عبد الكريم ابراهيم : للبيع ..

abdulkarim ibrahim          المشهد الاول
يدخل رجل في بداية الاربعينيات من العمر على موظف التعيينات الحكومية ، لم يعبأ به حيث كان مشغولا في تقليب الاوراق وهو يتفحصها ورقةً ورقةً ، لكنه احس بشيء ما يقترب منه رويداً رويداً
–    السلام عليكم
لم يرد الموظف
يكررها مرة اخرى
–    السلام عليكم
يرفع الموظف رأسه ومن ينظر اليه من خلال الجهة العليا لعيوناته الطبية : وعليكم السلام ، خيراً ، تفضل ، ماذا تريد ؟
–    جئتُ من اجل الحصول على وظيفة
–    اية وظيفة ؟
–    يوجود اعلان على حائط غرفة الاستعلامات عن طلب موظفين
–    وهل صدقت الاعلان ؟
–    اذا لماذا تضعونه؟
–    هذا ليس من شأنك
–    صدقني بحاجة الى الوظيفة  وعندي عائلة كبيرة
–    الوظائف محجوزة مسبقاً
–    لمن؟
–     للاقارب والاصدقاء ،ومن يدفع اكثر
–    بالله عليك ، ساعدني
–    طيب ، هذه للوجه الله ، اسمك؟
–    سعيد فرحان
–    عجيب سعيد وايضا فرحان
–    صدقني لم ار السعادة والفرح منذ يوم ولدت ، فقط بالاسم
–    هات المستمسكات الثبوتية
–    هذه هوية الاحوال المدنية وشهادة الجنسية وبطاقة السكن والبطاقة التموينية
–    اين تسكن يا سعيد ؟
–    في غرفة للايجار
–    متزوج ؟
–    نعم ولدي زوجة وخمسة اولاد
اخذ موظف التعيينات تفحص الاوراق واحدة ًواحدةً وقال : اخي عمرك كبير
–    ماذا تعني؟
–    قانون موظفي الدولة يشترط  في  طالب التعيين ان  لايتجاوز عمره عن الخمسة والثلاثين عاما
–    طيب ،انت متضرر ، معتقل في السابق ؟
–    كل العراقيين مضطهدين ، العراق كان عبارة عن سجن كبير ومفاتحيه بيد رجل واحد!
–    نحن نتعامل مع الوثائق الرسمية
–    لا املك سوى عمري الذي قضيته ابحث فيه عن اسطوانة الغاز وصفيحة النفط عند محطات الوقود ، ماذا افعل أكل التعبُ عمري منذ الصغر ؟
–    غير تاريخ تولدك ، او تزور لك هوية احوال مدنية ،  اقولها للمرة الف : انت عمرك كبير ز
–    ماذا، هل ستحيلوني الى التقاعد قبل التعيين ؟
–     أتستهزأ مني؟
–    لا والله ،بل من الضيم الذي  اشعر به
وهكذا خرج خائباً من دائرة التعيينات وهو يحمل بيده هوية الاحوال المدنية وليس على لسانه سوى عبارة ” عمرك كبير ” يرددها بوجه كل من يدخل الدائرة المذكورة ،حتى ظن البعض ان الرجل مجنونا.

      المشهد الثاني
اصيبَ بحالة جنون وقتي يهذي بعبارة ” عمرك كبير ” ، ترك مصيره الى قدميه تقودانه الى حيث تريدان ، طاف شوارع عديدة شعر بالتعب ، فتوقف للالتقاط  انفاسه ، ليجلس بعدها على (مصطبة ) في شارع ابي نواس ، تذكر شريط حياته الماضية ثم يقول : في المرحلة الابتدائية وبدأت حرب مجنون تأكل الجميع ، اتذكُر صفارات الانذار وهي تطلق معلنة عن شيء ما والملابس العسكرية وكيف سيقَتَ الى ساحات القتال لاعقدُ صداقةً طويلةً مع الموت ، الموت الّذي يأتي مع ازيز الرصاص ودوي المدافع و(نهر  جاسم) و ( جبل كرمند ) و ( بحيرة الاسماك ) ، اتذكر وجوه اصدقائي القدمى ( حسن، محمود ، عثمان ، فرهاد ) ، قائمة طويلة كانت تعود الى اهلها محمولةً على سيارة اجرة وهي ملفوفة بالعلم ،والنهاية قطعة سوداء تكتب على وجهات الدور وتواريخ يتلو بعضها  بعضا ، اتذكر سماجة رئيس عرفاء الوحدة ( ابو سرحان ) وكيف كانت هوايته الوحيدة التأمر على الجنود وحفر المواضع في كل مكان . ثم قال : حياتي لم تكن سوى حفر في حفر ، ابتداءا من الموضع العسكري حتى البيت الذي اسكنه هو الاخر لم يكن سوى حفرة صغيرة تضم سبعة اشخاص واخيرا حفرة القبر .

    المشهد الثالث
غفا قليلاً من كثرةِ التعبِ والتفكيرِ ، احس بعدها بحركة ما ، اذا برجل وقور كبير السن وينادي عليه : عمو ، عمو ، اذهب الى البيت
–    البيت ؟ والذي لايملكُ بيتا ، اين يذهب ؟
–    له الله
–    ونعمَ بالله ، عمو عندي شيء اريد ان ابيعكَ اياهُ
–    ما هو ياولدي ؟
–    عمري ، وحقك ياحاج سابيعك عمر نظيف جدا جدا على ( البلاد ) كما يقول اصحاب السيارات، عِمرٌ ليس فيه ذرة حرام واحدة ، عِمرٌ كلهُ تعب وقهر ، بين قوسين عمر عراقي 100%
–    لماذا تريد ان تبيع عمرك يا ولدي ؟
–    سئمتُ منه ، اربعون سنة وهو معي ، اربعون سنة يمشي معي كظلي ، اريد ان اعطه اجازة ، اذا اردت  ان استأجره لك او ايبعك اياه ،  لاتخف سأخفض لك السعر.
–    عمو انت متعب ، اذهب الى البيت .
–    البيت ، اي بيت ؟ غرفة ثلاثة في ثلاثة امتار ، ويا ليتها كانت ملكا !
ثم يحاول ان يلمم ما تبقى من قواه باتجاه البيت وليس على لسانه سوى عبارة ” عمرك كبير ” .والناس تقول : الله يشفيك .

        المشهد الرابع
وصل البيت عند منتصف الليل وزوجته سمعُ من خلف الباب ” عمرك كبير “يبدو الامور لاتبشر بخير
–    أبشر ماذا فعلت ؟
–    عمرك كبير.
–     ماذا  … ماذا ؟.
–    اقول لكِ يا امرأة ” عمرك كبير “.
–    ماذا تعني بهذا الكلام غير المفهوم ؟
–    موظف التعيينات قال لي ” عمرك كبير ” واصبحت  لاتصلح للوظيفة
–    طيب ماذا ستفعل ؟
–    ارفعُ دعوةً على امين السجل المدني كي يغيير عمري.
–    وهل العمر يتغيير ؟
–    العمر ليس فقط يتغيير ، بل يمكن تبديل لونه واسمه مثل السيارت
–    وأنت اين من هؤلاء ؟
–    انا خردة،  لاتعمل سوى بالدفع ، لايصلها الصبغ ولا التصليح
–    طيب بيعْ الرقم ؟
–    من يشتري رقما مضروبا ؟
ويسود الصمت المكان  وتهدأ ثورة الغضب عند الرجل

     المشهد الخامس  
تقدم صوب  منضدة كاتب العرائض وهو يحمل اوراقه
–    تفضل هوية احوال مدنية ، بيان ولادة ، شهادة جنسية .
–    اريد ان ابدل عمري .
–    القانون يمنع ذلك الآن ، تغيير العمر متوقف.
–    القانون ، هذه المفردة التي لاتسمعها سوى اذني ، والآن ماذا افعل ؟
–    باب تغيير العمر مغلق .
–    ومتى يفتح ؟
–    اعتقد انه اغلق بالتمام.
–    هذا اني لم استطعْ ان الحق .
–    بما تحلق ؟
–    ببقية عمري الذي ضاع بين (كراج العلاوي ) و( كراج النهضة ) وملابس الخاكي والحصار والجوع و و و و و و و

المشهد السادس
خطرت له فكرة ان اوراقه الرسمية ناقصة ورقة اخيرة عليه ان يستخرجها من دائرة ما : انها شهادة الوفاة ، فهو اردَ ان يموت مرتاح البال في انه حصل على هذه الورقة . في مكتب اصدار شهادات الوفاة  الموظف المسؤول : تفضل اخي
–    اريد استخرج شهادة وفاة.
–    اسم المتوفي وتاريخ الوفاة والسبب.
–    سعيد فرحان ، العمر :اربعون سنة ، السبب : التعيين
–    هل يوجد ان توفى احدهم بسبب التعيين
–    نعم ، انا؟
–    المتوفي انت  ؟
–    نعم انا الميت الحي
–    لماذا تريد استخراج شهادة الوفاة .
–    حتى اتعيين بها.
–    اين ؟
–    في الآخرة !
–    لمن اعنون شهادة الوفاة ؟
–    الى دائرة المقابر
وفي النهاية حصل على شهادة الوفاة ووضعها الى جانب ( هوية الاحوال المدنية ، شهادة الجنسية العراقية ، دفتر الخدمة العسكرية ) في ( جنبر ) وعلقه في رقبته وهو ينادي ”  للبيع ، ر للبيع ، من يشتري ، من يشتري ، عَمر للبيع ، عراقي 100%  ” لكن لم يجد من يشتري منه بضاعته سوى الذي يردد خلفه
–    من يشتري ؟
–    انا اقول من يشتري ليس انت ؟
–    من يشتري؟
–    اسكت لعل احدهم يشتري .
–    من يشتري؟
–    اقول لك  اسكت ، اسكت ، اسكت.
–    من يشتري؟
–    لماذا تريد ان تفسد علي  بضاعتي ،انت  يا أخ  هل تشتري ؟ انت ايها الجالس هناك هل تشتري عمر رخيص للبيع ،اقول لكم عمر للبيع  فمن يشتري ؟ لا احد لا احد
–    الم اقول من يشتري ؟
–    اسكت اسكت انت.
–    لا ، من يشتري ؟
–    لماذا لاتفارقني.
–    من يشتري ؟
–    اربعون سنة وانت معي ،  اذهب ، اقول لك اذهب ، لقد مللت منك .
–    من يشتري ؟
–    اربعون سنة وانت تخدعني ، اربعون سنة تأكل ايام واحدة واحدة.
–    من يشتري ؟
–    اربعون سنة وانت توسوس لي.
–    من يشتري؟
–    اذهب  اذهب  اذهب الى غير رجعة ، اريد ان اتحرر منك .
–    لا  لا لا  لا ، انا انت ،وانت انا .
ثم يسقط على الارض .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| سلوى علي : همسات لا تقوی علی الصراخ.

تلك الجمرات الصامتة مفارق احلامها قلقة تصارع عواصف الوحدة المملوءة  بالضجيج بین زمهرير الانتظار واحضان …

| مصطفى محمد غريب : تداعيات مأزق المسرح المغلق* .

المقطع الثاني استمر صرير الريح يخلق نوعاً من الرهبة والتوجس من المجهول مما جعله يعتقد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.