منتظر السوادي : الحنينُ إِلى الموتِ لدى السَّيَّابِ ، قصيدة “فِي الليلِ” أُنموذجاً

montathar alswadi” فتكادُ تفيق / من ذلكَ الموتِ ، وتهمسُ بي ، وَالصمتُ عميقْ “
تضيقُ الدنيا بِكُلِّ ما فِيهَا بوجهِ بعضَ البشرِ ، فيبكونَ ويتألمونَ ، وتأخذهم الحسراتُ ، أما المبدعونَ فيعكسونَ ذلكَ الألم وتلك المرارة على مادتهم الإِبدَاعيّة ، وقصيدةُ ” فِي الليلِ ” هي من قصائد رثاء النفسِ والحنين إِلى الرحيلِ ، فالسيَّابُ يرثي نفسَه ، بِنَصٍّ أَقلُّ ما يُقالُ عنه مؤلمٌ ، فَيشعرُ القارئُ بالدموعِ كيفَ تَغيمُ على القصيدةِ ، وكيفَ تخنقُ مبدعَهَا ، ويعيشُ الحالَ التي يمرُّ بِهَا المبدعُ .
أَجواءُ النَّصِّ مفعمةٌ بالسوادِ ، ابتداءً من العنوانِ والثيابِ السود ، حَتَّى العيش وحيداً بلا رفيقٍ يؤنسه ، أَو يرافقُه رحلتَه : ” لَمْ يَبْقَ صَدِيْق ” ، وَيجهلُ القارئُ السببَ فِي ذلك ، فَرُبَّمَا يعودُ الأَمرُ إِلى ثيابِهِ ، التي تشبه الفزاعةَ الموضوعةَ فِي البساتينِ لتخويفِ الطيرِ ، وتنذره بالشرِّ إِن تجرأ وتقدّم : ” وَأَثوابي كَمُفزّعِ بُستانٍ ” وعليه فقد هجرَه الصديقُ ، ويُحتملُ أَن تكونَ الثيابُ هُنا إِشارةً إِلى المرضِ الذي لازمه ؛ ولهذا بقي وحيداً فِي الدربِ حَتَّى يَلقى أُمّه هناك ” سَآخذُ دربي فِي الوهم / وَأَسيرُ فَتَلقاني أُمّي ” . بعدما أَحكمَ الزمانُ أَبوابَه ، فجعلَ حياةَ الشَّاعِرِ موصدةً ، وقد أَسدلَ الصمتُ راياتِه عليها ، وَخنَقَ كُلَّ أَنْفاسِ الضوءِ والنسيمِ .
صنعَ الشَّاعِرُ حالةً معتمةً ، وهي الحالةُ التي يعيشُهَا خاليةٌ من بصيصِ الأَملِ والحياةِ ، فَكَأَنَّه يئسَ من العمرِ وينتظرُ الرحيلَ ؛ لِهذا كانَ الليلُ حاضراً بِكُلِّ أَبْعَادِهِ ، فَـــ” الغرفةُ موصدةُ البابِ / وَالصمتُ عميقْ ” ، هذا المطلعُ يُطالعُنا بعدما نجتازُ العنوانَ مباشرةً ” فِي الليلِ ” ، فَيَأخذُ بزمامِ الخيالِ ، وَيُدخلُ المُتَلقِّي فِي تلكَ الحال النفسيَّةِ التي يعيشُهَا المبدعُ ، ومن عادةِ السُّكانِ غلقُ أَبوابِ المنازلِ ليلاً ، أَمّا الصمتُ فَتُعلى راياتُه بعدَ هدأةِ الليلِ ، ليخيم القلقُ والترقبُ على المُتَلقِّي .
لَمَّا استَتبتْ الوحشةُ الليليَّةُ على فؤادِ الشَّاعِرِ وآمالِهِ ، فَقد رحلتْ أَنوارُ الأَملِ من قاموسِ مفرداتِ حياتِه ، بَدَأَ يرثي نفسَه ، وجعلَ من الحياةِ وَهماً يرتديه حَتَّى يلجَ فِي نهرِ الحقيقةِ ” الموتِ ” ، فيقولُ : ” ولبستُ ثيابي فِي الوهمِ […] سآخذُ دربي فِي الوهمِ / وَأَسيرُ فتلقاني أُمِّي ” فيلاقي اليقينَ ” الموتَ ” والقبرَ الذي يحتفظُ بِأُمّه .
كانَ السَّيَّابُ منتظراً على قارعةِ الطريقِ شبحَ الموتِ لينقلَه إِلى ” المقبرةِ الثكلى ” التي تقطنُهَا أُمّه ، فما تزالُ هناكَ منتظرةً إِيابَه ، وهو بدورِه قد سَئِمَ الحياةَ وحيداً عليلاً مُبعَداً ، فيتمنى اللحاقَ بِهَا : ” وَسريتُ : ستلقاني أُمّي / فِي تلكَ المقبرةِ الثكلى ” : مقبرةٌ ثكلى تركيبٌ لغويٌّ مستحدثٌ ، الثكلى هي الأُمُّ التي فقدتْ ابنَهَا ، المقبرةُ جزءٌ من الأَرضِ خُصصَ لدفنِ الأَمواتِ ، والأَرضُ هي أُمُّ البشرِ ، فهي ثكلى لأَنَّهَا فقدتْ أَجزاءً وَأَصبحتْ الأَجزاءُ بشراً ،  فتنتظرُ هؤلاء أَن يرجعوا إِليهَا .
لا ننسى أَنَّ هناكَ مقولة الأَرض هي أُمّنا الأُولى ، والعلاقةُ بينَ الإِنسانِ والأَرضِ علاقةٌ وطيدةٌ ، ولاسيما مع الشعراءِ ، إِذْ تبدَأُ العلاقةُ مع ( الأُمّ بما هي كذلكَ ، ثم العشيقة التي يختارها الرجلُ على صورةِ الأمّ ، وَأَخيراً الأَرض – الأُمّ التي تستردّه من جديد ) [ التحليل النفسي والأَدب : جان بيلمان نويل : 70 ] ، وقد جعلَ السَّيَّابُ المقبرةَ ثكلى بوصفِهِ ميتاً تفتقدُه المقبرةُ ، أَو بعبارةٍ أُخرى هو واحدٌ من الأمواتِ لكنَّه يقطنُ خارجَ محلِ سُكناه .
ويمكنُ القول إِنّ الأمَّ الحقيقيّة تفتقدُ ابنها الذي تأخرَ مكوثه في الدنيا ، وتُعجِّل له بأن يأتي إليها ، لذا تقول إنّها قد أعدَّت الفراش له ، وإنّ الدنيا قد انتفت منها معاني الحياة ، ولا يمكن أن تصير له موطناً يأويه ويأنسُ به بعد ذلك .
يحقُّ للقارئِ أَن يرى فِي حنينِ السَّيَّابِ إِلى الموتِ ، هو حنينٌ إِلى قبرٍ يضمُّ أُمّه فيشعرُ بِأَنَّ قبرَ أُمّه هو موطنه ؛ لِأَنَّه يعيشُ غربة الوطنِ أَيضَاً – كتب النَّصَّ فِي ” لندن ” – ؛ ولهذا فلا يخلو النَّصُّ من الحنينِ إِلى الوطنِ ، وَلَاسِيَّمَا عندما نعرفُ أَنَّ الأُمَّ كثيراً ما كانتْ ترمزُ لِلوطنِ ، وهذا واضح فِي ” الديالوج ” بينَ السَّيَّابِ وَأُمّه فِي القصيدةِ ، ويصدقُ القولُ ” لقدْ أَرق الاغترابُ الشَّاعِرَ وَنَغصَ عليه حياته ، فَأخذَ يَصبُّ الدمعَ شعراً ، وقد تجمعتْ عليه الرزيا ، وَأَكثرتْ عليه ضروبَهَا ” ، فالحنينُ إِلى الموتِ هو حنينٌ إِلى الأُمِّ الحبيبةِ وَإِلى الوطنِ ، فليسَ الحنينُ للأُمِّ وحدها ، وَإِنَّمَا للمكانِ حضورٌ قويّ ، ذلكَ المكان الذي عاش فِيه الطفولةَ ، ولِهذا فالحنينُ مشتركٌ بينهما ، ويدلُّنا على ذلكَ قوله على لسانِ أُمِّه : ” تعالَ وَنُمْ عندي / أَعددتُ فراشاً فِي لحدي / لكَ يا أَغلى أَشواقي ” ، ويتذكرُ الشَّاعِرُ عبر الديالوج مع أُمّه بعضَ الأَشياءِ التي لازمتْه فِي وطنِه من نهرٍ وصياحِ ديكٍ ؛ لِأَنَّه ابن الريف ” جيكور ” .
عندها نخلصُ إِلى أَنَّ الحنينَ إِلى الموتِ هو حنينٌ إِلى الوطنِ وَإِلى الأُمِّ الحبيبةِ ، والشَّاعِرُ قد افتقدهما فِي غربته النفسيَّةِ والمكانيّة .

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| د. صالح الرزوق : الخطوط الرئيسية لروايات قصي الشيخ عسكر.

منذ عدة أيام وصلني مخطوط رواية قصيرة جديدة من قصي الشيخ عسكر عنوانها “أسماك وأصداف”. …

حــصــــرياً بـمـوقـعــنــــا
| عباس خلف علي : وهم التقنية في صياغة السرد “أنيمية السرد العلمي” انموذجا .

   أن الكثير من المقالات التي تتعرض للنص السردي لا تتوخى الدقة التي يحتاجها السرد …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.