د. عبدالله إبراهيم: أدعو نفسي والنقّاد للتوقّف عن الكتابة حتى لا نخرّب ما أنجزناه

* شاركت مؤخّرًا في ملتقى قراءة النص التاسع الذي نظمه أدبي جدة.. فكيف تقرأ هذه التجربة؟

حينما أتكلم عن لقاء مثل هذا اللقاء ينبغي أن نميز بين أمرين؛ الأمر الأول تنظيمي يتصل بالقائمين والمشرفين على إقامة هذا الملتقى، ففي حدود معرفتي وما رأيت، وبحكم مشاركتي في عدد كبير من اللقاءات والملتقيات من قبل أرى أن القائمين على هذا الملتقى قدموا جهدًا طيبًا، وبخاصة أن نادي جدة الثقافي له جذر عميق في ثقافة المنطقة وفي الثقافة العربية. ولا أعتقد أن الإخوة قد ادّخروا جهدًا في تنظيم هذا الملتقى إلاّ وبذلوه، فلا توجد لدي اعتراضات جوهرية على ذلك سوى الإكثار من عدد الباحثين في كل جلسة، الأمر الذي حال دون إعطاء فرص لعرض الآراء والمناقشة، ولكن لدي وجهة نظر ربما تكون قاسية حول طبيعة المشاركات التي عرضت وتقدم بها النقاد والباحثون؛ فقد وجدت تباينًا كبيرًا، وبعض البحوث لم ترتقِ إلى المستوى الذي ينبغي على الناقد أن يأتي به. وأتمنى على الزملاء الذي يشتركون بمثل هذه اللقاءات والندوات أن يرفعوا الملتقيات إلى مستويات أرفع في الجدل والمحادثة والنقاش وعرض الأفكار، وقبول الآراء المخالفة لهم، لأنه إذا ما قبل المشاركون النزول على المستوى الرفيع فسينحط كل شيء، ولهذا إذا كانت هناك ثمة ملاحظة أثارت انتباهي فهي درجة أهمية بعض البحوث التي قدمت في هذا الملتقى.

يوميات بلا قيمة

* درجت على تسجيل “يومياتك”.. فمنذ متى وأنت تكتبها؟

أنا أسجل يومياتي منذ شتاء 1976، ولكن هذه اليوميات خاصة لا تشكل قيمة لغيري الآن، وهي في الواقع عبارة عن سجل شامل لكل ما مررت به ورأيت وشاهدت من تجارب في بلدي وخارج بلدي العراق منذ ثلاثة وثلاثين عامًا، وهي من وجهة نظري وتقديري ربما تكون أهم ما قمت به؛ لكنها مادة خام إلى الآن، وليست مادة أدبية بالمعنى الكامل وفيها كثير من الخصوصيات، والأسرار، والآراء، والانطباعات، والأسفار، والقراءات، والسجالات مع النفس ومع الآخرين، ولا أدري إلى أين ستمضي بي هذه اليوميات، ولكن الأمر الذي أنا متأكد منه أنني حينما أودع هذه الحياة سأترك خلفي مادة شديدة الاختلاف لما فيها من تناقضات وآراء ومواقف وتجارب قد لا يستطيع احتمالها إلاّ عدد قليل من الذين سيطلعون عليها.

أسرار مكشوفة

* هل تعدها سيرة ذاتية؟

هي ليست سيرة ذاتية؛ بل هي يوميات عمّا أمر به من وقائع وتجارب وأحداث كثيرة، أما السيرة الذاتية فهي ترجمة ذاتية لشخص يكتبها بنفسه، وأنا لن أخفي سرًّا؛ إنما سأفصح لأول مرة بأنني قد كتبت سيرتي الذاتية في نحو ألف صفحة، ثم أعدت كتابتها أربع مرات إلى أن انتهيت إلى ما أعتقد أنه الصيغة النهائية في حوالى 800 صفحة، وهذه السيرة قائمة على تلك اليوميات، وهذه السيرة هي الصفوة المنقاة من تلك المادة الخام الهائلة التي كتبتها خلال ثلاثة وثلاثين عامًا تزيد عن عشرة آلاف صفحة، ومنها تم اشتقاق مادة السيرة الذاتية، وهي طبعًا سيرة رجل على خلفية تاريخ بلد لا توجد أهمية كبيرة فيما أعتقد لسيرتي الذاتية كفرد لكن من المهم جدًا بالنسبة لي أن أعرض هذه السيرة على خلفية تاريخ بلد فأنا كنت شاهد عيان طوال 40 عامًا على تاريخ معقد للعراق تمامًا، وهذه السيرة تضيء أو تكشف علاقة فرد بوطنه، كما أن هذا الفرد كان شخصًا متماسكًا في بلد متماسك فقد انتهى نهبًا للأفكار والآراء والأيديولوجيات والمناهج والتصورات، كما أن بلده الحاضن له قد وقع فيه تفكك كبير وشهد كثيرًا من الأخطار التي أحدقت فيه فتزامنت سيرة الفرد مع سيرة البلد.

خيار التوقّف

* أشرت إلى عزمك التوقّف عن الكتابة بعد أربعة عشر مؤلفًا.. هل نضبت مخيلتك؟

في الواقع أن عملي النقدي يعتمد على المخيلة؛ ولكنه لا يرتبط بها ارتباطًا مباشرًا، فهو عمل فكري نقدي يقوم على التحليل والتنظيم والاستنطاق والتأويل، وهذه هي العدة الأساسية للناقد الذي يقيم نقده على قاعدة فكرية ووجهة نظر واضحة؛ لكني لاحظت خلال السنين الأخيرة بأن ثمة خطرًا يتهددني وهو نوع من تكرار التحليل، وأنا تعلمت في حياتي الثقافية على الأخذ بالرؤى النقدية؛ أي الفكر النقدي الذي يؤمن بالتحول والتغير والتجديد وعدم الامتثال والانصياع والإذعان للتصنيفات الضيقة التي قد تطوّق وتخنق الأعمال الأدبية، وقد لاحظت عندي وعند زملائي المعاصرين لي بأننا انتهينا إلى وضع إطار تحليلي يكاد يتماثل في كل مرة تنتقل فيه إلى تطبيق النصوص، وهذا يرسم أمامي علامة على أننا ربما نكون قد اقتربنا إلى فكرة التكرار الذي قد يخرب كامل المنجز النقدي الذي أنجزناه من قبل، ولهذا أنا أحذر نفسي في الحقيقة، وقد حذرت زملائي في أكثر من مناسبة، أن نتوقف لكي لا نخرب المنجز النقدي الذي أنجزناه، ولا نقع في التكرار المدرسي الذي قد لا يكون مفيدًا. ومن الطبيعي أنني استطيع أن أقول لزملائي أن من يستطيع أن يبتكر طريقة أخرى وأن يشتق رؤى نقدية جديدة فلا بأس أن يجربها في هذا المكان أو ذاك؛ لكن عملية تكوين رؤية نقدية وبناء قاعدة فكرية حقيقية هي الأخرى تحتاج إلى عقدين أو ثلاثة من الزمن، وأنا الآن في مطلع الخمسين من عمري، وأعتقد أنه من المستحيل علي أن أعود إلى الوراء ثلاثين عامًا لأبدأ مرة أخرى. فإذا ما خيرت بين العودة والتوقف فسأختار التوقف.

احترام الذات

* وما الذي يحتم على الكاتب أو المؤلف أن يتوقف عن العمل الكتابي؟

هو قرار ينبغي أن يكون جريئًا لاتخاذه، وهو أن لا يكرر ذاته، فحينما ينبثق أمام الناقد أو المفكر إحساس بأنه يكرر ذاته فعليه أن يتخذ قرار التوقف وإلاّ فإنه سيخدع الآخرين ويقوم بتضليلهم وبخاصة أن كثيرًا منا لم يجبر أو يقسر على ممارسة النقد أو الفكر، فهي عملية اخترناها، ولا أحد يجبرنا على المضي بها، فإذا كنا على علاقة نزيهة وحقيقية مع الفكر وتقدير هذا الفكر النقدي فينبغي إذًا أن أتوقف حينما تضمحل قدراتنا على تطوير هذا الفكر، وحينما تتوقف عطاءاتنا عن إعطاء أو عن تغذية الفكر النقدي بما هو جديد، إذًا هي قضية تتصل بأخلاق الضمير، قضية تتصل بالموقف الذاتي. من يريد أن يكرر ذاته سيقوم بتخريب ذاته وبتهديم كامل المنجز النقدي له. هذا هو الإطار الذي أفكر فيه باحتمال التوقف، وهو ليس توقف فرضه عليّ غيري، أو توقف شخص يشعر بالفشل، وهو ليس توقف شخص يشعر باليأس، وهو ليس توقف رجل يشعر بلامبالاة؛ إنما هذا الشعور متأتي من تقدير كبير للفكر بأن الناقد الذي لا يستطيع أن يعطي لسبب أو لآخر بحكم استقرار المنهجية النقدية واستقرار المفاهيم والخوف من التكرار والوقوع فيما لا فائدة منه.

موسوعة السرد

* بفرضية وجود فكرة جديدة.. هل ستناصر المضي فيها وإكمال مشروعها.. أم ستتوقف تمامًا؟

أنا في طبيعة الحال لم أتخذ قرار التوقف إلى الآن؛ إنما هذا القرار يخامرني منذ سنوات، وأنا مازلت أشعر أنني استطيع إكمال مشروع موسوعة السرد، وهي عمل في حوالي سبعة مجلدات سأنتهي منها خلال سنتين أو ثلاث، لكني أقيم فكرة التوقف على قاعدة الخوف من التكرار؛ هذا من جهة، ومن جهة ثانية إن هناك جيلاً من النقاد الذين ما زالوا في عمر الشباب، وأعدوا أنفسهم واكتسبوا ثقافات متنوعة عميقة، فأعتقد أنه آن الأوان لهم أن يواصلوا ما واصلنا نحن ومن سبقنا. لا يجوز أبدًا للناقد أن يقف ويحول دون ظهور واندفاع الأجيال الجديدة للأمام. وألاحظ أن كثيرًا من النقاد في الساحة الثقافية والفكرية يحاولون أن لا يتعرفوا بالجيل الذي تلاهم، والواقع أن هذه مغالطة ينبغي أن نتخلص منها؛ فلا قيمة لأي فكرة إن لم يأتِ ممن يدفع بها إلى الأمام، وهناك الآن عدد كبير من النقاد في العالم العربي هم مؤهلين تمامًا للمضي ببعض الأفكار التجديدية في الفكر والنقد إلى ما هو أفضل ممّا نحن عليه الآن.

أرضيم مدشّنة

* مثل من هذه الأسماء التي تلمّح إليها؟

أنا لا أريد أن أتورط في ترشح أسماء معينة خشية النسيان والتركيز على اسم دون غيره. لكن من الطبيعي إنه بعد مرور ثلاثين سنة على موجات التحديث والتجديد والتطور الذي شهده النقد العربي فالآن أرى جيلاً جديدًا في طريقه إلى أن يدفع بهذا التجديد إلى منطقة أكثر أهمية ممّا قام به جيلنا، وأتمنى على هؤلاء فعلاً أن يكرّسوا جهودهم لدراسة الأدب والثقافة العربية لأنها ما زالت تحتاج إلى بحث حقيقي سواءً كانت في القديمة أو الحديثة. هؤلاء تعلموا في جامعات كبيرة، وتعرفوا على المناهج النقدية، واطلعوا على وجهات النظر.

مفاهيم مغلوطة

* فيماذا تتمثّل ماهية هذه النتائج الكبرى التي تقصدها؟

تتمثل مثلًا بإعادة النظر بكيفية رسم الثقافة العربية كاملة؛ فأنا أعتقد؛ بل متأكد أن الرسم الذي يوجد في خيالنا عن تطور الثقافة العربية هو رسم خاطئ، تاريخ الأدب العربي لم يكتب كتابة دقيقة، وإذا أردت أن أورد لك مثالاً حول الأدب القديم والأدب الحديث فمثلًا نحن ندرس حقب الأدب العربي القديم؛ الشعر على سبيل المثال، على أن هناك عصرًا جاهليًّا، وعصرًا إسلاميًّا، وعصرًا أمويًّا، وعصرًا عباسيًّا، وعصرًا مملوكيًّا إلى آخره.. هذه مغالطة فالأدب لا يمكن أن يقسم تقسيمات سياسية، ثم حينما تنقصنا الحيلة لوصف هذا الأدب نقوم بإعادة تقسيمه على المناطق الجغرافية فنقول هذا أدب أندلسي وهذا أدب شرقي وهذا أدب شامي. فالواقع أن الأدب العربي هو نسيج متماسك من التصورات والتخيلات التي تتفاعل مع مرجعياتها عامًا بعد عام وقرنًا بعد قرن ولا يجوز إخضاعها لدويلات وإمارات وممالك سياسية تظهر هنا وهناك، هذا أمر يحتاج إلى إعادة نظر. موقع السرد العربي في التراث والثقافة العربية القديمة موقع مغلوط وخاطئ بإطلاق وينبغي إعادة النظر به كاملاً والمثال الأكثر قربًا الآن هو نشأة الأدب الحديث وخاصةً الرواية، فالتاريخ المعمم في الجامعات والمدارس والكتب عن نشأة الرواية تاريخ خاطئ يحتاج إلى إعادة نظر، الجميع يرى أن الرواية العربية ظهرت في مطلع القرن العشرين من خلال رواية زينب لهيكل والحال أنه قد سبق هذه الرواية ما يزيد عن مائة رواية منذ منتصف القرن التاسع عشر ويعود ذلك فيما يعود إلى عدم التدقيق بتاريخ الأدب تدقيقًا حقيقيًا، هذا من جهة ومن جهة ثانية هيمنة الخطاب الاستعماري الذي رسخ في أذهان المتعلمين الأوائل أن الأدب يكون أدبًا بمقدار امتثاله لشروط الأدب الغربي، وبما أن رواية زينب تمتثل لشروط الرواية الغربية فإذن هي الأولى، وأبعد ما قبلها وما بعدها لأنه لا يتوافق مع تلك الشروط، فلا يجوز على الإطلاق أن نطبق معيار أنتجته ثقافات على ثقافات أخرى.

ركائز السرد السعودي

* بحكم متابعتك.. كيف تجد الحراك الثقافي في السعودية؟

أنا لست متابعًا للحراك الثقافي في السعودية على وجه التدقيق؛ إنما أتعامل مع الأدب في المملكة شأني كما أتعامل مع الأدب في بلاد الشام ومصر والعراق وغيرها فلا تختص السعودية بما لا يختص به غيرها؛ لكني لاحظت وجود حركة أدبية سردية على وجه التحديد تنطوي على إحساس بالنقمة وتحدي ركائز المجتمع التقليدي، ومن الواضح أن الحركة الثقافية الشابة في مجال السرد على وجه التحديد تريد أن تقترح على نفسها بدائل، وهي بذلك توجّه نقدًا للركائز التقليدية. لا يمكن طبعًا أن أغفل الجانب الفكري والنقدي، إذْ أتابع ما يكتبه الدكتور عبدالله الغذامي، وأتابع ما يكتبه الدكتور تركي الحمد، وكل منهما أعتقد أنه قدم جهدًا طيبًا في مجال إضاءة كثير من المناطق المجهولة في مجال النقد والفكر في منطقة الجزيرة العربية.

وهج المخيلة العراقية

* برأيك.. متى سيعود الوهج الثقافي للعراق؟

في الواقع الوهج الثقافي للعراق لم ينطفئ أبدًا، وهذه المحن التي يمر، بها وقد مر بها من قبل، تصقل وتثري هذه الثقافة.. نعم أعرف ويعرف الجميع أن البلد قد تعرض خلال السنين الأخيرة إلى محن كبيرة قد تكون شغلت الناس عن الاهتمام الحقيقي بالأدب؛ لكن هذا لا يعني أن الأدب العراقي قد نضب، والمخيلة العراقية انتهى عطاؤها، فالثقافة العراقية ثقافة غنية، ولها تقاليد راسخة في الشعر والسرد والفنون التشكيلية والمسرح، وسرعان ما تلتقط أنفاسها في حقبة تتعرض فيها لنوع من الضغط والتهديد، والآن هناك بوادر لانتعاش الثقافة العراقية بما أعتقد أنه يبشر بأن تستأنف هذه الثقافة إشعاعها على الثقافة العربية ومشاركتها فيها، فمن ناحية واقعية لا أجد أن هناك تراجعًا بالمعنى الكامل؛ إنما هناك انشغال بالظرف الصعب الذي مرت به من حرب شبه أهلية، واحتلال واستبداد سبق هذه المرحلة، ولم يعد المثقفون العرب يعرفون ما الذي يجري في العراق؛ لكن البلد ظل يقدم عطاءات متميزة في مجال الشعر والنثر والرواية والمسرح والفن التشكيلي؛ ولكن بشكل عام العراق هو متصل بالمجتمع العربي كاملاً، وعموم الأدب العربي، وأعتقد أنه يتعرض لبعض التحديات وهي كثر أولاً انهارت التقاليد الأدبية القديمة ونحن بإزاء تقاليد أدبية جديدة لم يعترف بها بشكل كامل سواءً في النقد والرواية والفنون التشكيلية والمسرح، وهذه تحتاج إلى عقود ليستقيم أمرها ويعترف بها، فما زالت المخيلة العامة متصلة بالثقافات القديمة ولم تتقبل الثقافات الجديدة بشكل عام، هذا ناهيك عن الظروف والضغوط المجتمعية التي تعصف بمجتمعاتنا والتي قد ترسم لهذه الثقافة في هذا البلد أو ذاك ظروفًا صعبة لا تمكننا من رؤية الحركة الثقافية بطبيعتها الحقيقية.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هايل علي المذابي : حوار مع الفنان والناقد المسرحي العراقي د. محمد سيف .

“أي أمل هذا الذي لا زلنا محكومين به أيها السيد المبجل” الفنان والناقد المسرحي العراقي …

| حوار تربوي يجيب عليه المشرف التربوي فراس حج محمد .

فريق منهجيات: وصلني عبر البريد الإلكتروني، هذه الأسئلة من موقع مجلة منهجيات التربوية (بدر عثمان، …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.