د. فاروق أوهان : الرأس المثلثة (1)

farooq  7عندما فاجأ قيس زميل طفولته بدر في مطعم صحارى الكائن في الميل الحادي عشر المتقاطع مع شارع غرينفيلد، بمدينة ديترويت – متشيغان، لم يتذكّر بدر لحظتها من أيام طفولته في العاشرة غير طيف باهت، فوقف أمام قيس كصنم حثّي نساه الآثاريون، ولم يدرسوا حالته، وتأريخ كيانه . وفجأة برقت شرارة الذكاء في عيني بدر، وكأنها مفاتيح ملفات آلة حديثة من آلات عصر الشبكات “NETS” بمختلف معاييرها وتشعباتها يستخدمها بدر الآن بمعايير خبرته التي قضى حياته فيها لقياس البشر من منطلقاته الخاصة جداً، ولم يكن قيس يعي حتى اللحظة ما يخبئ له بدر وراء تلك العينين الساحرة البريق، ولأن قيس كان معبأ بتصور هام عن طفولة بدر لم يكن لينتبه لما سُحب إليه في نهاية المطاف .
وما هي إلا لحظات حتى لمعت عيني بدر بتباشير الاسترجاع لتخبر قيس دون كلام، بما تشكّل في ذاكرة بدر من صور لقيس وهو يمشي أمامه في طريق عودهما من مدرسة بلدتهما الابتدائية الرسمية للبنين، وقد انتقل إليها قيس معنا من المدرسة الأهلية المختلطة . فيبدو قيس وهو يتحاشى الحجارة والحصى التي يتعّثر بها أمامه، والحجارة التي يرميها بدر على كل من حوله دون هدف،  فيصيب قيس في اليوم على الأقل بواحدة . أو اثنتان، هذا إذا لم يهجم كالمسعور، ومن دون سبب ليرفس . أو يعض أحد ممن حوله حتى لو كان أحد أخويه العاقلان .
وفي الفصل يكون قد اشترى بدر تلميذ مسعور هو سدهان الذي لا تنقصه روح الفكاهة، فيقوم هذا بتقليد كل تلميذ، إذا ما انتهت قائمة المعلمين، وعندما يأتي دور قيس يصطنع سدهان كل ما يملكه من التملّق ليرضي بدر تحاشياً من عضّة قد تصيبه في الصباح الباكر، ولكي يرضي غروراً خاصاً الدى بدر لم يدرِ أحد ما سببه ودوافعه، وهو بما يبرزه سدهان من قصور في قيس . ولم يسمع قيس قبلها . أو من يومها النقائص التي لا حظها  فيه سدهان، ربما لأن سدهان كان يشغل المقعد الخلفي لمقعد قيس مباشرة، وتصادف أن حلق الحلاّق رأس قيس أكثر من اللازم في أسبوع ربيعي كأنه يجّز نعجة أمامه فبرزت قرعته أكثر من المعتاد، فتمادى سدهان بوصف قيس بمثلث الرأس، ومن يومها صار هذا اللقب كنيته أينما ذهب .
وكم حزن قيس وهرب من الفصل إلى البيت مباشرة، ليقيس مقدار الاستدارة في رأسه . وتتسأل أمه عن سبب عودته المبكرّة باكياً، فتراه وتعزيه، وتنفي ما لديه من عيوب خلقية في جسده، منطلقة من مأثرة أن القرد بعين أمه غزال، لكنه لم يقتنع حتى الساعة . ويزيد في الهّم أنه كلما تفحّص نفسه في الحمام يرى عيوباً أخرى لعلها تتجاوز الرأس إلى غيره من الأعضاء، بكل بشاعة التكوين البشري الخرافي، ولكن الرأس هو الأهم لأن له علاقة مباشرة بالمظهر الخارجي مقارنة بزملائه ومنهم على وجه الخصوص بدر متناسق الصفات طولاً، ورشاقة، وحُسن قسمات . لكن ما كان يعزي قيس أن الصغيرات كن يتحاشين الاقتراب من بدر مهما حاول جهده، بينما يجاهدن في التقرّب من قيس لسرّ لم يدرك معناه حتى الآن .
ويوماً بعد يوم يكتشف قيس عيوب في تكوينه، وصل عدم التناسق  إلى أذنيه فقد احتاج وجهه لتوازن أفقيّ يتعلّق بالأذنين، وهذا ما اكتشفه يوم احتاج لتركيب النظّارات الطبية عند دخوله الجامعة، فقد حار العويناتي وقتها في اعوجاج إطاري النظّارات  التي يقيسها قيس، وارتفاع أحدهما عن الأخرى، وأخيراً عوج النظّارات دون توان، وكأنه عرف السبب ولم يذكره له . لكن قيس عندما وضع النظّارات على الطاولة ووجدها معوّجة قام بالمقارنة العويصة، والتماهي في الذات، لكي يبعد شبح التشويه الخلقي الجديد، ولكن من دون جدوى هذه المرة أيضاً .
تلك الصور التي سحبها الزمن مع قيس، وبقيت أمامه، عانى منها حتى عند التحاقه في الخدمة الإلزامية، إذ أنه كان يكّلف بمهام يتصوّرها ضبّاط الصف ليس لائقة إلا له هو قيس، بينما تعافها نفسه الرقيقة . وهاهو يرى بدر الآن أمامه يعاني، أو ربما يتصنّع المعاناة في إعادة تشكيل صور الطفولة لشبح صبي خائف أمامه، كان محط تفننه في تعلّم خبث الاعتداء على الآخرين . ونطق لسانه بدر أخيراً بتردد وبنوع من التشكك وإظهار نوع من عدم الأكتراث والتأكّد مخفياً شبه ابتسامة ساخرة، ربما تعود لتذّكره لقب قيس مثلث الرأس :
– آآآآه الآن بدأت أتذّكر .
ولم يضف على ذلك شيئًا هامًا، ربما عمد لذلك عن قصد لم يتبينه قيس حينها، فمن ينسى وجه قيس الغريب حتى ولو بعد نصف قرن بتلك القسمات غير المتناسقة ؟ وأضاف صاموئيل قائلاً لبدر :
–    قيس وصل حديثاً من معسكر اللاجئين ؟
وينتبه بدر من جديد إلى البؤس الذي يحمله قيس في وجهه، وربما يكون بفعل كثرة الندوب في وجهه، لعلها من نقص التغذية . ولأن بدر أسترجع ذاكرته أخيراً، أدرك بما لا يقبل الشكك، أي سيناريو مخيف سوف يرسمه لقيس فأر التجارب الجديد – القديم الذي جاء طواعية ليقع من جديد في مصيدته . وسرح بدر من جديد، وقيس يتلّمس عن بعد مسامات التنافذ لذاكرته وكأنه ذلك الحبيب الذي يحاول تلّمس يد حبيبته، لتسري بينهما شحنات التعاطف، ولكن في حالة كهذه ليس من منفذ غير التواصل بالتخاطر عن قرب . ويفكرّ قيس هو الآخر بنفسه، إنه لم يكن بعد هذا العمر الطويل ليتعّرف على بدر بهذه السهولة لولا إشارة صاموئيل إليه . كان قيس وقتها يريد أن يدخل على بدر في مكان عمله، ويتفّرس في ملامحه متأكداً أنه هو بدر ومن ثم يتلاعب بمشاعره، ويبدأ بتذكيره . لكن صاموئيل أفقد الدهشة كل معانيها، لعله يقوم بدور سدهان هو الآخر .. سدهان من نوع آخر .. أكثر تقدماً في السن، والعمل .. ولكن ربما باتكالية المستفيد من مواهب بدر الجديدة المتطورة … ومن يدري ؟ إذ كان صموئيل قد قام بأخبار بدر قبل أيام بأن صديق طفولة يريد رؤيته، ربما كانت كلمة صديق هي الالتباس الوحيد الذي حيّر بدر، فليس له صديق من أيام الطفولة، والأصدقاء كانوا يهابونه مثل سدهان، ونعمان فيما بعد في مرحلة الشباب . وحدث اللقاء مصادفة، فقد كان صموئيل جالساً وبدر على طاولة المطعم قرب صورة الملك جورج وهو يقتل التنين، فاستبق الحدث عندما مرّ قيس  في المجاز البعيد وهو يتأمل الصورة، مستغربًا من وجود صورة كهذه في مكان للأكل والشراب، بالتأكيد صورة كهذه ليست مشجعة للشهية .
فلربما يكون لها بعداً آخر، وهي الحلم بقتل تنين العصر، أو أن اسم صاحب المطعم هو جورج، أو كوركيس . وانتزع قيس ضحكة ساخرة من فؤاده المكلوم متحسساً آثار الجروح في وجهه، وكتفه . وهو يفكرّ في صعوبة مهمة القديس المعاصر في قتل التنين الذي تعددت رؤوسه، وتغيرت أساليبه . ويلتقط صموئيل قيس هاتفاً باسمه، مما أفسح المجال لبدر أن يتأمل الغريب عن بعد . ربما كانا قد اتفقا مسبقاً على اصطناع موقف ما، ولكنهما لم يخططا لهذا الموقف بالتأكيد، لعدم علمهما بأن قيس سوف يكون في المطعم نفسه، وفي هذا اليوم بالذات لهذا  استبعد قيس هذا الهاجس، وأستعجل الوصول إلى الطاولة، مفكراًبمن يقف بقرب صاموئيل . وهاهو بدر أقصر بكثير مما تصوره قيس، بل إن قيس يفوقه طولاً . ممتلء أصلع وأريحي كامل الفحولة والحيوية، ولكن لم يبق من فتنته الجذّابة إلا ذلك الألق الدفين تحت تجاعيد السنين . في حين كان بدر في تصور قيس حتى الآن، بأنه ذلك العملاق الطويل والضخم، لا يبالي بسرواله النصفي، الذي تفتقت خواصره من شدة حركته . لعل كلاهما الآن أحوج لثوان يستردان فيها أنفاسهما من هذه المصادفة التي حاول قيس رسمها بجهد سنين، ربما يفيد أن يتدخل متطفّل لكي يفسح المجال لكليهما كي يتفحصا عن قرب، من خلال مهاب كلاهما للآخر، ولو من الظهر صور الطفولة البعيدة . وفعلاً تشاء المصادفة أن يلهي بدر عن قيس في هذه الفسحة التي تمتد ربما لأكثر من نصف قرن، مستطرق أراد في هذا الزحام من الناس، وقرقعة الصحون أن يستعرض أمام غريب علاقته، وجاهه، وأعماله، أفاد كل ذلك قيس كثيراً فعرف من الحديث الدائر، الذي سرقته أذناه في غفلة عنهما، ومنهما أن لبدر ابناً غير شرعي اعترف به أخيراً، رغم أن أمه أسمته محاقاً نكاية ببدر، وهو يعيش معه بعد أن تنكّرت الدنيا له في كل آمالها . وتساءل قيس في سرّه : هل يعيش بدر عازباً ؟ ذلك لا يبدو من تصرفاته، ويقول قيس في نفسه :
– يا ابن أمي وأبي اللذين كانا على موعد زفاف لم يتم .
ولا يعرف قيس ما الذي جلب لذهنه هذه القصة التي كانت تتردد على لسان الجّدات في بلدتهم، ليتذّكر صراع والد بدر في تنافسه مع خطّاب أم قيس الجميلة . وكان وقتها مدير بلدية غريب لم يشأ أن يزكيه أحد من ملّة أهل قيس . لهذا فاز والد قيس بالعروس، ولو كان قد حصل ذلك الزفاف لكان قيس قد نال على الأقل نصيباً قليلاً من البدعة الجمالية التي كانت لبدر وإخوانه، لا صفة أحد أعمامه الذي لم يره، ولشدة الشبه في التشوه دعي قيسًا باسمه .
ويعود بدر لصحبة قيس، ويأسفان على ضيق الوقت الذي يحاصر كلاهما، وقيس بالذات بحاجة لوقت أوسع لكي يتعرّف على الصبي الشقي الذي كان يتعارك حتى مع حجارة الطريق، ويضايق أساتذته، وحتى دواب  الطريق لم تسلم منه . وبداخل قيس سؤال حيرّه طوال تلك السنين لماذا كان بدر لا يطيقه، خلافاً لأخويه الاثنين اللذين كانا بطبع آخر، وكان قيس يود البحث عن سيرة أخويّ بدر لديه، لكنه كان قد عرف مسبقاً أنهما في مقام اجتماعي وعلمي ممتاز أحدهما محامي، وسياسي مشهور . والآخر مهندس معماري معروف عدا عن الأخ الأكبر الذي لم يكن أحداً يراه حتى أيام الطفولة، لأنه كان قد التحق بمعهد ديني، وهو الآن رجل دين في بلومفيليد – ميتشيغان .
وبعد أن أكمل كلاهما غذاءه في طاولتين منفصلتين، جاء بدر ليطلب من قيس أن يوصله إلى مكان سكنه في موتيل ساغمور في شارع وودورد المتقاطع مع الميل الثالث عشر، فاعتذر قيس من مضيفه، وتبع بدر كالمسحور . وفي السيارة يتذكران بعض التفاصيل، فلم يكن بدر الصغير قليل الحيلة، يجدل حزام معطف فرات بعروة سترة كنعان  ويجدل ضفيرة فيحاء، وكأنها من فعل نازدار … وهكذا شعر قيس الآن أنه أمام رجل آخر أكثر هدوءً .
وكم كان قيس يخشى من مقابلة بدر الجافة، لكنه أحس بأن بدر ودود، بل ومنكسر . فعطف عليه . بل وتمنّى أن يحتضنه، ويقبّل ذكرياته في جبين بدر . وسرعان ما تذكرا أسماء كثيرة مرّت بخاطرهما كأنهما يتقاذفان حجارة الأمس .  وسأله بدر عما جاء به، وكيف وصل . فوصف له قيس بإيجاز على قدر مسافة الطريق ما عاناه من ويلات بعد تخرّجه مهندساً مدنياً، فخدم كجندي ملكّف أيام الحرب الطويلة، ووعده بأن يقص عليه حكاية هروبه من الجبهة إلى الطرف الآخر، من غير أن يوقع نفسه أسيرًا، وكيفية عبوره الجبال ليلاً وهو جريح في كتفه، ووجهه فعطفت عليه عائلة من الفلاحين، وألبسته ملابسهم حتى حواه معسكر للاجئين بدلاً عن معسكر للأسرى، ومن يدري لو كان أسيراً ما المصير الذي لاقاه، هل كان سينجح بالوصول إلى لجنة حقوق الإنسان؟
وانعطف قيس فجأة ليذّكر بدر من جديد بأيام الطفولة، فحديث الأمس القريب رغم مأساويته يمكن أن تترجمه الأيام القادمة بينهما، وسوف يتكلمان كثيراً . وشبّه بدر لقائهما بقصة لقائه مع شهباء، التي صار بدر يتذّكرها، ويسأل عنها، بمواربة خاصة، فشرح له قيس اختلاف لقاءهما هذا بلقاء صديقة الطفولة وقتها، عندما نسي كلاهما ما حوله من ناس، ومناسبة هامة كان كلاهما قد دعي إليها على انفراد فعادا إلى طفولتهما الرشيقة يتسابقان في باحة المدرسة الأهلية المختلطة، وقد فزعت شهباء من قيس عندما كان يسعى ورائها لجرّ ضفيرتها، بعد أن خيبت أمله في عدم تنفيذها خطة تآمرهما على محروسة ذات الضفيرة الواحدة أبداً حيث يقومان بشحنها بمشادة جانبية مع شيماء .
وخطر ببال قيس لحظة سرده لحادثة اللقاء جواب لم يستبعده الآن، ولكنه لم يأت بباله وقتها . أجل لربما كان بدر يغار منه لأن له صديقات كثيرات، وهو الموصوف بمفتون الصغيرات، وتذكّر كيف رماه بدر بحصى من “صبّان*” أصابته في رأسه عندما كان يدرس مع الخضراء فوق سطح دارهم الناصع البياض، ولما اشتكى أهلها لوالده ادعى بأن أوراس هو الذي فعلها .
وفطن قيس إلى سؤال  آخر، وهو هل كانت الصغيرات اللواتي يلعبن معه، يقمن بذلك بحب الصداقة، أم بدافع الشفقة، ولكنه لم يتعمّق في تفكيره القسري الذي اقتحمه، فالتفت إلى بدر مبينا الحاجة لوقت أطول لاسترجاع أيام الطفولة . واتفقا أن لقاءهما الآن وقفت أمامه حواجز، ربما بسبب الوسطاء الذين هم على درجة بعيدة عن تأريخهما الذي عاشه كلاهما، إضافة لضوضاء المطعم، وكثرة حركة الندّال . وأنهما على الأقل يقفان الآن في مساحة  زمنية لم تتجاوز الساعة . وقد ترجم الواقع ذلك، إذ سرعان ما وصلا إلى ساحة سيارات الموتيل، في الوقت الذي كان قيس يهم بسؤال بدر عما فعله طوال هذه الفترة، فلم يأت على طرف لسانه إلا سؤاله عن اختصاصه، ولم يحصل من بدر وقتها غير أنه لم يكمل تحصيله الجامعي، ووعده بلقاء خاص يفضي إليه بكل ما لديه . وقد كان كل أمل قيس أن يلتقي بدر على انفراد، وبقرب أكثر، وحميمية من نوع خاص .
وقد تحقق لقيس ذلك بعد يوم فقط، فالتقيا بناء على موعد كان قد رتبه بدر لكي يفضي لقيس بكل ذكرياته . وربما كان بدر قد شرب كأسين من ويسكي الجي آند بي “J&B” قبل اللقاء، فوجده قيس معبأ قبل إنتهاء الكأس الأولى . ففاجأه بدر بحديثه مباشرة كأنما يريد أن الاعتراف لقسيس كاثوليكي، وهو يفتخر ببطولاته، حتى أنه لم يجب عن سؤال قيس عن أخوته الثلاثة، وباختصار شديد “عفط” لهم ثلاثاً مع ذكر اسم كل منهم . ولو أن قيس لم يسمع عن بعض سيرته الذاتية لهذه الأعوام من أحد أصدقائه لهان الأمر .. ولكن ما قاله بدر لقيس أعاد الكثير من تقيمه لبدر . رغم عدم الجزم كاملاً . قال بدر :                                                   – بعد أن تركنا البلدة التي عشنا طفولتنا فيها، أكملت الثانوية في  مدينة الثغر مسقط رأس أبي، وكان عليّ أن ألتحق بالجامعة في العاصمة، وأقيم في بيت جدي الكبير، وليس له وريث في الوطن غير والدي، فأقمت فيه كالملوك، ولكنني لم أكن لأرغب في إكمال دراستي ولم يتح لي الخروج مع أهلي إلى السوّيق، وُترك بيت جدي الكبير لي وحدي، لأن والدي كان قد حصل على عقد عمل مغرٍ هناك، لهذا اُضطررت الانخراط في الخدمة العسكرية كجندي مكلّف من غير أن أكلّف والدي عناء دفع البدل النقدي . أو ربما لم يكن يسمح حتى لمن يدفع البدل النقدي أن يغادر دون إكمال الخدمة الإلزامية … وقد التحقت للتو بدورة تدريب المستجدين .
ولم يكن الأمر هيناً عليّ . أن أساق للعسكرية، وأنا ابن النعمة، والجاه، والرفاه . فحاولت التلاعب مع العريف بشتى الوسائل : تمارض، إلى تأخر بحجج ليست مقنعة حتى تفاجأت في يوم من الأيام أن يكون أحد من كانوا يزورون بيتنا الكبير من الأصدقاء الليليين هو ضابط تدريب . ولما مررت أمامه بتثاقل نهرني كأنني أحد الأغراب، ويبدو أنه كان نوع من التحذير لي لكي لا يلاحظ أحد أنني تعرّفت عليه علناً . لكن بعد أن وصلت القاويش* عقب فترة الفطور التي تلي التدريب .. جاء مراسل يطلبني وقادني إلى مكتب الملازم . وما أن انصرف المراسل حتى هجمُت على صاحبي بكلامي معه بأن يخلصني من هذا الذي أنا فيه بأية طريقة كانت فما لي والتدريب . والدوام، والمجيء مبكراً :
– لك بوول سويلي جارة* .
ووعدته خيراً لو أنجز لي هذا المعروف، ولم احتج لطول وقت لتذكيره بليالينا، بل يبدو أنني حتى قبل التحاقي بالخدمة الإلزامية بفترة قصيرة كنت أجهل أنه عسكرياً، وهو المتردد على بيتي بصحبة رفيقاته . وما شأني أنا بكل من يتردد على بيتي ما دمت أقضي معهم وقتاً مريحاً، ولكل منا همه، وعمله ..
ولم تدم المحنة كثيراً فقد وجدت نفسي أكثر المدللين، ولم أكتف بذلك، وإنما طلبت أن يكون نعمان زميلي مدللاً هو الآخر كشرط لاستمرار صداقتنا أنا والملازم، وسماحي له بدخول بيتي . وسرعان ما انتهت المدة دون عناء بل إن الفترات التي كنا نقضيها في الإجازات تجاوزت ساعات الدوام كثيراً . ولكن قلقاً آخراً بدأ يؤرقني، وهو إلى أي وِحدة عسكرية سوف يتم تنسيبي . وعدت لتذكير صديقي الضابط من جديد في أكثر الأماسي  الحمراء القريبة من موعد سحب القرعة :
– يول داد مروتك وين ممكن يكون تنسيبي .؟اعمل جارة* .
– خلي تطلع القرعة، وإذا لم تقع حصتك في مكان جيد ، نرتبك بعونه ؟
ويربت على عض . و. . وه، بقصد التأكيد المزدوج المعاني .
–    ألا تشرب يا قيس ؟
وصب بدر من قنينة ال”جي أند بي” في قدح قدّمه لقيس، من غير انقطاع عن السرّد والتدخين فهتف ضاحكاً : من حظي الكبير أنني فزت مع نعمان بالقرعة في مكان آمن، وجميل . مريح وهو مكتبة مقر وزارة الدفاع . مكان لا يحلم به أحد أبداً . ولكن من هُم هؤلاء الذين سأعمل معهم هناك ؟ وكيف سيتم التعامل معهم ؟ وهل يكون الأمر سهلاً في استمالتهم ؟
ومرّ الأسبوع الأول ثقيلاً، كتابنا وكتابكم، وليس من مراجعات   هناك ضابط سمين، لكنه لا يبدو من وسط متمتع بحبوحة، ربما يكون مُحدث نعمة، يدخل هذا الضابط غرفته، ولا يخرج منها إلا نهاية الدوام، ونائب ضابط مسلكي ليس عدائياً كغيره من  صنفه، ولكن ما ينقصه، بل ما يعنيني من نقصه هو ما له علاقة بشرط توفر شيء ما عليه تعويضه .
وعلى العموم فهو من المدخنين فلماذا لا اصطاده بالدخان، وبسجاير الروثمان بالذات . عليّ به إذن … وبكيت على الهاتف لوالدي في السوّيق لكي يرسل كمية من الروثمان مع من يأتي لأني لا أدبر شيئاً بلا مصروف، وهنا السوق السوداء رائجة لبضاعة كهذه، وراتب الجندية أربعة دنانير، ونصف ؟ فعلي أن أضاعفها . أو أعمل ليل نهار في نقل الطين، واغتمت والدتي، وبكت على مدللها، رغم أن لديها اثنان يدرسان في أمريكا، والثالث يقيم في المعهد الديني .
المهم ما أن وصل الدخان حتى بدأ غزل خيوط المؤامرة بهدوء وببطئ ممل . أضع علبة الدخان على الطاولة،وأدخن استئذان نائب الضابط بالتدخين، ثم اتعمّد التلذذ بها، وأنفث الدخان قريبًا منه، خصوصاً عندما لا يكون قد أوقد سيجارته . واستغل الفرصة لكي أقدّم له بتردد سيجارة واحدة في اليوم،  تزايدت حتى قمت أترك له بقايا العلبة وكأنني نسيتها، ومن ثم العلبة، فالكروص، وبالمقابل كنت أطلب إجازة ساعة بحجة تناول الفطور مع نعمان صديقي لا أتوانى عن حساب حصة نائب الضابط عند العودة من فضلات فطورنا .
ونعمان صديقي هو خير من يحسن خَلق الحجج، والمبررات، والتسويغات لي،   وأن يكون تابعي أينما ذهبت، يفسح لي المجال أمامي، وما أن أسير  أنا حتى يتنحى نعمان إلى الخلف لكي أمرّ أمامه بكل وقار، وأُبهة، ورسمية جادة، كل هذا يتم بمشاهد مبالغ فيها في كل مكان . في السوق، في المقهى، عند “الكبابجي” . لهذا لم تكفِ الساعة لكل هذه الطقوس فقمت بزيادة الوقود لنائب الضابط حتى أطالب بساعتين ثم نصف نهار .. ثم غياب كامل . ونائب الضابط يفعل كل شيء بصمت، ويقوم بإنجاز كافة أعمالنا أنا ونعمان ولا يتوانى عن المقايضة الصامتة، والمفهومة بالإشارات، حتى بقايا الكباب الذي نجلبه يأخذه، ويأكله بصمت، ربما خوفاً من الأجهزة اللاقطة التي أوهموه بأنها منتشرة في كل مكان، فقد نوّه مرّة ونحن خارجون إلى الشارع العام من بناية المكتبة بقوله :
– كن حذرًا يا أستاذ بدر، فلربما تجد يوماً لاقطة مزروعة في أوعيتك الدموية .
لهذا يغلب الصمت حتى على حركاته، وأصوات أعضاءه الداخلية، وهو قابع في الكرسي الذي لا يفارقه، وقد هدلت السدارة * على أحد جانبي رأسه، فبدت الصلعة برّاقة على عكس لون السدارة الكاكي، وقد زينها وسام أحمر معّتق من كثرة العرق، لم يبق له أية قيمة معنوية طالما تعددت الحروب وطال أمدها من غير سبب معروف .
ويبدو أن الضابط كان قد لاحظ اختلاف نوعية الدخان الذي صار نائب الضابط يدخنه، فصار يفتح الباب مرة، ويخرج إلى حيث نجلس ونائب الضابط، في المرّات النادرة التي نداوم فيها، لا ليأمرنا بشيء، وإنما لكي يجاذبنا أطراف الحديث، بكل ودّ وصداقة غير معهودة بين الآمر، والمجنّد . ويبدو أنه هو الآخر قد وقع في الفخ، فلربما ذاق طعم الروثمان من علبة ضابط الصف . وسمعت في أحد الأيام ضابط الصف يغمغم كأنما يكلّم نفسه، وهو منكب على السجلات وأنا أناوله كروس الروثمان الأسبوعي بأن علي أن أداري الضابط، فوعدته في اليوم التالي، ولكنه آثر الضابط على نفسه، وأومأ إليّ بأن أدخل بهذا الكروص على الضابط الآن .
واندفعت داخل غرفته التي أشاهدها لأول مرة . وقد سبقني عبق دخاني ليسود المكان كله، فوهبته الهدية الفخّ دون كلام، وخرجت . وهكذا خسر ضابط الصف سيجائره من يومها، رغم استمراره بنفس التزامه تجاهنا، وبالصمت المعهود، طالما كانت تلك رغبة الضابط، فعرفت أن الأمور تسير في الطريق الصحيح، وإنني مقبل على عرس جديد قد أنهي السنتين في البيت، ودعوت الضابط لبيتي، وسكر، وعربد، ونزع ملابسه كلها، وغنى والراقصة تدخن، وتنفخ في مؤخرته، وهو غائب في تصوراته، تدغدغه كل حركة، وهو يهز عجيزته كراقصة طروب، مردداً جملة واحدة لا غيرها هي :
– ما أحلى الحياة .
ويقوم بدر بتوزيع أوراق اللعب التي لم يعرف كلاهما . أو على الأقل قيس كيف اتفق أن تداولاه، وهما في حمى تسلسل الحكايات التي يسردها بدر بتفاعل، ويسمعها قيس بتشوّق كبير . وبدر يهدر بمحطات حكايته، وكأنها كتاب يقرأه بلا معاناة فقال مستدركاً ..
–    أه أين وصلنا ؟
(*) السدارة : قبعة مخروطية اختص بها الملك غازي، فصارة تقليدية للعراقيين الرسميين بلونها الأسود،
وباللون الكاكي للعسكر .
ويجيب دون إفساح المجال .. ما أحلى الحياة … أجل ما أحلاها لضابط مسكين وقع في مصيدة بدر، تصوّر يا قيس صرت لا أداوم إلا لاستلم الراتب . أو لأطمئن على الضابط لو غاب في يوم عن دوامه الليلي . حتى كان اليوم الذي هاتفني نائب الضابط بأن أذهب للدوام لأمر هام، وانفجرت دماغي بالأسئلة يا عجب ما الذي حدث . وقال صديقي الضابط متأسفاً والحزن يملأ فؤاده :
– خسرناك يا بدر، لقد نقلت إلى الشمال . ببرقية عاجلة من المخابرات المركزية .
ولكن ما الذي حصل ؟ ظلّ هذا السؤال يراودني آلاف المرات حتى التحقت بالمعسكر على بعد أربعمائة، وخمسون كيلومترًا شمالاً . والمصيبة أن نعمان ظلّ في مكانه هذه المرّة، وفقدت كل شيء . فباتت كل أموري خيال، فماذا يمكنني هنا أن أفعل، وكيف ساتدبر أمري .. وما سرّ نقلي بهذه العجالة وكأنني رجل مهم، وغامض .. لا بد من سرّ ما، وراءه ما يخيف . بل أن هناك أيدي عملت في السرّ من خلفي .. وراودتني كل الشكوك في شخوص من مختلف الوجوه التي مرّت في الشقة . ولكنني استبعدت أن يكون هو نائب الضابط . بل إنه لم يكن ليخطر ببالي أبداً . ولم يطل تساؤلي، وحيرتي كثيراً إذ ما أن التحقت بالوحدة، بأيام قليلة، كنت قد عمدت منذ البداية لإيجاد بديلاً محلياً لنعمان كان اسمه بالصدفة على نفس النغمة الصوتية وهو سعفان، حاولت جهدي أن أجد مبرراً معقولاً  لمبيتي في المدينة لا في المعسكر، بادعاء أن خالي الذي يعيلني مريض في المدينة، وبحاجة لمن يداريه في الليل، فهو مقعد، ولا يقوى على معاودة بيت الأدب وعليّ القيام بكل تلك الأمور . كل ذلك كنت أشيعه بين من هم معي في الفصيل، وأتماهل في تنفيذ العقاب رغم السياط، ودعس أقدام العريف حتى وجدت العريف نفسه يعطف عليّ ..
كان سعفان قد تبّرع وكلّم العريف عن محنة خالي الوهمي، ومن هنا كان سعفان هو الذي وجدني، وليس أنا الذي بحثت عنه . فعطف عليّ العريف ومال عليّ يواسيني، وحاول تمرير أموري بالسرّ، فسارت الأمور بهدوء مشوب بالحذر . لكن هذا الوضع لم يدم، ففي يوم الخميس ونحن نستعد للإجازة الأسبوعية  جاء عريفي خزعل راكضاً ليصطحبني لملاقاة قائد الفرقة وكان يرتجف ويرغي، وقد اكفهر وجهه، وشاطت شحمتا أذنتاه . لأنه ظنّ أن هناك من وشى به، وإنه سوف يُقدّم لمجلس تحقيقي وكان طوال الطريق من الثكنة حتى غرفة مساعد القائد يتقدمني ويضرب كفاً بكف على ضياع مستقبل أولاده ويلعن اليوم الذي رآني فيه .
ولم تدم تقديمات الجندي المذنب الذي هو أنا غير دقائق طلب مساعد الآمر من العريف أن يعود إلى وحدته، مما أرعبه أكثر وبقيت أنا مع المساعد حتى ينهي الآمر مكالمته ليدخلني المساعد عليه . وبخطوات عسكرية ثابتة، وتحية مجلجلة وإيعازات أصدرها المساعد لي كي أتقدم إلى داخل غرفة القائد، وصلنا إلى اللحظة الحاسمة، وكل ما بذهني ضبابي، ولكن فضولي زاد، وتعلّق كثيراً بتساؤل ملحاح هو :
–    ما الأمر ؟
لعله متعلّق بأمور كثيرة تبدأ من نقلي وتنتهي باتفاقي مع العريف ولكن ما أن وقعت عيني على ملفي الشخصي، وقد كتبت حروف اسمي الأول طولياً هكذا “ب، د، ر” يوازيها أرقام تجندي ” 794 ” مكتوبة بالحبر الأحمر مع اسم وحدتي التي نقلت منها، حالما رأيت القائد يمعن النظر فيه ببرود، وهو يدخن سيجائر لم تعجبني نوعيتها، رغم أنها أجنبية وهي “لكسترايك – LUKYSTRIK” حتى داخلتني مشاعر مدغدغة من  الفرح والاطمئنان، بأنني سأكون هنا أشّد سعادة من أي مكان آخر مررت به، وما أن تفوه القائد بكلمته الأولى حتى أيقنت جازماً بالسعادة القادمة .. فقال :
– أنت بهذه الخطورة إذن .. حدّثنا يا بدر كم امرأة تدخل بيتك في اليوم …
وهنا ارتخت كل أطرافي، وخاطرني مزاج هزلياً مزيلاً للخوف لأنتقل لطور الفكاهة .. فقلت مازحاً، ولكن بتوجس يوحي بالتراجع في حالة الخطر .. هو نوع من تعمد الخطأ غير المقصود فقلت متلعثماً :
– سيدي كلما يقوم الزّزز .ب.ر .. أقصد كلما يضغط زرّ الجرس .
وقهق القائد، وتلتها قهقهات المساعد المقلّدة بزيف ظاهر …
– يا ولد لا تكن شقياً، وأخبرنا عن مغامراتك، هل تعرف لماذا نقلت من العاصمة إلينا ؟
ولم يترك لجوابي مجالاً . بل قال :
– إنك تفسد الضبّاط في بيتك، أنت أخطر مَن يمكن أن تتسرب من خلال لياليه وسهراته معلوماتنا العسكرية، وسوف تتلقى دروساً هنا تلقنك معاني الضبط، والالتزام للُخلق العسكرية … خذه أيها المساعد نجم لتعلّمه واجباته .
قالها القائد بصرامة مفتعلة وشت بلا جدية، وإخفاء مماطلة مقصودة، ومع هذا نفذ المساعد أمر خروجنا من غرفة القائد بالرسمية العسكرية المعتادة، والمنضبطة، ويوما أن احتوتنا غرفة المساعد حتى بادرني المقدّم نجم بالقول :
– هل ما يزال بيتك تحت تصرفك ..
وقبل أن أجيب دعاني للجلوس … وهنا انتهى كل حرجي، فجلست ووضعت رجلاً على رجل، ومن ثم أخرجت علبة سيجائر الروثمان . وقدمت له، فقام بكل أبهة بتناولها، كأنه بوذي يسجد لمعبوده، وسحب علبة الكبريت كمن يتناول محفظة نقوده ليسدد فاتورة حساب باهظة الثمن، وقام ليشعل لي قبله كأنني شخص مميز، أو أحد رؤسائه، كنت وقتها قد تعمدّت إخراج مقدحة الديبون فلمع ذهبها المطلي في وجهه، فانبهر لها مما جعلني أتركها على حافة منضدته عامداً، ولاحظت أن كلانا حاول تجاهل الحركة عن عمد، هذا الشعور وذلك الانبهار في عينيه زادا اطمئناني أكثر . وسرعان ما سعى المساعد وسعه لإجراءات نقلي لمقر الفرقة، لأكون مراسلاً فيها لديه بالاسم فقط، فللمساعد والآمر أكثر من مراسل تخصص كل منهم في شأن معين . ولكنه اشترط عليّ أن أهتم بالقائد عند ذهابه في إجازاته إلى العاصمة، لأرتب له سهراته الخاصة، على أن يسبقها ترتيب سهرة مناسبة للمساعد، ليتحقق من جودة البضاعة ؟ ووعد المساعد بأن أقوم بإجازتي قبله بأيام لترتيب الوضع .. وهكذا ابتسم لي الحظ من جديد، وبدأ مشواري الأكثر خصوصية، في خدمة علم بلادي الغالية .
– بيكك*، ونييييي,,, وهيصة ؟
–    ألا تأكل الآن يا قيس ؟ “مزمز” على الأقل .
ولم يتبعها بدر بتعليق لعله كان بحاجة لخوض غمار حبكة، لم يشأ أن يفصله عنها أي عائق فانخرط بدر يقول :
وإليك تفاصيل الرحلة الجديدة، وربما الأهم في تأريخ خدمتي الإلزامية . فما كدت أنتقل إلى مكتب مساعد الآمر حتى رتب لي إجازة أسبوعين كما وعد، يكون هو قد أجيز في الأسبوع الثاني منها، ولكي أرتب له كل ما لدي من أمور تفتنه، وماذا فيها فترتيب أمور الأسبوع الثاني لا تأخذ مني أكثر من ساعات، وسأقضي الأسبوع الأول في العربدة، والعودة لليالي البرتقالية . هكذا أبدلت تسمية الحمراء المقيتة  . أو الزرقاء كما يحلو الأجانب تسميتها . ولكني كنت حريصاً هذه المرة من إعادة تنظيم وضعي مع  زبائن الأمس .. بحجة أنني مراقب هذه الأيام خصوصاً ضابط مكتبة الدفاع، وأفهمت نعمان بأن يكون حريصًا على أسراري، وأن يبتعد عني قليلاً لنفس الغرض، خصوصًا وإنني وجدت في شخص المقدّم نجم نفس البديل لنعمان، ولسعفان الذي ما يزال يفيدني في مقر وحدتي . وأخذت أرّتب مخطط حاولت دراسته مع نعمان، راجعنا فيها كل أفلام المخادعات الغرامية، وقوائم الابتزاز، فبذلت كل ما بوسعي لكي أجعل أول مرّة مميزة، وفريدة . فاتفقت مع نعمان على أن تقوم بتمثيل الدور واحدة من بنات الهوى اللواتي نعرفهن مقابل مبلغ مغرٍ . حتى وقع اختيارنا على صديقة هوى كانت تحبني، فمثلت عليها دور مزدوج ينطلق من نقطة ضعفها، وهو لو أنها تحبني حقاً فلسوف تبذل جهدها في راحتي وتواجدي معها لفترات أطول، وما عليها إلا أن تقوم بتمثيل دور الخطيبة، لكي أقدمها للمساعد رغماً عني إذ ليس من  شيء مميز أن يأتي المساعد ليعاشر فتاة تقبض منه . أو مني وهو يعرف أنها مأجورة وسوف تعاشر غيره بعد ساعة على الأقل .
وقبلت ميّادة التحدي . بل وأجادت الدور، ربما لأنها عكست صدق مشاعرها تجاهي أمامه، وقد حدثتني بأنها، وبعد أن اصطنعتُ أنا حكاية ذهابي لجلب حاجة إلى البيت، وبقائها مع المساعد لوحدهما . أن قامت بالتمنّع، ورفضت لمسها لأنها سوف تنتحر، وبدأت تذرف الدموع، وتستعصي عليه حتى نال منها . وبالمقابل كنت قد أفهمت المساعد أنني مضطر لتركها، وعليه ألا يؤذيها فهي من عائلة محافظة، وليست من أولئك . فتنطلي الحيلة، ولم تسع المساعد سعادته حتى إنه نسي أن يذهب ليزور عائلته، واكتفى بمهاتفتهم خوفاً من شكّ .
وصار لي تميّز خاص في تعامله معي، وعند نكون في الإجازة يتبعني مثل نعمان، ويخدمني أكثر منه، وفي المعسكرّ لا يتنكّر لي خصوصًا عندما نختلي لوحدنا .
ولما جاء ترتيب موعد إجازة القائد، وذهابي في إجازة قبله بفترة معقولة . لم نوفق لا أنا، ولا نعمان بتدبير “قح … ة” مناسبة للقائد، فليس من المعقول أن تقوم مي، أقصد ميّادة بالدور نفسه هذه المرّة ولا بنفس السيناريو، لأن المساعد، ربما يكون قد لمّح لآمره ببعض خفايا القصة، حرصاً منه على بقاء مي معه للمرّات القادمة . وكأن حظ الآمر في كل شيء تعيس، فلم تحسن من توسطنا بها أخيرًا حبك السيناريو . وقد لاحظتُ ذلك في عيني القائد، لكنه كان قد بلع الطعم، ولم يستطع التراجع، خصوصاً، وإنه كان يطمح بمن حدّثه عنها المساعد، حيث سألني عندما ودعني في البيت عن حال خطيبتي بالاسم، وأن أهديها السلام، وللحظة كنت سأخسر كل شيء عند استغربت من سؤاله وأردت أن أقول له أنني لست مخطوباً ولكن بقدرة قادر تذكرت مي عبد الناصر، وتصنعت الحزن على مرضها، ومعاناتها من أزمة نفسية لا أعرف ما هي حتى الآن ؟ ملمحاً لزيارة المساعد من طرف بعيد . وكأنه فهم مقصدي، وأسف على حظي ومستقبلي . فربت على كتفي مودعاً :
– عليك بخطيبة جديدة لكي تسعدنا معك .
ولكن العزّ لا يبقى على حاله، فما أن اشتعلت الحرب الطويلة حتى نقلت كافة القطاعات إلى الجبهة، ولم يمض أكثر من أربعة أيام حتى وجدت نفسي وجهاً لوجه مع القائد، وشاءت الظروف أن تتجحفل كتيبة دباباتنا، ويكون أول الضحايا المساعد الذي أصابته مدفعية مرتدة، تشضّت أشلاؤه كما تنتشر الأصباغ الملونة على الجدران . وكان من حسن حظي أن أكون بعيداً، في أُُمرة القائد وقتها . ورغم تلك الظروف المتسارعة، فقد عرّفني القائد على آمر الفيلق الذي تربطه قرابة به، وجاء ليزور القائد زيارة ميدانية، فأدخلني القائد، وعرفني عليه دون تكليف، مشيراً إلى أنني من سيقوم بالترويح عن سعادته، لو أنه ذهب في إجازته، ولم يُعر الآمر أي انتباه لقول القائد في بداية الأمر، ربما لأن الهيبة التي أحاطته، والصراحة المباشرة التي تفاجأ بها هي التي جعلت الآمر أكثر حرصاً، ولكن ما أن أشار القائد للحديث السابق عني حتى تغير كل شيء، فالتفت الآمر لقريبه يوصيه بالإكثار من إجازاتي .
وفي أول فرصة كنت قد بدأت أتمتع بالإجازات الطويلة هذه المرّة، فليس هناك من مراقبة دورية في الجبهة، فحاولت الآن أن أسجل قائمة هامة بالمحضيات النجيبات، من الناشطات في الترفيه الرسمي عن حماة الجبهة الشرقية، ومن غير المعروفات على الأقل في محيطنا . وأقول لك إنني كثير السعادة، محظوظ للغاية، محسود من الجنود الذين يعرفونني، ومنهم من يحصل على إجازات مثلي ولكن بأثمان من قوتهم، فالبعض كانوا يتكفلون ببناء دار الضابط كافة تكاليفه . والضابط يستلم الدار، ومفاتيحه أتاوة لإجازات الجندي البنّاء . أو الكهربائي . المقاول لمساعدته على إعالة أهله وأولاده بدلاً عن تركهم عرضة للجوع، وأمره للعلي القدير . وقد حدث أن اغتال أكثر من ضابط الجندي الذي أنجز له بناء داره برصاصة، في خطط محكمة الدهاء كأن يقتل من الخلف في معركة مكافأة له، وخوفاً من إفشاء سرّه، وافتضاح أمره . ولا يكتفي بذلك . بل يقوم بإرسال الجثة لأهله على كون الجندي أعدم لجبنه، حرصاً من تجاسر أهله بالسؤال عن كيفية استشهاد عزيزهم مثلاً . قصص كثيرة لعلك تعرف منها ما هو أكثر وأصعب وأقسى، ولكن دعني أنهي قصتي، وسوف يكون لنا أيام طويلة تحدّثني عنها .
ولنعد لقصة آمر الفيلق لقد كانت مواهبه أهم، وأعظم ممن مرّوا على داري العتيدة، شعّار * أصلي . يرقص أحسن من أية راقصة، ويهزّ وسطه مثل سهير زكي، لا والله مثل الراقصة ملايين التي  اشتهرت الآن على يد سمسار بحر الجنون . بل إن الآمر لا يخجل من إبقاء السدارة على رأسه بكل نياشين الخيانة التي تقلدّها من ذبح الآلاف . ومع هذا لم يدُم العزّ الجديد طويلاً فقد جاء هذه المرّة من أهلي، الذين اضطروا للسفر من السوّيق إلى أمريكا بعد حصولهم على “الغرين كارت” .
وعلى الرغم من إنهائي لفترة خدمتي، فليس هناك من مجال لتسريحي بأية وسيلة كانت . ولا أحد يجرؤ على الحديث بهذا الخصوص أبداً . فما العمل ؟ كان علي رسم خطة ما، وإلا تعفنت في الجيش طوال عمري !! وعليّ الإسراع قبل أن ينتهي العمر . وفي الحقيقة لم يكن يهمني أن أبقى . أو أرحل فكل الأمور سيان لديّ، ولكن ماذا لو تبدّل الحال، وحصلت أمور ليست في الحسبان، ففي الحرب ليس هناك أي ضمان . من هنا بدأت أخطط لترغيب الآمر بإرسالي في مهمة لشراء الإلكترونيات والعطور والملابس النسائية من السوّيق . خصوصاً وإنه من الممكن أن يتوسط لذهابي في مهمة للحدود الجنوبية في ميناء وافل، لدى قريبه الذي حدّثني عنه كثيراً، وقضى معنا إحدى سهراتنا في أن يمهّد لنا الأمر .
ولم يجب الآمر عليّ مباشرة فقد كانت أهم خصاله، أنه لا يعطي وعداً دون أن يتأكد من كافة الإيجابيات ويدرسها، ويتحاشى المحاذير . ربما كان في حلقة من سلسلة ضباط مرتشين ومن عشيرة واحدة، يعرف أحدهم الآخر فيناور كل على جبهته، فمن جبهتنا كانت هناك تسهيلات شراء السجاد الفاخر المُهرّب بأبخس الأسعار، يمكن للآمر أن يرسل بيدي واحدة . أو “دزينة” لأقربائه في مواقع جنوبية متقدمة.
وهكذا كان، فقد حملت في إحدى الشاحنات العسكرية مجموعة تحف عجمية لآمر موقع الثغر . وبقيت هناك لأيام في عزّ وبحبوحة خصوصاً، وإن الآمر هنا فضّل أن ألتقيه بملابس مدنية، لكي لا يظهر الفارق العسكري من جهة، ولكي أبدو على أنني تاجر لا غير . وكان قلبي ينبض كل ليلة لكي أعرف كيف سيتم تدبير الأمر وأسافر إلى السوّيق . فقد كنت قد هيأت مي للذهاب قبلي لتكتري لنا شقة، نوينا أنا ومحبوبتي، فيما لو نجحت في المرّة الأولى، أن تتكرر رحلاتي فتزداد الغنائم، لهذا لم أحاول تصفية بيتي، وأوصيت نعمان الاهتمام به والظهور كما لو كنت موجوداً .
وقد قام صديق للعائلة في السويق بتمهيد  كل التسهيلات لمي . كيف لا أصطحب مي معي وهي يديّ، ورجليّ، وخلفيتي التي أحتمي بها وهي من تدير أعمالي النسائية على أتّم وجهه . ولم يطل انتظاري كثيراً فقد اتفق قريب الآمر في الثغر مع ضابط أمن سويقي على استلامي والتساهل في عملية وصولي، ولم يكن الأمر غريبًا وقتها فالسوّيق كانت الربيبة، والعزيزة التي تمهد السبيل لاستعار نار الحرب بين البلدين “العديقين” وتشعلها كلما خمدت، وتمد بالملايين لقتل خيرة أبنائنا أو فقدانهم . أو هربهم . أو إعاقتهم .
لن أطيل عليك فبعد وصولي مدينة السوّيق واستقراري لعدة أيام، وأنا أحمل معي حقيبة دنانير سمعت مي تحدثني عن المخاطرة في العودة، وعن إمكانية البدء من هنا . بل إن أمور بقائي في السوّيق لن تطول لأكثر من عام ريثما تأتي أوراقي من أمريكا وأرحل . فمن يضمن رجوعي لو عدت للوطن من جديد وأنا بين المطرقة، والسندان، وبين أنياب آكلي لحوم البشر نيئها ومحروقها . فتدارسنا الأمر، وأولها مسألة البيت فماذا سيكون مصيره ؟ هل أتركه هبة لنعمان . أم تذهب مي لتصفية أموره ؟ وماذا لو كُشف أمرها ؟ ففضلنا البقاء أخيراً، والانتقال من الشقة بأسرع وقت وتبديل كل الأوراق خصوصاً، وإن دخولي كان بأوراق مزوّرة يمكن التلاعب بها لو ساعدنا أحد، فجواسيس جلادي الوطن كانوا مطلقي العنان هنا في السوّيق، يرتعون بفضلات سموهم، وأقل ما يحصل لأحد هو التصفية الجسدية . فعزمنا أن نبدأ مشوارنا كما كنا في بيتنا، ولنشرع بضابط أمن الحدود، الذي سهّل دخولي،  فذهبنا نشكره، وقدمنا له هدية، ودعوناه على عشاء بريء، وما أن تناول عشاءه حتى التفت إليّ يطلب العرق الزحلاوي . فعجّلت به، بعدما جاءت البادرة الحارة منه، وصار بيد مي مثل الخاتم . فغيرنا الأوراق، ولبسنا الزّي السويقي وأعلنا عن المهنة الجديدة .
وتوافد العديد من الغاوين، وكلانا متلهّف على استدراج المتعجلين للاغتناء السريع . ولكن مسعانا خاب فالسويقيين لا يرغبون بغير السكر وقضاء الوقت كله في الديوانيات الرجالية يرقصون ويلعبون الورق . فُيسحرون برقص الأولاد . بينما بناتهم يفتكن بأعراض الشباب تصل لحد اغتيالهم ورميهم في البحر .
–    ألا تصدّق ما أقول ؟
هاك ما حصل معي يا قيس . فقد حدث لي ما أجبرني على الهرب إلى هنا، قبل مجيء أوراقي بأسابيع، ففي مرّة كنت أتجول في الزاحمية، وقفت سيارة تسوقها . زنجية كأنها أخت مسعد الناطق الخالق، وسألتني عن الطريق الموصل إلى الثغر، فأشرت لها بالتوجه إلى الفوصة الثغرية عن طريق الهجران فلم يبدو عليها أنها فهمتني .. وطلبت مني أن أرافقها، ولما أبديت تحفظي لأنني كنت أنتظر مي لتأخذني من المكان بسيارتنا التي فضلت أن تكون هي التي تقودها . فطمأنتني جوهرة “هكذا كان اسمها” بأنها ستعيدني مباشرة  حالما تتعرف على بداية الطريق بحجة أنها دنجية جاءت على عجل لتشتري جمّار ثغري توحّمت عليه سيّدتها ولما كنت متفق مع مي على رموز حتى عند مهاتفة بعضنا البعض، وفيما لو تأخرّ أحدنا أن نتوسط بأعواننا عملاء “البلاك ليبل”، فقد ركبت لأكون أنا رجل الجمّار الذي توحّمت عليه سيدة جوهرة . جمّار ثغري أصيل .
فما أن صعدت السيارة حتى أسرعت جوهرة بقفل الأبواب من جهتها، وهددتني بالموت لو حاولت الاستنجاد . وكان من طبعي أن أستوعب المحن بسرعة وامتّص حتى نقمة العدو مهما كانت، فقهقهت على عجل، وقلت لها لم الاستنجاد، فأنا لا أفهم سرّ العجلة . لعل سيدتك لم تُذق جمّاراً ثغرياً طازجاً منذ فترة طويلة، ألم يشبعها الجمّار الدنجي، فنظرت من زاوية عينها اليمنى، وابتسمت لي بخبث وارتياح . وقالت :
– أي جمّار، وأي دنجية .. المتوحمة سويقية ؟
وعرف كلانا سرّ اللعبة .
وما أن وصلنا إلى المزرعة حتى أقفلت عبدة ثانية البوابة الإلكترونية وراءنا، وتوسطنا بهو فخم، كل ما فيه حريمي إلا أنا .
و … وبت ليلتها في أحضان السعادة ولم أتذّكر قلق مي عليّ، ولا آخر ما ينتظرني هنا، فقد تصورت أنني سوف أصحو في الصباح لأودع مضيفتي . وأعدها بالقدوم دون خطف، وترتيب . وعليّ أن أجد تبريراً مناسباً لمي في مبيتي بعيداً عنها . ولكن الواقع كان شيئاً آخر، فلم أصحو إلا لأجد نفسي مقيداً إلى السير، والغرفة معتمة، وقد أسدلت ستائر سوداء خلف الستائر الأصلية، ولما اعتادت عيناي على الجو ميّزت ما في الغرفة : فهي نفسها غرفة نوم خليلتي التي كانت حريصة على عدم الظهور بإضاءة كاملة، ولم أكن مهتماً لوضعي كما يبدو لخدر، وكسل في جسدي كله، ولأنني لم أقدّر ما الوقت، أأنا في الليل أم في النهار، وفي أي ساعة، أخذتني غفوة عميقة تداعت خلالها أحلامي، ولكنها لم تكن واضحة، وإنما لا تعدو عن دوّامات وفقاعات وأنا أقهقه طوال الوقت، عرفت بعدها كبر جرعة الأفيون التي أُُسقيتها، فعلى الرغم من ممارستي كل أنواع الفجور، والفسوق، لكنني لم أقرب حتى تلك الليلة أي نوع من المخدرات .
وصحوت على جسد المعشوقة يحتك بي بشوق، وغزارة رغبة، وكأن دبة شمالية فقدت ذَكَرها . وجاءها صيد بشري ثمين ترغب احتوائه بكل ما لديها من شبق قبل أن تأكله وهو في أنفاسه الأخيرة، وقد كان حالي هذا لليالي لم أقدّر كم هي . حتى كان يوماً عرفت أنني في حاجة لتغذية خاصة، وإلا مُت . ويبدو من حسن حظي أنني كنت قد نلت حظوة لدى السيدة ونالت فعاليات الجمّار استحسانها فطلبت تغذيتي بعسل الملكات، الذي ذقته لأول مرّة في حياتي هو الآخر، ومنع عني المخدّر . وسمح لي أن أصحو صباحاً، وأقوم بلا قيود، ولكن لا خروج من الغرفة، ولا يدخل عليّ غير جوهرة .
–    فماذا علي أن أفعل لأنجو …؟ أجبني يا قيس .
كان أهم ما فكرّت به منقذ . ولما لا يكون جوهرة نفسها، وقد كانت بحق جوهرة سوداء تحتي . وتوسلت إليّ أن أكتم أمرها، وإلا فالموت لكلينا معاً . فوعدتها بصدق رأته في كل حواسي . وكل خلية في جسدي وأنا معها في ساعات النهار . ومع سيدتها في ساعات الليل . عرفت الدلال، ولكن ماذا بعد . عليّ أن أنقذ رأسي . وقد مرّ علي كما خمنّت شهر، ولن تدوم قوتي مهما بلعت من عسل الملكات . فأمّلتُ جوهرة بإنقاذي بأية وسيلة، وما عليها إلا أن تهاتف مي، وتخبرها بالمكان . فخشيت جوهرة من الخطة، ولكنها أجرت عليها تعديلها المناسب وهو بأن تقوم هي بإخراجي إلى مكان محايد .. وتأتي مي لأخذي . وعليها هي أن تدفع الثمن . وربما تفكرّ في إيجاد الحلّ في الوقت الذي ستبدو بوادر الملل لدى سيدتها، وجوهرة تعرف حينذاك ما المطلوب منها . وهو إيجاد البديل قبل التخلّص من الأصيل . لهذا طال انتظاري، وفي كل مرّة أسأل جوهرة عن الهرب تُأمّلني خيراً . حتى جاءتني يوماً، وألبستني كيساً في رأسي . وأخذتني عند الغروب إلى المكان الذي اتفقت فيه مع مي بالهاتف وعندما ودعتني أفهمتني بأن علي مغادرة السوّيق بأسرع ما يمكن .. وألاّ  أظهر علنًا في الأمكنة العامة . وكانت مي حاضرة ومعها مرافق أمين، وفيزة يونانية فركبنا معاً على طائرة واحدة دون كلام . وما أن نزلنا في مطار أثينا حتى فُتحت عقدة لسانينا، وكلم كلانا الآخر عما حصل، وقد خمنّت أن الأمر كان قد صدر لجوهرة بالتخلّص مني، بالقتل ورمي جثتي في البحر، لكنها آثرت الإبقاء عليّ وهذا ما فهمته مي من ألغاز جوهرة أيضاً .
وها أنت تراني معافى . بدأت حياتي من الصفر لوفاة والدي قبل وصولي . وماتت أمي بعده بسنة، أي بعد وصولي بأشهر قليلة، وأخوتي كل بحاله .
وما أن انتهى بدر من سردياته إلى هذا الحّد وهو يقهقه محاذراً، حتى انتبه قيس بأنه كان يعبث في أوراق اللعب التي لم يكن يعرها اهتماماً كبيراً عندما كان يصغي لمغامرات بدر، وهو يسردها كحكايات ليس بمقدور قيس الآن أن يعطيها النكهة الخاصة التي تميزت بها طريقة بدر الساحرة، وكأن بدر هذا غير ذلك البدر الجلف أيام الطفولة . وسحب قيس ورقة من تحت أوراقه التي كانت لسبب لا يعرفه منفردة على الطاولة، وليست بين يديه، فوجد ورقة تتناسب بما يحمله بيده، وربما تكون الورقة الوحيدة الباقية، فهتف :
– رستك، أكشف عن ورقك .
– كنت .
– ستريت فلوش .. خسرت يا بدر .
وبينما كان قيس يلملم ما أمامه من أوراق نقدية أخيرة، أخذ بدر يندب حظه .. بافتعال مقصود، ناسياً . أو متناسياً ما حدّث قيس عن نفسه قبل لحظات . وجاءت زوجته لتدير لهما الشراب في الحال، فقدمها بدر لقيس باسم مي منتصر . وتداعت لدى قيس كل  القصص والملاحظات التي ما يزال المحيطين به يحذرونه منها، وهي ألا يقع في مصيدة مي وزوجها ولم يكن قيس يعرف أن بدر هو زوج مي ذاتها . بدر هذا الذي بحث قيس عنه لأعوام، لأن شهرة مي قد طغت على بدر، وتصدّرت كل أحاديث المجتمع، فمن يتذكّر اسم زوجها، وإن حصل فللتندّر فقط . فكلما سُردت قصص مي وزوجها، لا أحد يذكره لا من قريب . أو من بعيد . فلماذا لم يحاول بدر إخفاء اسمها في سرده للقصص، ربما يريد الإيحاء لقيس بأن مي جاهزة كما فعل مع مساعد آمر .  لقد صار بمقدور قيس الآن أن يضيف للقصص ذكريات بدر التي سمعها لتوه . ويتذكّر قيس أن أغلب من كانوا حولهم في مطعم صحارى يتحاشون الاقتراب من مائدة بدر، رغم حاجتهم للعبور إلى المغاسل من طرفهم، فكانوا يستديرون من الطرف المقابل لأداء الواجب المقدّس، إلا ذلك المستطرق الذي جاء من غير مقدمات، لعله كان قد دبّر مع بدر شأنًا يقومون به في كل مرّة يكون بدر مع أحد الفئران التي يصطادونها، فحكى بصوت مسموع قصة الابن غير الشرعي، الذي لا وجود له كما يبدو، لكي يُوحي قيس على الأقل بأن بدر يعيش لوحده، وإنه أعزب، ولإيهامه بأن لا ضير من قبول دعوة في بيته، ومن ثم التورط في لعب القمار .
ولهذا كان صموئيل محاذراً، وحرجاً، ويريد إتمام واجب التعريف على عجل، ولكنه لم يبادر لتحذير قيس مما هو مقدم عليه، ربما لأن صموئيل لم يتصور أن قيس لا يعرف بقصص مي منتصر، وأنها هي زوجة بدر بالذات . خصوصاً وإن صموئيل يعرف أن قيس قد سمع بقصص ضحاياهما الواحد تلو الآخر، مثل قصة انتحار فوزي البصري، وزميله عمر السلطي اللذين رميا بنفسيهما من النافذة بعد خسارة زوج مي، لأن جرس الباب كان قد قُرع فجأة، وأوحت مي لهما بأن الشرطة قد جاءت لتكبس البيت . فلملمت الأموال وتخلصت من القضية ببراعة . بل أقامت دعوة تشهير على زوجتيهما، وكسبت مرتجعات وهمية لها منهما .
كذلك تسببت مي في هجرة زوجة فادي الحلبي، وإفلاس شركته، وهناك الكثيرون ممن دخلوا مدرستها، وتخرّجوا منها إما إلى السجن . أو الآخرة ويقول قيس لنفسه :
– ربما سيحاول الآن أن يطلب الاستمرار في اللعب بعد أن أعلن إفلاسه . أو تظاهر بالإفلاس، وفيما لو تساءلتُ عن رصيده فسيقول بأنه لا يملك شيئاً إلا، ‍ وسوف يومئ إلى زوجته التي تقف ورائي الآن .
ذلك ما حفظه قيس عن ظهر قلب لأنه تردد على أكثر من لسان من ضحاياه .
– ولكن لماذا أنا بالذات؟
وما الشيء المميز فيه، ذلك ما حاور قيس نفسه عنه بسرعة، فلا مال، ولا جمال . إن في ذلك سرّ يخفيه بدر . وحدّث قيس نفسه من جديد :
–    أيعقل أن تكون غيرة بدر متأصلة بشكل مرضي هكذا ؟
وتذّكر كيف استثير بدر عندما ذكر قيس اسم شهباء . وفعلاً حدث ما خمنّه قيس، إذ وجد مي خلفه، وميّزها في المرآة التي أمامه، فقد مالت على كرسيه، وملأت أنفاسها شحمة أذنه، وقام زوجها  بدر بالتعريف . وفكّر قيس من جديد :
–    هل تستطيع فعلاً ميادة عبد الناصر التي صار اسمها مي منتصر بأن تغري الرجال، رغم أن ما لديها لا يثير أفطن الرجال وأغباهم . لكن هناك كثير من الرجال لا يهتمون إلا لأتفه الأمور .
– وهتف قيس بسرعة وهو ينظر إلى ساعته بأنه متأخر عن موعد هام عليه أن يكون في المكان خلال ربع ساعة .
وبدقائق وجد قيس نفسه في الشارع تاركًا ما ربحه على الطاولة، وناجياً بنفسه، مفكّراً في كيفية اكتشافه الورقة التي لم تكن من بين أوراقه، ربما كان بدر قد زلّقها لقيس بقصد إرباحه عمداً كما يُخسّر الضبّاط أنفسهم عندما يلعبون مع قائدهم في الثكنات . لقد كان الأمر بالنسبة لقيس نوع من المجازفة في الغش، ربما للمرّة الأولى، ولكنه لم يقدّر عواقبها إلا الآن وقبل فوات الأوان .
وقام ليحمد حرصه في تفادي الأمور في اللحظات الأخيرة، وليلعن أمنياته في التورط مع صديق طفولته الذي تداعت ذكرياته حوله طوال سنين كثيرة . ولم ينس الحجارة التي كان يتعثر بها، ولا تلك الحجارة التي كان يرميه بها بدر في طفولتهما، فها هي حجارة من نوع آخر يرميه بدر بها، وربما لا تكون آخر الحجارة .

الهوامش :
الصبّان = مقلاع صغير يستخدمه الأطفال في ألعابهم، وربما في صيد الطيور .
* القاويش = هو عنبر راحة الجنود، أو المرضى في المستشفيات . * أيها القوّاد، اعمل لي حلاّ ما .
•    يأخي أنا بمرؤتك، أين يمكن أن يكون تنسيبي ؟ اعمل لي حل . * البيكك = كأس الخمرة .
*شعار

(1) من مجموعة البحر يغرق، إصدار مركز الحضارة العربية بالقاهرة 2000

شاهد أيضاً

بلا عنوان
عائشة أحمد بازامة /بنغازي

غائب موجود أكاد لا أراك لكنك تسللت عبر فتحة الزمن الغائرة في نفسي ، رفيقي …

بعض ذكرياتي فترة الدخول المدرسي(2/1)
بقلم: سعيد بوخليط

مع بلوغ أواسط شهر ماي،مع تأكيد منسوب المحرار بكل حدوس الحواس،أن مراكش صارت كعادتها خلال …

تحرير الله مِن عبيدهِ الآبقين (وأمتزوا اليوم أيها المجرمون/59/ يس)
مقداد مسعود

أستعملتنا الحكوماتُ : حطبا ومهرجين أستعلمتنا العقائد الآيلة : لتربية الأقفاص الفوهاتُ استعملت أجسادَنا للتدريب …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *