شوقي يوسف بهنام : لؤلؤة أدونيس ؛ قراءة نفسية لقصيدة اللؤلؤة

shawki yuosif 5adonis 5هل يرى أدونيس نفسه لؤلؤة ؟؟؟ ! نعم انه يجد نفسه كذلك . هذا ما تخبرنا به قصيدته المعنونة ” اللؤلؤة ” وينبغي ان نلاحظ .. انه ليس لؤلؤة .. بل اللؤلؤة . ونحن نميل إلى الاعتقاد  ان ال التعريف إشارة إلى التفرد والامتياز والتوحد .. انها صورة من صور التقدير العالي للذات . ولنرى كيف رسم أدونيس معالم هذا التقدير عبر قصيدته هذه . يقول أدونيس :-

كيف امشي نحو شعبي ، نحو نفسي
كيف أمضي نحو تَهيامي وصوتي ، كيف اصعد ؟
لست إلا ّ نهرا يرفض ، يخبو ، يتوقد
غامرا لؤلؤة الشعر الخفية
لابسا وسوسة الشمس ،
وإلا َ
’حلما _
( الآثار الكاملة ، مجلد 2 ، ص 573 )

*****************

أدونيس هنا يعيش بين ناريين . وهذه البينية التي يعيشها تتجلى في حيرته في كيفية التعبير عن ما لديه .. وهذه الحيرة قادته الى الاغتراب .. لقد اعتبر الشعر .. وعلى وجه التحديد قدرته الشعرية لؤلؤة ً خفية . قبل ان يتباهى أدونيس بلؤلؤته ِ الخفية اعتبر نفسه نهرا رافضا . ونرى أن هذا النهر يلفه الارتباك . لقد وصف لنا أدونيس مظاهر ارتباك وتخبط هذا النهر .. هذه المظاهر إنما هي تعبير عن ما يملكه هذا النهر . النهر إذن .. أعني أدونيس حائر لأنه لا يدري كيف يكشف مجراه (ذاته) لضفافه ِ عن ما يملكه هذا النهر . لذلك وكنتيجة لهذا .. فهذا الخبو والتوقد إنما هو سر مأساة هذا النهر .. انها أوجاع مخاضه . لا ندري كم استغرقت أو ستستغرق تلك الأوجاع ؟؟؟ . نميل إلى الظن انها سوف ستسغرق العمر كله ما دام حيا .. ومع ذلك فإن أدونيس سعيد من الداخل ، لأنه يخفي لؤلؤة الشعر . لنقف بعض الشيء عند رمزية اللؤلؤة في منظور الحضارة الإسلامية . ومثل ما تعودنا في قراءتنا السابقة عن أدونيس ، الانطلاق من معجم شبل عن الرموز الإسلامية .  حيث يستعرض هذا الباحث رمزية اللؤلؤة في الحضارات السابقة للإسلام  . أما في الإسلام فيرى شبل ان اللؤلؤة ترمز في :
1-    السياق القرآني إلى الشيء الخفي الذي يعز انكشافه على الحس المشرك .
2-    وتستخدم كلمة الدر عند أهل الحق غالبا بمعنى الصدفة . ويرى هذا الباحث ان الدر أو اللؤلؤ يعني كلمة الله التي يعبر عنها باللؤلؤ الأبيض . ( 1 ) . نعتقد ان أدونيس ، طبقا لخلفيته الإنتمائية لا يخرج عن هذا التصور لفهم أبعاد معنى اللؤلؤة . إذن أدونيس يحمل أو يخفي بين جوانحه لؤلؤة الشعر . أليس من حقه بعد وقد أخفى لؤلؤة الشعر ويكون لابسا  لوسوسة الشمس ؟؟؟ . إن لم يكن كذلك فهو ليس إلا حلما . بمعنى آخر فأن أدونيس بجملته إن لم يك  كما يريد فهو ليس إلا سراب . سنرى أبعاد محنة أدونيس هذه في المقاطع التالية من القصيدة . يقول أدونيس :-

اني  حمى نبوية
انني ضوء  يلف الليل ، َيعْرى
سائحا في جسد الليل
وانني
جامح
أحتضن الأرض كأنثى وانام

( المصدر السابق ، ص 573-574 )

******************

لا ادري لماذا لم يستخدم أدونيس مفردة النور بدلا من الضوء ؟ صحيح ان المفردتين تعطيان معنى واحدا . لكن شبل يرى في معجمه ان النور يرمز إلى ما هو روحي بشكل عام والى الإسلام بشكل خاص . ( 2 )   . هل وضع أدونيس في حساباته راقبة الآخر ولذلك استخدم مفردة الضوء ولم يستخدم مفردة النور ؟؟؟ . ان أدونيس اجبرنا على هذا التساؤل . فعبارته ” اني حمى نبوية ” قادتنا إلى ذلك . ان هذه العبارة شهادة على ان أدونيس كان يحلم بأن يكون نبيا للشعر . أو نبيا بحصر المعنى !!.. وهو كما يقول شبل ، الذي نال امتيازا بنشر دين جديد  ( 3 ) . فأدونيس وفق هذا التعريف نال امتيازا من السماء . وتقودنا هذه العبارة أيضا ، إلى التناقض الذي يعيشه هذا الرجل . فهو مدرك بأنه ليس بنبي .. اللهم الإ إذا اعتبر النبوة مجرد ملكة شعرية لا غير . أدونيس ، هنا ، يقترح ، وبصورة غير مباشرة تصورا إنسانيا للنبوة . من جهة أخرى ، فإن هذه العبارة ، يمكن ان تؤول على ان النبوة هي حالة مرضية صرفة لأنه نعتها بالحمى . وأحد أعراض الحمى هو الهتر Delirium  وهي حالات معينة من الاضطراب العقلي التي تبدو على المحموم إبان الإصابة ببعض الحميات الحادة مثل التيفوس والتيفود … ( 4 ) . أدونيس ، على ما نعتقد ، كان قاصدا لما يقول . أن موضوع القصيدة كله يتمحور وفق هذا المحور . لقت نعت نفسه بالجامح .. أي الثائر .. المتمرد .. يعود أدونيس إلى أعراض حمته النبوية فيحتضن الأرض كأنثى وينام !!! . نزعة شبقية لا تحتاج إلى إطالة نظر . الأرض كلها نائمة . هي في سبات شبقي إلا أدونيس يجوب الأرض قارعا ناقوسه البحري . يقول أدونيس :-
قارعا ناقوسي َ البحري  فيها
لهبا يفتح
يستنزل قيها
آية ،
اني كتاب
ودمي  حبر
واعضائي كلام

( المصدر نفسه ، ص 574 )

****************

هنا وصلت حمى أدونيس أقصى مدى . أنه مثل الأنبياء الذين يحملون بين جوانحهم بذور التغيير والثورة . أدونيس خرق قوانين الطبيعة مثل الأنبياء واستنزل آية من السماء . أدونيس كله .. اعضائه !!! جسده هي كتاب وحبر وكلام . وقد رأينا في دراسة سابقة ، كيف أن أدونيس كان ينظر إلى اعضائه على انها نخيل . بمعنى انها جذابة إلى حد الشبق !! . وها هو هنا يعيد الفكرة وبما يتناسب موضوع القصيدة . أن أدونيس ، هنا ، يشير إلى ما يمكن تسميته بلغة الجسد . جسده كله خطاب عبر رسالة إلى الآخر . أدونيس مثقل بجسده .. بكله ..حتى أن الحيرة حوطته من كل جانب . التعب قد نال منه . يقول أدونيس معبرا عن ذلك :-
كيف أمشي نحو نفسي ، نحو شعبي
ودمي نار وتاريخي ركامْ  ،
أسندوا صدري ــ
في صدري حريق
ومزامير
جبال وكروم
ومسافات
وأجساد عصور تتجرجر
ونجوم
والتواريخ مرايا
والحضارات  مرايا
تتكسر  .

( المصدر نفسه ، ص575 )

******************

ذلك إذن هو أدونيس . يا لعذاباك يا رجل .. إن كنت حقا كما تقول ..فأنكَ حقا العجب بذاته ، وعندها فلك الحق في ان تمشي في الأرض مرحا .. ولكن الا  تعرف ان الله لا يحب كل مختال فخور !!!!! . هذا المقطع  يعبر عن نرجسية ما بعدها نرجسية .. وعلى هذا فمن المنطقي جدا ان تكون بين أدونيس وشعبه مسافات ومسافات . مثلما كان النفري من قبله  مجبرا ان يجتاز المسافات بين الذات والمطلق .. ولذلك ضاقت عبارته … وسقط في التيه . وحدث ما حدث !!! . أدونيس يعيش نفس المحنة .. محنة البعد والانفصال . يبدو أن أدونيس كان قد ابلغ وأعلن للآخر بأنه يمتلك لؤلؤة … بل انه اللؤلؤة !!! . أدونيس يطلب أن ’يسند شأنه شأن الحلاج عندما أطلق صرخة إغاثة من ثقاته . ومن المؤكد ان هذا الآخر لم يصدق ما قاله أدونيس . فهمشه وأقصاه بل وأده !! . الا انه ، وعلى ما يبدو ، لم يجد شيئا من هذا . لم يجد في الحضارات والتواريخ غير مرايا تتكسر أمامه . هذا يعني أن أدونيس يريد ان يلغي التاريخ ويخلخل قيم الحضارة ويعيد رسم معالمها من جديد وعلى ضوء بريق  لؤلؤته …أدونيس لم يبال  بهذا الإقصاء .. بل واصل المسير . أنه متيقن من حوزته للؤلؤة . فأطلق صرخته بوجه الآخر وقال :-

لا ، دعوني :
إنني أسمع أصواتا تغني في رمادي
إنني ألمحها تمشي كأطفال بلادي

( المصدر نفسه ، 575 )

********************
وهكذا نجد أدونيس ثابت الخطو لا يلين . وهو مصر على الوصول إلى الذي يصبو إليه .. ولذلك قرر الرحيل إلى جنة الرماد . يقول أدونيس في قصيدة زهرة الكيمياء من كتاب التحولات :-

ينبغي أن أسافر في جنة الرماد
بين اشجارها الخفية
في الرماد الخواتيم والماس والجزة الذهبية

ينبغي ان أسافر في  الجوع ، في الورد ، نحو الحصاد
ينبغي ان أسافر  ، ان استريح
تحت قوس الشفاه اليتيمة  ،

في الشفاه اليتيمة في ظلها الجريح
زهرة الكيمياء القديمة .
( المصدر نفسه ، ص 11 )
*******************

اعتقد َ أدونيس أن لؤلؤته لا يستحقها أحد  غيره . أنه هو الأجدر بها  . صحيح أنه باح بسر امتلاكها الا انه اكتشف ان الآخر لم ولن يستطع استيعابها والاحاطة بها .. ولذلك لم يشأ أن يهبها له .. ومن هنا هذا الهم الجواني الذي يعيشه أدونيس . ألم يقل هو نفسه أن في صدره حريق .. لا نعتقد ان حرائق أدونيس تشبه حرائق نزار قباني مثلا . فهذا يختلف عن ذاك . بين الاثنين بون شاسع . لقد يئس الرجل من شعبه .. لقد مل وتعب وأراد ان يستريح وقرر ان يستريح  تحت قوس الشفاه اليتيمة وينعم بظلالها الجريحة . هناك سعادته حيث عثر زهرة الكيمياء القديمة . لقد امتلك أدونيس لؤلؤة ولم ينعم ببريقها فهل يا ترى قد نعم عندما عثر زهرته تلك واستراح هناك . أيضا سنترك الجواب لأودنيس .

الهوامش :-

1-    شبل ، مالك ، 2000 ، معجم الرموز الإسلامية ، ترجمة أنطوان الهاشم ، دار الجيل ، ط1 ، بيروت ، لبنان ، ص 280 .
2-    شبل ، المصر نفسه ، ص 334-335 .
3-    شبل ، المصدر نفسه ،ص 325 .
4-    د. الخولي ، وليم ، 1976 ، موسوعة علم النفس والطب العقلي ، دار المعارف ، القاهرة ، مصر ، ص 133 .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الرزوق : الخطوط الرئيسية لروايات قصي الشيخ عسكر.

منذ عدة أيام وصلني مخطوط رواية قصيرة جديدة من قصي الشيخ عسكر عنوانها “أسماك وأصداف”. …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.