ناطق خلوصي : شبل الليل

خلـّف المكان وراءه هاجعا ً تحت مظلة سكون الهزيع الأخيرمن الليل ، وقد ودّعه نباح الكلاب الجائعة ، والأمانة الغالية ترقد في الجيب الذي فوق القلب ، والفرس تخب من تحته ، فرس شهباء منحها له سيده يوم حصل هو على سيارة الشوفرليت التي أهداها له الرجل المحترم إكراما للدور الذي لعبه في الوقوف وراءه أيام الانتخابات الماضية.
ليلة  أمس سمع طرقا ً خافتا ً على الباب وكأن الطارق لم يكن يريد أن يثير انتباه أحد ، فعرف ان القادم لم يكن سوى سيده فهذه هي طريقته في طرق الباب . هب من رقاده الى جوار زوجته وغادر الحجرة على عجل فقفزت هي بدورها من مكانها ومدت خلل فرجة ضيقة سمعا ً يقظا ً يلتقط حتى الهمس . قال له سيده وهو يناوله ورقة :
ــ ستأخذ هذه الورقة أمانة ً الى صاحبنا المحترم في المدينة . احتفظ بها بعناية ولا تدعها تفع بيد أحد .
تعثر الصوت بين شفتيه :
ــ يبدو انها مهمة وخطيرة ياسيدي !
ــ انها كذلك ، ولا أحد يقوى على حملها سوى  شبل الليل .
امتلأ صدره بالزهو فعاد يقول :

ــ وهل استطيع أن أعرف ما فيها ؟
ــ أعرف ان فضولك لن يدعك ترتاح ، لذلك سأوفر عليك مشقة التفكير القلِق بالأمر فأقول انها قائمة باسماء حفنة من الأوغاد يؤلبون الناس على صاحبنا . يقولون انه لم يفعل شيئا ً يفيد سوى القريبين منه . وهذا شيء خطير قد يضر بالرجل  مستقبلا ً، لذلك عليه أن يتدبر الأمرمنذ الآن وعلى عجل .
ــ أتريدني أن أذهب هذه الليلة ؟
ــ لا . ليلة غد . ربما رآني أحد وأنا قادم أليك ولا أريد أن تثار حولنا الشكوك .
أوصاه بما يجب أن يفعل ودس في يده رزمة نقود فأوشك أن يتلقف تلك اليد ويهبط بفمه عليها .
عاد الى الحجرة مسكونا ً بنوبتين من الزهو : واحدة بسبب المهمة الخطيرة التي كلّفه سيده بها وأخرى بسبب رزمة النقود . وجد زوجته ، تستلقي على الفراش وبدت كأنها لم تر أو تسمع شيئا ً : همست :
ــ من كان القادم يازوجي العزيز ؟
ــ  سيدي .
ــ وما الذي جعله يأتي الينا في هذه الساعة ؟!
دفعه غروره وشعوره بالزهو الى أن يقول :
ــ  لقد كلفني بمهمة خطيرة يعرف أن لا أحد يستطيع القيام بها سوى شبل الليل . سأبوح بها لك ولكن عليك أن تصكي عليها أسنانك ولا تبوحي بها لأحد . وهذا هو ثمن المهمة الصعبة .
وناولها رزمة النقود فتلقفتها وضمتها الى صدرها ، ولم يكن يعلم بأن ما إئتمنها عليه سيتسلل من بين شفتيها الى سمع أول امرأة تلتقيها في الصباح . هذا هو دأبها مع الأسرار التي يفشيها زوجها أمامها ، وكأنها تشعر بالزهو والمباهاة وهي تفعل ذلك .
وها هي الفرس الشهباء  ما زالت تخب تحته خببا ً هادئا وهو في حالة نشوة ً وصرة ثيابه النظيفة في حضنه . اجتازت الشهباء به منطقة الدغل البري والأجمات والأحراش وصارت الآن في عراء طريق يلتف مستديرا ًفي أكثر من مكان .انه يعرف الطرق الملتوية التي تفضي الى الهدف دون أن يثير الريبة . سيصل المدينة عند الصباح ، يودع الشهباء في مربط (خان الغربان ) ويأتمن صاحب الخان عليها ويمنحه أجرا ًاضافيا ًعلى ما كان يدفعه حين كان يأتي ممتطيا ً الفرس العجفاء التي كانت تحته قبل أن يتكرم عليه سيده بالفرس الشهباء العزيزة على قلبه ويراها بالعين التي يرى زوجته فيها ..
تحسس جيبه الذي فوق الصدر واطمأن الى وجود الأمانة . انها أمانه غالية من رجل عزيز الى رجل هو ولي نعمته ونعمة  سيده . كيف تجرؤ حفنة من الأوغاد فتتطاول على رجل الرجال ، المحترم الذي تسانده القرية وتمنحه أصواتها في كل مرة؟ كيف تزعم  حفنة الأوغاد هذه انه لم يقدم شيئا ؟  صحيح انه كان قد وعد بالكثير ولم يتم تنفيذ أي واحد من وعوده  ، لكنه معذور فربما لم يجد ، وسط مشاغله الكثيرة وسفراته المتعددة ، من الوقت ما يكفي لأن يحك رأسه فكيف يجد وقتا ً للاهتمام بأحوال القرية ؟ يزعمون انه لم يرع أحدا ً في القرية فيكذبون . نعم يكذبون . يحلف بكل مقدساته انهم يكذبون . ألم يهد ِ سيده سيارته الشوفرليت فأهداه هذا فرسه الشهباء في المقابل ؟ألا يكفي هذا دليلا ً على كرمه ؟ كيف يدعون ادعاءا ً باطلا ً بأنه لم يرع أحدا ؟ هل يريدون أن يهدي كل واحد سيارة شوفرليت ؟ وهل يملك مال قارون لكي يفعل ذلك ؟ وحتى لو انه أصبح يملك مال قارون كما يشاع عنه هذه الأيام فلماذا يكون عليه أن يوزعه على الآخرين ؟ ليذهبوا بما يقولونه الى الجحيم .
بدأت العتمة تنجلي قليلا ً قليلا ً وقد صار في منتصف طريق الوصول الى المدينة . سيفطر على وجبة كباب دسمة في مطعم ” كباب الأمراء ” ويشرب ثلاثة استكانات شاي في ( مقهى الشرق  ) مثلما اعتاد أن يفعل في كل زيارة كان يقوم بها الى المدينة من قبل ، سيذهب الى الحلاق ليحلق شعره وذقنه ، يذهب الى الحمام العمومي ويغتسل ثم يرتدي ثيابه النظيفة ويعيد ثيابه التي يرتديها الآن الى الخان . هكذا أوصاه سيده . لا يليق أن  يدخل على الرجل المحترم بهندامه المبهذل هذا . سيستقبله المحترم بالتأكيد وسيهتف حين يقع بصره عليه ” أهلا ً بالشهم شبل الليل ! ” وربما سيجلسه الى جواره  ويكرمه بما يليق بالمهمة التي جاء من أجلها . ربما سيمن عليه  ببضعة ملايين من الدنانير أو قد يهبه واحدة من سياراته الكثيرة ، أو قد يجعله من رجال حمايته فيصحبه الى البلدان البعيدة . سيمتطي الطائرة معه . آه لو انه امتطى طائرة . هذا هو حلم حياته . سيذهب معه الى الحج أكثر من مرة . لكن هل سيصبح حجه مقبولا ً ؟ سيسأل ملا القرية : هل الحج على حساب الدولة مقبول ؟  لا يهم . ربما وربما وربما …..
كان يواصل دخوله  في منطقة حلم اليقظة حين سمع همهمة أصوات متداخلة مثل انين موجوعين ، ونحيب ثكالى مفجوعات وأصوات جلبة غامضة وأزيز طائرات ودوي قصف بعيد . من أين تأتيه هذه الأصوات وهو لا يرى أحدا ً من حوله ؟ هل يسمع الآن صهيل خيول ؟  ربما بدأ يتخيل ذلك . لكن الصهيل تواتر بشكل واضح  الآن وكأنه قادم من مكان قريب  وقد انزاحت عتمة الغبش . هل يرى ثلة الفرسان الملثمين التي تحيط به الآن أم انه يتخيل ذلك ؟ انه في كامل وعيه ويقظة ذهنه وها هو يجد نفسه  وسط الفرسان الملثمين فعلا ً . لم يرهم مسلحين ، فمن يكونون ومن أية زاوية انبثقوا؟  صدم سمعه صوت أحدهم :
ــ أهلا ً بشبل الليل !
شمّ رائحة السخرية في عبارة الترحيب المصطنع . جاءه صوت رجل آخر ،هادئا ًبشكل مثير للدهشة :
ــ أين وجهتك يا شبل الليل ؟
ــ الى المدينة ؟
ــ ندري الى المدينة  ولكن الى اي مكان في المدينة ؟
ــ الى خان الغربان لأودع فرسي في مربطه ثم أذهب الى السوق لأتبضع لعائلتي . لقد أوصتني زوجتي على بضع حاجات تلزمها في البيت . هذا كل ما في الأمر .
ــ وأين هي زوجتك الآن ؟
ــ انها في البيت ، أم انكم تشكّون في ذلك ؟ هل تعتقدون ان زوجة شبل الليل تفعل شيئا ً من وراء ظهر زوجها ؟!
ــ أنعم بزوجتك وأكرم .
شم من جديد رائحة سخرية فيما سمع وانقبض صدره . أيكون أحد من هؤلاء يعرف ان زوجته تستقبل سيده حتى في غيابه كما يشاع في القرية ؟ وماذا في ذلك لو انه حدث ؟ انه يثق بزوجته طاهرة الذيل ويعرف ان سيده رجل ، نقي ، تقي ، ذو ذمة ، يؤدي الفروض في مواعيدها . انه يثق به حتى لو بات مع زوجته على فراش واحد .
احتد صوت في وجهه :
ــ لا تكذب علينا يا شبل الليل . هيا أرنا ما لديك . اننا نعرف الى أين وجهتك وما الذي تحمله معك فلا تراوغ .
***
ركل أحد الفارسين الملثمين اللذين رافقاه ، باب بيته بعنف فارتدّت الظلفة الى الوراء محدثة ضجيجا ً استفز زوجنه وسيده فقفزا من الفراش عاريين . مشت زوجته بخطوات متعثرة صوب باب الغرفة ومن خلل فرجة في الباب أحدثتها حركة يدها  رأت ما يجري . وكتمت بصعوبة صرخة رعب وقد رأت تحت ضوء الفجر زوجها ، شبل الليل ، عاريا تماما ً، ومربوطا ً على ظهر حمار يدور في باحة البيت !

شاهد أيضاً

عبد اللطيف رعري: درجة الغضب تحت الصفر

ما بوسعي الكلام منذ بداية التكميم …فلا على ألاكم حرجٌ كانت أسْناني بيضاءَ وَكان جبلُ …

من ادب المهجر: اغنية غربة على نهر مور
بدل رفو
غراتس \ النمسا

من حُمَمِ الشوق والسهر .. من فضاءات الشجن .. انبثقت اغنية بنثر العشق لحنها .. …

صهوة الجراحات
عصمت شاهين دوسكي

آه من البوح الذي يغدو بركانا آه من شوق اللقاء يتجلى حرمانا أفيضي عليً دفئا …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *