ناطق خلوصي : ديناميكيات الثقافة (ترجمة واعداد)

يشعر انثروبولوجيو وفولكلوريو أجيال سابقة بالحزن أحيانا ً لأن عصرا ً للتكنلوجيا المتقدمة والرأسمالية العالمية يمكن أن يتسبب في زوال الثقافات ” التراثية ” . اننا في الغالب نعتبر الثقافة والتراث في الوقت الحاضر كمصادر مرنة وديناميكية تتفاعل مع العالم الحديث : تشكّله بقدر ماتتشكّل به ، أكثر من كونه يتجاوزهما أو يضع حدا ً لهما .
يجمل الفولكلوري ” باري تويلكين ” الرؤية الراهنة للعديد من الباحثين أو الدارسين حول ديناميكية الثقافة وحيويتها فيقول :  ” في الفولكلور ، كما هي الحال في العالم البايلوجي ، يكون الأختلاف هو المعيار الأفتراضي النموذجي بصورة كلية . ليس هناك شخصان متشابهين بالضبط في كل تفصيل ، بغض النظر عن درجة قرابتهما . أن ألإختلاف يؤثر على كل خصيصة . سواء كانت بنيوية أو وظيفية ، تطرأ في كل مرحلة من مراحل الحياة ، في حياة الحيوان  والنبات مثلما هي الحال في التراث  . ”
أن الفولكلور في حالة تغير مستمروهو  يتطور دائما ً ويكون في حالة انتقال من مكان ألى أخر .
ويشدد تويلكين أيضا ًعلى أن الفولكلور والعمليات الثقافية ترتبط جميعا ً بـ ” قوة واحدة : الديناميكيات المتفاعلة للثقافة الحية ” . لذلك يمكن أن تدرس ، غير أن دراستها ستكون أكثر استبصارا ً حين تبنى على الفرضية التي تقول أن الثقافات في حالة تغير دائم  . أن الباحثين في كل الاختصاصات ، وبضمنها الفيزياء ، يلاحظون أن الفولكلور وكل شيء ضمنه أنما هو في حالة حركة وتغير مستمرة .

ريموند ويليامز

عندما تصور الباحثون الفولكلوريون المفهوم الحديث للثقافة ، فأن هذا المفهوم استخدم للبرهنة على أن النموذج التطوري للحضارة الغربية هو قمة الأمكانية البشرية . أن هؤلاء المفكرين اتخذوا نموذج دارون النشوني منطلقا ً لبدء عملهم ، وتعرفوا بذلك على أن التغيير كان دائما ً قوة تأريخ من سبقهم . ومع ذلك فأنهم منحوا ، وبصورة تهكمية ، رؤية للثقافة على أنها أقل ديناميكية في زمنهم ( على أعتبار أنها كانت قد بلغت الذروة من قبل ) .  يعرف ” ادور تايلر ” الثقافة في القرن التاسع عشر ــ كونها مرادفة للحضارة ــ بأنها ” ذلك الكل المعقد الذي يشمل المعرفة  والايمان والفن والقانون والتقاليد واية قدرات أو عادات مكتسبة من قبل الأنسان كعضو في المجتمع . ومع أن هذا التعريف يبدو شاملا ً وذا مدى واسع ، فأنه في النتيجة النهائية يتم تعريفه ، وبالتالي يحدد الثقافة كوحدة كاملة وخاصة . أن منح الثقافة مثل هذه السمة المادية كان مفيدا ً للفكتوريين لتمييز حضارتهم كوحدة كاملة واضحة الحدود ، عن الثقافات الأقل تقدما ً في مراحل التطور غير المتمدنة أو البدائية .
أن الباحث في الثقافة أو دراسها في القرن العشرين أصبح يرفض النمط النشوئي بسبب معانيه الأضافية الأجتهادية والتسلطية والعرقية في الغالب . ومع ذلك فأن الثقافة ظلت في الغالب تـُمنح السمة المادية وتعتبر ساكنة أو تستخدم لتعيين حدودها وحركتها كما هي الحال في المقاربة التأريخية ـــ  الأجتماعية للدراسات الثقافية
ويرى” كليفورد غيرتز ” ( وهو واحد من أكثر دارسي الثقافة تأثيرا ً في هذا القرن ) أن الثقافةمساوية لنص ما، لذلك فأن شيئاً ما لابد من أن يفسر . في رأي ” شيري ب . أورتنر ” عن
مفهوم الثقافة  ان : ”  غيرتز قال ان الثقافة يجب أن ينظر اليها على أنها ” شبكات المعنى ” التي يعيش الناس ضمنها ، المعنى المحول الى اشكال رمزية ( لغة ، نتاجات مصنوعة ، قواعد سلوك ، طقوس ، بيانات جامعة ، وغير ذلك ) لابد من فهمها من خلال أعمال التفسير المشابهة لعمل النقد الأدبي . تجد ليلى أبو لغد في دراستها عن التلفزيون في مصر ” أن التلفزيون ينقل ويقدم مفهوما ً اشكاليا ً بصورة متزايدة للثقافات كمجتمعات أشخاص محلية  متمركزة ومعطلة

ريموند ويليامز

جلفورد غريتز

مؤقتا ً في شبكات معنى مشتركة  . لم يتم النظر الى الثقافة أكثر من كونها عقدة ومع ذلك فأن المعيار الكامل لتعقيدها هو أمتداد أو اتساع الشبكة التي تبرز الأن ، عملية واسعة وغامرة بقدر ماهي الحياة نفسها ، ليست حياة محددة أو شخصية كما هي الحال عند بندينيكت وأنما أنظمة حياة أو كونيات . ” وشأنه شأن  أبو لغد والاخرين ، يضيف ” غريك أوربان ” المنظور المفيد للثقافة كونها متمركزة ومرتبطة بالخطاب الذي يقول : ” أن الثقافة تتركز في اشارات أو علامات راسخة يمكن الوصول اليها من قبل الجمهور  ويتمثل أكثرها أهمية في أمثلة الخطاب التي تطرأ فعلا ً ” . أن الثقافة مفيدة بالتالي في فهم مرويات الناس وأدخالها في السياق العام وأمثلة الخطاب الأخرى . ولكن ليس هناك من يتوافر على ثقافة معرّفة بوضوح تعمل على أحتوائه . أننا جميعا ً نحقق ثقافتنا ونبنيها ونجددها مثلما نمارس حياتنا . أن فائدة هذه المصطلحات تعتمد على الرغبة في فهمها كأدوات مجردة وليس كحقائق ، كما يوضح ميشيل جاكسون :   ” أن مفاهيم مثل ” الثقافة والطبيعة واللغة والعقل ” ، لابد من أن تعتبر كوسائط وليس كحقائق مطلقة . ”
المفاهيم لاتتجاوز عالم الحياة هذا  ، عاكسة جوهره أو كاشفة عن قوانينه الاساسية . أنها لاتستطيع أن تحملنا فوق التجربة أو خارجها ، وأنما تنقلنا فقط من ميدان الى آخر وتكون صلات أرتباط . أن التفكير يشابه طريقا ً كما يقول هيدجر ، طريقا ً الى العالم أو عبره ، حركة نحو أرض جرداء . التفكير ليس طريقا ً نحو الخارج . ”   وفي مفهوم جاكسون فأن كون الشيء مجردا ً يعني كونه فارغا ً . أن المصطلح في حالة كونه طريقا ً الى الثقافة ، مفيد كطريقة للتفكير حول مجموعة من الناس .
أن التجديد الثقافي يحدث بصورة فردية ، ينشأ ويتشكل من الحيوات الفردية في حين أنه يتشكل ويستنبط مع أنماط اوسع للتراث وللرؤية العالمية والثقافة . ويتوقف الابداع البشري على روابط منفردة في حياة المجتمع والاستلهام الشخصي . فالتراث يجري في / ومن عملية الالتقاء هذه . ” أن التأريخ والثقافة والعامل البشري تلتقي في التراث الذي هو فعل زماني وأرادي . ” عندما يدون البشر افعالا ً أبداعية مقصودة بنيّة التعبير عن ارتباط ثقافي وأجتماعي ، فأنهم يسهمون بأصالة في الثقافة التراثية وعبر الزمن تتغير الثقافات وتتكيف بدلا ً من أن تموت .
يفهم ” ديل هايمز ” التراث بمصطلحات سلسة وناشئة بصورة منطقية معا ً . ” أن ماهو تراثي يبدأ بما هو شخصي ، وتوزيعه في التأريخ في مجتمع ما مهم ولكنه ثانوي ولا يعرّف . أن شيئا ً ما تكون له صلة التراثي له حضوره ويستجيب لجهد تحويله الى تراثي . والتراث البكر ليس قضية حفظ الى حد كبير بقدر ماهو قضية أعادة خلق من قبل أشخاص متعاقبين  في مجتمعات متعاقبة  ، وفي أداءات فردية . فالفولكلور والتراث  كلاهما يرتكز على الموقع والابداع والاداء  .
يوَسع ” دي ماليه ” تعريف الثقافة أكثر ، أخذا ً بنظر الاعتبار الطبيعية الديناميكية والمرنة للثقافة . أنه يلاحظ أن كلا ً من الرموز والمعاني المرتبطة بها تتغير عبر الزمن طبعا ً لموثرات خارجية وداخلية مختلفة ، موفرا ً الديناميكية التي تجعل المجموعات البشرية في حالة تغير متواصل . أن مثل هذه المرونة في الثقافة تكون شاملة وطبيعية ، وبهذا التعريف المرن والديناميكي للثقافة فأن ” الاصالة ” تتطلب فقط الأشارة الى لحظات الابداع أو التفسير حين يتسبب الالتزام الفردي في ترابط أجتماعي . وطالما أن المرء يمارس العمل بحرية ، ومع رغبة في أن يرتبط بالتراثي ضمن مجتمع ما ( أي أن أعمال وأفكار الاعضاء الأخرين في المجتمع والذين هم ذوو أرادة ومبدعون ومرتبطون عن وعي بقيم ومُثل مجموعة أجتماعية ) فإن الابداعات والتعابير والتأويلات الناشئة عن ذلك تكون أصيلة  .
أن فهم الديناميكيات المرنة والمعقدة والمعبرة مثل الثقافة يجب أن يكون هو نفسه معقدا ً ومرنا ً . تنشأ النزاعات المحتملة حول أصالة أو معنى النماذج أو الرموز الثقافية المقدمة ، عن الاهتمام بمن يحمل مؤهلا ً للكشف عن المعاني أو عزوها للنتاجات الثقافية  . أن ” دي ماليه ” يدرك موضوعية أي تأويل ثقافي مثل هذا ( سواء كان من منظور داخلي أم من منظور خارجي ) بين الامريكيين المحليين : حين يجد أي شعب استحالة الموضوعية المتبادلة بين الأفراد الذين هم أكثر تجانسا ً في الجماعات ، فأنه يتوفر على احتمال ظهور أختلافات عديدة في تفسير الثقافة والمعاني التي تبني عالمها وتشَكله . ثمة مرونة موجودة في النتاج الثقافي وتفسيره الذي لايتم أختياره عن وعي بشكل عام ، بأستثناء ما يتم من قبل الفلاسفة  ضمن ثقافة ما أو من خارجها من امثال الباحثين . أن حضوره كباحث ميداني أثار تعريفا ً ، تعبيرا ً رمزيا ً وأعتباراً للمعاني وتعابير الثقافة ضمن المجتمع الذي عمل فيه . أن مثل هذا العمل الميداني يعجّل في تحديد هوية الرموز الثقافية وتعريفها .

جلفورد غريتز

ليلى أبو لغد

يبذل الانثروبولوجيون والفولكلوريون جهدا ً كبيرا ً حول مشكلة الثقافة . وتحدد ليلى أبو لغد هوية المشكلة على أنها تكمن في الفارق بين الذات والآخر المطلق في المصطلح وفي الانثوغرافيا ( أي الانثرويولوجيا الوصفية ) . أنها تقول أن من الصعب تعريف الثقافة ومع ذلك فأنها تبقى الموضوع الحقيقي لتسأؤل الانثروبولوجي ، وأن المفهوم المجرد للثقافة هو أنها طريقة لتمييز النفس عن الآخر : ” أي أن الثقافة هي الأداة الجوهرية لتكوين الآخر . ” الثقافة هي التي تمنح التماسك ماهيته ، وبسبب مثل هذه المشاكل ، الى جانب الميل لرؤية العلاقات من خلال القوة ، فأن أبو لغد تقول بأنه ربما يتوجب على الانثروبولوجيين أن يأخذوا بنظر الاعتبار ستراتيجيات الكتابة ضد الثقافة . ” أنها تعني بذلك أنه يتوجب على الاثنوغرافيين أن  يعيدوا  تكييف أنفسهم  بعيدا ً عن الدراسات الشاملة  والكبيرة التي  تقدم   ” ثقافة ” ما ، وبدلا ً من ذلك أن يركزوا على ” الروابط والروابط المتبادلة ” وتشمل التفاصيل وبضمنها مكانة الاثنوغرافي في المجتمع وفي الدراسة . علينا أن نقدم قصصا ً من الحياة ونصوصا ً محددة ، ونستخدم مصطلحات مثل الممارسة والخطاب  ، التي هي ” مفيدة لأنها تعمل ضد افتراض المحدودية بدون الأشارة الى مثالية مفهوم الثقافة . ” وبتقديم الاثنوغرافيات القائمة على العمل الميداني ورفض التعميم ، يكون على المرء بالضرورة أن يتخلص من دلالات الثقافة الأكثر إشكالية مثل التجانس والتماسك والخلود .
أن وضع العمل الميداني والتحليل البحثي يجب أن يفهم كأحداث أساسية أو تفسير خاص لكل العلاقات المتبادلة المعقدة وأنظمة الرموز التي تشمل الثقافة . ولذلك ، وكما تشير أبو لغد ، فأن تقديم مراحل الثقافة ، بدون التعميم حول ” ثقافة ما ” تكون له قيمة ويتجنب الكثير من المشاكل . أن مثل هذه التعميمات وأفكار المحدودية تربك الدارسين وأفراد المجموعات الثقافية على حد سواء .

ليلى أبو لغد

أن مفهوم الثقافة كضرورة ملحة ، شأنها شأن الحياة نفسها ،تجد لها صدى أيضا ً في فكرة ريموند وليامز عن الثقافة كعملية ” تخلق فيها معان جديدة وممارسات وأهميات وتجارب جديدة ، بصورة مستمرة . أن ريتشارد باومان الذي يمتدح هذا التعريف لكونه متبصرا ً ، يدرك أيضا الخاصية الملحة للأداءات السردية ” لأن الخاصية الملحة للتجربة هي عامل حيوي في ظهور الثقافة الملحة . ” ويقودنا أدراك انبثاق الفنون الشفاهية والثقافة والتراث والطقوس وغير ذلك الى أن نلتفت الى الأملم بحسب مايذهب اليه باومان ، ويجعلنا بذلك قادرين على أن نستوعب ماهو أكثر من وحدة التجربة الأنسانية الكاملة “. ولكونها غير محددة ومتغيرة وملحة ، شأنها شأن الحياة نفسها ، فأن الثقافة والتعابير الثقافية لابد من أن تكتشف وتخلق ويعاد خلقها من قبل كل جيل يدرك الحياة حتى حين يكون منطويا ً على الوعي بالماضي والارتباط به.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| فازع دراوشة : “واستقبل الكاتبُ مندوبٌ” .

قد يكون هذا العنوان من أغرب  العناوين التي اخترتها لكتابة من كتاباتي. الجمعة، الأول من …

| عبدالكريم ابراهيم : الألعاب الشعبية تودع ذاكرة الأطفال .

تعزز الألعاب الجماعية مفهوم الوحدة والتماسك، وتزرع روح التعاون بين الأطفال فضلا على تنشيط الجهاز …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.