د. فاروق أوهان : في رحيل مبدع المسرح يعقوب شدراوي
فنان كان له تأثير كبير في الساحة الفنية المسرحية

farooq ohan 5

الفنان الراحل يعقوب شدراوي
الفنان الراحل يعقوب شدراوي

يغيب المبدعون، وقد تركو وراءهم مآثر، وإبداعات في عقل، وفكر من شاهدوا، وقرأوا أعمالهم، ومن عمل معهم، وتأثروا بهم، ها هو رجل المسرح اللبناني الدكتور يعقوب الشدراوي يترك فراغاً كبيراً في المسرح اللبناني، والعربي لمكانته العلمية، والفنية الكبيرة، ليس من خلال إبداعات التي تألق بإنتاجها كتابة وإخراجاً، وإنما بآرائه الفذة في المنتديات المسرحية العربية، وفي كتاباته،،
كان أول لقاء لنا عام 1984 في الندوة الفكرية المصاحبة لمهرجان دمشق للفنون المسرحية، وتكرر بين دمشق، وقرطاج، والقاهرة، وأبوظبي حتى عام 2000، لعل أبرز ملتقى علمي مسرحي ضمنا والعديد من مفكري المسرح العربي، هو الملتقى العلمي الأول لعروض المسرح العربي عام 1994،، ضمن من المفكرين الكبير محمود أمين العالم،
وقد نعت صحيفة الحياة البيروتية فنان المسرح العتيد يوم 29 آيار، فكتبت سارة ضاهر، فقالت: رحلَ رجل المسرح عن 79 عاماً، بعد صراع مع المرض، ومع غصّة في القلب لم تجد لها متنفّساً حتى طلوع الروح. وربما أدى تدهور حال المسرح، إلى مزيد من تدهور صحّة صاحِب «أعرب ما يلي»، المخرج المسرحي وأحد أبرز مؤسّسي المسرح اللبناني الحديث. وتضيف ضاهربقولها: “لكي تقول

محمد دكروب
محمد دكروب

الحقيقة، يجب أن تبتكر لا أن تنقل، والابتكار جرأة»، هذا ما كان يردده الشدراوي.
كان الفنان شدراوي صارم النظرة، رقيق القلب، لا يفوّت فرصة في تصحيح أخطاء الآخرين، وهو ملتزم بكل ما يقدم إليه، أذكر أننا كنا نجلس على طاولة ندوة دمشق المسرحية عام 86، وقد اسهب مدير الجلسة الضيف في استعراض مآثره، تاركاً الدخول في مادة البحث وإعطاء الفرصة للمنتدين جانباً، بل كان يردد كلاماً مكروراً، فانبرى له الشدراوي بعد الاستئذان لوقف ذلك التداعي الفارغ، فغصة القاعة بالتصفيق، وسارت الندوة بلا منغصات.
كما أذكر أنه عندما قرأ مخطوط الملحمة المسرحية: هبوط وصعود إنكيدو الذي أطلعته عليه قبل نشره، قال في رسالة محفوظة لدي خريف عام 1998، وضعت ملخصها على الغلاف الخلفي للمسرحية ذاتها وهي: أشكرك على ثقتك بأن تضع بين يدي مسرحيتك “ملحمة هبوط، وصعود إنكيدو” لقد تمتعت بقراءة الجزء الأول، وتلذذت به، ولكنني عندما أدركت متانة المادة التي بني عليها النص الفني -أنتم العراقيون علماء في السومريات – قررت أن أعيد الكرة وأطالع المسرحية أكثر من مرة، قبل أن أجرؤ على تحليل نصك، بكونه ينحو نحو العصرنة، آن الآوان لتقديم هذه الموضوعة بما يليق بها،،، صديقك\ يعقوب شدراوي 11\11\1998. وقتها تأسف على حال المسرح لأنه لا يقدم مسرحاً جاداً، أو فكرياً،، لأن المنتجين يبحثون عن الربح أكثر عن زرع الفكر.
وقد أوردت صحيفة الحياة بنفس التاريخ: شهادات لأهم من عاصره، ورافقه، وعرف قدره، وهم:  المفكر محمد دكروب كتب يقول: يعقوب الشدراوي من أهم المخرجين المسرحيين اللبنانيين، إن لم يكن «الأهم». لماذا أقول ذلك؟ لأن يعقوب هو مخرج متميّز، مؤلف مسرحي. كان يقرأ روايات الأدباء ويحوّلها إلى مسرحية تضم إلى جانب نص الكاتب، رؤيا يعقوب الشدراوي الفكرية وفنه. يتميّز إخراجه بكونه “أستاذ الفن المشهدي”.

نضال الأشقر
نضال الأشقر

عندما تحضر مسرحه تؤخَذ بسحر المشهد، بدءاً من الديكور إلى وقفات الممثلين وحركاتهم… لذلك ينجذب المشاهد إلى مسرحه، إن لناحية المشهد أو لناحية حركة التمثيل وحركة الرواية نفسها التي تمّ تحويلها. كما يهتم يعقوب الشدراوي بالممثل. وهو إلى ذلك ممثل هائل ومهم، له حضور قوي على المسرح، وهو في تمثيله وطبيعة كلامه يشعرك أنه إنسان يتحدث إليك، إنسان فنان، يؤدّي دوره بطبيعية مطلقة. نقل الشدراوي المسرح اللبناني من حالة شبه تقليدية في التمثيل، إلى نوع من اللعب المسرحي الفانتازي، أعادَت تكوين الرواية ونقلت المسرح إلى طور الحداثة والمساهمة في استمرار الخلق. يعقوب الشدراوي ترك بصمة متميّزة في المسرح اللبناني الحداثي، والتي تدعو المشاهد إلى اتخاذ موقف من القضايا المطروحة أمامه.
أما الفنانة المسرحية العتيدة نضال الأشقر فقد نعته فكتبت: وداعاً أيها الصديق العزيز يعقوب الشدراوي. بالأمس القريب وأنا أشاهدك تصعد ببطء على خشبة مسرح المدينة، وأنا أكرّمك باسم المسرح، وباسمي، وباسم المسرحيين كافة. كنت أعرف أنك لن تعيش لترى تكريماً آخَر من دولة أهملتك العمر كلّه، فلو كانت تعرف قيمتك لأغنيتَ مسرحَنا بعشرات المسرحيات. لو دعَمَتكَ لكُنّا شاهدنا البديع والجميل والرائع من مسرحياتك. إنك يا يعقوب ساحر المسرح وحامل مفاتيحه وأسراره، أنتَ المسرحيّ الحديث والشعبي الأصيل المتجذّر بعمق في كل تقنيات المسرح القديم والحديث، وأنت مَن يستطيع أن يأخذَ أي نصّ ويحوّله إلى درّة تشعّ على أي مسرح. أنتَ الذي حملتنا بقلبك بمحبّة ورعاية، فكانت زياراتك المتكررة إلى مسرح «المدينة» بمثابة خرزة زرقاء تحرسنا من العين. وداعاً أيها الكبير.
وعبّر الناقد والصديق المشترك بول شاوول بكلامه البليغ أبداً: خسِر لبنان أحد أكبر رواد المسرح الطليعيين، هو الصديق الكبير يعقوب الشدراوي. هذا الذي صمَدَ بكلّ قناعاته الفكرية متمرّداً ومجافياً كل الاتجاهات الطائفية والفئوية والمذهبية، وهو يكاد يكون الوحيد الذي لم يغادر لبنان، ولم يغادر منزله، ولم يغادر مسرحياته، التي بدأت بـ «أعرِب ما يلي»، قدّم بعدها حوالى 15 مسرحيّة. يعقوب الشدراوي هو من أكبر التجريبيين في لبنان والعالم العربي. ولا أقصد التجريبية الشكلانية، ولا التجريبية المجانية، ولا التجريبية في السينوغرافيا أو الكوريغرافيا أو في العناصر الأخرى فقط. وإنما تبدأ التجريبية عنده من حيث هي تطاول الأفكار، فيعقوب الشدراوي مسرحيّ كبير، سواء اقتبس أم لم يقتبس. إنسان تغييري، يساري، مفتوح، وغير متزمّت، وطني، رحِب.

بول شاؤول
بول شاؤول

يعقوب الشدراوي هو مسرح النص والممثل، لأنه يعتبر أنّ النص هو «الينبوع»، كما أنّه من أكثر المخرجين الذين اشتغلوا على أداء الممثل، وهو أيضاً أكثر مَن تعامَل مع الكتّاب اللبنانيين والعرب، فقد تعامل مع الطيب صالح، محمد الماغوط، جبران خليل جبران، ميخائيل نعيمة. وأعتقد أنه كان يرغب في إخراج مسرحية «البخيل» (القرن التاسع عشر) لمارون النقاش، و «الأم» لبريخت، لكنّهما بقيتا في الأدراج. يعقوب الشدراوي هو آخِر الطليعيين الكبار. أنا خسرت صديقاً كبيراً ومعلماً كبيراً، وخسرت بيروت أحد أعلامها الكبار.
وقال الممثل رفيق علي أحمد في نعيه: ليعقوب الشدراوي دور كبير في المسرح، في الحياة الثقافية، في الإبداع الفني. هو موسوعة في الفنون، صَهَرَها جميعاً وقدّمها عبر هذا الفن، الفن المسرحي «أبي الفنون». وأنا أنظر إليه فنياً، عدا عن كونه كان وما زال أستاذي، فهو أبي، أبي الروحي، وهو معلّمي ومرشدي، بالإضافة إلى ما تعلّمته منه في التقنيات المسرحية، كان ينير لي ظلمات الحياة. عرفته عندما كنت شاباً، منذ السنة الجامعية الأولى. وهو الذي أمسك بيدي، وعملت معه أوّل عمل مسرحي، حيث كنت في السنة التحضيرية في معهد الفنون. وبعد نهاية العرض قال لي: «يا رفيق، علّموا إجريك بالمسرح». علّمَني في المسرح، وتعلّمت منه مُثُلاً عليا في الحياة، أكثر بكثير مما تعلمت منه في المسرح. في داخلي غصّة أن يعقوب الشدراوي رحل وفي قلبه غصّة. كان غريباً في الحياة. كان غريباً في دولة لا تحترم مبدعيها ولا تقدّرهم. لا عَتَبَ عليها، فهي لا تقدّر الإنسان من مواطنيها. يعقوب الشدراوي، تعلّمت منك كثيراً في الحياة، وستبقى رائدي ومنير ظلمات حياتي. أقول إن أبي علّمَني حتى عمر 25 سنة، ويعقوب الشدراوي علّمني حتى الآن. إلى اللقاء يا يعقوب.
في هذا المقام لا يفيد النعي بقدر ما يجدر بنا أن نؤسس لتقاليد مسرحية ترك بعضها الشدرواي، وغيره، ونحتفظ بها ليس في الذاكرة، وإنما في ريبروتوارات العروض المقبلة لكي تعرف عليها أبناء الأجيال القادمة، ويتعلموا منها.
هكذا عاش الفنان الجاد الدكتور يعقوب شدراوي، وزاول حياته الفنية، نراه في هذه الصورة “من أرشيفي وبعدستي” يطل على عالم الفكر من نافذة تراثية في قصر الثقافة بالقاهرة أثناء انعقاد المؤتمر العلمي الأول لعروض المسرح العربي بالقاهرة 1994.
وداعاً أيها الرفيق والصديق الغائب الحاضر الفنان الكبير يعقوب شدراوي.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

| هاتف بشبوش : أشياءٌ في الحب ..

أحيانا يكون الواقع مثل الأفلام فحالما تدخل في صميم الحب تجد نفسك قد أوجعت روحك …

| عبد الرضا حمد جاسم : قانون مناهضة العنف الاُسري والدكتور قاسم حسين صالح/ 1.

أول طرح للدكتور قاسم حسين صالح بخصوص العنف الاُسري كان في مقالته التي كانت تحت …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.