حسين سرمك حسن : نبيل سليمان في “هزائم مبكرة” : حكاية جلد الذات المبارك (3)

hussein sarmak 4# تفجّر المكبوت :
وبعد أن أفرغ خليل قسما من طاقاته المحتبسة ، وأشبع بعضاً من غرائزه المكبوتة عبر النشاط “السياسي” الذي قام به في تلك المدة القصيرة التي أمضاها في الثانوية ، عاد مع يوسف إلى طرطوس . حيث الغرفة الحميمة وأم قاسم وسعاد .. وعودة ضغوط المكبوت المحارمي :
(احتضنتني أم قاسم كعهدها . وأكدت أنها ستنتهي من الغسيل فورا .. بدا فخذاها يلمعان كالسيف ، ونهداها يكادان يندلقان من فتحة القميص المبلّل .. عاودني دبيب النمل الذي كان يسري في جلدي كلما رأيت أم قاسم تلك وهي تغتسل . وأنا أتلوى وأتلصص وأهرب ، أجل ، أهرب – ص 56 و57).
إنه يحاول الإلتحام بها بطرق “بريئة” تساعده هي عليها ، وهو ما أسميته بألعاب اللاشعور الماكرة . فقد وقف يتبصص على زوجة أبيه وهي نائمة على السرير والفستان منحسر عن أعلى فخذيها ، وعندما استيقظت اجتاحه ذعر شديد وأعلن لها أنه خائف . وكان فعلا خائفا .. بل مرعوبا من مارده الشيطاني الذي يوشك على الإنفلات :
(تمددت قربها متخشبا .. ولعلي ارتجفت مستعيدا الروح ، ثم أرخيتُ ساعدي فوقها ، لاصقتها ، دفنت رأسي في صدرها ، أوقفت أنفاسي على أنفاسها ، وخيل لي نها قد قالت غنجة :
-كأنك تريد أن ترضع يا خليل. ما شاء الله : أنت شاب أم ولد صغير؟ – ص 60) .
وكأن أم قاسم تملك ذكاء محلّل بالفطرة فتشخّص التركيبة الشخصية لخليل المرتجف في أحضانها ، فهو ولد صغير في إهاب شاب . وهي حين تضع هذه المعادلة المركّبة التي تزاوج في الواقع ، وحسب تصوّرها ، بين العقل والغريزة ، فإنها في الحقيقة تهيّء لأفعالها المستقبلية متكأ تبريريا . كما أنها في المقابل توفّر لخليل ذريعة للإستدراج والتجسّر . والنتيجة هي هذه المنازلة التصافقية المفعمة بالإقدام والإحجام الملذّ ، وذلك حين طلب خليل من زوجة أبيه أن تغالبه :
(واندفعت أغالبها دون أن أنتظر موافقتها . هصرتها هصرا وقلبتها على الأرض ، فكاد رأسها يُشج .. قهقهت ضاحكا ولامست شفتاي صفحة صدرها ، فشهقتْ … أحطت كتفيها بذراعي ففرّت ، وربّما عادت فهدأت . وربما راحت كفّي تدور فوق نهديها ، داخل القميص أو خارجه .. ولعلها نهرتني ، لا ، إنها تلفني ، تشدني إليها – ص 67 ) .
لكن خليل صار يشعر بأن لا فلاح في هذا المسلك الإشباعي ، وأن ضغوط الغريزة لا تُرد ايضا . لقد أنهكه الأرق الدفاعي ولذا صار عليه أن يهرب . فقرّر السفر إلى بيروت حيث أخيه حسن . وحتى هناك كانت تلاحقه صورة زوجة أبيه في صالة السينما :
(أم قاسم تملأ الشاشة منذ دقائق العرض الأولى ، فتصمّ أذني عن الصفير وآهات التشهي التي تملأ الصالة – ص 69) .
وفي بيروت حصلت المفارقة . فمع أم قاسم كان خليل ماكرا ولعوبا .. يخطّط ويستمكن وينتهز الفرص . أما مع المومس التي اختارها له أخوه حسن ، فكان “لعبة” بين يديها (ص 70) . يبدو أن طبيعة الدافع المحارمي تتطلب ذكاء .. بل تحدّه . ولا يصبح مستنكرا أن يرى التحليل النفسي أن في الفضول الجنسي للطفل تكمن نوى نبوغه الذكائي . (إن الاخطار الغريزية تجعل الناس أذكياء . ففي فترات الهدوء الغريزي ، أي عندما لا يكون الفرد مهدّداً بأي خطر ، يكون هذا الفرد في حلّ من أن يسمح لنفسه بدرجة معينة من البلاهة . ومن هذا المنظور يضطلع الحصر الغريزي بالدور عينه الذي يضطلع به الحصر الموضوعي . فالحرمانات والأخطار الفعلية تشحذ الإنسان ، وتدفع به إلى إنجازات عقلية ومحاولات فذّة لتدبّر مخرج لنفسه ، بينما يجنح به الأمان المستتب والوفرة إلى التراخي والتباله . وعلى هذا لا تكون مجابهة السيرورات الغريزية بسيرورات عقلية إلا شكلا من أشكال التيقّظ في مواجهة واقع محفوف بالأخطار ، وهو تيقّظ يدرك الأنا البشري ضرورته ) (8) .
وحسن أصغر من خليل . لكنه صار أقوى شخصية وإرادة ؛ تعاونت على شحذهما الغربة والعمل والمنافسة .. والتفتح الجنسي “المحرّم” . صار حسن أكثر “شيطنة” منه هو الذي مازال في الظاهر وبصورة انتقائية في شرنقة “عذريته” . ولكن الأهم – وهذا ما أراه – هو أن هذا التأجّج الذكائي المفعّل جنسيا لأفراد هذه المرحلة ، ينضاف إلى الطاقات الموظّفة في خدمة العمل السياسي فيزيدها وهجاً .

nabel sulaiman 4# محاولة في ما وراء السرد :
في فصل أو قسم “الهوامش” ، وضعنا الروائي في جانب منه في ما يسمى الآن بالـ metafiction أي القص الماورائي أو ماوراء السرد ، وهي باختصار العمل السردي الذي يلفت انتباه القارىء إلى أوالياته قصداً . هي العمل الذي يلفت الإهتمام إلى ذاته كعمل فني . إنها أشبه بالمسرح التمثيلي الذي لا يتيح للمشاهد فرصة نسيان أنه يشاهد مسرحية . والسرد الماورائي لا يتيح للقارىء فرصة نسيان أنه يقرأ رواية . ولها طرق متنوعة منها :
-رواية تتحدث عن كاتب يكتب رواية .
-رواية حول قارىء يقرأ كتابا أو رواية
-رواية تتضمن عملا روائيا آخر داخلها
-رواية يعرض فيها الروائي ذاته ككاتب لها
-رواية فيها تبحث الرواية نفسها عن تفاعل مع القارىء
-رواية يجبر فيها القرّاء المؤلف على تغيير الرواية
-رواية تدرك فيها الشخصيات أنها شخصيات في رواية
وغيرها الكثير .. وهي موجودة أيضا في العديد من الأفلام لعل اشهرها وأمتعها فيلم adaptation الذي أداه الممثل (نيكولاس كيج) . المهم أن نبيل سليمان قد عرض علينا في “هوامش” روايته اعترافا للراوي الثانوي بأنه إنما يقوم بكتابة رواية صديقه “خليل” بتكليف منه . وقد استعان بزوجة خليل وأخيها يوسف وغيرهم كمصادر في تأكيد معلوماته عنه . وأفهمنا بأنه قد تراجع عن استخدام ضمير المتكلم بعد اعتراض “نصري” إبن خليل لأن هذا الصوت يضيّع حضور أبيه ويخفي صوته ، ويشوّش عملية تأويل أفعاله ، ويصبّها في مصبات غير صحيحة . والمفروض أن صاحب الحكاية هو الأحق بسرد حكايته . وفي موقف آخر يندهش خليل لقدرة الكتّاب في مجلة “السنارة” التي كان يقرؤها باستمرار ، فيحاول مجاراتهم في فعل الخلق هذا ، من دون أن يعي طبعا الأبعاد الشائكة لهذه العملية . كان مسوقاً بنوازعه النرجسية ودوافعه لاستعراض إمكانات ذاته . في مثل هذه الأعمار يجرّب الفرد كل شىء ، وكأنه في ختام مرحلته الطفلية يبغي تحقيق اختيار “نهائي” يناسب دوافعه العميقة التي تحدو به نحو التفرّد ، وتأسيس “نواة” ركيزة الشخصية ، والدور الأبوي الذي سيرافقه مدى الحياة . لكن إلى أن يصل إلى سدّة القرار النهائي ، فإنه يقضي هذه المرحلة كلها في “التذبذبات” السريعة والمتضاربة وتجريب كل شىء .. سلوك تجريبي محيّر لا يوفّر أي مجال أو فرع معرفي أو مهني يطوله الفرد . وخليل وأفراد ثلّته هم اختصاصيو المناقشات “التجريدية” :
(وتعتريهم رغبة لا ترتوي في التفكير بالأمور المجرّدة وفي اتخاذها موضوعا لمناقشاتهم ولاجتراراتهم الذهنية … إنهم يتناقشون في مسائل فلسفية ذات أهمية عامة من قبيل الدين والفكر الإلحادي ، أو في اختلاف الأنظمة السياسية والثورة أو الخضوع للسلطة ، وكذلك في شؤون الصداقة بمختلف اشكالها وصورها . وعندما يتفق لنا في التحليل أن نستمع إلى وصف أمين للمناقشات والمساجلات التي تدور بين هؤلاء الشبّان ، أو عندما  نقرأ يومياتهم ومذكراتهم ، فإننا لا نُدهش لسعة تفكيرهم واستقلاليته فحسب ، بل كذلك لدرجة تعاطفهم الإنساني وتفهمهم وتفوقهم الظاهر ، وأحيانا للحكمة التي يعالجون بها المشكلات الأكثر عسرا .
لكن رأينا لا يعتم أن يتبدل حينما نتحوّل عن دراسة العمليات العقلية لدى المراهق إلى تفحّص كيفية التحامها بحياته بالذات . فعندئذ نكتشف ، على دهش منا ، أن كل ذلك النشاط العقلي الرفيع لا يترك من أثر في سلوك المراهق الفعلي . فتعاطفه المتفهّم مع الغير لا يمنعه من أن يعامل الناس المقرّبين منه بفجاجة وغلظة وعدم اعتبار . وتصوّره السامي للحب وللواجبات التي تقع على عاتق العاشقين لا يخفّف من خيانته ومن ضروب القسوة التي يقترفها في تقلّباته العشقية . وبالرغم من اهتمامه بالمسائل الإجتماعية – وهو يفوق في كثير من الأحيان كل اهتمام مماثل قد يبديه مستقبلا – فإنه لا يبدو متكيّفا مع الحياة المجتمعية . وتنوّع اهتماماته لا يمنعه من تركيز اهتمامه كلّه على نقطة يتيمة : إنشغاله بشخصيته الخاصة .
والحق أننا عندما ندرس ، في أثناء التحليل ، كل تلك الأنشطة العقلية ننتهي إلى أننا نتبيّن أننا نواجه هنا شيئا مختلفا كل الإختلاف عن العقلانية بحصر المعنى . ومن ذلك أن المراهق حينما يتأمل في مختلف مواقف الحب أو عندما يمعن النظر في اختيار مهنة دون سواها ، فإنه لا يسعى البتة إلى أن يستخلص من تأملاته وتفكّراته خطّاً موجّهاً لأفعاله على نحو ما يفعل الراشد أو على نحو ما يفعل الغلام حينما يدرس ، وهو في أوج مرحلة الكمون ، محرّكاً بغية فكّه ، وإعادة تركيبه بعد ذلك من جديد . فعقلانية المراهق لا تمدّه فيما يبدو إلا بمادة لأحلام يقظته . وحتى تخييلاته الطموحة لا تكون برسم الترجمة إلى الواقع . فحينما يحلم المراهق بأنه صار فاتحاً عظيماً ، فإن ذلك لا يلزمه بأن يقدم الدليل على شجاعته وجَلَده في الحياة الواقعية ؛ فالتأمل والإجترار الذهني والمناقشات تكفيه وترضيه على ما هو بادٍ للعيان ، وسلوكه ، المتعيّن بعوامل أخرى لا يتأثر بالضرورة بتلك التمارين العقلية) (9).
وها هو خليل ، وبعد أن ندب حظه لأن نصيبه في توزيع الإختصاصات في الثانوية كان “السباكة” حيث الرمل والدخان ولهيب الفرن وتأثيراتها السلبية على جهازه التنفسي مثلا مقارنة باختصاصات أقرانه ، ها هو يشمخ برأسه مزدهيا ويدعو أصحابه للإحتفال بمناسبة صنعه “عصارة ليمون” في المشغل المدرسي . أما الآن وبعد أن استأثرت به المطالعة في الآونة الأخيرة ، فقد شرع يجرّب كتابة قصص بعض الأفلام التي تعجبه :
(وبين وقت وآخر كنتُ اسرح متبصّرا في أولاء الذين يحيطون بي ، يملأون حياتي ليل نهار . وبدأت أكتبُ عنهم أيضا . فاختلطت في أوراقي معرفتي القديمة بيوسف ومنصور ، بمعرفتي الجديدة بعلي وإبراهيم وطلال ، باشتات قراءاتي ومشاهداتي  – ص 81 ) .
لقد كتب قصة قصيرة وأرسلها إلى مجلة “السنّارة” التي كانت تستحث القرّاء على الكتابة (ضاع هذا الدور البناء في صحافتنا الثقافية الآن !) . ومن وجهة نظري أن نبيل سليمان قد قام بحركة ذكية جداً حين لم يمض – كما يتوقع القارىء – في المسار التقليدي للسرد الماورائي فيجعل خليلا يكشف لنا الصور التي رسمها لشخوص قصته وهم أصدقاؤه المقربون في الثانوية . وأعتقد أن الدافع هو أنه لم يخطّط أصلا للسير في هذا المسار الفني كمحور مركزي في بناء روايته ، ولذا عرض لنا صورة سردية موجزة عنها بصورة غير مباشرة من خلال جعله خليل يقدّم لنا – في انسيابية متسقة مع المناخ العام لتسلسل أحداث الرواية – “بورتريت” شخصي سريع لا يثقل حمولة الرواية عن كل واحد من أصحابه : يوسف ، منصور ، طلال ، وعلي (راجع الرواية من ص 81 إلى ص 86) .
وصحيح أن خليل يطرح أمامنا الصور التي رسمها لأصدقائه الأربعة في قصته القصيرة إلا أن هذا التصوير جاء وكأنه يجري في الزمن الفعلي “الحاضر” – وهو كذلك فعلا – وليس قطعة من أفعال ماضية ضمتها القصة التي كتبها . ويبدو أن تصميم الروائي لهدف تزويد القارىء بلمحات شخصية وسلوكية وافية وإن كانت مختصرة عن أصدقاء خليل قد أسهم في ذلك . لقد وفّرت هذه التقنية على الكاتب جهد ومصاعب الحديث عن كل منهم وعن صلاته وميوله في المقبل من أحداث الرواية . وبرغم ذلك فقد حدّد الروائي موضعين يذكّرنا بهما أننا نتعامل مع قصة داخل القصة . الأول حين تحدّث عن الجهد المضني الذي يبذله يوسف في ورشة السيارات برغم أن عمّه يرسل له ما يفيض عن حاجته ، وكيف أنه يغبطه على الصنعة والفهم السريع وقلة الإكتراث بالدروس والبنات .. وعلى عمه ووالده الشيوعي السجين المعارض ، ويختم هذا الوصف بالقول :
(ولقد حرصتُ على أن أعبّر عمّا في سريرتي نحوه في الأوراق التي سوّدت ، لكنني كنتُ كلما أعدتُ قراءة تلك الأوراق أفتقده فيها ، فأهم بتمزيقها ، ثم أنسى الأمر – ص 82).
أما إشارة التذكير الثانية فقد جاءت في أثناء حديثه عن “منصور” بعد أن حدد لنا وضعه المرفّه وولعه بالحلوى وشراء صور الفنانين والفنانات والتقاط الصور الشخصية :
(كان منصور لا يملّ من الإدلال بشاربيه وخبرته بالنساء . وقد نعتّ ذلك في إحدى الأوراق بالحيوانية . وذكرتُ إعلانه المتكرّر عن عزمه على ركوب “مجيدة” ذات يوم – ص 82 و83) .
kh nabilكما يثبّت خليل ملاحظة مهمة عن نزعة منصور التجديفية ستكون لنا معها وقفة قريبة (ص 83) .
أما طلال وعلي فلا إشارة تذكير مباشرة عن وجودهما في القصة في أثناء طرحه لمعلوماته عن شخصيتيهما وظروفهما . طلال كان بعثياً بوصية من عمه الذي كان يقدّس الإشتراكية وفلسطين والإسكندرون التي جاء منها الدكتور “أنيس” ، والأخير سيكون له دور مهم لاحقا . أما علي فقد أغرقته ظروفه العائلية القاسية حتى الإختناق بعد وفاة أبيه وتخلّي إخوته عن إعالة أمه وأخواته . ولأنه كان يوزع مجلة “السنارة” أيضا ، فقد فضح سرّ مكاتيب خليل إليها ، إلى أن فجّر خبر نشر قصة خليل فيها في أمسية رائعة كشفت استجابة خليل نحوها طبيعة حاجته النرجسية “المشروعة” إليها والتي تتناسب مع بحثه الملتهب عن أفعال تؤكّد ذاته “المهدّدة” :
(ارتعشت أطرافي. ودارت عيناي تبحثان عن رفّ الفتيات ، فحزنت لأنهن ابتعدن ، والآن سوف أطلق العنان لزهوي – ص 86) .
وحتى هذه الفرحة لم يهنأ بها ولم تتم ، فقد عاودته الوحشة والضيق من جديد ( ص 86) فلا ثبات لأي نوبة من نوبات الإنفعالات ، ولا استقرار لكفتي المزاج . تمتد الاذرع الأخطبوطية لحالة التقلّب هذه (هل استمرت مع البعض حتى عندما صاروا زعماء وقادة ؟) لتشمل حتى موقفه من الزمان ؛ الزمان الذي تتثبت سيقان الهوية على محوره :
(.. وفجأة بدا كأنما لا صلة تربطني بغير هذا الحاضر الزاخر . طمرتُ رأسي في الوسادة ، ألوب على ركن ما من الماضي – ص 87) , ( إنها النفس التي تشفّ حدّ الوجع ، تعدّ هذا العالم ، تلك السنين التي ستأتي ، وتستدير نحو نتف ما من ذلك الماضي ، تخاتل الخشية ، تتلوى على أوهام الأمان والزمان . وأنا أدور شبه منوّم ، محلقا فيما تلعب النفس به أو يلعب بها – ص 91) .

# لعية التماهيات :
وهو لعب مؤرق مضنٍ ينطوي في جانب كبير منه على حرقة اللاثبات في لعبة التماهيات – identifications ، وهي لعبة خطيرة في مضمار تأسيس أركان الشخصية وتأصيل ملامحها المستقبلية وتعزيز ديمومة النماء النفسي المتماسك . وهي فوضى تميّز هذه المرحلة العمرية النمائية أيضا . فخليل حائر على أي أرضية أنموذج سيطبع ركائز بنيانه النفسي . ومن هو الأنموذج الذي سيتمثل سماته وخصاله من بين عشرات النماذج التي واجهها في حياته؟ هل هو “بيزو” الذي “اسطرته” الناس واختلفت في منحدره وأصله .. من أين أتى وإلى اين ولّى ؟ لقد أقلق الحكومة وشغل الناس ثم صدم الكل بخطبته الشهيرة التي تحدث فيها عن الوحدة المقبلة حتما وضرورة التبرع من أجل شراء السلاح وصور أسلحة الجنود المصريين وأسلحتهم التي ملأت “إسرائيل” الدنيا بها ، وختمها بشتم السكماني الجشع الذي يسكن في غرفة من عمارته ، وشتم الدرك الذين قادوه إلى السجن بعد ذلك ليختفي كل اثر له ، وتشيع بين خليل وأقرانه :
ع َ الياني الياني الياني     بيزو قتل السكماني (ص87 – 91) .
هل يصبح مثل عبود الأعرج زعيم ثلّتهم الذي كان أبوه الخياط ملاحقاً من قبل الرقيب حمّاد والذي يقول خليل إنه قد تغير كثيرا بعد اعتقال والده . ولكن أي تغيير ؟ (كان يدور بهم في الأماسي والحارات (كان اللعين يقود الحديث إلى ما بين الجنبين . كان يتباهى علينا جميعا. عبود يستعمل المقص منذ أكثر من سنتين. ليس للشعر فيما بين جنبيه وحسب ، بل لما تحت أبطيه أيضا . وجعلني أسرق المقص من أدوات م قاسم ، أعالج الشعر الذي لم يكد ينبت – ص 30 و31) .
.. مثل مدير الناحية المتوحّش ؟ مثل الأساتذة كنجم الدين الشاعر المادح لعبد الناصر أو حسني الذي يقول الجميع إنه يعمل مع المباحث كما فضحه زميلهم الطالب إبراهيم ابو جعفر ؟ مثل عمّه شفيق ؟ ولم يذكر والده فهو يمكن أن يصلح كمصدر للرعب والإخصاء لا للتماهي “الإيجابي”. كان يتمنى لو أن لديه  أباً غير أبيه ، وعلى صخرة هذا التمني تتحطم أولى حجارة حائط التماهيات الفاعلة التي تبدأ من الأب عادة . فوضى من التماهيات لا توفّر أي أنموذج مهما عزّ وعلا :
(وطوال الوقت بتّ أترقب اصطخاب دخيلتي . ينبغي أن يكون خليل حمدان شيئا ما . لا ، لن يقضي حياته سدى . هذا جمال عبد الناصر نفسه ، ماذا كان منذ ثلاثين أو أربعين سنة ؟ ولكن أي درب سوف تختار يا خليل ؟ – ص 95) .
وتعود الكتابة لتكون اختيارا تقمّصيا بدورها لكنها لا تسلم أيضا من فوضى التذبذبات التي تبدو مسفّة احيانا فهو يشعر بالحاجة للكتابة ، ولكنه يؤجلها بسبب البرد !! إنه صراع الإقدام والإحجام والإرادة المعتقلة في شراك التضاد الوجداني – ambivalence الذي يشيع الفوضى في عوالم حياته الداخلية والخارجية على حد سواء :
(هل تريد أن تظل تكتب حتى تغدو مثل أولاء الذين تملأ صورهم وأسماؤهم أية صفحة تفتحها ؟ ولكن لماذا لم تعد تكتب إذن ؟ إنّه الصدر الذي لم يعد يحتمل ما فيه . إنها النفس التي تشفّ حدّ الوجع . تعدّ هذا العالم ، تتلوى على أوهام الزمان والأمان – ص 95) .
وهذه هي سمة عالمهم المركزية : الفوضى التي يلجمها الواقع الإجتماعي بضوابطه ونواهيه وقيمه الرادعة ، فتبحث لائبة عن ساحة لها توفر غطاء مشروعاً فتجده في ساحة “السياسة” والإنخراط في الفعاليات الحزبية والفكرية والسلوكية المرتبطة بها أو التي تنضوي تحت لوائها :
(لستُ أدري كيف انتزعتني المدرسة مما كنت أختنق فيه . لقد مزّقت شرنقتي ورمتني فيما كانت تضج به كل صباح . كانت أخبار العراق على كلّ لسان ، ولم تعد المظاهرت داخل سور المدرسة تكفي . منصور وأبو جعفر وطلال وسواهم يشدونني إليهم . إنهم يقودون المظاهرة خارج سور المدينة . نتوجه نحو ثانوية البنات ، نتجمهر هناك هاتفين ضد المهداوي . هتافات الطالبات من داخل الثانوية تتناغم مع هتافاتنا ، ثم يُفتح الباب الكبير ، ويندفعن أمامنا . يجهد مدربو الفتوة والأساتذة كي يفصلوا بين الطلاب والطالبات . تنتظم المظاهرة بصعوبة مخترقة شارع القوتلي نحو ثانوية جول جمال . طلاب جول جمال يملأون ساحة الشيخ ضاهر قبلنا ، وثمة من يخطب فيهم . الساحة تمتلىء بالبشر أكثر فأكثر ، الطلاب والطالبات بخاصة ، وتهدر الساحة بالهتافات والخطباء حتى الظهر ، ثم يتفرّق الناس في شعاب الساحة – ص 95 و96 ) .
وليست مصادفة أن تستقبلهم هذه الساحة بحرارة فاتحة أذرعها على سعتها بـ “فوضى” مقابلة مهيبة ، فالمجتمع بأكمله كان يعيش أيضا مرحلة مراهقته السياسية على الرغم من كل مزاعم النضج والرهاوة وادعاءات الإقتدار . كانت الفوضى ضاربة أطنابها خصوصا أن أغلب القيادات وصلت سدّة السلطة قفزا ، وليس عبر تطور تاريخي ومخاض تجاربي طويل مرّ ومثر يساهم في صقل خبراتها . صار العمل السياسي الذي من الممكن أن يوفّر فرصة هائلة فريدة ولا تعوّض لتحقيق المهمة الأساسية في “قتل الأب” الحاسمة على مستوى النضج والتحرّر النفسي فرصة لتفجير المكبوت اللائب بعيدا عن التماهيات المستقرة والبرامج التعويضية البنّاءة ، وصارت السياسة فرصة لـ “تمثيل” هذه العملية الحاسمة في النماء السيكولوجي الفردي والجمعي تؤدّى بطريقة تقرب من الكوميديا السوداء . ومن تابع تفصيلات محكمة “المهداوي” على شاشات التلفاز آنذاك يستطيع التأكد تماما من طبيعة الشخصيات القيادية آنذاك وتشوّهات مكبوتاتها والتوجهات الثأرية لأعمالها السياسية .

# وقفة : حادثتان بليغتان :
حادثة (1) :
(إن أحد افراد الشرطة من مرتبات شرطة لواء الرمادي راجع متصرف اللواء وبيده بيضة رسمت فوقها صورة الزعيم قاسم وادّعى أن دجاجة في بيته قد باضتها بهذا الشكل ، وابتدأت الاتصالات ببغداد منذ تلك اللحظة بالتلفونات والمراسلات ، وحتى أصبحت لدى المتصرفية ملفة ضخمة تحتوي على كل هذه المراسلات حول المعجزة الربانية التي منحها الله لعبد الكريم قاسم ، والزعيم يسمع ما يُقال عن هذه المعجزة فيبتهج ويطرب حتى وإن كان لا يؤمن في قرارة نفسه بصحتها) (10).
حادثة (2) :
(إن زيارات قاسم لمدارس البنات وكذلك زيارات المدارس لقاسم في مقره في وزارة الدفاع كانت لسبب هو أن الفتاة التي خطبها قاسم قبل الثورة ورفضته هي معلمة في إحدى مدارس البنات ، وعند زيارة وفد المدرسة التي توجد فيها هذه المعلمة رأى حلقة الزواج في يدها ، وعند ذلك منع زيارات المدارس إليه) (11) .

# عودة :
.. والمشكلة الأخرى هي أن السنوات “الثورية” العربية ضاعت والثوريون يقومون بتصفية إخوانهم الثوريين وسجنهم وتعذيبهم حتى تحطيمهم . لم يتعذّب ثوري عربي عذابا أكثر مما ذاقه على يد رفيقه الثوري العربي الآخر . والغطاء الظاهر – وهو غير مقنع أبدا – هو الخلافات الإيديولوجية وضرورات الأمن الثوري وغيرها من المبررات المكررة الممجوجة التي أخفت الداء العربي المتمثل بالبنية القبلية والتي تحوّلت إلى قبلية حزبية . لقد استمرت ثارات واقعة الحرّة والروح القبلية حتى غرناطة فاسقطتها (12) . تشعل إوار هذه الروح القبلية الحزبية البنية “القابيلية” في الصراع الأخوي الدموي التي تثبتت واستعرت في ظل غياب عملية قتل الأب . وفي قرارة الأبناء يتسيّد شعور بالعبور والإنجازية وتجاوز الأبوة المتمسكنة . وهو تناشز النهضة المستوردة التي ارتفعت بجيل الأبناء متجاوزة جيل الآباء :
(إتجهت ويوسف ومنصور إلى مطعم الإعتماد . تناولنا الغداء لاهثين . حناجرنا مبحوحة ، وسيقاننا مهدودة . شتم منصور أثناء الغداء عبد الكريم قاسم . أقسم أن هولاكو لم يرتكب جرائم أفظع . تحسّرتُ لأن جمال عبد الناصر لم يستجب في تلك الأيام ويضمّ العراق إلى الجمهورية العربية المتحدة . سخر منصور مني . عبرت عن حيرتي في فهمه : مرة يشتم الشيوعيين ومرة يشتم عبد الناصر ، لكأن الصواب وقفٌ عليه . أكد بعنف أن ذلك هو الصواب فعلا . وازدرد يوسف الطعام بانفعال ، وقال :
-لم يقصّر عبد الناصر بجماعتك ، كما لم يقصّر قاسم .
قاطعه منصور مهتاجا :
-ونحن لم نقصّر بكم ، مثلما لم يقصر عبد الناصر – ص 96 و97) .

# وقفة على موضوعة المكان :
ولو لاحظنا موضوعة المكان الذي تدور على ساحته وقائع الرواية ، فسنجده بين طرطوس واللاذقية بصورة رئيسية ، ودمشق بصورة ثانوية . ولم يُغرق الروائي القارىء بتفصيلات فائضة من الوصف المكاني . كان هذا الوصف يأتي وجيزا “مفصّلاً” على قدر نزهات الشخوص وحركتهم إذا جاز التعبير ، محسوبا على حركات أقدام البطل وهو يتجوّل متجهاً نحو هدفه الأخير . لم يكن المكان “بطلا” لأن ستراتيجية الكاتب الموّفقة لم تكن تبغي ذلك . هو “واسطة” حاله حال الوسائط الأخرى في الرواية . والكاتب صمّم مهمة كبرى وحاسمة هي ملاحقة المؤثر الأول في مسار الأحداث وهو الإنسان ؛ شخوص الرواية الذين لم يوفّر الإنهمام بكشف الصلة المعقدة بين خراب عالمهم الداخلي وعقدهم المكبوتة وإحباطاتهم بل حتى نمائهم “الطبيعي” وسط بيئة متناشزة ، والمهمات التي واجهتهم في العالم الخارجي فسحة فائضة للمكان . ولعل من العوامل الأخرى المُضافة هي أن أي مدينة عربية لم تكن “خانقة” وقادرة على إثارة “الغثيان الوجودي” كما كان يزعم كتاب كثيرون آنذاك . فكلها كانت عبارة عن “أرياف” مبنية من الطابوق بشوارع معبّدة وأزياء “حديثة” .. إلخ . وحتى هذا اليوم لا يمكن أن يصل الفعل النفسي الإغترابي للمدينة العربية إلى مدن “الحديد” كما وصفها السياب ، وهي المدن التي بلا قلب . ولذا يكون مفهوماً – من الناحية الموضوعية ، وبعيدا عن إلتباسات المدينة الحداثية- هذا الإبتسار المحسوب والمقصود الذي قام به الروائي . خذ مثلا :
(غادرت طرطوس بُعيد العصر في إحدى الباصات التي تعمل بين دمشق واللاذقية . ظللتُ واقفا طيلة الطريق والحقيبة واقفة بين ساقي . من الباص اندفعتُ نحو مطعم الإعتماد . هشّ المعلم جبرا لي ، وسألني عن الآخرين وعن افتتاح المدارس . أودعته الحقيبة وأسرعتُ نحو ساحة الشيخ ظاهر ، وشارع هنانو ، فشارع المالكي ، فحديقة البحر ، فالكورنيش . تمهلتُ بموازاة البحر خلف الصبايا ، ونسيتُ أن عليّ قبل هذا كلّه أن أبحث عن مأوى . من الكورنيش قادتني قدماي إلى حي الرمل ، لكن طلال لم يكن في المنزل .. عدتُ إلى الساحة ، وفي زاوية شارع إنطاكية قرأت إسم فندق … إلخ – ص 102 ) .
وهناك شواهد كثيرة جدا في الرواية يمكن للقارىء أن يعود إليها .

# عودة :
وفي العطلة في طرطوس ، عادت “أم قاسم” الآن مبادرةً في استفزاز الميول المحارمية . لكنه الآن لا يجرؤ على النظر في عينيها ، وكان يتقلب مغالبا نفسه ، فينتزعها من السرير .. ويغادر البيت (ص 104) . ولكن في العطلة أيضاً ، فقَدَ (سعاد) التي تزوجت من أحد اقاربها الذي طار بها إلى الأرجنتين ، فشعر بـ “الهزيمة” وخلّف رحيلها جرحا في القلب . لكن ، بالمقابل ، توثقت علاقته بـ (جميلة) شقيقة يوسف ؛ صبية تطير كفراشة . ولم تتعد طرق التقرّب بينهما طرق العلاقات المراهقة المعروفة (رمي وردة من الشباك ، إعطاء صورة يحفظها في جيب القميص ، والخوف من الأم .. إلخ) . وقد استهلّ هذه العلاقة بشعور مقلق بـ “الخيانة” .. إنه يخون ثقة صديقه يوسف الذي أدخله بيته . وفي الكثير من الأحيان يرتّب الشعور بالإثم المخرج العقابي الذي يخشاه الفرد . فقد ذهب إلى السباحة في البحر مع يوسف .. وهناك سقطت صورة جميلة من جيب القميص فكانت القطيعة بين يوسف وبينه . صار مكللاً بالعار .. وفشلت كل محاولاته لرأب الشرخ بينهما . لكن الزمن أفضل طبيب كما تقول الحكمة الشعبية الموفقة .. فعادت العلاقة وإن ببرود تدريجيا .
هكذا لم تشهد العطلة الصيفية حتى الآن حوادث كبيرة ومؤثرة . ولكن هناك حدثاً مهماً يمكن أن يراه المتلقي الحاضر مبتذلاً بل تافهاً . لقد حصل على جهاز “راديو”  . وقد لا يعلم المتلقون خصوصا من شباب الجيل الراهن إن المذياع آنذاك كان “سلطة” ومصدرا شديد الفاعلية والنفاذ للقوة السياسية والتعبوية . صار المذياع صلة المواطن العربي المعزول عن اتخاذ القرار بالحياة السياسية العربية . منه يسمع القرارات المصيرية وتصله أخبار الإنتصارات والهزائم . وعلى مستوى نفسي أعمق ، كان “سلاحا” مناسبا لعقلية المواطن العربي آنذاك – وهل تغيرت الآن ؟! – فهي “عقلية شعرية” إذا جاز الوصف ، ولذا فإن الجانب “الصوتي” يشكل ركيزة محورية ورئيسية في توصيل خطابها . وإذا ساغ التعبير فإن “اللسان” يصبح موضعا لتحقيق نقلة أو إزاحة – displacement من الأسفل المهدّد إلى الأعلى المتنمّر لتحقيق تعويض في غاية الإفراط أحيانا . في تلك المرحلة كان أنموذج هذا التفسير من وجهة نظري هو المذيع المصري “أحمد سعيد” الذي كان صوته – وبتخطيط من الكاتب طبعا – هو أول صوت ينطلق من المذياع ويسمعه خليل منه بعد أن قام بتشغيله لأول مرة ، وكان ينطلق في وجهه أينما حل مؤشر الإختيار :
(أدرتُ الجهاز ثانية فإذا بالمذيع لايزال يصيح . هو دائما منفعل ، غاضب ، لسانه كالمبرد . تساءلتُ عمّا إذا كان لم يتعب كل هذه السنين من الصياح ؟! هو يؤكّد أن حكّام العراق لم يفعلوا أكثر مما حاول نوري السعيد حين أغرى الكويت بالإنضمام إلى حلف بغداد ، ففشل . نوري السعيد يغري الكويت بشط العرب على أن تعطي العراق جزيرة في الخليج – ص 115) .

# وقفة :
ولعل من الملاحظات الإعتراضية الضرورية التي يثيرها نبيل سليمان في الرواية بين وقت وآخر ، مدركا بدقة واجب المبدع تجاه محن وطنه وأمته ، هو أن أغلب “الألغام” الموقوتة التي زرعها الإستعمار وأغفت عنها الحكومات المحلية “القبلية” الأولى بين الأقطار العربية في بداية تشكّل الدول الوطنية مازالت نائمة حتى يومنا هذا ، وتتفجر بين وقت وآخر أو تهدّد بالإنفجار لتحرق الزرع وتجفف الضرع كما يُقال ؛ كما حصل في الإحتلال العراقي للكويت والذي تحوّلت حرب تحريرها إلى حرب تدمير العراق الشامل وشارة البدء بإعادته إلى العصور الوسطى . وها نحن اليوم ، ومع بداية العقد الثاني من الألفينات ، نواجه مشكلة ميناء مبارك الذي يشاد الآن على نفس الجزر التي اختلف عليها البلدان سابقا . ومن هنا نسمع أن الكويت تحتاج ميناء ضخما جدا لتجارتها أكبر من موانىء العراق نفسه . ومن هناك نسمع أن الميناء سوف يخنق العراق وأن بالإمكان أن يُبنى في مكان آخر من الساحل الكويتي الطويل (أطول من الساحل العراقي) . وهكذا نضيع كمواطنين وسط موجات متلاطمة من المزاعم والإدعاءات . وحالنا حال خليل بطل نبيل سليمان الذي يسمع من الإذاعات فقط ، ولأول مرة ، أن هناك جزرا كبيرة عربية يُختلف عليها بين الأوطان ، ولم يتحدث أحد إليه عنها لا في كتب الجغرافية ولا في المناهج السياسية :
(هل يُعقل أن في الوطن العربي جزرا وأراضي عربية لا تذكرها كتبنا ، او لا يعرفها الأساتذة الذين عرفتهم طوال السنين ؟ نوري السعيد يتحايل ليزحف من الجزيرة العراقية إلى أكبر جزيرة كويتية مشرفة على مرفأ أم قصر ؛ إنه المرفأ العراقي الوحيد هناك . شكرا لإذاعة صوت العرب . شكرا لمعلقها أحمد سعيد على هذا الدرس الجغرافي العظيم . وديكتاتور العراق ماذا فعل ؟ ظننتُ أن أحمد سعيد يسألني بالذات ، فأجفلت ، وسرعان ما لطمني سؤال آخر : كم اقترض ديكتاتور العراق من الإتحاد السوفيتي ليبني مرفأ أم قصر ؟ – ص 116) .

# عودة :
وحين وصفتُ المواطن العربي قبل قليل بـ “المعزول” آنذاك ، فلأنها المفردة المعبّرة عن واقع الحال الفعلي بعيدا عن أي تنفّجات ثورية . فطول عمر السياسة آنذاك كانت القرارات فيها تُتخذ من “أعلى” وبتجاهل ، بل باحتقار شديد للمواطنين الذين كان مفترضا أنهم هم اصحاب السلطة والقرار كما في الديباجات . وحتى اليوم ومع استمرار الربيع العربي الدموي فإن الديمقراطية العربية فوقية ومسلّحة . كان واجب القاعدة الشعبية العريضة البائسة المخدوعة بدورها التغييري هو أن “تختلف” لأن القرارات “العلوية” تختلف . ولم تكن الصداقات وحدها تنشطر كما هو الحال الآن بين منصور ويوسف مثلا تجاه قضية الكويت آنذاك، أو بين طلال ومنصور تجاه عبد الناصر ، بل كانت الخلافات والإنقسامات تطول العائلة الواحدة . والأهم هو مسلسل “التدويخ” والتشوّش حيث تتضارب المواقف حد القطيعة تجاه القضية الواحدة ومن قبل الحركة السياسية نفسها سواء أكانت في السلطة أم في المعارضة . ولست مبالغا إذا قلت إن هذه الظاهرة “العصابية” المدمّرة والتي استمرت حتى يومنا هذا ، قد أوصلت المواطن العربي إلى نوع يقرب من ظاهرة العصاب التجريبي – experimental neurosis في علم النفس السلوكي التي تحدثنا عن جانب منها في بداية الدراسة ، والتبعات السلوكية الخطيرة التي ستترتب عليها والتي تتمثل في خطوة مكمّلة حيث يقتضى من كلب أن يمّيز دائرة مضيئة , تسقط على شاشة مدة ثلاثين ثانية , إسقاطاً بوصفه إشارة لتقديم الطعام , من قطع ناقص له السطح نفسه والإضاءة عينها , قطع لم تكن تليه أي مكافأة . ويقترب الشكل الأهليلجي خلال عمل مدته عدة أسابيع , إقتراباً تدريجياً من الدائرة . وعندما تبلغ العلاقة بين المحاور 9/8 , لم يعد الكلب قادراً على أن يقيم التمييز بين الشكلين , ويتغير سلوكه تغيّراً مفاجئاً , يشرع في الأنين والصياح , ويفرز اللعاب بغزارة عندما تُعرض عليه الدائرة والقطع الناقص على حدّ سواء , ولم يعد الإستمرار في العمل ممكناً معه . ويُبدي في بعض الحالات نعاساً مزمناً ولم يعد يتناول طعاماً , ويصبح في حالات أخرى عدوانياً :
(.. يوسف يعرّض بمنصور :
-ها أنتم مع عبد الناصر من جديد . ولكن هل تضحّي بالوحدة لأن الشيوعيين يريدونها هذه المرة ؟
كنتُ أحار في حلّ تلك العقدة : العراق يضمّ الكويت بالقوّة . هذه وحدة أم اغتصاب ؟ الشيوعيون ضد الوحدة هنا ومعها هناك . يوسف يؤكد أنهم معها هنا وهناك . وأنهم فقط ضد المباحث وضد الديكتاتورية ، ومنصور يقاطعه دوما :
-بل قل ضد عبد الناصر . هل أنت خائف ؟ أم أن ما في العراق ليس ديكتاتورية ؟
وطلال ومنصور مع الوحدة هنا ، ضدها هناك . هما مع عبد الناصر وضد عبد الناصر . هما مع الإتحاد السوفيتي وضد حكام العراق . والإتحاد السوفيتي صديق لعبد الناصر ولحكام العراق . فكيف يفهم الإنسان أول هذه السلسلة من آخرها ؟ – ص 115 ) .
ولعل واحدا من أهم العوامل في لعبة الحيرة والتشوش هذه بالإضافة إلى ما ذكرناه وما سنذكره قريبا ، هو عدم اكتمال النضج الإنفعالي ، وعدم التوفّر على القدرة على تغليب العقل على العاطفة ، ونقص المران السياسي بسبب اقتحام مضمار السياسة في أعمار مبكرة ، وإلا أي غرابة في أن يكون لدولة ما موقفان مختلفان من دولتين مختلفتين . حساب مصالح لا يمكن أن يستوعبه العقل “الرومانسي” المحلّق في سماوات الحلول الإنقاذية – وجذرها التحتي في إنقاذ الأمومة “المغتصبة” تخييليا كما يتصوره الوجدان الطفلي والمقهورة عمليا وفعليا ، والذي عجز خليل أنموذجا عن تحقيقه – والمفعم بالإنحيازات الإنفعالية التي لا تعرف حلولا وسطى أو تبريرات عملية إجرائية . وحتى هذا اليوم هناك شيوعيون لا يريدون الإقرار بأن الإتحاد السوفيتي – الستاليني خصوصا – كان دولة ذات ستراتيجيات نفعية ومصالح ، وليس فكرة ثورية ذات بعد “رومانسي” يوتوبي كما رسمها ماركس وإنجلز (وبالمناسبة وحسب علي الوردي وقبل مرسيا إيلاد بعشرين عاما فإن يوتوبيا الشيوعية تماثل يوتوبيا “المهدي المنتظر” في معانيها الباطنة .. ألهذا – مع البنية الشخصية المتطرّفة – يكوّن الشيوعيون والمتدينون الأصوليون أفضل صداقات في السجن السياسي على الرغم من تناقضهما الحاد الظاهر ؟) .
ونقص النضج هذا يدوم مع السمات الأساسية الأخرى ويتحجّر بحيث يمكننا القول إن لبنات الشخصية الأساسية قد اكتملت بدرجة كبيرة ثم تصلبت في مرحلة المراهقة التي لن يضيف الفرد بعدها سوى “كمّيات” من المعرفة والقراءات والتجارب والعلاقات . ما أقصده هو أنه ليس دخول العمل الحزبي بصورة مبكرة هو الذي سيغيّر الشخصية نوعيا بل يضخّمها ويحرّفها كمّيا وشكليا بصورة تشبه – مع فارق كبير في إنضباطية الإخراج المنطقية طبعاً – “عمل الحلم – dream work” حين تُشوّه الرغبات المكبوتة وتُمرّر بأشكال محرّفة غريبة ومضخّمة ، ويوفّر فرصا لتمرير مكبوتاتها بصورة مشروعة وبما يناسب بنيتها المستترة اللاواعية . وفي الوقت الذي “تعبر” على ملاحظة أغلب القرّاء العاديين إلتباسات التضخيم والتحريف “الكمّي” هذه ، فإن المبدع قادر على الإمساك بها بحدوسه التي تسبق حتى البحث التحليلي النفسي المنظّم . ويهمني التذكير هنا ، وارتباطا بهذه المداخلة تحديدا ، بما قاله معلّم فيينا عن تحالف المحللين النفسيين المؤكد مع المبدعين بصورة عامة والروائيين بصورة خاصة وذلك في كتابه (الهذيان والأحلام في الفن) :
(إن الشعراء والروائيين حلفاء موثوقون وينبغي أن تُثمن شهاداتهم عاليا، لأنهم يعرفون أشياء كثيرة ما بين السماء والأرض ليس بمقدور حكمتنا المدرسية بعد أن تحلم بها. إنهم أساتذتنا في معرفة النفس، نحن الناس العاديين، لأنهم ينهلون من ينابيع لم نجعلها في متناول العلم بعد (….) فالشاعر يركز انتباهه على لاوعي نفسه هو ويصيخ السمع إلى كل كموناته ، ثم يمنحها التعبير الفني بدلا من أن يكبتها بالنقد الواعي . إنه يتعرف بواسطة داخله هو نفسه إلى ما نتعرف إليه نحن بواسطة الآخرين : ما القوانين التي تنظم حياة اللاوعي . بيد أنه لم يك بحاجة البتة للتعبير عنها ولا حتى إدراكها بوضوح ، فقد اندمجت هذه القوانين في إبداعاته ، وبفضل من تقبّل عقله ) (13) .
ففي مواقف كثيرة كان سلوك عصبة خليل – وخليل نفسه – سلوكا “إستعراضيّا – exhibitionism” هو في دلالاته العميقة إستعراض دفاعي يشتمل على مخاوف طفلية متأصلة . كان من “لازمات” نشاطاتهم السياسية هو حضور العنصر النسوي ومرور التظاهرات بمدارس البنات ، مثلما كان الصراخ والزعيق والخطب الحماسية والرقص الإحتجاجي لازمة أخرى ، وهو شكل من اشكال “تبدين” النزعات والغرائز المحظورة عبر الفعاليات الحزبية المشروعة . ويبدو أن هذه السمة الإستعراضية نفسها متثبتة في شخصيات القادة العرب منعكسة على سلوكهم السياسي ونشاطهم العملي الرسمي والشعبي ، فلا يتم أي نشاط من دون انهواس في الإستعدادات والإستقبال وكأن الحاكم / الشيخ – شعوريا – يريد الإطمئنان على “حضور” كل أفراد “قبيلته”/ الأبناء كمتكىء نفسي يعزّز أبوّته من ناحية ، ويهدهد – لاشعوريا – مشاعر الإنخصاء المتمكنة من لاوعيه والتي تتمظهر تعبيراتها في سلوكه من ناحية أخرى . ومن عصبة خليل المنهوسة برؤية الفتيات وملاحقة استجاباتهن ينقلنا الروائي إلى زيارة قائد الجيش الأول إلى معسكر الفتوة الذي انخرطوا فيه ، وأزهقت فيه نفوسهم طول النهار بأعمال كثيرة :
(لماذا لم يفطن أحد حينذاك ؟ لقد شوت الشمس أصابعنا ونحن ننكش في الرمل ، نجمع الحصى كي نزيّن به مداخل الخيام ، ومنصور يزعق – ص 116).
ويمكننا القول بثبات أن هذه الرؤية لا تفرّق بين أحمر واسود ، وأنها يمكن أن تشمل زيارات عبد الناصر الصاخبة مثلما تشمل زيارة قائد الجيش الأول ، مثلما تشمل إصرار المتظاهرين على المرور بمدارس البنات . كان منصور كما يقول خليل يؤوب إلى الغرفة متأخرا فيتحدث عن أنشطة وأخبار سياسية كثيرة (سهرة في بيت الدكتور أنيس ، محاولة البعثيين لإصلاح خطأهم في حلّ حزبهم إبان الوحدة ..) أو يتباهى بأنه عاد للتوّ من بيت إحداهنّ ، بعد أن ظلّ يفلح فيها حتى قبّلت يديه كيما ينهض عنها (ص 117 و118) .
ويبدو أن هناك حاجة ملحّة تحدو بنا لتذكير المتلقي بأن أبطال الرواية الذين نتحدّث عنهم الآن هم طلّاب ، وواجبهم الأساسي هو الدراسة والتفوّق ، لكنهم كانوا – وبفعل إنشغالهم الكثيف بالسياسة – يعدّونها شأنا ثانيا وقد يكون ثانويا . كانوا يتغيّبون عن الدوام الرسمي ويهملون واجباتهم .
لكن الغريب – طبعا لم يعد غريبا بعد أن قطعنا هذا الشوط في تحليل سلوكيات ابطال الرواية – هو أن العمل السياسي والحزبي والإنشغال بهموم الشعب والأمة – وهذا يؤكّد استنتاجاتنا السابقة – لم يسهم في تسريع وتائر الإنجاز الأساسي المتمثل في تحقيق الكفاية الذاتية والنضج النفسي الذي يساعد على التعامل مع متغيرات الحياة عقلانيا وبصورة مستقرة . فها هو خليل يُطرد من المدرسة لمدة ثلاثة ايام جزاءً على سلوك مشين كان فيه ضحية لمقلب جماعي رتّبه له “رفاقه” في الدراسة وفي العمل السياسي .
وخلال أيام الطرد الثلاثة يقرّر خليل – وبعد صراع كالعادة – السفر إلى قريته لرؤية عائلته التي كاد ينساها . وفي الطريق إلى القرية كانت مياه النهر قد تضاعفت ، فلم يستطع عبوره إلى الضفة الأخرى إلا على كتفي رجل هو “متعهد” النقل عادة في مثل هذه الظروف منذ عقود حتى أنه حمل أباه وعمّه من قبل . وفي القرية – وكما هو الحال في المدينة – كان العالم ضيّقا بالمعنى الجغرافي – وواسعا نفسيا في عيني خليل بعد انقطاع – ولا ندري ، ومن جديد ، كيف كان شعراؤنا ومنذ الخمسينات يتحدثون عن مدن الضياع والنحاس ؟! ، وخليل في بداية الستينات أنهكه المسير ويتساءل :
(لابدّ أن تكون السيارة أكبر نعمة في الدنيا . ولكن متى ستصل السيارة إلى هذه القرية ؟ – ص 130) .
وفي الطريق إلى القرية ، وقبل ذلك ، كان خليل يعبّر عن شوقه العارم إلى أشخاص وأشياء كثيرة هناك ومن بينها نعيمة ، إبنة خاله . نعيمة التي أخبره “متعهد” العبور بأنها عبرت قبل قليل هي وزوجها عائدين من طرابلس ، فإذا به  يستذكر الآن كيف التحم بها ذات ليلة بعد أن نام الجميع في بيت خاله ، ودعته إلى أن ينام جوارها ، وألقمته حلمتها فأشعلت روحه .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| زياد جيوسي : الضياع والبقاء في “ظل منحن على مقعد الشمس” .

   حين حط في بريدي كتابين للكاتبة والشاعرة الأستاذة الدكتورة والباحثة جليلة الخليع من المغرب العربي، …

| هاتف بشبوش : لؤي عمران ، صوتانِ ، في السياسةِ ، وآخرٌ في الوجدان ..جزء ثانٍ .

  القرار الأخير ( القرارالصعب ) : القاص لؤي كان ذكيا في وصف التضحية والفداء …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *