داود سلمان الشويلي : الصناعة اللفظية في قصيدة “الفضول الاربعة” لدعبل الخزاعي

dawod alshowailyمدخل:
هنالك سؤال مهم تثيره هذه الدراسة ، وهي تتصدى لقراءة احدى قصائد الشاعر العربي “دعبل الخزاعي ” ( الفضول الاربعة ) على الرغم من قصرها ، الا انها تستجيب لدواعي عنوان هذا الكتاب ، وهو ” ميتا القصيدة ” ، فضلاً عن ان القصيدة والشاعر غير معنيين بالاجابة عنه ، ذلك هو :
–    ماعلاقة الشعر بالتاريخ ؟
والتاريخ هنا ، بمعنى ارتباط الحادثة بالشخصية ، او بالعكس 0
من المعروف مسبقاً ، ان الفن والتاريخ قد عاشا سوية منذ ازمان في علاقة ترابط وثيقة ، فضلاً عن اشتراكهما في مرتكزات ثلاث : الانسان ، الزمان ، والمكان 0
واذا كان هم التاريخ ، كشف الحقيقة ، فأن هم الفن ، هو كشف دور الانسان في الوصول الى تلك الحقيقة ، أي دور صانع التاريخ 0 من هذا المنطلق ، ، يسهم الفن ، والفن الكتابي خاصة ، في التحفيز على كتابة التاريخ ، من خلال طرح الاسئلة برؤية مغايرة عن اسئلة مدون التاريخ ، و ((  الايقاظ الشعري للناس الذين برزوا في تلك الاحداث )) 0(1)
وقد قيل   ، ان الشعر ديوان العرب ، وليس في هذا القول أي تحامل ، او ابتعاد عن الحقيقة ، ولم يكن سبة للعرب ، او لشعرهم ، وانما هو الحقيقة الناصعة التي اضاءها الشعر نفسه 000 فقد كان (( ديوان علمهم ومنتهى حكمهم به يأخذون واليه يصيرون )) 0 (2 ) اذ شارك الشعر  العرب ايامهم ، حلوها ومرها ، انتصاراتهم او خسائرهم ، حبهم او كرههم، تقبل المرأة لرابطة الحب ، او رفضها لها ، التمتع بجمال الطبيعة ، او الخوف من مظاهرها العديدة ، رحلاتهم واقامتهم ، في البادية او في الحاضرة ، لهذا نجد ه جديراً بهذا الاسم 0
الا ان هذه العلاقة ، لا تحمل الشعرمسؤلية الاجابة عن الكثير من الاسئلة المطروحة على التاريخ ، لأن التاريخ هو المعني الوحيد بالاجابة عنها  ، وتبقى القصيدة ، العامل الهام بأثارة تلك الاسئلة ، لأن الشعر ، كأي فن من فنون الادب ، عليه ان يطرح الاسئلة فقط ، وعلى الاخرين ، من خارج عالمه ، تقع مهمة الاجابة عنها 0
ان قراءة متأنية لقصيدة دعبل الخزاعي ( الفضول الاربعة ) (3) ستثير الكثير من الاسئلة التي لها علاقة بالتاريخ ، اذ انها تلمح ولا تصرح ، وهذا هو فعل الشعر ، ودوره الاساس 0
***        ***
النص :

قصيدة ( الفضول الاربعة )

نصحت   فـــأخلصت النصيحة للفضل       وقلت فسيرت المقالة فـــــــــــي الفضل
ألا إن فـــــــي الفضل بن سهل لعبرة        إن اعتبر الفضل بـــــــن مروان بالفضل
وفي ابن الربيع الفضل للفضل زاجرٌ         اذا ازدَجَرَالفضل بن مـــــــروان بالفضل (4)
وللفضل في الفضل بن يحيى مواعظ        إذا فكر الفضل بن مروان فــــــي الفضل
اذا ذُكروا يوماً وقـــــــد صرت رابعاً        ذُكِرتَ بقدرِ السعي منك الــــــــى الفضل (5)
فـابق جميلا من حديث تـفز بــــــــه         ولا تدع الإحسان والأخــــــــــــذ بالفضل
فإنك قـد أصبحت للملك قــــــــــــيما         وصرت مكان اـلفضل والـفضل والـفضل
ولم أر أبياتا مــــــــــن الشعر قبلها          جميع قوافيها على الفضل والفــــــــضل
وليس لـــها عـيب إذا هـــي أنشدت         سوى أن نصحي الفضل كان مـن الفضل

كتب الشاعر دعبل الخزاعي هذه القصيدة ، ناصحاً من خلالها الفضل بن مروان ، وزير المعتصم 0 والقصيدة تثير قضيتين :
الاولى : هي الصناعة اللفظية التي اجهد بها فكره وذائقته الشعرية ، حتى بدت امام القاريء والسامع مفرطة الى درجة غير اعتيادية 0
الثانية : والتي لها علاقة بالسؤال الذي طرحناه في السطور السابقة ، والذي يعني بقضية علاقة الشعر بالتاريخ ، وبالاخص – في هذه القصيدة – علاقة ( الفضول ) الاربعة فيما بينهم ، او كما يراها الشاعر 0
ولارتباط القضية الاولى بالقضية الثانية ، سنتناول القضية الاولى كمدخل لدراسة القضية الثانية ، بعد ان نترجم للشاعر0
فضلاً عن ذلك ، فعلى مستوى الذائقة النقدية ، تثير هذه القصيدة قضية هامة في الشعر ، وهي : الوضوح ( سوى ما يأتي من صعوبة فهم دلالات لفظة الفضل في بعض الاحيان ) ، مما يجعلها لا تحتمل أي تفسير ، او تأويل ، بسبب انها تنهل من معجم عام ، وكذلك لوضوح الهدف الذي تركز عليه 0
ان الوظيفة الانشائية لهذه القصيدة ، تهدف الى ضرب عصفورين بحجر واحد – كما يقال – : انه يربي من خلال تقديم النصح ، و يحرض ، من خلال دفع المنصوح الى اجتناب افعال السابقين له 0
ولا نريد هنا ان نبحث قضية احقية – او عدم احقية – دعبل في تقديم النصح ، لاننا لسنا هنا في موضع الناقد الاخلاقي او القيمي ، بقدر ما نكون فاحصين للنص للتعرف على ما يثيره – بعد قراءته – من امور واردة اليه من خارج عالمه ، لأن النص هذا لو لم يكن للشاعر دعبل ، فأنه سيكون لغيره ، كما في النصوص التي رافقت هذه الدراسة0
***          ***
الشاعر :
هو (( ابو علي دعبل بن علي بن رزين بن سليمان الخزاعي )) 0(6)
فيما يذكر صاحب الاغاني ، انه : (( دعبل بن علي بن رزين بن سليمان بن تميم بن نهل وقيل بهنس بن خراش بن خالد بن دعبل بن انس بن خزيمة بن سلامان بن اسلم بن افضى بن حارثة بن عمر بن عامر مزيقيا ويكنى ابا علي )) 0(7) ويضيف قائلاً : ان اسمه محمد 0 ودعبل يعني (( البعير المسن )) 0 (8 )
اما الخطيب البغدادي ، فيذكر في تاريخه ، انه : (( دعبل بن علي بن رزين بن عثمان بن عبد الله بن بديل بن ورقاء الخزاعي )) 0 (9 )
وقيل ان اسمه : (( الحسن وقيل عبد الرحمن وقيل محمد وكنيته ابو جعفر ))0(10)
ولد شاعرنا : (( سنة ثمان واربعين ومائة وتوفي سنة ست واربعين ومائتين )) (11)  وقيل انه مات مقتولاً بسبب هجائه مالك بن طوقان 0 (12)
تذكر كتب نقادنا القدامى  ، ان دعبل قد تتلمذ في الشعر على الشاعر مسلم بن الوليد ، ولازمه كثيراٍ 0 وصنف  كتاباً في طبقات الشعراء 0
وايضا ، فأنه : (13)
ا –  صاحبَ الصعاليك فترة من حياته ، وشارك مرة بقتل صراف 0
2 – من رواد مجالس الشرب والمجون 0
3 – كثير الاسفار 0
4 – متشيع لآل البيت 0
5 – كان راوياً للحديث ، الا انه كان راوياً مجروحاً 0
6 – كان راوياً للشعر المشهور وغير المشهور 0
7 – اصبح والياً لفترة قصيرة ، وقد عزل بسبب قصيدة هجاء قالها في حاكم مصر 0
8 – من اكبر شعراء الهجاء ، اذ لم يسلم منه الخلفاء والولاة 0 ومن قصائده التي هجى بها الخلفاء العباسيين ( هجائه للمعتصم ) والتي يقول فيها : (14)

مــلوك بني العباس في الكتب سبعة          ولـــــــــم تاتنا عن ثامن لهم كتب
كذلك اهل الكهف فــي الكهف سبعة          خـيار اذا عـــــــــدوا وثامنهم كلب
واني لاعــــــــلي كلبهم عـــنك رفعة          لانـــــــــــك ذو ذنب وليس له ذنب
كـــــــــــــــــــــــانك اذ ملكتنا لشقائنا          عجوز عليها التاج والعقد والاتب
لقد ضاع امر الناس اذ ساس ملكهم          وصيف واشناس وقد عظم الكرب
وفضل ابــــــــــن مروان سيثلم ثلمة          يـــــظل لها الاسلام ليس له شعب
وهــــــــــــــــــمك تركي عليه مهانة           فــــــــــــــــانت له ام وانت له اب

لقد مثل هذا الشاعر مزاج اكثر الشعراء منذ القدم حتى يومنا هذا ، خاصة اذا استخدم الشاعر شعره وسيلة للتكسب ، الا ان شاعراً يجمع بين التشيع (( الذي كان ينبغي ان يؤدي به الى جادة الصواب وسيل الرشاد )) 0(15) والصعلكة ، والاجرام ، والتطاول على الاخرين مهما كانوا ، مثل هذا الشاعر نادر الوجود ومن هذا النادر كان شاعرنا ، فقد كان : (( بذيء اللسان مولعاً بالهجو والحط من اقدار الناس وهجا الخلفاء فمن دونهم وطال عمره فكان يقول : لي خمسون سنة احمل خشبتي على كتفي ادور على من يصلبني عليها فما اجد من يفعل ذلك )) 0(16 ) وكان (( اطروشاً وفي قفاه سلعة )) 0(17)ولا اريد ان اعلق على هذه القضية التي ارى ان لها علاقة بتصرفات هذا الشاعر ، واترك التعليق لمن لهم دراية بعلم نفس الادب 0
وكان شاعرنا من المجددين في الشعر، مع كونه من اصحاب الصنعة الشعرية ، وان (( طبيعة الصناعة الصارخة والصور البهيجة التي عمد الى اختراعها تعلن عن نفسها بصوت عال مسموع )) 0 (18)
ومن تجديداته ، انه (( شارك ابا نواس في رفض الوقوف على الاطلال واستبداله ذكر الخمر بالوقوف على الربوع حتى نكاد نقع في لبس تجاه الشاعرين الكبيرين وايهما كان الباديء في هذا الاتجاه )) 0(19)
ومن قوله : (20)

يقول زياد قـــف بصحبك مرة    على الربع مالي والوقوف على الربع
ادرها على فقد الحبيب فربما    شربت على ناي الاحـــــــــــبة والفجع
فما بلغتني الكاس الا شربتها    والا سقيت الارض كاسا مـــــن الدمع

وقد قيل الكثير عن شاعريته ، فصديقه الشاعر البحتري ، قال عنه : (( ان كلام دعبل ادخل بكلام العرب من كلام مسلم ومذهبه اشبه بمذهيهم ))0(21)
فيما قال مهرويه : (( ان الشعر قد ختم بدعبل )) 0(22)
وعلى الرغم من هجاء الشاعر للخلفاء العباسيين مر الهجاء ، الا اننا نجد المأمون يقول عن قصيدة الشاعر التي يقول فيها :

وقائلة لما استمرت بها النوى       ومحجِرُها فيه دمٌ ودموعُ

قال : (( ما سافرت قط الا وكانت هذه الابيات نصب عيني في سفري وهجيري ، ومسليتي حتى اعود )) 0(23 )
***      ***
 الفضول الاربعة :  

في القصيدة ، ترد اسماء لشخصيات سميت بأسم ( الفضل ) ، ولكي تكتمل جوانب دراستنا عن هذه القصيدة ، علينا التعرف على هذه الشخصيات للوصول الى معرفة اسباب كتابة القصيدة ، وسنتناول بأختصار شيئاً عن حياتهم ، وبأسبقية حسب سنة وفاتهم مقدمين عليهم الفضل بن مروان ، لان القصيدة موجهة اليه 0
1-    الفضل بن مروان :
وهو الشخصية الموجهة اليها القصيدة 0 وكان وزيراً للخليفة العباسي المعتصم ، الذي كانت ولايته من 218 هـ الى 227 هـ (24) 0
هو : (( ابو العباس الفضل بن مروان بن ماسرخس )) (25) وهو (( نصراني الاصل قليل المعرفة بالعلم حسن المعرفة بخدمة الخلفاء ، وله ديوان رسائل وكتاب المشاهدات والاخبار )) 0 (26 )
وعندما كان المعتصم – عند وفاة الخليفة المأمون – في بلاد الروم (( اخذ الفضل له البيعة ببغداد )) ( 27) فكرمه المعتصم بأسناد الوزارة اليه 0
الا ان المعتصم تغير عليه وابعده عن الوزارة 0 ومات بعد ان خدم جماعة من الخلفاء في ((سنة خمسين ومائتين وعمره ثمانون سنة )) 0(28)
ويُذكر ، انه عندما كان يجلس في النظر في قضايا الناس ، وصلته رقعة مكتوب فيها : (29)

تفرعنت يا فضل بن مـروان فأعتبر      فقبلك كــان الفضل والفضل والفضل
ثلاثة امـــــــــــــلاك مضوا لسبيلهم      ابادتهم الاقياد والحبس والـــــــــــقتل
وانك قد اصبحت في الناس ظـــالماً      ستودي كما اودي الثلاثة مــــــن قبل

والفضول الثلاثة الآخرين الذين ذكرتهم القصيدة ، هم الفضول المذكورين في قصيدة دعبل ، ولا نعلم ، فيما اذا كان الشاعر دعبل قد تأثر بعالم هذه القصيدة ، او كان العكس ؟ وهل كانت القصيدة قد كتبها او دست عليه ؟
ومن خلال ما ذكره صاحب الوفيات عن هذه الشخصية ، يمكن استنتاج ما يلي :
1 – ان الفضل بن مروان ، كان نصرانياً ، وليس في ذلك ضير ، اذا كان عربي الاصل ، الا ان المصادر لا تذكر لنا جنسيته 0
2 – ثقافته العلمية ليست بالمستوى الذي تؤهله لكي يكون بمنصب الوزارة سوى ان له اسلوباً في خدمة الخلفاء 0
3 – شخصية ظالمة للرعية 0 وقد جعلت القصيدة اعلاه منه فرعوناً ، وتنبأت له بنهاية غير سعيدة ، وهذا ما حدث له ، اذ قبض عليه ، وابعد عن الوزارة 0
***      ***
2 – الفضل بن يحيى :
هو :(( ابو العباس بن يحيى بن خالد بن برمك البرمكي )) 0(30)
ولد سنة ثمان واربعين ومائة 0(31)
تولى وزارة الرشيد ،الا انه اقاله ونصب اخيه جعفراً، ثم قلده عمل خراسان 000 وبعد نكبة الرشيد بالبرامكة ، ادخله السجن ، حتى مات فيه ، سنة اثنين وتسعين ومائة0 (32)
مدحه الشاعر مروان بن ابي حفصة قائلاً : ( 33)

كفى لك فضلاً ان افضـــل حـــرة      غذتك بثدي والخليفة بــــــــــواحد
لقد زنت يحيى في المشاهد كلها       كما زان يحيى خالداً في المشاهد

يشير الشاعر الى ان الرشيد والفضل كانا اخوة بالرضاعة 0
وقال عن كرمه بعض الشعراء : (34)

فألقينا من جود فضل بن يحيى       ترك الناس كــلهم شعراء

فيما مدحه ابو نواس في قصيدته التي يقول فيها : ( 35)

اميرٌ رأيت المال فـــــــي نعماته         دليلاً مهينَ النفسِ بالضيم موقنا
اذا ضنّ ربّث المال اعـلَنَ جودهُ         بحيَّ عـلــــــــى مال الامير واذنا
وللفضل صولات علىصُلب مالهِ        ترى المال فيها بالمتانةِ مــُذ عنا

وفي قصيدة اخرى يقول : (36)

وكنا اذا ما الحائن الجـــــدِّ غــــرّة       سنا برقِ غـــاوٍ او ضجيجُ رعادِ
تروى له الفضل بن يحيى بن خالد       بماضي الظُّبى يزهاهُ طولُ نجادِ

ومن خلال ما ذكره صاحب وفيات الاعيان ، يمكن استنتاج ما يلي :
1 – انه غير عربي 0 اذ انه من عائلة البرامكة الفارسية الاصل 0
2 – انه من المقربين جداً من هارون الرشيد 0 فقد كان يدعوه بأخي (37) وكان مطيعاً له 0
3 – كان كريماً جوادا ً 0
4 – قريب من الرعية ، كأبيه واخيه جعفراً 0
ان الكرم والتقرب من الرعية بالنسبة لآل برمك كانا بقصد سياسي شعوبي ، اذاستطاعوا من خلال هاتين الخصلتين ان يصنعوا لهم مكانة كبيرة بين العامة من الناس، وجعل الخليفة بعيداً عنهم ، وهذا ما كان ، وارى ان ذلك هو السبب الرئيس الذي اطاح بهما 0
تذكر المصادر ، ان  الرشيد وللاسباب التي ذكرناها ولغيرها ، كما يذكر  صاحب وفيات الاعيان ، اذ يقول : (( تقصيرهم بالفضل بن الربيع وسعي الفضل بهم وتمكنه من المجالسة مع الرشيد فأوغر قلبه عليهم ومالأه على ذلك كاتبهم اسماعيل بن صبيح حتى كان ما كان )) (38) اوقع بهم ، وقتل جعفراً على الرغم من انه زوجه بأخته العباسة كما تذكر المصادر 0 (39)
واخيراً ، اودع الفضل البرمكي السجن حتى مات فيه 0
***  ***
3 – الفضل بن الربيع :
هو : (( ابو العباس الفضل بن الربيع بن يونس بن محمد بن عبد الله بن ابي مروة واسمه كيسان مولى عثمان بن عثمان رضي الله عنه )) 0 (40 )
ويروي صاحب الوفيات حسد ابن الربيع للبرامكة ، وقد نجح في دفع الرشيد الى الايقاع بهم 0
توفي ابن الربيع سنة ثمان ومائتين وسنه ثمان وستون سنة (41) وهذا يعني انه ولد عام 140 هـ 0
اصبح ابن الربيع وزيراً للامين 0 الا ان احوال هذا الخليفة قد اضطربت (( وقويت شوكة المأمون فلما رأى الفضل بن الربيع الامور مختلفة استتر في رجب سنة ست وتسعين ومائة ثم ظهر لما ادعى ابراهيم بن المهدي الخلافة ببغداد (000) واتصل به ابن الربيع فلما اختل حال ايراهيم استتر ابن الربيع ثانية )) 0(42 )
وقد مات ابن الربيع وهو في تستره ، في خلافة المأمون 0
مدحه ابو نواس ، في قصيدة يقول فيها : (43)

ما من يدٍ في الناس واحدةٍ        كيدِ ابــــــو عباس مولاها
نامَ الثقات على مضاجعهم       وسرى الى نفسي فأحياها
قد كنت خفتك ثـــــم أمنتني       من ان اخافك ِ خـوفكَ الله
فعفوتَ عني عــــفوَ مُقتدرٍ       حلّت له نقـــــــــم ٌ فألغاها

قيل ان ابي نواس قد كتب قصيدة للخليفة حول سجنه الا انها لم تفده بشيء ، فكتب الى وزيره فأطلق سراحه بعد ان كتب له قصيدة ثانية قال مادحاً الفضل : (44)

انت يا ابن الربيع الزمتني النسـ     ـك وعودتنيه والخيرُ عاده

ويذكر صاحب الوفيات ، انه : (( تنازع يوماً جعفر بن يحيى والفضل بن الربيع بحضرة الرشيد فقال جعفر للفضل يا لقيط اشارة الى ما كان يقال عن ابيه الربيع انه لا يعرف نسبه وابوه      ( 000) ومات الرشيد والفضل مستمر على وزارته )) 0(45 ) ويذكر صاحب تاريخ بغداد ان : (( ابن عياش المنتوف يطعن في نسب الربيع طعناً قبيحاً ويقول للربيع : فيك شبه من المسيح ! يخدعه بذلك ، فكان يكرمه لذلك ، حتى اخبر المنصور بما قال له ، فقال : انه يقول : لا اب لك 0 فتنكر له بعد ذلك 0 وكان ابو فروة كيسان مولى للحارث الحفار مولى عثمان بن عفان ، ففي الربيع وجده يقول الحارث بن الديلمي :
شهدت بـــــأذن الله ان محمداً      رسول من الرحمن غير مكذب
وان ولا كيسان للحارث الذي      ولـــى زمناً حفر القبور بيثرب
وقد انتقل الربيع من حجابة المنصور الى الوزارة له ، ثم حجب المهدي ، وهو الذي بايع المهدي وخلع عيسى بن موسى 0 وابنه الفضل حجب هارون ومحمداً المخلوع 0 وابنه العباس ابن الفضل حجب الامين 0 ومات في اول170 )) 0(46)
ويذكر الجاحظ ، ان ابراهيم بن الندى حدثه عن ابيه قائلاً : (( دخل شاب من بني هاشم على المنصور، فسأله عن وفاة ابيه فقال : مرض ابي رضي الله عنه يوم كذا ، ومات رضي الله عنه يوم كذا ، وترك رضي الله عنه من المال كذا ، ومن الولد كذا ، فأنتهره الربيع وقال : بين يدي امير المؤمنين توالي بالدعاء لابيك 0 فقال الشاب: لا الومك ، لانك لم تعرف حلاوة الآباء )) 0 (47)
ويذكر محقق البيان في الهامش ذ / ص329 ، ان احدى نسخ البيان تذكر في هامشها : (( قال هذا للربيع لانه اعجمي سبي صغيراً ، ونشأ مع المسلمين )) 0
ومن خلال هذه النبذة القصيرة عن حياة الفضل بن الربيع ، يمكن الوصول الى :
1 – انه غير عربي النسب 0 (لقيطاً) 0
2 – وصل الى الوزارة من خلال الايقاع بالبرامكة عند الرشيد 0 اذ عندما (( آل الامر الى الرشيد واستوزر البرامكة كان الفضل بن الربيع يروم التشبه بهم ومعارضتهم ولم يكن له من القدرة ما يدرك به اللحاق بهم فكان في نفسه منهم إحن وشحناء )) 0(48) وقد فعلت تلك الإحن والشحناء فعلها عند الرشيد ، وكان ما كان بالنسبة للبرامكة 0 وعندما جاء المأمون جعله وزيراً له 0
3 – تقلب ولاءه بين الخلفاء 0
4 – مات وهو متستراً عن انظارالخليفة المأمون 0
***     ***
4 – الفضل بن سهل :
هو : (( ابو العباس الفضل بن سهل السرخسي اخو الحسن بن سهل (000) اسلم على يدي المأمون سنة تسعين ومائة وقيل ان اباه سهلاً اسلم على يد المهدي )) 0(49) وقد اوصله البرامكةالى الرشيد  0 واصبح وزيراً للمأمون ، ولقب بذي الرياستين      (( لانه تقلد الوزارة والسيف وكان يتشيع وكان من اخير الناس بعلم النجامة واكثرهم اصابة في احكامه )) 0(50)
لعب ابن سهل دوراً كبيراً في صراع الامين والمأمون حتى استوزره المأمون بعد تغلبه على اخيه الخليفة الامين (( وقد استغل الفضل المكانة الخاصة التي وضعه فيها المأمون ، فعمل على تثبيت سيطرته على شؤون الدولة وتوجيهها واندفع في الميل الى الفرس وعمل على احياء النظم الساسانية وافساح المجال للزرادشتية ، وقد وصل الامر به حداً بحيث انه اتخذ له كرسياً مجنحاً ينتقل عليه وهو تقليد ساساني قديم )) 0(51)
قتل على يد خال المأمون ” غالب المسعودي الاسود ” بسرخس ، اذ ارسله المأمون لذلك ، (( سنة اثنان ومئتين وقيل ثلاث ومائتين وعمره ثمان واربعون سنة وقيل احدى واربعون سنة )) 0(52) وهذا يعني انه ولد سنة 154 هـ 0
اذن ، يمكن التوصل الى :
1 – انه غير عربي ، وغير مسلم ، وربما ظل على ديانة المجوسية 0
2 – تقربه الى الرشيد من خلال آل برمك 0
3 – كان لا يحترم مقام الخليفة ، اذ انه بعد ان اصبح وزيراً للمأمون (( استولى عليه حتى ضايقه في جارية اراد شراءها )) 0(53 ) فضلاً عما ذكرناه قبل قليل 0
4 – ولهذا السبب امر المأمون خاله بقتله 0
***       ***
من خلال دراسة حياة هؤلاء الفضول الوزراء ، يمكن القول ، انهم :
1 – كانوا من قوميات واديان غير عربية ، وغير اسلامية 0 فضلاً عن كون البعض منهم غير معروف النسب 0
2 – ان الوزارة جلبت لهم الشرور ، فمنهم من قتل ، ومنهم من سجن ومات في سجنه، ومنهم من مات اثناء تستره عن الخلفاء ، ومنهم من لم تدم له الوزارة طيلة حياته فمات عاطلاً 0
والمصادر ، تذكر لنا كيف تجري الامور بعد زعل الخليفة على وزرائه من حجز للاموال  المنقولة وغير المنقولة 0
جدول ترتيب الفضول الاربعة حسب سنة وفاتهم
ت    الخليفة    الفضل بن :    الميلاد    العمر    الوفاة    سبب الوفاة
1    الرشيد            يحيى    148    45    193    بسبب سجنه
2    المأمون            سهل    154    48    202    قتل
3    الامين           الربيع    140    68    208    مات متستراً
4    المعتصم            مروان    170    80    250    موت طبيعي

من المعروف ان الخلفاء العباسيين الذين استوزروا الفضول الاربعة ، هم من اهم خلفاء   الدولة العربية ، اذ مرت الدولة العربية خلال سنوات خلافتهم بمشاكل ومصائب ، فضلاً عن التقدم الحضاري الذي حصل زمانهم ، خاصة في خلافة الرشيد0
فقد برزت اثناء خلافة الرشيد ، الشعوبية والزندقة بسبب تأثير العنصر الفارسي في الحكم وفي الحياة الثقافية ، وبعد ممات الرشيد حدث النزاع القاتل بين الامين والمأمون الذي ادى الى قتل الامين 0 وفي زمن المأمون ، برزت بحدة افكار المعتزلة ، وقد تبناها الخليفة نفسه ، وكذلك ما رافقها من حوادث  دعيت بمحنة القرآن  0 اما في زمن المعتصم ، فقد برزت قضية الجيش التركي الخاص به مما دعى المعتصم الى بناء مدينة سر من رأى ، فضلاً عن استغلال البيزنطينيون انشغال الخلافة بأخماد الثورات والفتن التي حدثت ، فبدأوا بالعدوان على الدولة العباسية ، ومن ثم وقوع معركة عمورية التي وثقها الشاعر الكبير ابو تمام في احدى قصائده التي قال في مطلعها :

السيف اصدق انباء من الكتب     في حده الحد بين الجد واللعب

ان الدولة العباسية ، ومن ثم الخليفة ، كانا بأشد الحاجة الى وزير يستطيع ان يمسك بيده امور الدولة والخلافة والعامة ، وفي الوقت نفسه ، ان يكون اكثر فهماً لمتطلبات الخليفة والدولة والعامة ، وهذا يعني ، ان الفضول الاربعة قد تسنموا مناصب اكبر مما يتصفون به من مؤهلات لم تكن لائقة بوزير اكبر دولة في العالم في ذلك الوقت 0 اذن ، يمكن اعتبارهم من الوزراء المهمين في تاريخ الدولة العربية الاسلامية 0 لهذا نرى اهتمام الشعراء بهم ، ان كان ذلك الاهتمام بصورة ايجابية ، المدح ورثاء من يموت او النصح ، او كان سلبياً ، من خلال الهجاء 0
وربما ، لاول مرة نرى شاعراً بمنزلة دعبل ينصح وزيراً بمنزلة الفضل 0
ان ما تريد ان تصل اليه هذه الدراسة وهي تقدم بعضاً من حياة هؤلاء الفضول الاربعة ، هو ان الشاعر دعبل الخزاعي قد كان محقا في نصحه للفضل عله يتعظ بما جرى لمن سبقه من الوزراء الذين حملوا اسمه ، وما جرى لهم بسبب موقفهم من الخلافة ، ومن العامة خاصة ، لما اوقعوه من ظلم عليهم 0
***    ***
المحسنات البديعية :  

ليس جديداً القول ، ان الشعر العربي مر بتطور هام ابتداء من الفترة الاخيرة للدولة الاموية ، مروراً بسنوات الدولة العباسية 00 وكان من ضمن هذا التطور ، بروز ظاهرة المحسنات البديعية ، وما تشتمل عليه من صناعة لفظية ، الى جانب غيرها من المظاهر التي دفعت بالشعر العربي الى ان يصل الى ما وصل اليه على ايدي ابي نواس ومسلم بن الوليد وابي تمام والبحتري ودعبل والمتنبي 0 وقد درس ابن المعتز في كتابه الهام ( البديع ) هذه الظاهرة 0
ومن بين ظواهر البديع ، برزت في القصيدة العربية الصناعة اللفظية ، والتي لها علاقة باللفظ ، والتلاعب به داخل القصيدة الواحدة ، حتى تحول هذا المحسن البديعي على ايدي شعراء الفترة العباسية المتأخرة الى حالة ترف فني غير مسوغ ، اذ ان كتابة قصيدة تكثر فيها هذه  الظاهرة ، كان يحكمها العقل اكثر من الاحساس والعاطفة الذين من خصائص منابع الشعر الاولى ، فتحول الشعر هذا عند بعض الشعراء المجيدين الى ان يكون صناعة متكلفة ، وان الباحث يرى في اسباب ذلك ، نوعية الموضوعات التي تطرقوا اليها ، تلك الموضوعات التي يمكن ان تناقش مع الاخر بكتاب نثري ، او رسالة دون اقحام عالم الشعر فيها 0
ومن الجدير بالذكر ، ان هذا المحسن البديعي ، لم يكن مختصاً بأيراد لفظ واحد ، وانما قد جاء – ومنذ امريء القيس – بشكل ايراد الالفاظ في حالة توالي في البيت الواحد ، و ايراد اللفظ واللفظ الآخر ، وهكذا  ، كأن يجمع البيت الواحد مجموعة من الافعال المختلفة ، كقول امريء القيس : (54)

افادَ وجادَ وسادَ وزادَ             وقادَ ودادَ وعادَ وافضل

وقول ابو العميثل الاعرابي : (55)

اصدق وعف وبر واصبر واحتمل     واصفح ودار وكف وابذل واشجع

وقول المتنبي :( 56)

عش ابق اسم سد قد جد مر انه رف اسر نل
غظ ارم صب احم اغز اسب رع زع دل اثن نُ

وقوله : (57)

ما كان نومي الا فوق معرفـــتي    بان رايك لا يؤتى مـــــــن الزلل
اقل انل اقطع احمل عل سل اعد    زد هش بش تفضل ادن سر صل
لعل عتبك محمود عـــــــــــواقبه    فربما صحت الاجسام بــــــالعلل

وقوله:( 58)

لا يستحي احـــــــــــــــد يقال له    نضلوك ال بـــــويه او فضلوا
قدروا عفوا وعدوا وفوا سئلوا    اغنوا علوا اعلوا ولو عدلوا
فوق السماء وفوق مــــا طلبوا    فـــــــــــاذا ارادوا غاية نزلوا

وقوله : (59)

من كل ابيض وضاح عــمامته    كانما اشتملت نورا على قبس
دان بعيد محب مبغض بــــهج    اغــــــــر حلو ممر لين شرس
ند ابي غـــــر واف اخـــي ثقة    جعد سري نه ندب رضا ندس

او قول سعيد بن سمرة الكاتب : (60)

وادِد دُوادا ، وراع ذا وِرَعٍ         ودارِ دارا إنْ زاغَ او زارا
وزُر ودوداً ، وادْن ذا ادبٍ         وذَر ذاراهُ إن زارَ او زارا

وتتكرر اللفظة الواحدة عدة مرات في البيت الواحد كقول المتنبي : (61)

افعاله نسب لو لم يقل مــــعها    جدي الخصيب عرفنا العرق بالغصن
العارض الهتن ابن العــارض    الهتن ابــــــــن الـــــــــــعارض الهتن
قد صيرت اول الدنيا واخــرها    اباؤه من مغار الـــــــــــــعلم في قرن

او كقول محمد بن عبد الله الزيات : (62)

إلا مقام خليفة لخليفة      لخليفة لخليفة لخليفة
***
تحليل القصيدة :

1 – ان القصيدة ، هي نصيحة تقدم بها الشاعر الى الفضل بن مروان وزير المعتصم0  يذكره بما آلت اليه حال من سبقه من وزراء الدولة الذين يحملون اسمه ، وان الجديد في هذه القصيدة ، هو استخدام لفظة ( الفضل ) اثنين وعشرين مرة 0
واذ يموت الشعر بالتفسير ، واعطاء المعنى لالفاظه ،  الا ان ظروف هذه القصيدة، ولما فيها من غموض وتعقيد سببه تكرار اللفظة اثنين وعشرين مرة ، تدفعنا الى ان نتوصل الى معاني كل لفظة من تلك الالفاظ 000 واذا كان البعض يحسب ان قصيدة دعبل هذه معقدة ، فأن للتعقيد وجهين ، حسب رأي النقاد القدامى ، احدهما : تعقيد محمود لانه يأتي في كثير من الاحيان على انه غريب ، الا ان هذه الغربة لا تبتعد عما هو مألوف 0 قال الجرجاني : (( والمعقد من الشعر والكلام لم يذم ، لانه مما تقع حاجة فيه الى الفكر على الجملة ، بل لان صاحبه يعثر فكرك في متصرفه ، ويشيك طريقك الى المعنى ، ويوعر مذهبك نحوه ، بل ربما قسم فكرك ، وشعّب ظنك ، حتى لا تدري من اين تتوصل ، وكيف تطلب )) 0 (63)
وللفظة ( الفضل ) معانٍ ودلالات عدة ، اهمها : ( الفضل) و (الفضيلة ) ضد النقص والنقيصة 0 و ( الافضال ) الاحسان 0 ورجل ( مفضال ) وامرأة ( مفضالة ) على قومها اذا كانت ذات فضل سمحة 0 و ( افضل ) عليه و ( تفضل ) بمعنى 0 و     ( المتفضل ) الذي يدعي الفضل على اقرانه (000) و( الفضلة ) و ( الفضالة ) ما فضل من الشيء 0(64 )
ان المعاني والدلالات التي عنتها القصيدة يمكن درجها في الاتي :
1 – مخاطبة الفضل بن مروان بأسمه :
وقد تجلت هذه المخاطبة بما يأتي :
آ – في البيت الاول ، الشطر الاول 0
ب – في البيت الثاني ، الشطر الثاني 0
ج – اولاً : اما ان يكون لفظ ( الفضل ) الذي ورد في الشطر الاول من البيت الثالث بمعنى ( الاحسان ) ، ومن هذا المعنى يفهم من هذا الشطر ، ان الفضل ابن الربيع كان زاجراً بأعماله غير الحسنة للفضل بن مروان ، اذ لم يكن اميناً على ما اؤتمن عليه ، فتقلب في ولائه ، حتى آلت الامور به الى العيش متستراً عن اعين الخلفاء 0 وهذا يعني ان لفظة ( الفضل ) في القافية ، تعني الفضل بن الربيع ، الذي على ابن مروان ان يتخذ منه عبرة ، ويتعظ من فعلته 0
ثانياً : او ان يكون معنى ( الفضل ) الثاني في الشطر الاول من البيت الثالث بمعنى     ( الفضل بن مروان ) ، فيكون معنى البيت ان يزدجر الفضل بن مروان بالفضل بن الربيع 0
د – في الشطر الاول من البيت الرابع ، يأتي لفظ ( الفضل ) الاول بمعنى ( الفضل بن مروان ) وكذلك اللفظ الاول من الشطر الثاني بالمعنى نفسه 0
هـ – في الشطر الثاني من البيت التاسع ، يرد لفظ ( الفضل ) الاول بمعنى ( الفضل بن مروان ) 0
وبهذا يكون مجموع ورود لفظة ( الفضل ) بمعنى اسم المنصوح سبع مرات 0

2 – ورودها كأسم للفضول الثلاثة :
آ – في الشطر الاول من البيت الثاني يرد اسم  ( الفضل بن سهل ) وكذلك في قافية البيت نفسه ، ويرد مرة ثالثة في الشطر الثاني من البيت السابع 0
ب – في الشطر الاول من البيت الثالث ، يرد اسم الفضل بن الربيع ، وكذلك في قافية البيت ، اضافة الى وروده مرة ثالثة في الشطر الثاني من البيت السابع 0
ج – في الشطر الاول من البيت الرابع يرد اسم الفضل بن يحيى ، وكذلك في قافية البيت نفسه ، وكذلك وروده مرة ثالثة في الشطر الثاني من البيت السابع 0
وبهذا يكون مجموع ورود لفظة ( الفضل ) كمسمى لأحد الوزراء الثلاثة ، ثلاث مرات لكل واحد منهم ، أي كان الشاعر عادلا ً في التمثل بكل واحد منهم ، اذ ان افعالهما كانت بالمستوى الذي يمكن الاتعاظ به 0
3 – ترد في الشطر الثاني من البيت الثامن لفظة ( الفضل ) مرتين بتتابع ، في الاولى تعني اسم علم ، وفي الثانية تعني المعاني الاخرى لها 0
4 – في قافية البيت الاول تأتي اللفظة بمعنى ( النصيحة ) ، على اعتبار هذه النصيحة هي فضل من الشاعر قدمه للمنصوح 0
5 – اما قافية البيت الخامس ، فأن اللفظة تعني الاحسان 0
6 – وفي البيت السادس جاءت بمعنى ( فضول الكلام ) الذي لا علاقة له بالاحسان 0
7 – اما ورودها في البيت التاسع فقد كان بمعنى الاحسان 0
وهذا يعني ، ان هذه القصيدة من اول بيت فيها الى آخر بيت ، ما هي الانصيحة ، قدمها الشاعر كأحسان منه الى الوزير ، عله يتعظ بأفعال من سبقه ويترك افعاله الظالمة 0
***
التلاعب بالالفاظ :

قلنا ان دعبل الخزاعي ، استخدم لفظة ( الفضل ) اثنين وعشرين مرة في هذه القصيدة ، وبمعانٍ عدة ، الا ان قراءة هذه المعاني كمحسنات بديعية ، وصناعة لفظية ، نجدها تتجلى في الاتي من النقاط :
1 – الجناس الحادث بين لفظتي ( الفضل ) في اغلب ابيات القصيدة 0
2 – الجناس الناقص في الفاظ غير لفظة ( الفضل ) بين ( لعبرة – اعتبر ) في البيت الثاني ، وبين ( زاجر – ازدجر ) في البيت الثالث ، وبين ( ذكروا – ذكرت ) في البيت الخامس 0
3 – التصريع الحادث في الابيات ( 2 ، 3 ، 4 ) 0 ففي البيت الثاني يكون التصريع بين نهايتي الشطرين ، اما في البيتين الثالث والرابع فيكون بين النصف الاول من الشطر الاول وبين النصف الاول من الشطر الثاني 0
4 – حدوث طباق في البيت السابع بين لفظتي ( اصبحت و صرت ) 0
5 – وقد حفلت القصيدة فضلاً عن هذه المحسنات ، بما اصطلح عليه نقادنا القدامى بـ   ( المغالطة المعنوية ) ، أي ان يحمل اللفظ الواحد معنيين 0
قال العلوي في ( الطراز ) :  (( اعلم ان المغالطة المعنوية : هي ان تكون اللفظة الواحدة دالة على معنيين على جهة الاشتراك فيكونان مرادين بالنية دون اللفظ ، وذلك لان الوضع في اللفظة المشتركة ان تكون دالة على معنيين فصاعداً على جهة البدلية )) ( 65)
1 – ففي قافية البيت الاول ( الفضل ) اما ان تكون بمعنى ان مقالة ( قصيدة ) الشاعر هذه قد نظمت مخصوصة للفضل بن مروان ، او ان يكون معناها ، كما قلنا سابقاً       ( الفقرة 4 ) بمعنى النصيحة 0
2 – وكذلك في لفظة ( الفضل ) الثانية في البيت الثالث ، اذ انها تحتمل معنيين ، الاول : تصريحاً بأسم ( الفضل ) ، والثاني : بمعنى ( الاحسان ) كما قلنا في الفقرة ( 1 ، ج ، ثانيا ) 0
3 – وكذلك بالنسبة للفظة ( الفضل ) في قافية البيت الرابع ، اذ انها تحتمل اكثر من معنى ودلالة ، فضلاً عما قلناه سابقاً في الفقرة (  2ج ) فمن معانيها و دلالاتها : الكمال ، الاحسان ، او ان يكون احسن منه 0

***    ***
ملحق :

واذا كان دعبل قد تلاعب بلفظ ( الفضل ) بمعان عدة ، فأن شعراء اخرين قد ارادوا بتكرار اللفظ نفسه اكثر من  مرة  لاسباب جمالية  0
فالشيخ ابو العلاء بن سليمان ،  كان تلاعبه باللفظ غريباً جداً ، اذ انه بنى قافيته على النصف الاول من اللفظ  ، وقد اطلق علماء الوزن على مثل هذا العيب الذي يصيب القافية بـ ( المجاز ) فقال: (66)

شبيه بـــــــــأبن يعقوب     ولكن لم يكن يـــــــو
سفُ يشـرب الخـــــــمر    ولا يزني ولا يــــــــو
سع الامــــــــواه بالقهو    ة مزجاًلم يـــــكن دو
ن فــــي صبح وإمساءٍ     وهذا منكر يـــــــــــو
شك الرحمن ان يصليه    في نار خـــــــزي هو
لها اهـــــــــل فلا يكشـ     ف عـــــنه ربنا السو
ءَ إن الاخضــر الابطيـ      ـن ذا الفحشاء لا يو
قد الـــــــــنار لأضياف      ولو قيل لــــــــــه ذو
دنانير وامـــــــــــــوال      فيا رحمن لا تــــــــو
سع الــرزق عـــــــلى      هذا الذي منظره لــو
لؤوالـــــــــفعل سَتّوق      فوزن الريش لا يـــو

اما الشاعر الثعالبي ، فأنه يلعب اللعبة ذاتها ، فيقول في قصيدة له : (67 )

اشاقك برق بالحجاز ومـــــــــــيض      وميض فقــــلت الثعلبي مَهيضُ
مهيض بذكرى ام عمروٍ ودونـــــها      مسافٌ لايدي الناعجات عَريض
عريض به ربد النعام اوابــــــــــــداً      لـــــــــــــــهن اداحي به ومَبيض
مبيضٌ فكم من منزلة قـــــــد تركنه      به رُبَـــعُ رخص العظام جيهض
جيهض على عوض الفلاة رمت به     قلوص بأجــــــواز الـفلاة نَهوض
نهوض وقد صار السراب كـــــــأنه       مُلاءٌ بأيـــدي الغاسلاتِ رحيض
***
الهوامش :
1 – الرواية الثانية – 46 0
2 – طبقات فحول الشعراء 0
3 – وضع كاتب هذه الدراسة هذا العنوان للقصيدة لانها لم تعنون 0
4 – في ديوان الشاعر المثبت في القرص الليزري ، لم يرد هذا البيت ، اما كتاب الاغاني المثبت في القرص الليزري نفسه فيذكر هذا البيت 0
5 – هذا البيت غير مذكور في الاغاني ، الا انه مذكور في ديوان الشاعر 0
6 – وفيات الاعيان 0
7 – الاغاني 0
8 – االمصدر السابق 0
9 – وفيات الاعيان 0
10 – المصدر السابق 0
11 – المصدر السابق 0
12 – انظر الشعر والشعراء في العصر العباسي – 324 – 325 0
13 – مأخوذ من المصدر السابق بتصرف 0
14 – شعر دعبل 0
15 – الشعر والشعراء في العصر العباسي – 322 0
16 – وفيات الاعيان 0 وحول حمل الخشبة انظر الاغاني 0
17 – المصدر السابق 0
18 – الشعر والشعراء في العصر العباسي – 335 0
19 – المصدر السابق – 337 0
20 – شعر دعبل 0
21 – الاغاني 0
22 – المصدر السابق 0
23 – الاغاني  0
24 – العراق في التناريخ – 419 – 431 0
25 – وفيات الاعيان 0
26 – المصدر السابق 0
27 – المصدر السابق 0
28 – المصدر السابق 0
29 – المصدر السابق 0  وذكر المرزباني انها للهيثم بن فراس السامي ، وكذلك ذكرها الزمخشري في ( ربيع الابرار) – المصدر السابق 0
30 – المصدر السابق 0
31 -المصدر السابق 0
32 – المصدر السابق 0
33 -المصدر السابق 0
34 -المصدر السابق 0
35 –شعر ابو نواس 0
36 – الكامل 0
37 – وفيات الاعيان 0
38 – المصدر السابق 0
39 – المصدر السابق 0
40 – المصدر السابق 0
41 -المصدر السابق 0
42 – المصدر السابق 0
43 – شعر ابو نواس 0
44 – المصدر السابق 0
45 – وفيات الاعيان 0
46 – البيان والتبيين – 2 / 328 – الهامش /5 0
47 -المصدر السابق 0- 2/ 328 –329 0
48 – وفيات الاعيان 0
49 – المصدر السابق 0
50 – المصدر السابق 0
51 – العراق في التاريخ – 410 0
52 – وفيات الاعيان 0
53 – المصدر السابق 0
54 – شعر امرؤ القيس0
55 – البيان والتبيين – 4/53 0
56 – شعر المتنبي 0
57 – المصدر السابق 0
58 – المصدر السابق 0
59 -المصدر السابق 0
60 – الشعر العراقي في القرن السادس – 293 0
61 – شعر المتنبي 0
62 – معجم النقد العربي القديم  – 323 0
63 – المصدر السابق –323  -324 0
64 – مختار الصحاح – مادة فضل 0
65 – المصدر السابق    – 328 0
66 – المصدر السابق -0250
67 – التعليقات والنوادر – 158 0

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

| زياد جيوسي : قانون جذبي أنا بين المتخيل والواقع.

 ما شد انتباهي في الفترة الأخيرة كتاب من مئة وثلاث وثمانين صفحة من القطع المتوسط …

6 تعليقات

  1. محمود سعيد

    المقالة جيدة، والرجوع إلى هذا العصر الزاهي الرائع بما فيه من إبداع جميل جداً

  2. مجيد الناصر

    ليس غريب ان يتحفنا الناقد والباحث داود سلمان الشويلي بهذه الدراسة التي تستحق الاطلاع عليها فهي دراسة وافية شاملة لشخوص حفلت بهم الايام وقد تركوا اثارهم فيه .. لقد استمتعت كثيرا وتزودت بعلومات ذات اهمية كل شكري وتقديري اللاخ الاديب داود الشويلي وتمنياتي له بالخير والسداد

  3. داود سلمان الشويلي

    شكرا استاذ

  4. داود سلمان الشويلي

    شكرا عزيزي الشاعر المجيد، مجيد الناصر

  5. كم انت معادي لاهل البيت عليهم السلام حتى اصبحت تنتقد شاعر اهل البيت كأنك وصلت الى ابداعاته الشعرية والادبية كم انت فارغ وفي موضوع الامامة تضعف الروايات الاجدى بك ان تذهب الى الروايات التي تسيء الى النبي صلى الله عليه واله في اكاذيبكم المسميات ظلم وبهتانا الصحح ايها الناصبي الخبيث

  6. داود سلمان الشويلي

    عزيزي
    قبل كل شيء يجب ان نعرف ان الدراسة هذه هي دراسة ادبية وليس لها علاقة بالدين او المذهب او اهل البيت او النبي او الناصبي.
    – انا لم انتقد الشاعر دعبل وانما درست ما قصيدة من قصائده وهي ( الفضول الاربعة) واخذت كل فضل ودرست حياته وعلاقته بالشاعر ، وما في القصيدةمن محسنات بديغية ، وتلاعب بالالفاظ ، ثم حللت القصيدة ،
    – اين العداء التي تشير اليه ؟ واين النقد؟
    – اعرف غزيزي ان تانقد عندي انا – داود سلمان الشويلي – ليس ( تقويم وتقييم ) وانما هو دراسة النص من داخله ، تحليلة ، و لم اكن في دراساتي كافة اضغ نفسي قيما على الشاعر او اي كاتب .
    – عليك ان تقرأ الدراسة وتفهمها جيدا وان تضع اسمك الحقيقي لا ان تختفي خلف اسم مستعار …. لنكون كتابا شجعان في قول كلمة الحق.
    شكرا لانك منحتني فرصة لان اوضح ولو بصورة سريعة منهجي في كتابة النقد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.