د. فاروق أوهان : البحر يغرق (1)

farooq  7بينما كان “علاء, وكنعان, ونرسـو” يسـبحون عـلى شـاطيء البحـر, إذ بـ”زابوو” يخرج أمامهم فجأة على ظهر دلفين, وقد تعلق بعضهما بالآخر  كأنهما عبد وسيده . أو سيد ومملوكه . بل هما محبان لا غير . هكـذا تخيّلهما كل فرد مـن الأصحـاب الثلاثـة, وللحظـة خاطفـة .
ويقـترب “نرسو” من صديقه “زابوو” الذي دعا صاحبيه لمشاهدة زابوو, لكي يثبت لهما صحة ما رآه من “زابوو” في أحد الأيـام . لاأن يكـون فـي نظـر “كنعان” على الأقل, أكثر من مدعٍ جاهل . أو مُبالغ يختلق الخرافات وقد كانا “كنعان, وعلاء” لا يصدقانه, لهذا فقد شلّت المفاجأة لسان “كنعان”, وخجل من التشكيك بما كان يقوله “نرسو” . وحانت من “نرسو” نظرة لـ”علاء” الذي خفض رأسه لكي لا يحـرج “كنعـان” .
ومـا هـي إلا لحظات حتى كان “زابوو” قد أصبح في وسطهم . ولـم يصدقـا أن مـن هـو  بينهم من بني البشر, فإما طيف من خيال . أو بطل أفـلام الغابـات  . أو ممثل أفلام الخيال العلمي لمملكة البحار . وكأنهما يعيشان داخل    إحدى قصص ألف ليلة, وليلة, خرج عليهما أحد أبطالها لتوه . ولم يعر “نرسو” اهتمامًا بعد الآن, فقد تحقق جزء من مصداقيـة قولـه .
ولأن “زابوو” الذي وصل فجأة قد ترك الدلفين لحاله بإشارة لم ينتبه لها أحد من الثلاثة, ربما لهول ما رأوا . أو لأن الاثنين لم يصدقا ما رأيا . وانبرى “نرسو” يعرّفهم ببعض . ولكـن “كنعـان” المتسـرّع دائمًا, لم تحمله معدته, فقال بعد أن أفـاق مـن الصدمـة, مخـتبرًا       القادم, ليمتحنه كما يفعل الأستاذ, مع تلاميذه :–     من أين جئت, أقصد هل في البحار مملكة للإنس  ؟
وسارع “نرسو” للقول :
– الطبيب “زابوو ميلان” صديقي, دكتوراه في علوم الأحيـاء . بيتهـم في محلة “نادي البليارد” خلف الميناء العميق  ..
ولكن “كنعان” لم يبال في جواب “نرسـو” . بـل أصبـح أكـثر عدائيـة، واستفزازاً, ميشيراً البدلة “زابوو” المطاطية بقوله:
– تعرف إذن مهنة الغوص, بلا معدات .
ولم يطل الوقت, لأن “نرسو” دارى على سؤاله, وحـبذ “زابـوو” تطـاولاً كهذا, مفضلاً عدم الإجابة بعجالة .غير أن “علاء” كان أقل فضوليـة، وأكثر حياءً, وخجلاً, واتزانًا . لا يريد إحراج أحد . لهذا لم يحب أسلوب “كنعان” إلا في القفشات . فاستنكر ذلك وبادر بتوجيه الكـلام الهاديء لـ”زابوو” قائلاً :
–    لا بد أنها هواية جميلة ؟
وقبل أن ينطق “زابوو” بحرف قال “كنعان” بلا صبر :
– من مثلهم, إنهم يقتنصون الفرصة, ليس مثلنـا, لا حـظ لنـا فـي أي شيء . فإذا ما مسكنا الذهب انقلب إلى تراب .
ولم يفد لكز “عـلاء” لـه, ولا تضـاحك “نرسـو” الحـرج, حـتى انتهـى “كنعان” من ندبه . ثم ضحك وحده حتى صمت, وقال :
–    يبدو أنني أفسدت الجو كالعادة ؟
وهنا تكلم “زابوو” كأنه حكيم جاء من المجهول :
– لا لم تفسد الأشياء . بل وضعت النقاط على الحروف بسرعة . سأخبرك معنى أن ينقلب التراب إلى ذهب, وبالعكس  .. ..
وقام “زابوو” ليشرح له المعاناة التي لاقاها في التعـرف عـلى هـذه الهواية, وممانعة الأهل, ثم التعرّض لفحوصات الأطباء, وصـار يشـرح تفاصيل كثيرة حتى وصل إلى مخاطر هذه الهواية . منذ بدأها وهو شـاب يافع . فقد ولع بالحياة البحرية, منذ كـان طفـلاً, وهو يـرى إلـى الحيوانات البحرية بفضول, وما أن تخـرّج من الثانوية حتى أصّر على  دراسة علم الأحياء في كلية العلوم .
وفي يوم لـم, ولـن ينسـاه فـي عمره . دخل “زابوو” البحـر سـابحاً, وإذ بـه يسـمع بآذانـه أنغـام لأصوات تناديه, وتطلبه بسحر غامر, فعجب لهذه الهواجس, وفكّر بأنـه مسُّ من الجنون . وعندما عرض الأمر عـلى أسـتاذه, فـي مرحلـة إعداد بحثه للماجستير, أفـاده الأسـتاذ بـأن عليـه أن يتعمّـق فـي الاستجابة لهذا الهاتف, لعله يكشف سراً بايولوجياً, لم يسبقه إليه أحد . وما عليه إلا التدرّب على مهنة الغوص . وكان على “زابوو” أن يدخل دورة سُعد عندما اجتاز امتحانـات التـدريب الأوليـة مـن بيـن خمسمائة متدرب, بعد أن اجتاز فحوصـات القـوى البدنيـة, والصحيـة  .
وهكذا صار لزامًا عليه أن يعود البحر, مع مجموعـة مـن المتـدربين . بما فيهم أستاذه المدرّب . حفظوا قوانين, وشـروط الغـوص الدوليـة، ومحاذير الاعتداء على حرمة شاطئ . أو مغاصة . أو حتى سفينة غارقة بل إن لدخول السفينة الغارقة أساليبها العلمية, تكونت له مـع بعـض  زملاء التدريب أواصر الهواية . وقد سحر البحر زابوو منذ البداية, وكـأن تلك النداءات لم تكن سوى هاجس داخلي حفّزه إلى دخـول البحـر, ومـن عمق إلى آخر, ومن ساحل إلى غيره, وبلد إلى بلد آخر, ومن نادٍ إلـى نادٍ متخصص آخر, ومن مجلة متخصصة إلى أخرى, يكتب, ويدوّن, ويبحـث، ويرتقي درجات في علمه .
ولم يصل مع هذا لإرضاء هاجسـه . بـل صـارت الأصوات التي تناديه . تسحره أكثر فعمد إلى دراسـة لغـات الأحيـاء البحرية, لكل فصيلة لغة . بل ولهجة . وطباع ولكن كـل تلـك الجـهود   كانت لا تتميّز عن جهود من سبقوه من دارسين . حتى كان اليوم الـذي تصادف أن أنقذ دلفين من مياه ضحلة . فقد علقت أنثى الدلفين فيهـا، وراح “زابوو” يحاول إنقاذها وحده, ومن حولها صغـار الـدلفين تـذرف دموعاً ساخنة . ولو لا وجود صخرة مرتفعة على بعد ميـل بحـري داخـل الماء, ومعرفته بأمور الغوص, لما أنقذ الـدلفين . ولصـار الـدلفين أحد ألعاب أطفال الشاطئ, حتى بعد مماته . ومع حصولـه عـلى الحـبل وشده بالصخرة من جهة, والدلفين من جهته الثانية, غاص “زابوو” إلـى الصخرة, والصغار من ورائه, وبدأ يسـحب الحـبل, والصغـار يغمغمـون، ويتقاطرون من نهاية إلى أخرى جيئة, وذهابًا, حتى تحرّك الدلفين من مكانه الذي علق به, وصارت أناشيد الصغار بأنغـام مـن نـوع ثـاني … وهكذا حتى تمت عملية سحب الـدلفين لمكـان يسـتطيع السـباحة فيـه . وقتها تغيّر النشيد إلى مستوى آخر, ولم يجد زابوو نفسه إلا وقد احتضنتـه الدلافين الصغيرة من كل صوب, وهي تنشد احتفالاً بعودة الأم إليها، ونجاح المهمة . ومن حسن حظ “زابوو” أن آلة التسجيل التـي لـم يكـن يفارقها, موجودة, ولم ينس منذ البداية أن يشـغّلها .
وفـي المعمـل اللغوي, فاق الخيال ما تصوره, وفزع من الرموز اللغويـة التـي وصـل إليها, وأطلع بهذا الأكاديميـة العلميـة البحريـة . وسـاعده بـذلك مستشارون, من عدة دول . ولقد اعتبر بحثه ريادياً . ولكنه لـم يكـن ليهتم بالبحث بقدر ما اهتم منذ ذلك الوقت, بالعلاقة التي نشأت له، مع مجموعة الدلافين هذه . فالأم قد شاخت الآن, والأولاد, والأحفاد يعتبرونه من أسرتهم تماماً مثل عرّاب . أو شـفيع مـن دنيانـا إلـى دنياهم .
وصارت له لغة مخاطبـة, لـم يتقنهـا غـيره, وعندمـا يحـضر  المؤتمرات الدولية . تحرص تلـك الجهـات عـلى أن تسـتضيف واحـد مـن الدلافين على الأقل, ويكون لديها دلافينها لتقارن مسـتوى التخـاطب هنا, وهناك, ومدى انتقال, وتغيّر اللهجـة مـن مكـان لآخـر .
ولكـن هواية الغوص ليست كلها ملّذة, ومسرّة : أضاف زابوو وهو يواصل حديثه، وقد انجذب إليه الثلاثة كل بطريقته، فإن لمهنة البحر تفاصيل من المخـاطر، وأهمها الإدمان على غاز النتروجين الـذي يترسـب فـي الـدم, وكـذلك الترسب في مفاصل العظام . وهذا الذي يعاني منه كثـير مـن الغاصـة، و”زابوو” واحد منهم منذ البداية, ولكنه بعد أن تعرّف على دلافينـه لم يعد يخشى الإدمان, فقد صار البحر جزءً من حياتـه . ولا يضـيره لو خلع قنينة الغاز ورماها جانباً وهو في الأعماق . كما لا يضـيره في أي عمق يتدرّج, وبأية سرعة يخـرج, فـالحواري اللواتي حولـه سـوف ينقذونه . ولقد تصادف أن أنقذ كثيراً من مدمني الغوص ممـن يخـدّرهم النيتروجين, من الذين لا يبالون في عدم استنشاق الأوكسجين لإدمانهم نشوة الخدر بالنيتروجين, وحالمـا يـرى “زابـوو” حادثـة مثـل هـذه يهـرع بمعاونة دلافينه. بل إن الواحد منهم صار معتاداً على إنقاذ حـالات شبيهة دون أن يكون هو معها .
وانتهى “زابوو” من هذا السـرد السـاحر الذي لم يدع حتى “لكنعان” أن يجرّ نَفَسه ليقاطعه . بل إن كنعان كلما أراد الكلام, أمسكه “زابوو” من يده بطريقة يبـدو أنهـا تـوقف الأعصاب التي ترسل إيعازات النطق فيتوقف هذا متعجباً, ذاهـلاً لا يقوى إلا على الإنصات بانبهار تام .
وفي لحظة كان قد خنخن “زابوو” ولم ير الثلاثة إلا و”زابوو” يعلو فوقهم, وقد رفعه الدلفين, وغابا كأنهما طيف من خيال, ومن خلفهم عـرس راقـص مـن فعاليـات الـدلافين الأبناء, والأحفـاد . والتفـت الثلاثـة لبعضهـم مشـدوهين, وعـادوا لوعيهم . فقام “كنعان” بالمبادرة الأولى, لكي يعلّـق لكـن، “عـلاء” أسكته بإشارة وذهبا باتجاه الساحل ليلبسا, ويرحلا . وكأنهما قد خرجا للتو من حلم كابوس عاشاه, وفكّر كل منهما في نفسـه, هـل يعقـل أن يعيش بيننا بشر بهذا الطموح, وهذه الحيوية, وهذا العلم, وهذا التفاني؟ ونحن لا نطيل صبرنا حتى على إحصاء ساعات يومنا التي تركض بنـا دون طائل .
ولم يكن “نرسو” قد لحق بهما لأنه كـان منشـغلاً, بإمكانيـة توديع “زابوو” كما كان يفعل عندما يلتقيه وحده . وفجأة أحس “نرسو” أنه وحيد عندما التفت ليرى إلى صاحبيه وقد غابا . بينمـا لـم يـزل يحس بدفء اللقاء, وحرارة المكان لوجود “زابوو” . وخـرج لكـي يلـمّ ملابسه ويغتسل عند حافة الصخور, وكله انشغال بما حدّثهم “زابـو”، فسرت قشعريرة في بدنه عندما مدّ قدمه لغسـلها مـن الـرمل العـالق، وتخيّل تلك السمكة الخلدية التي تتوارى بين الصخور, وعندما تقـترب منها فريسة تباغتها, وتمسك بأي عضو, ولا فكاك, فسحب “نرسـو” قدمـه بسرعة, لكن قدمه الأخر بحاجة لغسل, وود لو لم يفعـل . أو أنـه فـي أحد المنامات . أو أحد الكـوابيس, فـلا مـوت, ولا جـرح . بـل حـتى الجراح لا تؤلم, وفي أقصى الأحوال سوف يستيقظ مفزوعاً, أمـا هنـا فلا يفيد, لا الفزع, ولا الهروب ولا الصحو, فإذا مـا خـرج حياً فلابد من عاهة ستلازمه .
وأسرع “نرسو” بتداعٍ مفـزع لكـي يتـم مـا عليه أن يفعله . ولكن عليه أن ينتبه, ولم يصدّق كيف قضـى المهمـة، ولم يتنفس الهواء النقي إلا عندما غادر الساحل, وقد حمل دمـه عـلى كفه, وذهب ضد التيار, فدار حول طريق البيت البعيد, ولـم يعـد إلـى   أصحابه تلك الليلة, لأنه صار عليهما أن يفهما معنى :
– إن لكل شيء ثمنه, حتى التراب .

(1) نشرت في مجموعة الحصان والثلج، إصدار دار مكتبة الحياة ببيروت 1997

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| كفاح الزهاوي : مجلس العظماء.

    دخلت قاعة التهريج، رأيت القرود مجتمعين، متوضئين وملء أشداقهم أصداء ضحكات هازئة تتعالى مستهينة …

| حسين أحمد : ذكريات مرَة – المهجع رقم ( 3 )  ..!!

     يبدو للنزيل الحديث وللوهلة الأولى إنه عالم آخر مغاير عن الحياة الطبيعية العامة …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.