د. حسين سرمك حسن : عبد الحسين شعبان وتشويه مفهوم حقوق الإنسان
عندما نبكي على الضحيّة، ثم نصافح جلادها ونقدّم له الهدايا

shaban 7 # ملاحظة :
—————  
هذه سلسلة حلقات من مخطوطة كتاب لكاتب المقال عنوانه “عبد الحسين شعبان : ما له .. وما عليه” ، سوف يصدر في القاهرة قريباً بإذن الله  .
ثالثاً : عبد الحسين شعبان :
عندما نبكي على الضحيّة، ثم نصافح جلادها ونقدّم له الهدايا :
————————————————————–
قلتُ في القسمين السابقين من الحلقة الخاصة بـ : عبد الحسين شعبان وتشويه مفهوم حقوق الإنسان ، إن من يعلن عن نفسه ، بأنه ناشط في مجال الدفاع عن حقوق الإنسان – كما يعلن الأستاذ عبد الحسين ، وكما يكتب للتعريف عن نفسه في مقالاته – فإن عليه أن يكون حذراً في تعبيراته ومصطلحاته من ناحية ، وفي سلوكه العام بصورة عامة ، وسلوكه السياسي بصورة خاصة ، من ناحية أخرى . فعندما تكون شخصا لا علاقة له بالدفاع عن حقوق الإنسان ، فإن هناك أحاديث وتعبيرات وأفعالاً ونشاطات سياسية وتصرّفات يومية ، يمكن أن تتعامل معها الناس ، ومن يراقب أقوالك وأفعالك على أنها أمور يوميّة وعاديّة من حقك أنت ، بل من حقّ أي شخص ، أن يقوم بها . وإذا كانت هذه الأقوال والسلوكيات خاطئة ، فإنها تقع ببسلطة ضمن دائرة الحرّية الشخصية – بالرغم من أن لهذه الحرية حدوداً طبعاً – ، وفي اسوأ الأحوال تتعرض هذه المواقف لنقد وتقييم وتقويم من قبل الأشخاص الآخرين حولك ؛ قرّاء أو مشاهدين أو مستمعين أو شهود عيان .. إلخ – . ولن يتعدى الضرر الذي سيسبّبه سلوكك – إن وجد – دائرة السلوك الشخصي ، والأضرار العامة المحدودة في الدائرة المحيطة بك .
لنأخذ مثلاً : عندما تكون ناقداً أدبيّاً مجرّدا ، وتكتب مقالة تحاول أن تبرّر بها علاقة القيلسوف الألماني “هيدغر” بالنازية والتنظير لها والدفاع عنها ، وكتابة التقارير عن زملائه في الجامعة في أيام حكم هتلر ، وتحاول أن تبيّن أن هذه المواقف لا علاقة لها بنبوغه الفلسفي الفذ ، وأطروحاته الفكرية المتميّزة ، ونظريّاته حول اللغة والوجود وغيرهما ، فإن هذا موقف شخصي أدبي ، ووجهة نظر نقدية قابلة للنقاش . ونفس الشيء يُقال عندما تكتب مقالة تمجّد “عزرا باوند” “الصانع الأمهر” كما وصفه “إليوت” حين أهداه “الأرض اليباب” ، والجميع يعلم مواقف “عزرا باوند”  المساندة للفاشية ، فهذا أيضا موقف نقدي قابل للمناقشة معك كناقد .
ولكن عندما تمدح “هيدغر” وأنت تعلم بمواقفه المساندة للنازية ، وتمدح عزرا باوند وأنت تعرف مواقفه المساندة للفاشية ، وأنت ترفع لواء الإيمان بحقوق الإنسان والدفاع عنها ، وبصورة علنية ، فهذه كارثة كبرى يجب أن تُردع عنها ، وتوقف عند حدّك . لأنك هنا تجاوزت حدود دائرة فكرك وسلوكك الشخصي إلى دائرة تحطّم فيها مفهوماً مقدّساً وعظيماً ، يهمّ البشر جميعا ، وفي كل مكان من الكرة الأرضية ، أو على الأقل ملايين البشر الذين راحوا ضحايا – أمواتاً واحياء – لسلوك النازيين والفاشيين ، وكذلك البشر الذين يتخوّفون من عودة هؤلاء السياسيين المعادين للإنسان وحقوقه .
أليس كذلك ؟
إذا كنت معجبا بأي شيء أو شخص أو فكرة ، فاطرح إعجابك من دون أن تكون في دائرة الدفاع عن حقوق الإنسان . وببساطة أسألك سيّدي القاريء : هل تقتنع – مثلا – بمناضل شيوعي يعلق صورة هتلر في غرفته ؟ ويعدّه أنموذج التحرر واحترام الإنسان ؟
هذا جانب ، أما الجانب الثاني ، وهو مكمّل للجانب الأول ، فهو أنك حين تعلن أنك مؤمن بحقوق الإنسان وتدافع عنها ، وتنشط “رسميا” وعلنا في سبيلها ، فإن عليك أن تكون حذراً في أقوالك وأفعالك ، وبصورة خاصة وخطيرة أن لا تناقض بعضها بعضا ، لأنك عندها سوف تتحوّل من إنسان مبدئي ناشط في مجال حقوق الإنسان لا تغيّر مواقفه اقسى الضغوط ، إلى نهّاز فرص ، سياسي غايته تبرّر وسيلته ، ومتاجرا بحقوق الإنسان ، وستقول الناس عن سلوكك هذا فوراً : “إن هناك مصلحة” لديك من هذا الإنقلاب في المواقف ، والتناقض في الأفعال .
لكن هناك ما هو أبشع من ذلك ، وهو انعكاسات انتهازك للفرص ، وتلوّن مواقفك ، على الإنسان وحقوقه عموماً ، وعلى الإنسان وحقوقه في المنطقة التي تنشط فيها خصوصا ، وهي هنا المنطقة العربية الشائكة المعقدة التي استقبلت مفهوم الدفاع عن حقوق الإنسان حديثاً .
فما علاقة حديثنا هذا بالأستاذ عبد الحسين شعبان ؟
لقد قام الأستاذ عبد الحسين بفعل يمكن أن يصدر عن مواطن بسيط ، أو عن سياسي أو ناشط حزبي من أي لون ، لكن لا يمكن أن يصدر ، ومهما كانت المبرّرات ، عن شخص يزعم أنه ناشط في مجال حقوق الإنسان والدفاع عنها ، ويُستقبل في الكثير من البلدان ، ويُمنح الجوائز على هذا الاساس .
ما هو هذا التصرّف ؟
إنه زيارة العقيد “معمر القذافي” ، الذي لا نختلف مطلقاً على أنه من أشرس الطغاة في العالم العربي ، ولا أعتقد أن اي واحد من السادة القرّاء بحاجة إلى أدلة ووقائع في هذا المجال .
طبعا ، عليّ أن أؤكد على أنني شخصيّاً ضد الهجمة الغربية على ليبيا مهما كانت الذرائع ، فهذه الهجمة لا يمكن تبريرها ، وحصيلتها أنها ضد الإنسان وحقوقه ، حيث أدّت – وحسب إحصائيات الأمم المتحدة – إلى مقتل (100000) مئة ألف مواطن ليبي . وهذه جريمة ضد الإنسانية ، يجب أن تُحاسب عليها الدول التي قامت بهذه العملية الوحشية . لكن لا يمكن ، وبأي حال من الأحوال ، أن يدفعنا هذا الموقف الشاجب للحملة الغربية الوحشية على ليبيا ، إلى تقبيل السيّد العقيد القذافي وشم أكتافه ، والإعلان في حضرته أمام أكثر من 250 مليون مواطن أنه القائد البطل والخالد والعادل والمناضل .
يمكن أن يتفوّه بهذه الأوصاف سياسي أو تاجر أو دبلوماسي ، لكن أن يتفوّه بهذه الأوصاف والتعبيرات شخص يعلن أنه مؤمن بحقوق الإنسان العربي ويدافع عنها ، فهذه كارثة اخلاقية ، بل قانونية كبرى .
يا أخي ، على الأقل ، نحترم مشاعر ضحايا القذافي من الشعب الليبي عبر أكثر من أربعين عاما منذ استيلاء القذافي على السلطة في ليبيا ؟! وهذا ابسط واجبات الناشط العربي في مجال حقوق الإنسان . أما عندما يكون سياسيا ، فهذا من حقه ، وضمن دائرة اجتهاده ، برغم أن القذافي سيبقى طاغية وديكتاتورا وجلّاداً دمّر وقتل وعذّب الإنسان الليبي ، وسحق حقوقه .
لكن هل اعترف الأستاذ عبد الحسين شعبان بطغيان القذافي وديكتاتوريته ووحشيته ثم ناقض نفسه ، ومتى ؟
الجواب هو : نعم .
وآخر الأدلة على ذلك ، ومن عظمة لسانه ، كما يُقال ، هو المقال الذي نشره في يوم 9/3/2011 في موقع “الحوار المتمدن” المعروف (1) .
وماذا قال فيه ؟
قال نصّاً ، وهو يتحدث عن جريمة اختطاف السيّد “موسى الصدر” ، من قبل العقيد القذافي :
(لم يدر بخلد رجل الدين موسى الصدر أو الدبلوماسي منصور الكيخيا أي قدر غاشم سيحلّ بهما أو أي مكروه سينتظرهما . لم يعرفا أنهما تعرّضا للخديعة إلى هذه الدرجة، على الرغم من أن مضيّفهما – يقصد القذّافي – خصم مدجج بالغرور والاستهتار إلى حد الشتيمة . كانا منسجمين مع نفسيهما ، لذلك لم يتوانيا عن قبول الحوار ، وهو حوار فيه المسافة الواضحة بين المُعارض والأنظمة ، والمُعارض والأجهزة ، والمثقف والسلطة . قد يكونا ضحية حسن النيّة . وقد يكون رهانهما على آخر قطرة إنسانية في نهر الشرّ الفائض) (إنتهى كلام عبد الحسين) .
ثم يواصل الأستاذ عبد الحسين فضحه لجريمة العقيد معمر القذافي في اختطاف وقتل السيّد الشهيد موسى الصدر، ثم الناشط الليبي في مجال حقوق الإنسان “منصور الكيخيا” ، المعارض العنيد لنظام القذافي الذي اختطف في عام 1991 ، بالقول :
(إختفى الإمام موسى الصدر بعد زيارة رسمية له إلى طرابلس أراد منها أن يدير حواراً فكرياً واعداً ، وبعقل منفتح مع العقيد معمّر القذافي، لكن الأخير لم يحتمل ذلك، فقرر تحويله إلى جثة … واختفى الكيخيا الذي اختار الحوار والمعارضة بديلاً عن التعاون مع القوى الخارجية ، على الرغم من حذره وارتياباته . ولعله كان مقتنعاً بأن النظام الليبي قد لا يغامر بارتكاب حماقة تصفيته طالما هو رجل سلام وداعية لحقوق الإنسان . ولربما صاحب هذا الاعتقاد السيد موسى الصدر الذي ظن أنه سيكون ضيفاً رفيع المستوى على الحكومة الليبية) (إنتهى كلام عبد الحسين).
هذا هو الموقف المطلوب من أي ناشط في مجال حقوق الإنسان ، ويتمثل في رفض اختطاف اي إنسان ، أو حجزه ، مهما كانت الأسباب ، كما جاء في المادة التاسعة من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان .
لكن ما الذي فعله الأستاذ عبد الحسين شعبان ؟
وما الذي اقترفه من فعل يشكل إثماً بحق الإنسان وحقوقه ؟
لقد وقف أمام المجرم الخاطف العقيد القذافي ، وصافحه بحرارة ، ووصفه بالأخ القائد !!
هل يعقل هذا ؟
الاستاذ عبد الحسين الذي قال بلسانه إنه يتابع جريمة خطف السيّد الصدر ورفيقيه منذ عام 1998 – راجع مقالته السابقة في الحوار المتمدن – يقف معجبا أمام الخاطف ، ومقترف الجريمة ، ويصافحه بحراراة ، ويصفه بالأخ القائد ؟
الأستاذ عبد الحسين يعلن لنا أنه يبكي على الضحية ، ولكنه يصافح جلادها بكل حرارة .
وأتمنى على السادة القرّاء أن يقوموا بمشاهدة فيلم لقاء الأستاذ عبد الحسين شعبان بالقذافي ، وهو موجود على شبكة اليوتيوب واضحا صريحا ، ويستمعوا لما قاله للعقيد الـ “خصم المدجج بالغرور والاستهتار إلى حد الشتيمة” كما وصفه في مقالته .
الشجعان الجسورون ، هم فقط ، من يصلحون للدفاع عن حقوق الإنسان في هذا العالم الجائر الظالم ، المليء بالطغاة الجلّادين القساة .
والآن يأتي سؤال مهم آخر :
عندما يشاهد مواطن يتابع سلوك وأقوال الأستاذ عبد الحسين في مجال حقوق الإنسان ، ويقرأ أحاديثه عن ضرورة مواجهة الطغاة والإطاحة بالديكتاتوريات ، والسير في طريق الحرية الحمراء ، ثم يشاهد وقفته المنكسرة ، وشاهدوها في الفيلم – امام العقيد معمر القذافي ، ومصافحته له بحرارة ، ألا تهتز صورة حقوق الإنسان العربية أمام عينيه ؟ ألا يعتقد هذا المواطن ، وهو يرى هذا التناقض المروّع واللاأخلاقي ، أن المدافعين عن حقوق الإنسان في الوطن العربي لا يختلفون عن السياسيين المتلونين والذين ينتهزون الفرص بشيء ، يتلونون مثلهم ، وينتهزون الفرص مثلهم ، لا مبدأ ثابتا ولا قيم ثابتة لديهم .
ويتسع الإثم بحق الإنسان وحقوقه أكثر فأكثر ، عندما نعلم أن الضحية المغدور المختطف السيّد “منصور الكيخيا” هو من مؤسسي المنظمة العربية لحقوق الإنسان ، التي كان ومازال الأستاذ عبد الحسين يعمل فيها ويصرّح باسمها .. يا إلهي .. كيف يسهل على إنسان أن يسحق جثة رفيقه ؟ ويصافح قاتله ؟ ولأي سبب ؟ ولأي مصلحة ؟
لكن الكارثة/الإثم لم تقف عند هذا الحدّ ، فهناك موقف سلبي آخر مكمّل لا يقل عن هدر حق الضحايا ، ومصافحة جلّاديهم .
فقد كانت هدية الأستاذ عبد الحسين لـ “الأخ القائد : القذافي” ، كما وصفه هي ما وصفه بلسانه – وأرجو أن تشاهدوا الفيلم – هو “سلطة المعرفة” . قال نصّاً : “أهديك سلطة المعرفة .. سلطة الحق .. هدية متواضعة إلى الأخ القائد” . أي أن الأستاذ عبد الحسين لم يكتف بتلويث نفسه ، وهذا أمر يخضع لاختياراته ، ولم يتوقف عند حق مصافحة الجلاد الذي كتب ولاحق جريمته كما اعلن في مقالته ، بل أهان الثقافة ، وكل المثقفين ، بأن لم يكتف بإهداء كتبه في مجال حقوق الإنسان للعقيد ، بل أهدى العقيد “سلطة المعرفة” كاملة وكـ “هدية متواضعة” .
لقد كان بإمكانه أن يقوم بهذا الفعل الآثم من دون أن يسبب الأضرار الجسيمة السابقة ، بأن يخرج من دائرة نشاط حقوق الإنسان ، ويذهب لمصافحة ” أخيه العقيد القائد” كسياسي أو كناشط في أحد الأحزاب ، كما يفعل السياسيون والحزبيون والإقتصاديون والتجّار وغيرهم .
لكن أن تعلن أنك مدافع عن حقوق الإنسان المقدّسة ، وأنك قد سخّرت كل إمكانياتك لكشف جريمة اختطاف أناس أبرياء ، ثم تذهب لتصافح مرتكب الجريمة هذه ،  ومختطف أولئك البشر كما قلت أنت ، فهذا تناقض لا يمكن السكون عليه . أعلنه هنا لكي يطّلع عليه العاملون في مجال حقوق الإنسان العرب ، لكي ينتبهوا لسلوكياتهم ، ويتأكدوا من أن هناك عيناً لا تنام تراقبهم ، هي عين الله العزيز الجليل ، وعين الضمير الذي هو وكيل الله على الأرض .. تسجّل عليهم آثامهم ، وتُحصي انتهازهم للفرص على حساب الضحايا .. تسجلها للتأريخ لكي يطلع عليها الناشطون الآخرون ، ورفاقهم ، وأصدقاؤهم ، وزوجاتهم ، وأبناؤهم ، والجمهور العربي كلّه .. والأهم هو أن يبقى حقل حقوق الإنسان حقلا صافيا مقدّسا ، لا يلوّثه أحد ، ولا ينتهز الفرص تحت غطائه ، ولا يتاجر باسمه ، ولا تنتقل إليه ممارسات السياسة المتلونة .
وهناك درس وعبرة مضافة ينبغي بحثها ، نطرحها للنقاش ، وهي ليست من أختصاصنا :
هل تحتاج منظمات حقوق الإنسان إلى هيئة رقابية شعبية تراقب سلوك اعضائها وترصد تصرّفاتهم ، وتؤشر محاولات تشويه شعاراتها والمتاجرة باسمها وأهدافها ؟

هامش :
(1)    لغز اختفاء موسى الصدر ومنصور الكيخيا! – عبد الحسين شعبان – الحوار المتمدّن – 9/3/2011.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. هايل علي المذابي : لحية وبيادة!!.

شيئان قيّمان في الوطن العربي: اللحية والبزة العسكرية!! كانت اللحى في أزمنة غابرة مبعثاً للطمأنينة …

| هاتف بشبوش : آلان ديلون وعلي الوردي ..

مات زير النساء وجميل الستينات والسبعينات الممثل الشهير (آلان ديلون ) بطريقة الموت الرحيم ، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.