الرئيسية » نقد » ادب » د. سامي البدري : حاملُ الهوى تَعِبُ ) (انطباعات طبيب نفسي)

د. سامي البدري : حاملُ الهوى تَعِبُ ) (انطباعات طبيب نفسي)

sami albadriahmad khalaf 3هذه قراءة لرواية (حامل الهوى) للروائي العراقي الكبير أحمد خلف نحاول فيها تناول بعض الجوانب النفسية حتى وإن بدتْ ثانويّة.

إحتفظ من الحرب الأخيرة بتذكاراتٍ صغيرة. الشظايا الصغيرة لتلك القنبلة التي ألقتها إحدى الطائرات الحربية بقربه حين كان في الجبهة.  شظايا صغيرة استقرت في داخل جمجمته. يا لها من تذكارات صغيرة. سببت له هذه الشظايا بعض الأعراض النفسية المزعجة حيث بدأ يعاني من هلاوس سمعية حيث يسمع بين الحين والآخر أصواتاً لا يسمعها الآخرون الجالسون بقربه، أصواتاً ترعبه.
كان ذلك كافياً لعائلته (امه، اخيه اسماعيل، واخته زينب) لكي يعزلوه وحده أكثر من ذي قبل، هو ذلك القارىء النهم للكتب، الكاره للعنف، الذي لا يملك إسماً في الرواية لكن أخاه اسماعيل يدعوه احياناً متهكمّاً بـ(غاندي).
تشعر أمه بالنفور والتقزز منه خصوصاً حين تجده يُكلِّم اخته عن الأدب وينصحها بالمطالعة. لمّحتْ امّه الى انه قد يكون مخنثاً وشاذاً جنسياً لأنه بدل ان يكون قريباً من أخيه اسماعيل فهو يفضل صحبة اخته زينب.
نتعرّف على شخصيات أخرى وعلى اساميها، فلبطلنا صديق واحد اسمه (نادر صالح) يمتهن الطب النفسي. وتعترضنا معلومة عن ماضي (نادر صالح) وهي ان أباه قد انتحر.

kh ahmad khalaf 1نتعرف على أبطال الرواية شيئاً فشيئاً ونعرف أساميهم التي قد تكون ترمّز في معانيها لصفاتهم فيما يبقى بطلنا بلا اسم (1). ليس فقط بلا إسم، بل ميّت رمزياً حيث تعمد عائلته الصغيرة الى الرشوة من أجل إصدار شهادة وفاة مزورة بإسمه لكي تنتزع منه المترات القليلة التي تركها له أبوه المتوفي في جنوب العراق، وها قد عرفنا ان أباه متوفي. تنجح عائلته في مساعيها ويلجىء بطلنا الى صديقه (نادر صالح).
صديقه النادر، ذلك الطبيب النفسي، بدل محاولة تقديم النصح لحل المشاكل بشكل ناضج، أو معالجة الهلاوس السمعية التي يعاني منه صديقه، نجده يدعوه لليلة صاخبة من شرب الكحول المفرط وتصحبهم في جلستهم الصاخبة تلك زوجة الطبيب واسمها (نيران).
تتصرف نيران بسلوك فاضح وتحاول إغراء بطلنا اللامسمى. تنتهي جلسة الصخب تلك بخروج نادر صالح مع البطل اللامسمى حيث يبدأ نادر صالح بقيادة السيارة برعونة شديدة وينتهي الفصل القبل الأخير من الرواية بحادث السيارة المميت.

الفصل الأخير من الرواية هو عبارة عن رسالة تكتبها زينب، اخت البطل، موجهة إليه حيث تشكره على الوقت الذي قضّاه معها وعلى النصائح التي بذلها لها. تذكر على سبيل المثال نصيحته لها بقراءة (عيون إلزا) لآراغون، تلك القصيدة التي كتبها آراغون لزوجته، ثم تشتكي زينب لأخيها من مشاكلها مع زوجها الخشن الطباع الذي يتّخذ من التهريب مهنة له. تبدو زينب متندمةً على الزواج من هذا المهرب الذي يبدو في الرواية يلعب دور الرجولة في عيون أمها وأخيها اسماعيل، دور هو على النقيض تماماً من الدور الأنثوي في عيونهم لبطلنا اللامسمى.  تبوح زينب لأخيها عن مدى شوقها له وتسأله إذا كان ما زال موجوداً!
بذلك السؤال نغدو غير متأكدين إن كان بطلنا مات ام لا.
انها رواية حول الصراع والمعاناة التي يعانيها الانسانيين المحبين للسلام والفن في مجمتع خشن الطباع حيث تُعادَل الرجولةَ بالخشونةِ والعدوان والنهب، وحيث يُصَنَّف الخلق الدمث والهدوء كسلوك جبان وحيث يتوجّب على كل ذَكَرٍ أن يكون خشناً وعدوانيّاً وإلا اعتبره المجتمع مخنثاً ولا يستثنيه من هذا الحكم حتى الأخ، بل حتى الأم.
رواية أخرى لأحمد خلف يغيب الأب فيها، أو يموت، او حتى ينتحر (2). رواية عراقية أخرى يلعب الطبيب النفسي فيها دوراً ثانوياً لكنه دور بعيد عن النضج ويُقرن شخصيّاً بالكحول والنيران والإنتحار (3).

(1) في رواية (موت الأب) هنالك شخصية تبقى أيضاً بلا إسم وذلك الرجل اللامسمى في رواية موت الأب لديه أخ اسمه إسماعيل أيضاً كما في هذه الرواية، ويحب فتاة اسمها سارة، ولديه عمّ اسمه نوح. إسماعيل وسارة ونوح، أسماء ذات دلالات تاريخية.
(2) للروائي أحمد خلف رواية مشهورة بعنوان (موت الأب) كان لها صدى واسع لدى القرّاء وكتبت عنها الكثير من المقالات في مختلف الصحف وكتب عنها الناقد الدكتور حسين سرمك حسن كتاباً بعنوان (كوميديا الغياب الدامية: دراسة في قصص وروايات المبدع العراقي أحمد خلف).
(3) أهتم شخصيّاً بالطب النفسي والوصمة التي تلاحق المرضى النفسيين أولاً والأطباء النفسيين ثانياً وكل ما يمت لذلك من صلات ثالثاً وتناولت سابقاً صورة الطب النفسي والطبيب النفسي في رواية  (بيت على نهر دجلة) للكاتب العراقي مهدي عيسى الصقر وجرى نشرها في هذا الموقع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *