شوقي يوسف بهنام : عصفور أدونيس أو أدونيس مبحوحا

shawki yuosif 5في احد الصباحات الجميلة ، ومن قمة جبل جميل ؛ انطلق عصفور حبيس الانفاس من فرط الغناء بإطلاق زقزقاته … من هذه الصورة ينطلق أدونيس لتقديم خطابه .. موقفه ..رؤيته للمدينة التي ينتمي إليها . وبهذا المعنى فادونيس يلتقي مع شاعرنا احمد عبد المعطي حجازي (1) . ونص ادونيس الذي يتمثل بالعصفور هذا ، نص صغير ولكن لا يختلف عن باقي نصوصه الأخرى من حيث البنية العامة لخطاب أدونيس الذي يتمحور ، كما يبدو لنا ، حول رفض بنية خطاب الآخر . العصفور .. لا نستطيع القول انه ليس بطائر ، فهو من الطيور شئنا ام ابينا . وللطيور مكانة في المنظور الاسلامي . وعلى الرغم من ان شبل في معجمه الذي اعتدنا الانطلاق منه للوقوف عند دلالة الرموز في ذلك المنظور . فأنه يذكر عددا من الطيور التي لها رمزيتها ؛ مثل اللقلق والهدهد والبلبل والسنونو والترغلة والحمام البري وغيرها . ولا يذكر شبل العصفور ضمن هذه الانواع ولكن مع ذلك فهو يدخل ضمنها . ويذكر شبل عددا من الرمزيات للطيور وهي :-
1- كونها احدى معجزات المسيح .
2- كونها رمز شامل للهواء وللامداء الفسيحة .
3- وبالنسبة للمسلمين الذين يحترمون جميع القوى الشريفة والميزة المقدسة .
4- بعض الطير دليل فأل وبعضها الآخر دليل شؤم .
5- يلعب رمز الطيور في الثقافة الاسلامية ودون ان يتمتع بالاعتبار نفسه كما في عبادات الطيور ، دون المصاحبة وهو دور ذو اهمية كبيرة ، انه يصل ، فيما يصل ، بين نظام الاطعمة الممنوعة وذلك الاكثر تكتما ، أي نظام التراتب الداخلي في فصيلة الطيور (2) . ثم ينتقل هذا الباحث عن الطيور الخرافية فيذكر ثلاثة يتحدث عنها المؤرخون هي : السيمورغ والرخ والعنقاء (3) . نحن لن ننقل من شبل تفاصيل أنواع الطيور الخرافية لسبب بسيط هو ان عصفور ادونيس ليس طائرا خرافيا . ولذلك سننطلق من الرمزيات التي ذكرها شبل في حديثه عن الطيور الواقعية لأن adonis 5عصفور أدونيس طائر واقعي كما قلنا . يقول ادونيس في نصه هذا :-
أصغيت’ :
عصفور على صّنين ْ
يضج كي تسيطر السكينة
(الآثار الكاملة ، مجلد 2 ، ص 555)
***********************
هذا هو المقطع الأول من النص . ومن حقنا ان نقول : اين كان ادونيس وأين كان العصفور ؟ ذلك لأن أدونيس يتحدث عن عصفور وجبل !! . صنين جبل في لبنان .. أما العصفور فبلا هوية !!!! . ولذلك فمن حقه ان يطير فوق هذا الجبل او ذاك أو في هذا البلد أو ذاك . الا ان ادونيس لا يرى في العصفور هذه الصورة فقط . أنه يرى فيه بعدا من ابعاد خطابه او رمزا له . أنه مجرد عصفور مزعج .. موقظ .. صاحب ضجيج ، من اجل ان تسود في مدينته … في سمائه .. السكينة . وما من شك ، ووفق ما نرى ، ان سكينة ادونيس او بالاحرى سكينة عصفور ادونيس هي سكينة المعنى الذي تسوده الوضى والبلبلة .. كما يعتقد ادونيس طبعا .. إذن ووفق ما نقرأ أنه اصغى إلى عصفور وهو على جبل .. في الاعالي . بينه وبين فوضى المعنى وبلبلبته حجبا وحواجز . بهذا المعنى يكون العصفور هو ادونيس نفسه .. وسوف نرى في المقطع التالي إلى أي مدى تصح هذه الرؤية عن هذا العصفور . يقول ادونيس :-
كي يصبح الغناء
كشفرة السكين
يجرح بالبحة والبكاء
برودة المدينة .
(نفس المرجع ونفس الصفحة)
**************
إذن المدينة باردة .. ميتة .. معطلة . مدينة ميتة بين مدن حية . لقد شاخت مدينة ادونيس ولم تعد صالحة للحياة . نحن انطلقنا من نهاية المقطع حتى نستطيع ان نربط بين المقطعين من خلال رؤية واحدة لا تصدم القارئ . .. ادونيس هو ذلك العصفور الذي لا يطرب المدينة بزقزقاته الجميلة .. بل يزعجها بصوته المبحوح . ان البحة Buhha تعني الخشونة في الصوت . وهذا يعني أن مخارج الاصوات لا تكون واضحة . ومن ثم فأن المتلقي لن يفهم ما الذي يريد قوله صاحب الصوت . وكن بحة أدونيس لم تك بسبب خلل في الأوتار الصوتية أو اضطراب في الحنجرة . ان هذه البحة هي نتيجة الافراط في الكلام والصراخ وبالتالي فان صاحب البحة ، عندما يقول ولا يسمع الا صدى صوته من الداخل ..ومن هنا تنشأ الأزمة . نحن لا نقصد ، بالتأكيد ، البحة العضوية .. بل نقصد البحة النفسية إن صح مثل هذا التعبير . هناك في الطب النفسي حالة تسمى الخرس الهستيري Hysterical mutism . وقد تكون بحة أدونيس هي من هذا النمط . يعرف الحفني هذه الحالة على انها ” العجز عن الكلام أو رفض الكلام ، الناتج عن الشلل الهستيري بسبب صراعات ليبيدية أو عدوانية . ويحدث الخرس في بعض انماط الفصام ، وخاصة التخشبي ، نتيجة سحب الشحنة النفسية عن العالم الخرجي المتعلقة به ، وكأن المريض يقول : انه لا حاجة به الى الاتصال بالعالم الخارجي . وقد يصاب مرضى الذهان أو العصاب الحاد بالخرس كدفاع Defence ضد إظهار العدوان الشديد ، وكأنهم يسقطون على الكلام قوة سحرية ، بمجرد النطق به يمكنهم ان يلحقوا الاذى ويحطموا ، وقد يكون الكلام عند هؤلاء المرضى نوعا من العدوان اللفظي ، ويحميهم الخرس من العض والبلع والتمزيق بالاسنان ، أي من العدوان عموما (4) . وهذا منظور التحليل النفسي للخرس . لقد زقزق العصفور ؛ أدونيس ، غنى ونشد . ملّ وتعب ، وكنتيجة لذلك ، كما قلنا ، فأن صوته قد اصيب بالبحة . الى هنا قد لا تكون هناك علاقة بين بحة العصفور وهذا النمط من الخرس الذي نراه عند الذهايين كوسيلة دفاعية . الا اننا نعتقدان عصفور ادونيس لم يحزن لأنه اصيب بالبحة بل انه بكى لأنه لم يجد في غنائه وزقزقاته من مبرر للاستمرار . ادونيس وصف بلادة العالم الذي يعيش به بعبارة جميلة وهي برودة المدينة . ان من لا يتذوق الجمال الذي امامه ، فمن المؤكد انه بارد .. بليد او إذا شئنا استخدام مصطلحات الطب النفسي Apathy ويعني هذا المصطلح بتبلد الوجدان وفتور الانفعال Blunting of emotion  أو انعدام الانفعال كلية في المواقف التي تثير في السوي انفعالا . ويوصف صاحبه بأنه متبلد الانفعال apathetic (5) . وبالتالي فمن حق ادونيس ؛ ليس فقط أن لا يتكلم ويدير ظهره للعالم ويظل منشغلا بذاته .. ببهاء صورته .. بل ان يبصق بوجه العالم ويضحك ويعود بادراجه إلى جبله الشاهق ويغني كما يشاء ولمن يشاء . فهنيئا لهذا العصفور بعودته إلى حيث كان …………… يقول ادونيس قي هذا المعنى في قصيدته المعنونة ” بعد السكوت ” :-
أصرخ’ بعد السكوت الذي لا ’يغامر فيه الكلام
أصرخ ’  َمن منكم يراني
يا بقايا بلا قامة يا بقايا تموت
تحت هذا السكوت

أصرخ’ كي تتوالد في صوتي الرياح
كي يصير الصباح
لغة في دمي وأغاني

أصرخ’ : من منكم يراني
تحت هذا السكوت الذي لا ’يغامر فيه الكلام ،
أصرخ ’ كي أتيقن أني وحدي – أنا والظلام .
(الآثار الكاملة ، ج1 ـ 417)
********************
ذلك كان فحوى صراخ ادونيس وولولته وحيدا في ذلك الظلام الدامس . والسؤال هو هل سمع احد من بقايا ذلك الصراخ وهل تمكنوا من رؤيته في ذلك الظلام ؟؟؟؟؟؟؟؟ .

الهوامش :-
1- بهنام ، شوقي يوسف ، 2006 ، حجازي في مدينته ، موقع الندوة العربية ، وهو حلقة ضمن مشروع قيد الانجاز عن هذا الشاعر .
2- شبل ، مالك ، 2000 ، معجم الرموز الاسلامية ، ترجمة : انطوان الهاشم ، دار الجيل ، بيروت ، لبنان ، ط1 ، ص 194-195 .
3- شبل ، المصدر نفسه ، ص 195 .
4- د. الحفني ، عبد المنعم ، 1978، موسوعة علم النفس والتحليل النفسي ، دار العودة ، بيروت ، لبنان ، ط1 ، ج1 ، ص 498 .
5- د. الخولي ، وليم ، 1976 ، موسوعة علم النفس والطب العقلي ، دار المعارف ، القاهرة ، جمهورية مصر العربية ، ط1 ، ص 49 .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| نضال العزاوي : “وطنٌ يبكي بدلاً عنا… ” قراءة في جديد مصطفى غريب.

    محاكاة العقل للوضع الآني ارتباطاً مع التاريخ وتصورات حول المستقبل وطنٌ يبكي بدلاً …

| احمد عواد الخزاعي : فنتازيا خضير فليح الزيدي في رواية ” يوتيوب “.

صناعة الشخصية الديناميكية المدورة، سمة امتاز بها الروائي خضير فليح الزيدي، فمعظم شخصياته الروائية، تكون …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.