. الرواية تستطيع حمل شتَّى الأجناس الأدبية الأخرى ــ الشعر.. السينما.. الموسيقى.. المقالة.. المسرح.. وحتى التاريخ وأكثر ــ على متنها أما الشعر فهو يطرد من فضائه كلَّ ما لا يشبهه، قلت في روايتى الأخيرة “رحلة الضّباع” على لسان البطل: أن الرواية صارت كتاب الحياة. وهى بالفعل هكذا هى الحياة بكلّ مفرداتها ولكن الشعر هو القصر الملكى في هذه الحياة أو لأنه ذروة الأدب لا تستطيع بقية الأجناس الاقتراب منه، وفي الحقيقة دائمًا ما كان هناك عبور للحدود بين الأجناس الأدبية ولا توجد مرحلة واحدة من مراحل الأدب تخلو منه، نحن نتحدث عن الانتقال من القصيدة إلى الرواية وأعتقد أنه ليس انتقالاً وإنما هو المتوقع من الكاتب، أرى أن الحديث يكون مبررًا إذا انتقل مثلاً فنان تشكيلى إلى الشعر لأن الأدوات هنا مختلفة، ولكن في كلّ الحقب نرى أن العبور بين القصيدة وحتى المقالة موجودٌ وقد نجد الشعر المصفى فى مواقف النفرى أوفتوحات محي الدين بن عربى وقد لا نلمح ظل الشعر فى قصائد شاعر لم يكتب فى حياته سوى القصيدة، فالشعر صعبٌ وعال سلمه.

    . أنا موجودة في كلّ أعمالي  .

* “أنا مدام بوفاري” –  فلوبير!
“أنا نفسي مادة ُ كتابي” – مونتان!
أينَ يجد القارئ الكاتبة سهير المصادفة – الذات، في “لهو الأبالسة” أمْ في “ميس إيجيبت” أم في “رحلة الضباع” أمْ في ديوان شعرٍ يحكي  قصّة حبّها.. وأحلامها.. وعلاقاتها الصباحية.. وتفاصيل حياتها، أينَ أوتوبوغرافيا – سهير المصادفة؟؟
ــ أظن أن القارئ سيجدنى في كلّ سطرٍ سطرته، أحيانًا يكتب بعضُ الكتاب بكثافة وجود الكاتب وضغط روحه مباشرة علي الأحرف والسطور وهنا تتحدد أهمية الرواية بأهمية وثراء تجربة كاتبها أو تنهار بضحالة تجربته الوجودية وضيق أفقه وتأمله لحدوده الجسدية والنفسية مما يضجر الجميع الذين يمتلكون أيضًا جسدًا وروحًا مثله، وبعضُ الكُتَّاب يخلق وجودًا خياليًا موازيًا ليتماهي فيه جسدًا وروحًا، نعم ذات يومٍ صاح “فلوبير”: أنا “مدام بوفاري” وأهمية صيحته هى إذاعة سرّ الكاتب، نعم أستطيع التأكيد بأنني موجودة بقوة في أعمالى الروائية والشعرية كلها، ولكنني لن أكون بالتأكيد موجودة لعين متلصصة علي وجودي الفيزيائي ولكن وجودي بمعناه الأعمق. ولطالما توقفت أمام بعض القراءات التى تحددُ أين كنتُ فى شخوصي، يذهلنى قليلاً أننى ــ أنا نفسي ــ لا أعرفُ، بل أكاد أكون هائمة فى فضائهم جميعًا.. نعم أصدق أيضًا الشاعر الروسى الكبير “رسول حمزاتوف” حين يقول: (إذا لم نر المؤلف فى أثره الأدبى فكأننا نرى حصانًا يعدو دون فارس.)، لكن لطالما فهمت هذا بعيدًا عن السيرة الذاتية. فرؤية المؤلف نفسه أشمل وأعم حتى من البحث عن ترجمة سيرته الشخصية عَبْر أحداث قد لا يكون حتى عاصرها مثلما حدث معى مثلاً في روايتى الأخيرة “رحلة الضباع”، أكاد أثق أن “رسول حمزاتوف” كان يعنى برؤية المؤلف رؤية روحه تلك الهائمة فوق أثره الأدبى.

* “الشعرُ حلمٌ” – فردريك برسكوت!
“الشعرُ تفاصيل جميلة” – بول فاليري!
“الشعر رؤية ما لايُرى وسماع ما لايُسمع” – آرتور رامبو!!
ما تعريفكِ المقتضب شديد الإيحاء للشعر هذا الفنّ الجميل الذي لم يعّد كلامًا موزونًا مقفى!؟
ـــ في الواقع أن الأبياتِ الشعريةَ التي بقيتْ من شعراءٍ كِبارٍ وتغلَّبتْ على عوامل التعرية الإبداعية وقفزتْ عابرةً حواجز الزمنِ جِدٌ قليلة، مما يجعلُ المرءُ من آنٍ إلى آخرٍ يُعيدُ وضعَ تعريفٍ جديدٍ لماهيةِ الشعرِ، ولكن الغريبَ أنَّ أغلبَ التعريفاتِ ــ ومهما اختلفتْ المدارس الأدبية ــ تكادُ تقتربُ من تعريفِ الشاعر الراحل “نجيب سرور” (الشعر مش بس شعر لو كان مقفى وفصيح.. الشعر لو هز قلبك وقلبي شعر بصحيح).

    . أضعُ مسافة بين آراء النقاد وأعمالي .kh suhair 4

* والنقد؟ هل لدينا نقد مواكب لهذا التفجّر الإبداعي؟ كيف تفسّرين شكوى النقد مَنْ تخلف النقد عن إبداعاتهم، وأنه متّهم بالتقصير؟ هل صحيح أن ما يكتب من نقد هو لا يتعدى المجاملات والمصالح، ومحاولة ترميم أسماء بعينها جفّ لديها نهر الخيال، وفقدت نبض القريحة؟ كشاعرة وروائية هلْ أنصفك النقد؟ مَن ناقدك الأمثل مصريًا وعربيًا وعالميًا!؟
ـــ  الإبداع عملٌ فردىٌّ وإلهام.. موهبة تؤرق صاحبها ليلاً ونهارًا ولا يقنع إلا بمطاردتها طوال الوقت ــ حتى وهو يحترق تحت نيران المحاصرة أو التجاهل ــ حتى تتبين للناس رسالته، أما النقد فهو عملٌ يكاد يقترب من الأكاديمية ودعم البحث والارتقاء بأقسام الأدب في الجامعات وتوفير كلَّ أدوات الناقد من سبل حياة كريمة وآخر الإصدارات العالمية وآخر النظريات الأدبية، في الحقيقة أجد أنه ليس عدلاً أن يكون دخل الناقد مرتبطًا بالصحافة الأدبية أو بلجان تحكيم بضع جوائز ثم يُطلب منه أن يكون محايدًا أو موضوعيًّا، أرى أنه لكى يتحول الناقد إلى مبدع في مجاله يجب دعمه بشكلٍ كبير حتى تُباع كتبه أيضًا في السوق ويصير نجمًا مثله مثل الكاتب ويردد القراء نظرياته الأدبية واكتشافاته. وسأكون كاذبة إذا ادعيت أننى لا أفرح كثيرًا بمقالة نقدية حول أحد أعمالى، وفى الحقيقة لقد فرحت بذلك كثيرًا، ولقد أنصفنى النقد وكُتب عن روايتى “لهو الأبالسة” مثلاً صفحات مهمة تزيد على صفحات الرواية نفسها، ولكننى منتبهة أيضًا إلى خطورة الاحتكام لآراء النقد بشكلٍ نهائى، فقد يرفعك رأى نقدى إلى حدود تجعلك تصدق أنك مستقر على درجة أعلى الدَرج الإبداعى مما أنت مستقر عليه فعليًّا، فيرتبك مشوارك الإبداعى، وقد يخسف رأى نقدى بعملك الإبداعى الأرض، فتصل إلى حدود قصوى من الإحباط الذى يجعلك قد تتوقف عن الكتابة تمامًا، ولذا أنا منتبهة للحفاظ على المسافة التى أضعها بين آراء النقد وأعمالى.

     . الترجمة وسيلة للتواصل والحوار .

* يقولُ العبقري بورخيس:(كلّ ترجمة هي خيانة لأصلٍ فريدٍ لا نظير له).. كمترجمة ما رأيك في هذا القول؟ وكراعية لسلسلة – الجوائز، كيف تقيمين ما يُترجمُ في أقلامنا من إبداع عالمي مهم؟ ماذا تقترحين لإبداع مترجم يشكّل إضافة مهمة لثقافتنا وأدبنا؟
– كلُّ مترجم يعرف مقولة العظيم بورخيس، بل يضعها نصب عينيه عندما يشرع في ترجمة نصٍ ما، ولكننى أردد أيضًا أن الترجمة كانت وستظل هى الخيانة الوحيدة المشروعة للارتقاء بالشعوب وإقامة الجسور بينها وتأسيس الحضارات، ولقد رأبت “سلسلة الجوائز” جزءًا من الصدع المخيف بين الإنتاج الغربى والعربي وقرأت بفرحٍ كلَّ ما كُتب عنها فعرفت أن رسالتى قد وصلت، فقد رأيت منذ البداية أن التخصص سيوفر لها علاقة جيدة مع القراء، ووضعت نُصب عينى فلسفتها بوضوح: أن الترجمة ستظل الحل السحرى للعديد من المشكلات بين الشرق والغرب وهى وسيلة للتواصل والحوار، وترجمة الأدب تحديدًا هى الجسر الذى تعبر عليه الشعوب بعاداتها ومعارفها وشخصيتها إلى الشعوب الأخرى لكى تسعى جميع الشعوب إلى تحقيق التقدم والخير والحق والجمال. والآن أمامى خريطة شديدة الاتساع للمشهد الأدبى العالمى، مئات الكتب الإبداعية التى من المفترض أن تكون على أرفف مكتبتنا العربية، وأحيانًا أنسى أن سلسلة الجوائز هى مجرد سلسلة ضمن سلاسل هيئة الكتاب ومحكومة بميزانية وأنها من المستحيل أن تستوعب كلَّ أحلامى ومخططاتى فى نشر أعمالٍ مهمةٍ مترجمة، منذ بداية صدورها حددتُ لسلسلة الجوائز معايير لا تحيد عنها حتى هذه اللحظة، أهمها انتقاء الأعمال الحاصلة على جوائز حققت متعة ومصداقية كبيرة وسمعة حسنة فى شتى أنحاء العالم، وذلك حتى يتوفر للقارئ المصرى والعربى عمل اتفقت على جودته لجان متخصصة، مهمتها التحكيم لمنح جوائز دولية ومحلية لأهم الكتب وأكبر الكُتَّاب.

      . لديْنا إبداع جيد كثير .

* كل كلمةٍ تقولُ كلّ شيء عن كلّ شيء!!
أين هذهِ الكلمة التي تطفئ نيران واقعنا المرير.. الكلمة الممغنطة بضوء الصباح، وموسيقا المطر، وجنون العاصفة، أهي في رحم القصيدة.. أم في القصّة القصيرة.. أمْ في الرواية.. أم في المسرح.. أم في اللوحة التشكيلية أم هي بهم مجتمعين؟ قولي لي ماذا ينقص كلماتنا لتكون سحرية.. لتكون عودَ الثقاب في غابة واقعنا الأليم!
ــ في كلّ عمل إبداعى كما أعتقد.. في كلّ الأجناس الأدبية المختلفة، ..أعرف أننا لدينا إبداع جيد كثير وأنا أرى إنجازات الرواية الغربية مثلاً وأنقلها للمكتبة العربية من خلال سلسلة الجوائز- ولا يحزننى ذلك بل أفرح أحيانًا بأننا نقومُ بدورين فى الوقت نفسه.. دور مَنْ يواصل نثر البذور ودور مَنْ يسهر على نمو أشجارها وهذا يتم أيضًا بدون دعمٍ على الإطلاق من أيَّة مؤسسات أوحتى من الجموع التى مِن المفترضِ أن تدعم المؤلف بشراء كتابه، المشكلة ليست في الإبداع وإنما في نظام سياسى عقيم ظل يحاربه بطريقة إبليسية تتلخص في عدم تقديم أىَّ دعم له، بل وتوفير ميزانيات ضخمة من أجل قطع الجسور بين الكاتب والقارئ وبدون شكّ أن عزلة الكاتب تؤدى إلى التنكيل به وبإنجازاته وفي النهاية إلى التنكيل بعملية الإبداع نفسها.

   . الحديث مازال مبكراً عن الهوية الثقافية.

* يكثرُ الحديث في ملتقياتنا الثقافية والأدبية والفكرية في عديد العواصم عن الهوية الثقافية.. كيف يمكن تحقيق هذه الهوية في واقعنا؟ تشرذم.. فرقة.. تبعية.. احتلال.. حروب.. طائفية.. وغياب مدن بأكملها عن الخارطة، ماذا تقترحين لتحقيق هوية ثقافية عربية منافسة!؟
ـــ من أجل هذا كله قام الشباب بثورات الربيع العربى، ظلت الدول العربية طوال عقود ترزح تحت حكم ديكتاتوريات لم تتعرف على أحلام شعوبها وتطورها ومحاولة ارتقائها إلى سقفٍ حضارى أعلى، كانت هذه الديكتاتوريات تواصل حكمها بتفريق الشعوب العربية عن بعضها البعض وتفتيت قواها وحتى التعاون مع قوى تكاد تكون استعمارية للحدّ من هذا التواصل، وبعد عامين على الثورة ومخاضها الطويل والمرتبك والمؤلم مازال على الشعوب أن تدفع ثمن جمودها وخضوعها لسنواتٍ طويلة لهؤلاء الحكام، ومازال عليها أن تناضل أولاً من أجل البقاء حتى تستطيع التحدث عن هوية ثقافية، وبالفعل أنا حزينة وأنا أردد ذلك كما رددته في روايتى الأخيرة “رحلة الضباع” ولكن لابد من ترديده: سيكون علينا الانتظار حتى ينتهى صراع الملتاثين بالمجد والسيطرة على مقدرات الشعوب، وسيظل كلُّ ما نقول مع الأسف الشديد لا يصل إليهم.

 . المعرفة هي بداية التغيير نحو الأفضل .

* الصحافة الثقافية مرآة مهشمة!! تعتمد الكمّ وليسَ الكيف، مكتوبة بحبر المجاملات والمنافع المتبادلة، ولا تعكس الإبداع الحقيقي.. كلّ المبدعين يقولون ذلك.. ما الحل؟ ما تقييمك لصحافتنا الثقافية؟؟
– أتفق معكَ ومعهم تمامًا، لكن تحمينى من المرارة أو الغضب جملة الكاتب الروسى الكبير “بولجاكوف”: إن المخطوطات لا تحترق. فلن يستطيع أحدٌ من البشر أن يخفى موهبة منحها الله لواحدٍ من عباده، يحمينى أيضًا أننى أعرف جيدًا كيف يُدار الأمر في الصحافة الثقافية حتى بات مزحة سمجة لدى الوسط الثقافى، فهل يُعقل أن صحيفة قومية كبرى ــ في ظلّ النظام السابق ــ ظلت لا تنشر أخبار إصدارات إلا إصدارات دار نشر واحدة، وحوارات مع كُتَّاب هذه الدار ومَن سافر من أهلها ومَنْ عاد!؟ لا أقلق كثيرًا إذا كان المشهد الفاسد معروفة أسباب فساده فبدون شكّ سيأتى مَنْ يطيح به، هذا بالضبط ما حدث لكى تقوم ثورة 25 يناير، فالمعرفة ليست شيئًا هينًا لنستهين به، المعرفة هى بداية صعود الدَرَج نحو التغيير للأفضل، والمعرفة على الرغم من الحزن الذى قد تسببه إذا كانت مريرة هكذا إلا أنها بدون شكّ تدعو للتفاؤل.

     حاورها – عِذاب الركابي

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| عباس محمد عمارة : حوار مع الشاعرة الجزائرية الدكتورة  عفراء قمير طالبي .

 شاعرة جزائرية، تكتب قصيدة النثر و الهايكو. أستاذة بمدرسة الفنون الجميلة، دكتوراه في الفلسفة ٠ …

| بلقيس خالد : طائر السعف له أرجوحة هادئة : الأستاذ محمد صالح عبد الرضا .

الأستاذ محمد صالح عبد الرضا: معلم من معالم الثقافة العراقية في البصرة، وجه لا ينسى، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.