د. عبد الله ابراهيم : النقد العربي يعيش أزمة حقيقية

abdullah  ibrahim 5أجرى الحوار يحيى القيسي
جريدة القدس
لندن
مقدمة
يرى الناقد والباحث الدكتور عبد الله إبراهيم أن النقد العربي في مرحلته الحالية يعيش أزمة حقيقية.وأن آليات قراءته للنصوص الإبداعية العربية غير دقيقة وتسهم بشكل أو بآخر في تشويه النصوص فنياً ودلالياً. وتتعسّف في تطبيق أدواتها عليها، ويذهب إلى أن التوتّر بين العلاقات الثقافية في العالم يحتاج إلى نقد وتحليل ثقافي. والدكتور عبدالله إبراهيم، الناقد العراقي، يشتغل بدأب لا نظير له في حفريات معرفية للمركزية الغربية ونقدها،والمركزية الإسلامية، والسردية العربية وتشكيلاتها الفنية والتاريخية. وقد أصدر كتباً عديدة في هذين المجالين مستفيدا من كشوفات المناهج الحديثة في مجال العلوم الإنسانية ،إضافة إلى جهوده النقدية التطبيقية المستمرة في دراسة الرواية العربية، ودراسة هذه الظاهرة ليس بوصفها ظاهرة أدبية فحسب، بل بوصفها ظاهرة ثقافية،ويقدم أدلة على أن نشأة الرواية العربية تحتاج إلى إعادة بحث وتفسير جديدين،فقد ظهرت في بداية النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وليس في العقد الثاني من القرن العشرين،فريادة رواية زينب مشكوك فيها بالنسبة له، فهي ليست رائدة لا تاريخيا ولا فنيا لأنها سبقت بما يزيد عن 200رواية تتوفّر فيها شروط النوع السردي ، لكنها اعتبرت رائدة طبقا لمعايير الرواية الغربية،علما بأنه يؤكد أن القواعد النهائية للسرد الروائي لم تعرف استقرارا إلى الآن،

الصحفي والروائي يحيى القيسي
الصحفي والروائي يحيى القيسي

فكيف تتنتزع رواية ما ريادة طبقا للحظة تاريخية مستعارة؟ .

ولد في العراق عام 1957 وحصل على شهادة الدكتوراه في الأدب العربي.وعمل أستاذاً للأدب العربي والمناهج النقدية في الجامعة المستنصرية ببغداد ،وجامعة السابع من إبريل في ليبيا، ويعمل حالياً في كلية الإنسانيات في جامعة قطر،وقد شارك في العديد من المؤتمرات الفكرية والأدبية العربية ،وحصل على جائزة شومان للعلوم الإنسانية عام عن1997 عن كتابه( المركزية الغربية).وقد صدرت له في بيروت مجموعة من الكتب، منها على سبيل المثال: السردية العربية، المركزية الغربية، الثقافة العربية والمرجعيات المستعارة،التلقّي والسياقات الثقافية، معرفة الآخر ،المتخيّل السردي، التفكيك :الأصول والمقولات،وعالم القرون الوسطى في أعين المسلمين،فضلا عن عشرات البحوث في كبريات الدوريات المتخصصة.وعن أبرز القضايا التي يشتغل عليها معرفياً ونقدياً وثقافياً كان هذا اللقاء.

vيحي القيسي: انشغلت في عدد من كتبك وأبحاثك في مسألة “المركزية الغربية”ونقدها،فإلى أين وصلت في هذا الأمر،وما الذي ترغب في تحقيقه ؟

v عبدالله إبراهيم: انبثقت فكرة نقد التمركز في الثقافات من خلال المتابعة المباشرة للمعطيات الفكرية التي تقدم وجهة نظر في التاريخ والإنسان ،وقد لفت انتباهي أمر التوتر والالتباس القائمين في الثقافات الإنسانية، وبخاصة الثقافة الغربية باعتبارها نتاج حضارة متمكنة في العالم المعاصر، وعلاقتها بالثقافات التقليدية في العالم،وهذا الأمر دعاني للتوغل في تتبع مسارين الأول هو الأسس التي قام عليها أمر التمركز الغربي ابتداء من القرن السادس عشر،والثاني الصور المشوّهة التي ركّبتها الثقافة الغربية للثقافات الأخرى، بداية من لحظة انطلاقها الرمزية كثقافة حديثة سعت إلى تأصيل نفسها في التاريخ وإلغاء غيرها،وهكذا اصطنعت لها تاريخاً يوافق حاجتها لأن تكون أفضل الثقافات في العالم عرقياً ودينياً وفكرياً ،فأعيد إنتاج تاريخ الغرب بما يوافق هذه الرؤية، وتم في ضوء ذلك اعتبار الغرب وثقافته المخلّصين للإنسانية من حيرتها ودونيتها للارتقاء بها في سلم الحضارة، وهكذا أصبحت حضارة الرجل الأبيض هي في تصوّر الكثيرين الحضارة الأسمى ،ولقد لعبت ظروف سياسية وثقافية وعلمية منها الاستكشافات الجغرافية ،والتجربة الاستعمارية ،وحركات الكشف العلمي ،والمنهجيات الحديثة ،والقوة الاقتصادية والسياسية في تركيز قوة الغرب كقوة مطلقة في التاريخ الحديث الأمر الذي أدى إلى صوغ الوعي الإنساني بما يجعل الغرب يتربع في العالم كأفضل معطى عبر التاريخ،وقد نقدت هذه الفكرة استنادا إلى أصولها الثقافية القائلة بأن الإغريق هم أول من منح الإنسان فكراً عقلياً ، و إنتاج المسيحية على اعتبارها هي وحدها الديانة المطلقة، والعرقية الآرية باعتبارها أسمى الأعراق،وخلصت إلى أن التمركز فكرة أيديولوجية وليست معرفية اقتضتها kh abdulla ibrahimحاجة الغرب للتمدّد والانتشار في العالم ،والسيطرة على منظومة المعاني العامة لأهداف خاصة من أجل صوغ التاريخ الإنساني صوغا يوافق الرؤية الغربية للعالم والتاريخ والإنسان، وقد انتهيت إلى أن كل تمركز تتادّى عنه نتيجة على غاية من الخطورة ، وهي تشويه صورة الآخر، والانتقاص منه، وإدراجه في مواقع دونية ، تقلل من قيمته ،كما هو حاصل الآن في علاقة الغرب مع العوالم خارج نطاق الغرب. إلى ذلك فقد كنت أهدف إلى كشف النسق الامتثالي في ثقافتنا الحديثة، ذلك النسق الذي جعلها متطابقة في أهم أركانها مع معطيات الثقافة الغربية ، فنحن نستعير كل مرجعياتنا الأساسية من تلك الثقافة ، وأكدت على ضرورة الاختلاف: الاختلاف عن الآخر ، الاختلاف عن الماضي،وتأسيس منطقة تفكير ثالثة لا تتقاطع مع الدائرتين المذكورتين لكنها تتحاور معهما، وتؤسس نفسها تأسيساً خاصاً ، ومن هنا يأتي اسم المشروع العام وهو (المطابقة والاختلاف) .اختلاف عن الآخر والماضي بوصفهما نموذجين ثقافيين.

v يحيى القيسي: لكن فكرة التمركز وإلغاء الآخر ليست صنيعاً غربيا ،وكما تعرف فكل الحضارات السابقة في أوج انتصارها وقوتها تمركزت وقامت بدور شبيه تقريبا لما قامت به الحضارة الغربية، فلماذا تركز عليها فقط ؟

v عبدالله إبراهيم: هذا صحيح، فالحضارات الظافرة تفرض شروطها ورؤيتها وتعيد صوغ التاريخ والثقافات طبقا لرؤيتها ومنظورها، وهو ما شاهدناه نحن في ثقافتنا العربية- الإسلامية طوال القرون الخمسة الهجرية الأولى (القرون 7-11 الميلادية) فقد نظر المسلمون إلى العالم باعتباره عالمين( دار الإسلام)و(دار الحرب) وهناك من يضيف( دار العهد أو دار الصلح) وطبقا للتصور اللاهوتي فالحق المطلق يوجد في الدار الأولى.

وفي عصر يتصدّر فيه الشعور الديني أي شعور آخر، لا مكان للمصالحة والشراكة في القيم والأخلاقيات. ولكي يظلّ ذلك الشعور حيّا، متوهجا، ومتقدا بالتنازع القيمي لابد من تفريق حاسم قائم على ثنائية الحق والباطل بين قيمـ(نا) وقيمـ(هم). هذه الثنائية تصوغ وعي لاوعي المجموع ، وتجعله يبني تخيلاته ومواقفه وأحكامه واختياراته على أساس فكرة التفاضل والتراتب التي تقود إلى الإعلاء من شأن الذات وخفض قيمة الآخر. لقد تم تخطّي الإنسان كذات، وصار التركيز عليه كموضوع للقيم، وأهميته لا تتحدد من كونه بشرا، إنما في اعتناقه ضربا من القيم دون غيره.

سلّم القيم الذي صاغه الإسلام، وتحول إلى جزء مكمّل من العقيدة حسب الفهم الشائع لها سيتدخّل في تركيب صور مشوّهة واكراهية للآخر. وبالإجمال فصور الأخر منتقصة،يشمل الانتقاص بالدرجة الأساس القيم الشائعة لديه، ويمتد ليشمل الإنسان حامل تلك القيم، هنالك تشويه لحقيقة الآخر ذهنيا وجسديا،ففضلا عن البلادة والجهل والضلال والسفه والبوهيمية، يتراوح الأخر بين تصغير يشوش إنسانيته كما هو الأمر بالنسبة لأقوام أقصى الشمال الشرقي من آسيا حيث يفترض أن تكون بلاد يأجوج ومأجوج ،أو تضخيم مقصود كما هو الأمر في حالة الزنوج والصقالبة وكثير من الأقوام الشمالية. تتصف القيم الدينية بالثبات، وكان الفهم الديني للحياة يقوم دائما بمراجعات دقيقة كيلا يخرم الزمن ثبات القيم، فتصاب بالفساد بسبب التحوّل، بعبارة أخرى فالقيم الدينية تتخطّى البعد التاريخي، ولها قدرة الشمول والديمومة والثبات؛ لأنها قيم مكانية وليست زمانية. فهي لا تقرّ بالتحول ،ثابتة، ساكنة، دائمة الصحة، تريد للإنسان أن يتكيّف معها، فيظل في حالة تصحيح دائم لمساره، لكي يمتثل لها، هي المركز المشع الدائم،وهو يدور في فلكها، قربه وبعده عنها هو الذي يحدد قيمته. مادامت القيم الدينية هي التي تحدد أهمية الإنسان فمن الطبيعي أن تجرد قواها كاملة لتضمّه إلى عالم الحق. فحيثما تكون ثمة حقيقة مطلقة الصواب ينبغي نشرها، يسود العنف والقسوة كوسيلتين لذلك.أصبحت القيم جوهرا ،وصار الإنسان عرضا.

تُستمد القيم من طبيعة المجتمع الذي رسمه الإسلام، تلك القيم هي المعيار الوحيد لصواب المسار الذي ينبغي على المرء أن يسلكه، ذلك سيؤدي لا محالة إلى وجود نقيض؛ النقيض يسوغ صيانة القيم من جهة، والعمل على نشرها لتعمّ العالم من جهة ثانية، ففي المجتمع النصّي القرآني تمثل الثنائيات الضدّية دوراً حاسماً في شطر العالم إلى عالمين، ثمة تعارض ثابت ودائم بين الحق والباطل ،والخير والشر، والإيمان والكفر. ولا يمكن أن يظل الصراع منحبساً في المصحف، واستناداً إلى مركزية كلام الله وقدمه، فإن العالم بتناقضاته قد صيغ على غراره. المجتمع الأرضي المنشود إنما هو محاكاة للمجتمع النصي، كما قرر ذلك علم الكلام ثم الشريعة الإسلامية. في نهاية المطاف، لا بد من انتصار وظفر، فكل من أهل الباطل والشر والكفر يتآكلون؛ لأنهم زاغوا عن الحق والخير والإيمان، والصراع محكوم بالثبات والديمومة، وأهل الحق هؤلاء أنيطت بهم مهمة خالدة: نشر كلمة الله في أرجاء الأرض، إذ ليس ثمة حدود نهائية تحول دون ذلك، وبالنظر إلى اختلاف العقائد والأديان والثقافات. فمن المنتظر أن يتعثر أهل الحق في مهمتهم، ولكن ينبغي عليهم الالتفاف حول كلمة الله، والتمسك بها، ونشرها، وذلك هو الجهاد. فالجهاد إذن وسيلة لحسم التناقض العقائدي، وإحلال الوحدة محل التعدد، وما دام نسق الثنائيات الضدية قائماً في صلب التفكير الديني فالجهاد لن يتوقف. إنه فعل محكوم بنظام لاهوتي عام. والحق فإن فعل الجهاد كممارسة تهدف إلى تحويل البشر إلى عقيدة واحدة، سيصطدم مع فرضية انشطار العالم إلى عالمين: دار الإسلام ودار الحرب. ولمّا كان الصراع يُعبّر عنه بتجليات مباشرة، فالمؤمنون يوضعون دائماً في تضاد مع الكافرين، وبينهم يتحرك المنافقون حركة مكوكية خادعة.

العالم طبقا للتصور العقائدي يحتاج إلى الانقسام أولا من أجل أن تكون الوحدة هي الهدف المنشود فيما بعد، ومادام الحق ينبثق مkh tawfik almamoriن دار الإسلام فلابد أن تكون تلك الدار هي المركز ، بكل المعاني الثقافية والدينية والجغرافية والأخلاقية.وهذا فيما نرى الدافع وراء مركزية دار الإسلام طوال القرون الوسطى حسب التصورات الإسلامية. من الصحيح أنها تمددت جغرافيا في قلب العالم القديم،ولكن اعتبارها مركز الحق فاق المكون الجغرافي في تثبيت مركزيتها.ظهرت الجغرافيا لتسوغ كل ذلك. كان التصور الشائع عن الذات والآخر يستمد حيويته من المركزية الدينية، أي تلك البؤرة التي تنبثق منها قيم الحق إلى الأبد. وبالنظر إلى أن التصور يذهب إلى اعتبار أن الله هو مصدرها، وأنه قد حلّ هنا” دار الإسلام” ولم يحل هناك” دار الحرب” فينبغي إذا الوصول إلى نتيجة واحدة: قيم دار الإسلام هي الحقيقية، وهي الشاملة، وهي المطلقة الصواب. وقيم الآخر مثار استغراب،واستهجان؛ فهي وثنية، محقّرة،مدنّسة،يلزم تطهيرها من النجاسة الوثنية. قيم الآخر هي موضوع لحكم القيمة وليس للوصف. هذا هو التفسير الخاص بمركزية الإسلام،لكنّ التطبيق التاريخي شهد في أمثلة كثيرة تسامحا كبيرا فيما يخص الآخر المختلف عقائديا وثقافيا وقيميا، وإذا كان ثمة انتقاص فذلك من أجل الإدراج في منظومة الحق، من الصحيح أننا نجد بعض الجغرافيين والمؤرخين ( كالمسعودي وابن خلدون والبكري والحسن الوزان وابن فضلان) ينظرون على الآخر بوصفه كائنا ناقصا، ولكن ليس بالطريقة التي نظر فيها انصار نظرية التفوق العرقي في الثقافة الغربية مثل غوبينو وهيغل وآخرين.

لم يبلغ إلغاء الآخر الدرجة التي بلغها إلغاء الغرب الآخر ،فقد أسهمت الكنيسة في حركات الاستعمار ، وسوغت الفتح والاحتلال ومنحت الشرعية لكن ذلك على اعتبار أن الحضارة الغربية ستخرج الإنسان من وثنيته وانحطاطه ودونيته ! ! ومن المعروف أن الكشوفات الجغرافية في نهاية القرن الخامس عشر وبداية السادس عشر كانت تصطحب معها ثلاثة أشخاص أساسيين: الجندي ، والمبشر ،والتاجر .أما الجندي فلكي يسيطر ويحتل ، والقس لكي يبشر ، والتاجر لكي يجمع الثروة ، وحالة أمريكا الجنوبية والهند والصين ثم البلاد العربية فيما بعد كتاب مفتوح لكشف هذه الحالة ، وأنا لا أريد من ذلك ترويج أيديولوجيا عدائية ضد الغرب،وإنما هذا هو واقع الحال،وعلى كل حال فالتجربة الاستعمارية بأجمعها ينبغي أن نتعامل معها كتجربة تاريخية ،والا نظل أسرى الترويج الأيديولوجي الشائع بيننا.وأعود فأختم : من الصحيح أن الثقافات تتمركز حول نفسها،ولكن ينبغي أن تؤمن بالتعايش والتسامح وهو أمر افتقدناه مع الأسف مع الحضارة الغربية على الأقل في القرنين الثامن عشر والتاسع عشر قبل أن يظهر بعض التنوع داخل نطاق الثقافة الغربية.

vيحيى القيسي: وكيف ترى مستقبل عملية التمركز الغربي في ظل العولمة بمفهومها الشامل؟

v عبدالله إبراهيم: من وجهة نظري فأن العولمة لن تعمل على تفكيك بنية التمركز، إنما ستقوم على العكس بتثبيتها ،فتقنية الاتصال الحديث، وفي مقدمتها “الإنترنت” ستعيد توزيع العالم إلى مجتمعات حديثة ومجتمعات تقليدية،وستقوم المجتمعات الحديثة باستثمار هذه التقنيات بما يطور الحركة العلمية إلى الأمام.هذه التقنية ستقوم بتجديد البنيات العلمية والاقتصادية والسياسية في الغرب،أما في المجتمعات التقليدية فأن تلك التقنيات ستأخذ مسارا آخر مختلفا تماماً عن المجتمعات الحديثة،إذ ستقوم بإعادة إنتاج المورثات القديمة من أفكار وعقائد ومرويات لتأصيل نفسها كرد فعل مباشر يعبر عن الفشل في رهان الحداثة،،ولا تستغرب أن تنشط مواقع كثيرة الآن في الإنترنت تبشر بدعاوى التكفير والانتماءات الطائفية والمذهبية ونشر الفتاوى وأحياء نزعات التقهقر والعودة إلى الوراء ،وهذا أمر بدأ يلمس فالمجتمعات الحديثة تستخدم هذه التقنيات للانطلاق إلى أفاق جديدة ،فيما تستخدم المجتمعات التقليدية نفس التقنيات للهروب نحو الماضي ،وهكذا فأن التمركز سيأخذ وجوها جديدة مختلفة لكي تبقى فكرة الثنائية قائمة في المجتمع الإنساني،وهي مع الأسف ثنائية مرتبكة لا تقوم على الحوار والاختلاف لكنها تقوم على التفاضل والتراتب والاستعلاء والسمو والدونية ! !

v يحيى القيسي: يخيل لي بأننا أوضحنا هذه القضية التي تعمل عليها أنت،وعليه أود الانتقال إلى جانب آخر تخصصت فيه ،وعملت في حقله كثيراً وهو النقد..وكما تعرف فإن النقد العربي الحديث مازال حائراً بين جلب النظريات النقدية القديمة من التراث العربي أو استيراد النظريات النقدية الغربية الحديثة وتطبيقها على النصوص..ألم يئن الأوان لإستيلاد نظرية نقدية من صلب السرديات العربية مثلا..نظرية ثالثة لا توفيقية ولا تلفيقية؟

v عبدالله إبراهيم: تظهر النظريات الأدبية نتيجة سلسلة من التمخضات الثقافية،وبغياب تمخض حقيقي كنتاج لتفاعل جذري بين مكونات الثقافة ،يستحيل ظهور نظرية أدبية ،وما دامت ثقافتنا لم تتح لها الفرصة التاريخية لأن تتحاور مكوناتها في أفق من الحرية الحقيقية فيصبح الحديث من ناحية واقعية عن نظرية نقدية ضربا من التوهم،ولكي أدلل على وجهة النظر هذه لا بد أن أقول بأن ثقافتنا الحديثة منشطرة على نفسها انشطاراً عميقاً فهي تستعير على حد سواء مكوناتها من الماضي أو من الآخر ،فنحن نقترض ما أنتجه الأسلاف دون قدرة على إعادة إنتاج ذلك الماضي بما يوافق روح الحاضر،فعلاقتنا مع الماضي علاقة زمانية لم تتح لنا أبداً فرصة هضمه إلى درجة يبدو لي فيها أنه قد أصبح عسير الهضم،ومن جهة ثانية فأن الفراغ الثقافي الذي رافق ما نصطلح عليه مجازاً بعصر النهضة رحب دون أي رؤية نقدية تحليلية بالنتاج الثقافي والفكري الغربي الذي استأثر باهتمامنا من ناحية الرؤى والمنظورات والمناهج.وما يؤسف له أننا لم نفلح في إقامة حوار مع ثقافة الآخر ،وأصبحنا نتسابق ونبدي براعة فائقة في المحاكاة والتقليد ،وصار كثير منا يتبجح في إنه أفضل من غيره في التطبيق الأعمى لكل النظريات الغربية في المجالات الاجتماعية والثقافية وحتى السياسية ،ناهيك عن الاقتصادية،وبازاء حال مثل هذا فشلنا في الاختلاف عن ماضينا بالدرجة نفسها التي فشلنا فيها عن الآخر! !

في الواقع أننا متطابقون مع الماضي لأننا نستعير كل ما فيه، ومتطابقون مع الآخر إلى حد التماهي لأننا نأخذ كل ما ينتج ، هذا يدفعني إلى القول أن ثقافتنا جادة لا يمكن إنتاجها في ظل هذا الضرب من التطابق ،نحتاج إلى الانفصال الرمزي عن الذات لكي نراها بصورة واضحة،كما نحتاج إلى الانفصال عن الآخر لكي نجيد التفاعل معه.

لقد غابت الرؤيا النقدية التحليلية،وفشل رهان المثقف العربي وغاب دوره لأنه لم ينجح في التفاعل الحقيقي مع الثقافة العربية القديمة وثقافة الآخر ،وفي رأيي هذا هو السبب وراء سلسلة الانهيار في القيم الاجتماعية والثقافية،ففي ظل غياب النخب الثقافية تتصارع على الاستئثار بالمجتمع نخب أخرى كالنخب الدينية والنخب السياسية والنخب العسكرية! !انهزمت النخبة الثقافية العربية لأنها لم تدرج نفسها في سياق تفسير نقدي لتاريخها،ومنذ الطهطاوي مرورا بطه حسين إلى الآن كان الناقد يضفي شرعية على الواقع ولم يتجرد لنقد ذلك الواقع نقدا حقيقيا .

هذه الخلفية اعتقد أنها تفسر لنا بصورة غير مباشرة ليس فقط غياب نظريات نقدية أدبية إنما وهذا هو الأهم نظريات اجتماعية واقتصادية وسياسية ، وإذا اختصرنا القول حول هذه النقطة يلزمنا التأكيد بأن المثقف العربي ومنه الناقد يعاني تمزقاً رمزيا ، وازدواجا فهو ينتمي إلى دائرتين غير منسجمتين لهما شروط ثقافية خاصة لكل منهما : دائرة الثقافة العربية التقليدية المعتصمة بنفسها والمنتجة في ظرف تاريخي مضت إمكانية بعث شروطه ، ودائرة ثقافية أنتجها الغرب المتمركز حول نفسه والذي تمكن خلال القرون الثلاث الأخيرة من تهميش الثقافات الإنسانية ووأدها ، ولهذا قد نجد مثقفا موسوعيا لكنه ليس عارفا ، أي أنه يطفو على غيم من الضباب بلا رؤية ولا منهج ، ومادام المثقف العربي يعاني من هذا الخلل الجسيم فأنه يدرج نفسه بين حين وآخر في ( صرعات ) نقدية أو أدبية ، أنه ينفعل ولا يفعل ، ينفعل بالآخر ، يصاب بالدهشة ، يلتذ بالإعجاب لكنه لا يمتلك الوسائل التي ينتج بها أدبا مدهشا أو فكرا مثيرا للتأمل0

إن النقد كممارسة ثقافية تتخطى أمر تحليل النصوص بالمعنى التقني ، إنها تحتاج إلى رؤية الأدب ضمن السياقات الثقافية . ولهذا فإن النقد العربي الحديث يعاني أمراضا مزمنة لأنه ترجيع لأصداء الآخرين وليس فعلا ثقافيا حقيقيا 0ومن ناحية فلسفية فأنا شديد الحذر من القول بأننا نترقب ظهور نظرية نقدية ، فنظريات النقد الحقيقية تنبثق من خضم التفاعلات الحقيقية في المجتمعات التي تجيد التعامل مع الحرية ، ونحن بعيدون عن ذلك!

vيحيى القيسي : ولكن ألا ترى أن النقد في الحالة هذه يساهم عبر أدواته ( غير المناسبة ) في قراءة تعسفية للنصوص وبالتالي تشويهها دلاليا وفنيا، وأنه باختصار يصبح دليلا أعمى يضلل النصوص بدل أن يضيء لها الطريق ؟!

v عبدالله إبراهيم: من المؤكد أن نقداً لا يتصل بسياق النصوص الأدبية فأنهُ نقد يتعسف في فرض مقولاته الجاهزة على تلك النصوص، وما دمنا قد تحدثنا عن استعارة المفاهيم والمقولات فمن الطبيعي والحال هذه أن تنشأ حالة اغتراب بين صنوف الأدب والنقد .وإذا نظرنا إلى الممارسات النقدية العربية التي ظهرت في القرن الأخير فأن صورة قاتمة ترتسم أمامنا في المناهج الخارجية كالمنهج الاجتماعي والانطباعي والنفسي اندفعت إلينا من محاضن الفكر الماركسي ونظريات التحليل النفسي الفرويدي ،و المناهج الداخلية كالشكلية والبنيوية والنقد الجديد اندفعت إلينا بسبب ثورة علوم اللغة في أوروبا ،والمناهج السيميولوجية والتفكيكية ،والتأويلية ونظريات التلقي تشكلت في الغرب بسبب الحوار بين المناهج الخارجية والداخلية ،وفي كل هذا كنا نحن نتلقى فقط ، وندر أن تفاعلنا مع تلك النظريات.علينا إذاً أن نتصور الإشكالية الكبيرة التي يمكن أن تظهر في حال تطبيق نظريات لها محاضن ثقافية خاصة بها على نصوص أدبية لها مرجعيات مختلفة.إن أبسط نتيجة تفرض نفسها هي أمام عدم استجابة النصوص لتلك النظريات وإخضاع تلك النصوص عسفاً لتلك النظرية، ولهذا يبدو لي أننا أبعد ما نكون عن توافق حقيقي بين النقد والنص، وأن أتحدّث عن النقد هنا كممارسة ثقافية منضبطة وذات بعد تحليلي فلسفي وليس الانطباعات العابرة والتعليقات السريعة على الكتب ، فتلك قضية أخرى لا صلة لها بالنقد ،إنما لها صلة بالتعريف الإعلامي للإنتاج الأدبي والحالة الأخيرة مزدهرة،لكنها لا تؤثر في مسار التشكيلات الأدبية الضخمة وتحديد اتجاهاتها .

vيحيى القيسي: إذا اتفقت معي بأن النقد الحقيقي إبداع، فإلى متى يظل تابعاً للنصوص الأدبية يقتات عليها..ألا يمكن له أن يستبقها أحياناً وأن يدلها على مسارب جديدة؟

v عبدالله إبراهيم: فيما يخص العملية الأدبية إبداعا أم نقداً علينا أن نتأمل ما يأتي .يسمى الأدب إبداعاً،والإبداع من البدعة،والبدعة كل ما لا ينهض على نموذج سابق،أي أنه خلق جديد لا ينهض على مثال،حينما لا يأخذ الأديب سواء كان منتجا لنص أم منتجا لنقد ،بهذه الحقيقة فأنه ينزلق حالا إلى عالم المحاكاة،وفي هذا فإن الإبداع الأدبي والإبداع النقدي يتشاركان لكنهما يختلفان أيضا،فالأدب كما يخيل إلي هو تمثيل عال،م وإقامة علاقة ذات طابع رؤيوي مع الذات والآخر على حد سواء،أما النقد فأنه إقامة حوار مع النص ينصرف إلى وصف وكشف الأبنية والأساليب والدلالات ثم إنتاج معرفة من مادة تخيلية التي هي مادة الأدب،وهنا لا يمكن التفكير بأي شكل من الأشكال بالعلاقة الاستتباعية بين الاثنتين،تحل علاقة التجاور محل علاقة الاستتباع.

من الصحيح أن الأدب هو المادة الأولية للنقد،ولكن من الصحيح أيضا أن النقد يشتق للأدب مسارب واتجاهات وأنظمة،ويقترح موضوعات، ويطرح مشكلات تشرع الأفق للأدب.إن العلاقة بينهما هنا علاقة تنافذ متبادل كل يغذي الآخر بما يحتاج إليه،وعلى الرغم من هذا فلا يمكن أن يلحق النقد في فضاء الوهم المجرد ففي نهاية المطاف ينبغي عليه أن يعالج نصوصا محددة ،وهكذا فـأن النقد يعتاش على الأدب كما يعتاش الأدب على تبصرات النقد العميقة،وهذه الفكرة تستبدل بالاستتباع الحوار.

وإذا نظرنا إلى واقع حال النقد العربي طبقاً لهذه النظرة نجد أنه لم يدرك سر هذه العلاقة الجذرية بين الأدب وبين النقد فلجأ إلى إقامة علاقة غير سوية مع النصوص لإجراءات نقدية صارمة،كثيراً ما تكون غريبة عن صيرورة العملية الأدبية ،ومن جهة ثانية انخرط في تهميش الأدب من خلال التعليقات والعروض السريعة والعابرة! !

لم يستأثر الأدب العربي بتحليل نقدي كلّي وشامل يستنبط الأنساق الداخلية للظاهرة الأدبية سرداً أو شعراً إلى الآن ،وما دمنا مشتبكين مع نصوص مفردة وتعليقات خاطفة تكتب أو تستكتب فستظل صورة النقد مشوهة،ويظل دوره عاطلاً ومفاصله متجمدة..نحتاج إلى أن نضخ في أوصاله النقد روح المسؤولية تجاه الأدب لكي يستقيم دوره ويقبل كممارسه ثقافية في الوسط الاجتماعي.

v يحيى القيسي: دعنا نتوقف عند قولك بأن”الإبداع خلق جديد لا ينهض على مثال”فكما تعرف بأنه لا يوجد نص نقي مائة في المائة،ولا تأتي الكتابة من بياض،فثمة تناص مع نصوص أخرى سابقة ..ترى إلى أي حد من التناص و تدرجاته في النص الجديد يجعله إبداعاً حقيقياً لا محاكاة أو تناصاً مع ما سبق..؟

v عبدالله إبراهيم: فكرة التناص كما هو معروف تطورت عن فكرة السرقات الأدبية ،والسرقات تكون في التراكيب اللفظية،وحينما اشتقت جوليا كريستيفا فكرة التناص “تداخل النصوص”فقد أرادت أن تتخطّى المفهوم التقليدي للسرقة وهي تقصد بالتناص الحوار غير مباشر والتمثيل اللاوعي لنصوص الأدب .ففي عالم الأدب لا نجد أديباً ينهض من فراغ أدبي ،فهو يتمثل النسيج الداخلي للنصوص من خلال عملية تكوينية كأديب ،ولهذا فأنه يستفيد من حيث لا يدرك من كل المؤثرات الأدبية التي يطلع عليها. إن لسان آدم هو النص البريء الوحيد عن التأثر،وتبعاً لهذا التفسير فأن نظرية التناص تتيح مجالاً للتفاعل بين النصوص لكنها تضع شرطاً واضحاً لذلك وهو أن لا تحتذي النصوص بعضها بعضا لا في الأشكال ولا في الموضوعات ولا في الأفكار! ! إذا لا ضير من كل ذلك وهذا يتناقض مع مفهوم الإبداع الذي لا ينهض على مثال لأن المقصود بالمثال هو النموذج الذي يتبع على سبيل القصد.
ما أقصده تحديدا بالإبداع هو الابتكار الذي يقوم على إعادة تركيب لعناصر شائعة ومشتركة بين الأدباء.القيمة الأدبية للنصوص الأدبية لا تأتي من العناصر نفسها إنما من ترتيبها ترتيباً مخصوصاً ،فكل الأدباء تجمعهم أفكار وموضوعات ولغة لكن كلا منهم يشكل هذه العناصر على نحو خاص به.

من وجهة نظري يصبح الكاتب مبدعاً بالمعنى الذي نقصده للإبداع حينما ينفرد بتركيب العناصر النصية وترتيبها بطريقة خاصة به.كيفيات القول أهم عناصر الابتكار.
vيحيى القيسي: أنت كما نعرف مفتون بالسرد ودراسته وتحليله،ولك كتب عديدة وهامة في هذا الاتجاه ،ترى ما سر اهتمامك بالسرد عموما وبالرواية العربية على وجه التحديد؟!

v عبدالله إبراهيم: إذا كان لي أن أقدم تفسيراً متأخراً لسر اهتمامي بالسرد فهو تفسير لأفكاري الآن، ذلك أنني منذ الصغر نشأت في وسط عالم القصة والرواية ،فقد جذبني التخيل السردي مبكراً،وبموازاة هذا فشلت في الاقتراب إلى عالم الشعر ،ومع الزمن وتنوع القراءات أصبح السرد الروائي والقصصي أليفا إلي وقريباً إلى نفسي،وقد مارسته كتابة في فترة معينة لكنني انصرفت إلى دراسته منذ أول كتاب صدر لي ،فقد كنت منجذباً إلى هذا التشكيل التخيلي التمثيلي الذي يعيد تركيب العالم وفق انساق مختلفة عن حقيقة ذلك العالم، وقادني هذا الاهتمام إلى كشف أن كل نص سردي له ثلاثة مستويات أساسية:مستوى بناء النص، ومستوى أسلوبه ،ومستوى دلالته،ولقد شغلت بالمستوى الأول في كتاباتي الأولى ولهذا فأن معظم كتبي وبحوثي تعنى بسرديات النصوص العربية القديمة والحديثة،تحديداً بتركيباتها النصية ،أي بالأبنية الخطابية من شخصيات وأحداث وخلفيات مكانية وزمانية،ومن أساليب سرد وبناء وحكاية وتلقٍ،وطوال خمس عشر سنة استأثر هذا الجانب كثيراً باهتمامي ومازلت منشغلاً فيه غاية الانشغال وتبين لي من خلال عشرات النصوص السردية أن هناك أبنية شبه ثابتة مثل أبنية: التتابع والتداخل والتكرار والتوازي،فتكاد كل النصوص تتبنى أحد هذه الأبنية أو تدمج فيما بينها،والحق فأن تاريخ الرواية العربية يمكن أن يدرس من تطور أبنيتها الداخلية ،فالرواية العربية بدأت وإلى وقت متأخر تتبع بناء التتابع أي ذلك البناء الذي تتتابع فيه الأحداث من واقعة إلى أخرى وصولا إلى النهاية ،فلا يوجد تراجع ولا يوجد استباق،وخير مثال على هذا النمط تجربة نجيب محفوظ بشكل عام مع وجود استثناءات لا تمتثل لهذا النموذج، لكن الرواية العربية خلال الثلاثين سنة الأخيرة انشقت عن التجربة المحفوظية ،وراحت تستعين بأبنية مختلفة عن بناء التتابع،وبهذه الأبنية أصبحت تعرف ،فرواية “موسم الهجرة إلى الشمال”على سبيل المثال يستخدم فيها بناء التوازي ،وفي روايات جبر إبراهيم جبرا يتبع بناء التداخل، وكذلك في روايات مؤنس الرزاز ومحمد برادة وعبد الخالق الركابي،ولم يعد مقبولاً الآن استخدام بناء التتابع فهو لصيق بالمرحلة الأولى ،ولهذا فنحن بأمس الحاجة إلى وصف تاريخ تطور الأشكال والأبنية للرواية العربية لأنه هو الذي يكشف لنا التطور السردي فيها،أما تاريخ النشأة بالمعنى التقليدي فلا ينجح بذلك! !
vيحيى القيسي: هل نستطيع أن نفهم من كلامك هذا بأن تاريخ النشأة التقليدي للرواية العربية الذي ابتدأ مع رواية “زينب” لهيكل في العقد الثاني من القرن العشرين غير مهم في رأيك؟

v عبدالله إبراهيم: ينبغي علينا أولاً أن نصحح الفكرة الآتية: الرواية العربية لم تنشأ في العقد الثاني من القرن العشرين،ورواية “زينب”لهيكل ليست أول رواية عربية ،فلقد كشف لنا البحث الحقيقي المستند إلى وثائق ومراجعات دقيقة بأن الرواية العربية قد سبقت في الظهور “زينب” بأكثر من نصف قرن،فأول نص إبداعي روائي نشر هو رواية”وي-إذاً لست بإفرنجي” للكاتب اللبناني خليل خوري عام 1858م في جريدة “حديقة الأخبار”وفي عام 1862م قام بنشر الرواية في كتاب خاص،وخلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر،وحتى عام 1914م نشر أكثر من 200رواية عربية ،وترجم ما يزيد على 250 رواية إلى العربية،وخلال هذه الفترة نشرت مسلسلات روائية لسليم البستاني ،وجورجي زيدان ،وزينب فواز،وفرنسيس مراش،وفرح انطون،ونقولا حداد، ولبيبة هاشم، والمويلحي،وغيرهم إلى ذلك فقد كانت صدرت أكثر من عشر مجلات عربية خاصة فقط في نشر الروايات،ولهذا فإن الرواية العربية كظاهرة ثقافية تحتاج إلى أن نعيد النظر برسم نشأتها بصورة كلية لنتخلص من الهشاشة الشائعة بأن الرواية بدأت في العقد الثاني من القرن العشرين،وفي هذه القضية يسعفنا تاريخ النشأة التقليدي لأنه ينّزل الظاهرة الروائية في زمانها ومكانها الطبيعيين دون مزاودة متصلة بهذا البلد أو ذاك. فالريادة التاريخية تثبت عدم ريادة ( زينب) ولكن ليس هذا المهم،فطريقة تحليل الأنواع السردية تكشف لنا أن رواية القرن التاسع عشر العربية كانت تتوفر على شروط النوع، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فالمرويات السردية العربية القديمة شهدت تفككا نوعيا أدى على بزوغ الشكل الجديد ،إذا أردنا الدقة فأن رواية ( زينب) استأثرت بالاهتمام في موضوع الريادة لأنها توفرت على شروط الرواية الغربية،وحول هذه الشروط دار الجدل حولها، وكان ينبغي فحصها في ضوء معايير متصلة بسياق الأدب العربي ، وليس في ضوء سياق مستعار.
لقد تراكم خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر تراث سردي خصب شكل دافعاً أساسياً لانطلاقة الرواية في العربية في القرن العشرين ونكرانه هو استبعاد متقصّد لأهم حلقة من حلقات تاريخ الرواية العربية.ينبغي علينا تحليل هذه الظاهرة تحليلا ثقافيا يكشف المحضن السياقي لهذه الظاهرة الأدبية.

vيحيى القيسي: وما هي المؤشرات التي تراها قد أسهمت في نشأة الرواية العربية؟

v عبدالله إبراهيم: حينما نتعامل مع الرواية كظاهرة ثقافية فنحن بازاء ظاهرة جديدة،لم تكن معروفة في ثقافتنا،ولكن إذا نظرنا إليها كشكل فني فأن نسبها السردي عريق،لكنه نسب غير صاف إنما هو ممتزج بأبنية الحكاية الخرافية والسيرة الشعبية وفنون الحكاية والمقامات والنوادر والطرف، ينبغي علينا أن نعرف أن الأبنية السردية القديمة قد توقفت عن النمو ثم تأزمت،وفي القرن التاسع عشر بدأت تتحلل، وهذا التحلل الطبيعي كان نقطة انطلاق لفن الرواية العربية .فليس لدينا دليل على أن العرب قد ترجموا نصوصاً أجنبية قبل رواية خليل الخوري إلا نصين أو ثلاثة،ورواية”وقائع الأفلاك” لـ”فينيلون”التي ترجمها الطهطاوي عن الفرنسية ونشرت سنة 1867م أي بعد رواية خليل الخوري بعشر سنوات،وهذا يرجح لدينا أن الرواية العربية هي نتاج تحلل الأبنية السردية-العربية المو######## أكثر مما هي نتاج لتأثير الرواية الأوروبية،فحركة ترجمة الرواية إلى اللغة العربية بدأت تزدهر في الربع الأخير من القرن التاسع عشر،ومن المؤكد أنها أشاعت جوا مناسبا لتطور الرواية،وتلفت انتباهنا هنا قضية على غاية من الخطورة وهي أن المترجمين العرب الأوائل لم يحترموا النصوص الأجنبية لا من ناحية الأحداث ولا من ناحية الشخصيات ولا من ناحية الأسماء فكانوا يتلاعبون بها ويعيدون كتابتها بطريقة توافق المرويات الشعبية العربية،وعلى الرغم من كل هذا فأن جو الترجمة والصحافة قد اسهم في تسهيل ولادة الرواية العربية،والنزول باللغة الكلاسيكية النثرية القديمة من أبراجها العالية إلى أرض الواقع. إذا دققنا في الوقائع الخاصة بهذه الظاهرة في تلك الفترة، نجد أن المترجم يخضع النص الأجنبي لسياق بناء المرويات السردية العربية، لكي يصبح مقبولا،فكيف لنا أن نذهب على عكس ذلك ونقول إن الرواية العربية نشأت بتأثير الرواية الغربية، لقد كان يجري تغيير شامل في الأحداث والوقائع والحبكات والشخصيات وحتى في العناوين امتثالا لتقاليد المرويات العربية، الأمر الذي يؤكد أن تلك المرويات كانت تحدد طرائق السرد أكثر من غيرها، وعلى الرغم من هذا فأنا أقر تماما بأهمية التأثيرات المتبادلة بين الآداب، والفنون والأفكار.

vيحيى القيسي: نعرف بأن لك اهتماما خاصا بالرواية العربية النسائية ونقدها،برأيك كيف يمكن للمرأة الكاتبة تجنب الوقوع في فخ الكتابة النسوية فقط،وانفتاح آفاقها على القضايا الإنسانية عموماً؟

v عبدالله إبراهيم: إن إحدى الملاحظات الملفتة للنظر ليس فقط ازدهار الرواية النسوية العربية في السنوات الثلاثين الأخيرة،إنما جدة وخصوبة كثير من تلك الروايات التي تعرضت بجرأة نادرة لتمثيل مشكلات المرأة والمجتمع بشكل عام،ورهاننا على رواية المرأة رهان كبير، فالحساسية النسوية تجلت في تلك النصوص،ونجحت في التقاط أدق المشاعر والاخفاقات والانكسارات والاكراهات التي تعانيها المرأة في الوسط الاجتماعي الذي تنتمي إليه لكنه يسيء فهم انتسابها الحقيقي إليه.أنا أعول أكثر على نصوص الرواية النسائية وقد خصصت لها دراسة طويلة ،أما ما يثار حول النزعة النسوية فيعود إلى التذمر الطبيعي لحالة الاختزال التي تعانيها المرأة في مجتمع ذكوري،فلكل فعل ردّ فعل،ولكني لست من الداعين إلى هذه النزعة التي تعتقد أن أنصاف المرأة يتحقق حين تحاكي الرجل،وستكون النتيجة الوقوع في الخطأ الذي اقترفه الرجل نفسه ، أدعو بالمقابل إلى استثمار عالم المرأة الغني والمتنوع والغامض لكي يوظف،لأن المرأة كان لها وجهة نظر وموقف ترى فيه نفسها وعالمها،وليس يلزمنا رسم حدود لحرية التعبير للمرأة والرجل…!

v يحيى القيسي: ولكن هل لديك أي تفسير لتوجه النساء نحو السرد”القصة القصيرة والرواية”تحديداً والابتعاد عن الأجناس الأدبية الأخرى؟

v عبدالله إبراهيم: إن التفسير الذي يمكن أن أتقدم به هنا يعود لأمرين،الأول:قدرة السرد في تمثيل العوالم تمثيلاً رمزياً على خلاف الشعر،والثاني هو حاجة المرأة لاصطناع الوهم لكي لاتتهم بأنها تعبر عن الواقع.هناك إذا وسيلة فنية قادرة على التعبير الرمزي الإيهامي عما يريده الإنسان.وهناك حالة اجتماعية خاصة بالمرأة يناسبها التعبير سردياً ،ولهذا فإن الرواية النسوية ازدهرت لان كثيراً من الكاتبات العربيات اللواتي يعشن في مجتمعات شبه مغلقة وجدن في السرد وسيلتهن التمثيلية المناسبة التعبير عن عالم يحول دون التعبير المباشر عنه. وأتوقع أن هذين العاملين سيلعبان دوراً حاسماً في المستقبل القريب في تطور الرواية النسوية.

شاهد أيضاً

حوارات مع أديب الأطفال المبدع الكبير “طلال حسن” (13)

إشارة: بين وقت وآخر يتحفنا المبدع الكبير “طلال حسن” بنتاج إبداعي جديد في مجال أدب …

بريد السماء الافتراضي
حوار مع الشاعر الأمريكي عزرا باوند
كتابة وحوار: أسعد الجبوري

على وقع أصوات المارشات العسكرية،كان الرجلُ منتشياً دون كأس .إحساسه الداخلي بتلك النشوة التي تفرزها …

صابرحجازي يحاور الأديب و الاعلامي الجزئري لخضر خلفاوي

في إطار سلسلة اللقاءات التي أقوم بها بقصد اتاحة الفرصة امام المهتمين بالشان الثقافي والابداعي …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *