انمار رحمة الله : حين غادَرَني الطَّيْـف

anmarأنتَ السَّبب…أنتَ من أوصلني إلى هذه النهاية. لأن قلبكَ اللعين فائضٌ عن الحاجة،وطيبتكَ الحمقاء غدتْ سلعة لا ثمن لها في سوق حياتنا ذي الحيلة والمداهنة.أيها البائس المسامح الرحيم.الم يخبركَ احدٌ عن قريتنا الظالمِ أهلها..؟.الم تتعظ وتحزم أمركَ وتقوّي عزيمتك وتمثّل ولو لمرة واحدة دور البئيس الغاشم..؟. عذراً فأنا لم أقتلكَ إلا بدافع أن أريحك وأريح نفسي من همِّك وثقل طيبتك وسذاجتك. بعد تجرّع شرابِ الصبر في سنوات صحبتك ، وأكوام من النصائح التي لم تفلح يوماً معك ، صارحتك بأن لا عيش في قريتنا لأمثالك،وأردت إقناعك  بغلقِ سدود حزمك أمام طوفان محبتك الهائج،ورسمتُ لك خريطة حياتك ، إذ خططتها بالحيلة ولوّنتُها بقليل من الغدر ،وحدَّدتُ لك فيها اتجاهات المجاملات والنفاق والتَّصنّع.لكنك أبيتَ وعاندتَ فذقْ ما طبخته أنتَ ،وتلذَّذ بما عصرْتَه من ثمار حنانك أنت . مازلتُ اذكر يوم التقيتُ بكَ للمرة الأولى في شارع حيّنا القابع  في القرية المنسية ،حينها لم اصدق أن للإنسان مقدرة مثلك على التحمّل والصبر..! في تلك الطفولة الغابرة حين كنّا صغاراً وكانوا يلعبون،كنتُ أحثُّك على الغش فتأبى ،وكنتُ أُرغّبُك بالحيلة فتأنف،حتى تطاول عليكَ الصغارُ قبل الكبار،وراح يضربكَ لئامُ التلاميذ في مدرستنا وأراذلهم، حيث يتربصون بك كل صباح في الذهاب وعند الرجوع ،فينهالون عليك تارة بالضرب وتارة بالشتائم وتارة بالتحقير،وأنت أيها الرقيق تكافؤهم بالطيبة والعفو. منذ طفولتك وأنت تخيّبُ ظني دائماً..!.أتذكر أيها المُسجّى كيف أقنعتكَ بضربهم بقطعة من زجاج وحلفتَ لي انَّك ستزرعها في صدر احدهم في اليوم التالي ،لكنك خذلتني حين هشَّمتَ الزجاجةَ حتى قبل خروجك من عتبة دارك،وتركت صبية بعمرك واصغر يعكرون صفو أيامك ،ويسرقون بهجتك ،ويسخرون منك ضرباً وتجريحاً ،وكنتَ تكتفي بالوحدة والدعاء ،حيث تستقر سفينة روحك على مرفأ طيبتك وهدوئك. أتمنى أن تعذرني وتعذرَ قلةَ صبري حين كنتُ أتسللُ إليكَ لكي أُكمِلَ نصاب  الألم، فأضربك ضرباً قاسياً ،علَّني اطرد ملاك الطيبة القابع في جسدك الهزيل ،حينها لم أكن املكُ خياراً سوى توبيخكَ وإنزال دمعتكَ وتعريتكَ أمامكَ لكي ترى عورتكَ ،ولكن لم تفلح كلُّ صرخاتي العالية ،وضرباتي القاسية،فأنتَ لم تزدد إلّا دماثة ولطفاً وطيبة، والقريةُ وأهلُها لم يزدادوا إلّا قسوة وتجاهلاً وظلماً.أطفالهُا رصعتْ بالأحجار رأسَك،ونساؤها ألبستكَ عباءة من السخرية والهُزءْ ،ورجالها أطلقوا عليك لقب (الهتر) بدلاً عن اسمك الذي وهبكَ إياه أبوك الراحل منذ زمن بعيد .حتى كلابها لا تنبح على غيرك ،كأنَّها شمَّتْ رائحة لطفك ونعومة مشاعرك..!،فأمنت عقوبتك وتجرأت محثوثة بالنباح في وجهك المنكسر.
(خذْها خلفَ الدار واصنعْ ما شأت) الم تكن هذهِ نصيحتي لكَ حين طالعتكَ وأنتَ تحاول التقرب من فتاةٍ اشتهيتَ أن تكون رفيقتك ،لكنك ومثل كل مرة تخيّب ما اشتهيه لك ،وتعود خائباً /خجولاً/محاسباً نفسك كناسك مهووس باقتفاء البراءة ،والتغزلِ بالصفاء والاستقامة،حتى خطفها الموتُ منكَ ،بعد أن دفع مهرها (مرضاً) لا علاج منه ولا شفاء.كَبرنا معا وكبرت معنا رغباتنا ،لقد كنتُ على عكسكَ أيها المغفل،شاباً ماكراً أقتفي اثرَ النجاح بأنف حيلتي،وأناضل للوصول إلى بغيتي بأيِّ ثمن كان وبأيِّ طريقة يرسمها لي شيطاني .لقد كبرنا وكانت لعنتي أن أراكَ أمامي يستغفلكَ الناسُ،ويتجاهلكَ العابرون على جثمان رأيكَ وقراراتك .هم يأكلون وأنت جائع ،هم يلعبون وأنت خامل ،هم يصفقون ويمرحون وأنت منطو على ذاتك الطاهرة البيضاء. أتذكر حين جمعنا القدر في وظيفة ينثُّ رزقُها نثيثَ المطر في لهيب الحر،وأنت متحفِّظ متزمِّت في عصمة نفسك،تزجرها كلما اشرأبَّ عنقها صارخة (العوز…العوز)…!. حينها جلسنا سوية في ليلة مخفضين أصواتنا ، فنصحتك ساعتها بمد اليد بمزاوجة الحيلة والمكر،والوصول إلى آمادنا ،كما وصل غيرنا منذ زمن قديم،فلم تطاوعني أيها الخانع الجبان ،إذ قابلتَ فحيحَ رأيي بعصا زجركَ.؟وتأنَّقتَ بزيِّ الاحتشام والناسُ عرايا،بل تطاولتَ ووبَّختني وحقَّرتَ شأني وطردتني،فلم املك زمام نفسي فَرُحْتُ أضربكَ معاوداً الكرة كما كنّا طفلين على طرفيّ نقيض، علَّني أنجيكَ من مخالب أخلاقك المغروسة في قلب روحك،علَّني اصنع منكَ رجلاً تقف له الأجسام وتنحني له الرؤوس وتُرفع له الأكف ،لكنّي عبثاً أحاول ،فتركتكَ ليلتها ملطخاً بدم لكماتي ،مُبلَّلاً برشقات توبيخي و إهاناتي .
أيها المغفل… لقد تطوَّر الأمرُ وأزاد ديجور أيامك ظلاماً ،حين استدرجتكَ القريةُ وأهلُها صوبَ الخديعة ،فوقعت لقمة سهلة المضغ بين أضراسهم،وألبسوك ثوب الأبله مدَّعين انه مصمَّمٌ على مقاسك.لو انك طاوعتني منذ البداية لما وقعت في حفرتك هذه،ولكنتَ الآن مرتاحاً زاهياً بنصرك وغنيمتك . حينها رجعْتَ إلى بيتك مغموماً هائماً ،فلم أفوّتِ الفرصة هذه المرة ،تبعتُكَ خطوة… خطوة، فاستشعرتُ نار غضبك،وتنسَّمتُ هواء حقدك وشحناءك .تبعتكُ حين عافكَ ظلُكَ، وطارتْ من على أغصان قلبك عصافيرُ اللطف والحنان.رأيتُكَ حينَ دخلتَ منكسراً دارك،وحين نمْتَ على سرير صبرك مستذكراً شريط أيامك الغابرة.(مبارك المولود…/ الحمد لله رزقنا اللهُ طفلاً صبوح الوجه سيكون لنا قرة عين../ اضربهم يا بني …/أنتَ شجاع وقوي ../أحبها ..فتاتي ذات الرداء الوردي والرائحة الفاخرة الزكية ../أمي.. لقد تأخَّر أبي كثيراً ولم يأتِ في هذه الإجازة من الجبهة..؟؟../اخبروني هل سترجع أمي .؟/ لماذا يستهزأ بي أهل القرية..؟../ أهل القرية…!!.).نمْ أيها المغفل ..نمْ على سريرك فالليلةُ ستكون ثقيلة كالجبل ،سوف تنتهي محنتُكَ وضنُكُ أيامك إلى الأبد، ستصحو القريةُ غداً صباحاً ولن يروا (الهتر) واطئاً أرضهم ولا مستنشقاً هواءهم ،ولا آكلا وشارباً من سُفرتهم،ستصحو القريةُ مذهولة حين أضع حداً لآلامك وحزنك التليد.ها أنا ذا أنهيتُ ما يجب فعله قبل سنوات ، تسللت خفية إلى حجرتك الغبية ،وطالعت بصمت هازئا بكلِّ ما يحيط بكَ من مكتبة كبيرة ،وأوراق مرمية هنا وهناك كذكرياتك المبعثرة .الغرفة التي عشت فيها سنوات من الوحدة والعزلة ،فتَّشتُها شبراً… شبراً وحزنا …حزنا و نظرة… نظرة.يا لك من مغفل حقيقي أيها الرجل ..! أنجزت زمانك الماضي وأنت ترافق (ادغار الن بو و ديستوفسكي و كافكا )..؟ ضيَّعتَ من عمرك سنوات من القهر تدافع عن مسلَّة صنعتَها وزينتَها ورمَّمتَ أجزاءها بدمعك وصبرك وتفانيك..؟!.لم انتظر لكي أقتلك بشيء آخر غير هذه الكتب المرمية في كل مكان ،كتاب واحد يكفي ،خنقتك بقسوة،قتلتك بعنف،متجاهلاً أفواه وألسنة الصارخين والباكين في صفحات الكتاب يا لهذا الجنون ..! .لم أتوان في ما أتيت لإنجازه ،وأذهلني انك لم ترفس، لم تمانع، بل لم تصدر حركة واحدة..!.قتلتك  وصوتك يضج في مسمع روحي (زد…زد) ،فضغطتُ على وجهك بقوة اكبر وصوتك يهمس بي (انك صديق صالح ). صرختُ وكررتُ مراراً (أنتَ السبب…أنتَ السبب) فكافأتني بالدفء والرضا .لَعنْتُكَ وفتحتُ البابَ لقبائل من الشتائم نحوك،فما ازددتَ إلا رحمة وطيبة وليْناً.سوف أترككَ وأهرول إلى مخدعي ، وأغبشُ غداً لكي أراكَ  محمولاً على تابوت تُساق إلى مثواك الأخير .لقد تخلصت من عبئكَ الأثقل ،ومرارة عشرتك وتعلُّقي بكَ وحرقتي عليك.غداً سوف تحملُكَ أكتافُهم التي اهتزَّتْ ضحكاً عليكَ ،واكفُّهم التي ضربتكَ في الماضي ،وستردد شفاههم الرحمة على روحك كما رددت الإهانات والسخرية سابقاً .سيحملونك غداً وسأكونُ أول الحاضرين لكي أشيّعكَ إلى قبرك،حينها سينتهي الكابوس إلى الأبد. هل تعلم…؟  إن جثتك لها منظر غبي حتى بعد موتك.
ها قد التقينا من جديد ،صباح الخير …بالمناسبة أحبُّ القول لك،بعد أن عرف أهل القرية بوفاتكَ ،وحين هرعوا إلى منزلك ،وأخرجوك باكين نائحين .كنتُ حاضراً بينهم في تلك الساعة وحين هرولوا بكَ إلى المغتسل، رأيتُ يداً غليظةً تُقلِّبُكَ وقد آلفت الأجسام الباردة المُثقلة،وبعد دقائق مرت كأنَّها قطيع غربان اسود، تبعتهم وهم يسيرون بك كالعريس إلى مثواك،مستذكرين أياماً من الصفاء والنقاء ماتت معك ،نادمين على فقدانك ،مترحمين على روحك ،صرختُ بهم عالياً وهم يحملون نعشك (يا لكم من أوغاد …؟الآن عرفتم قيمة هذا الراحل ..؟!) فلم يجبني احد منهم ،بل استمروا مطأطئين رؤوسهم ،منكسرة أرواحهم، محزونة قلوبهم والتابوت يتقدم الموكب المغادر صوب المقبرة ،هناك حيث ستدفن القرية آخر الرجال الطيبين.
فور وصول الحشد  صوب القبر المخصص لكَ، انتشلت عيناي صورة ماجت بن الرؤوس ، فتاة ناحت عليك كحمامة ، تركت الجمع ورحت أراقب دموعها التي هبطت على مهل سائحة على خديها  .ثم لفتت انتباهي صورة  رجل آخر اعرفه جيداً ،رجل يرتدي ملابس الجبهة ،وقد سالت جروحه بعد أن دشَّنت جسده الشظايا ، انكب باكياً على قبركَ نائحاً بشدة،وصورة امرأة تبكي بحرقة كما تبكي الأم على ولدها وهي تحمل صرة فيها ملابس أطفال  تشير بها إليكَ.استغربت كثيرا ..! مَنْ هؤلاء ..؟إني اعرفهم جيدا فقد خالطوني وخالطوك قديماً ،ومازالت صورهم تطوف في فلك خيالي مثل الكواكب .لم اسمح  لاستغرابي أن يمكث طويلاً،حين تحرك حشد المشيعين عائداً الى القرية ،تعمدت البقاء في مكاني لأنظر إلى هؤلاء الباكين وما قصتهم،وما علاقتهم بكَ أيها  المتواري تحت لحافك.اقتربت منهم مخاطباً (من انتم..؟) فلم يجب منهم احد،حركوا أجسامهم الهلامية وفي خفة صعدوا صوب السماء وقد تشابكت أياديهم ،استغربت حين اومأوا إليَّك بالصعود..! وأنت كما عهدتك خفيف الروح، لطيف الحركة،بشوش الوجه،تسارع في خطوك نحوهم ،يخفُّ بكَ الوزنُ  بأقدام أثيرية ،لا اعلم لماذا لم تلتفت لصراخي ..؟.أومأت إليك كالمجنون طالباً منكَ  تفسير ما يحدث ،لكنك أشحت باسماً و رافقتهم مشع النور مبتهجاً ،  تعلو ثم تعلو لتعلن أطيافكم الضئيلة اختفائكم بين ذراعي السماء ،تاركاً خلفَكَ قبراً فاغر الفم مدهوشاً مثلي،وقريةً سألتحقُ بحشدها الذي غادرَ عائداً.

تعليقات الفيسبوك

شاهد أيضاً

حــصــرياً بـمـوقـعـنــا
| صالح جبار خلفاوي : السارية .

  اذكر عشقي الاول لفتاة بيتهم قرب ثكنة عسكرية في المساء زارنا ابوها هدد ابي …

| عباس خلف علي : نص في المكان – محاورة اللحظة لالتقاط ذاكرة القنطرة .

تراءت لي عند باب العروة ، القنطرة التي أثير اللبس حول انتزاعها من الضريح لتكون معبرا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.