مهدي شاكر العبيدي : الكليات الأهلية والطريق السهل لتوظيف الخريجينَ فيها !

mehdi 6  استحدث النظام السابق في العراق كليات أهلية متنوعة إثر تفطنه إلى أنَّ الجامعات الرسمية بكليَّاتها المتعدِّدة وما تحتويه من أقسام وفروع مشتملة على مختلف الاختصاصات والدراسات العلمية ، لم تعد تستوعب الآلاف من الطلبة المتخرِّجينَ من الثانويات بتوالي السنين ، فأسَّس جامعات جديدة في محافظات البلاد أو ألويتها كافة ، ثمَّ سمح للموسرينَ ومَن هم على مستوى ودرجة من الوعي ودراية بمقتضيات العصر والتلاؤم معه وإحسان مماشاته ومسايرته ، أنْ يبادروا لفتح كليات خاصة تستوفي أجورا ً محدَّدة ممَّن يرغبونَ في التحصيل والدراسة فيها ، وممَّن لم يواتهم الحظ في إحراز درجة المعدَّل المطلوبة للانخراط في أروقة الجامعات الحكومية ، وقد أثبَتتْ المبادرة نجاحها بعد استعانة المشرفينَ عليها بالأساتذة الأكاديميينَ المتقاعدينَ ليُحاضِروا فيها ، مترسِّمينَ عينَ المناهج المقرَّرة لكلِّ مرحلةٍ دراسية ، لكن دونَ أنْ تفلح في الحدِّ من هذه النظرة الاستعلائية المتغلبة من نفوس متخرِّجة الجامعات الرسمية حيال أقرانهم المداومينَ في هذه الكليات المستحدثة ، بدعوى أنـَّهم ما انتظموا فيها إلا لتدني درجاتهم الامتحانية في تحصيلهم الثانوي .

غير أنَّ الجميع يستوونَ قبلا ً وبعدا ً وإثر تخرُّجهم وإنهاء دراستهم ، في سأمهم وقرفهم من التبطل أو العطالة ، جرَّاء تواني المسؤولينَ في الدولة في احتوائهم أو العهدة لهم بالوظائف المناسبة لما تزوَّدوا به واكتسبوه من معارف ومهارات ، وحتى الكليات الطبية التي كان المتقدِّمون للتوظف من خريجيها لا يُرَدُّ لهم طلبٌ ما البتة ، غدَتِ الدولة ــ كما سمعْتُ ــ غير ملزمة باستقبالهم بعد أنْ كان ذلك مضمونا ً في سنواتٍ سابقة ، كأنَّ الأحوال الصحية في بلدنا ومجتمعنا صارتْ على ما يرام من خلو بيئتنا ومحيطنا من الأمراض ومسبِّباتها ، وأنَّ الناس هنا اعتادوا النظافة وألفوها في مأكلهم ومشربهم وملبسهم وسكنهم ، وجاوزوها أكثر إلى نظافة ألسنتهم وصون أفمامهم من النطق بهُجر القول وبذيء الكلام والبعاد بها عن الاغتياب والنميمة ، فعلى هذا الذي درس علوم الطب مبتغيا ً معاونة الأهالي على الاشتفاء من أدوائهم ، وكي يستفيد هو شخصيا ً من المراس العملي ، ويكتسب بهذا الخصوص تجربة وخبرة ، قبل أنْ يتبدَّد من ذهنه ما حذقه وتعلمه ، وينسى بسبب توقفه وانقطاعه عن المزاولة والممارسة ما اختزنه من معلومات ؛ أنْ يستأني ويتمهَّل ريثما يفتكر القائمونَ بالأمر بمشروعاتٍ جديدة من شأنها التوسع في المجال الصحي وإنعاشه ورفده بنزغ ٍ جديد ومنشِّطٍ ، وآنذاك يحصل الشاغر ويُستدعَى طالب الوظيفة هو ومَن يشاؤه من أمثاله المتبطلينَ ، فيستنفرهم لحيازة فرصتهم الثمينة ! ، إنْ لم يستبقوا إليها قبل ردح ٍ من الزمن طويل ، وتهيَّأت أمامهم لوازمها وأسبابها بفعل الوجاهيات والوساطات ، كما هو مألوف في عهودٍ سلفتْ ، لتستجدَّ بديلها ما يسمُّونه بالتزكية من هذا التيَّار أو الحزب ، كأنـَّهما عريقان ومتأصِّلان ومتوشِّجان من أزمان وحقباتٍ سحيقةٍ في هذه الربوع ، وإنْ لم ترضَ أو تقبلْ فموكلان في اكتناه أميال الخلائق ، وإحصاء أطباع البشر وتصرُّفاتهم ، وما تدري مَن يسوس أمرك ويتصرَّف بمقدَّراتك ، حين تجد قبالتك هذه التعدُّدية من الواجهات والشيع المتولية التدقيقَ في نشأتك وولائك ومَتـِّكَ لأيِّ رعيل سياسي ذي حضور وكلمةٍ مسموعةٍ ونفوذٍ مفروض اليوم في الساحة وعلى البشر ، وقد يكون الذي يجود عليك بالتزكية المطلوبة ، ممهورة بتوقيعه ، دونك في التزود العرفاني والمحصَّل الثقافي والخبرة بالسياسة ومضار الاشتغال بها ومنافعه .

وأرى أنَّ أيسر السبل وأخلاها من العثرات والمعوِّقات لمَن يسلكها أو يغامر بسلكها للحصول على وظيفة كفيلةٍ بتبديل وضعه وتغيير حاله وتجديد حياته ، ربَّما إلى ما لا نهاية من الزمن لوفرة عائديتها وزيادة دخلها وتضاعف مردودها ، هو الاندساس بتؤدةٍ ورويَّةٍ في تشكيلةٍ أو تجمُّع ٍ ساع ٍ في سبيل الصالح العام كما يدَّعي ، ثمَّ التنصُّت لما يلوكونه من زعم وفحوى ، أو ينبسونَ به من لغو وكلم ٍ متغرِّض ٍ وقادح ٍ بنظرائهم من الفرقاء المشاكلينَ لهم في حرصهم على مصائر المجموع وكراماتهم ومعائشهم ، وبعد أنْ يفقه هذا الدهان والمراءاة والتمشدق بالعقائد والمبادئ ، فليجازفْ بإشهار نفسه وسْطهم ليترشَّح في قائمتهم ويخوض الانتخابات النيابية ويمتهن العمل السياسي ، ولا يهم أنْ لم يكُ على قيد الحياة في أعوام عقدي خمسينيات وستينيات القرن العشرين ، ويجهل نضالات الشعب العراقي في تلك الآونة ، ولا يحيط بالعوامل التي حدَتْ به للوثوب والانتفاض بوجه حُكـَّامه ، بل لم يُعايش الهزائم العربية المتوالية أمام إسرائيل ، أردْتُ أنْ أقول من وراء كلِّ هاته الاستذكارات أنـَّه قد يكون خلوا ً من الثقافة السياسية المناسبة لمَن يتأهَّل كي يغدو سياسيا ً ومهتما ً بالشأن العام ، ناهيك بأحداث العالم الوسيع والصراعات المحتدمة في أفريقيا وآسيا وأدوار المتزعمينَ والصدور الأماثل فيها ! .

فإذا كان هذا الدارج الفتي متخرِّجا ً في كليةٍ أهليةٍ أو رسميةٍ ، وتأتى له العمل السياسي بعد نجاح مشروعه وتحقق فوزه بالنيابة عن الشعب ، ليدافع عن حقوقه المسلوبة أمام رصفائه النواب أو يراقب السلطات التنفيذية ، كما علمونا وعلموه في الصغر وفي سن غريرةٍ ، فليستذكر عشرات الألوف من أخدانه المتخرِّجينَ الذينَ أسلمتهم كلياتهم الرسمية والأهلية معا ً لمعاناة العوز والإملاق والبطالة ومقاساة التشرُّد والتشرذم في هذا البلد الزاخر بالخيرات والموارد ، وليُراع ِ ذمَّته في النظر لأحوال أساتذته المحاضرينَ والمتقاعدينَ من مواقعهم الأصلية ، والذين ما استجابوا في سن متقدِّمة للتدريس والعمل حيث يتلقى علومه ، إلا نزولا ً على حكم الضرورة وابتغاءً تخطي صعوبات العيش أيَّام الحصار المفروض والمقيت ، ومنهم مَن مات مطويا ً على كمد وحسرة جرَّاء ما لقي في حياته من تجاهل وكـنودٍ وإجحافٍ وتضييع ، ومَن بقوا بيننا أحياء يرنونَ اليوم إلى شطارة تلميذهم ولوذعيته في تبوِّئ مكانته المرموقة بينَ السياسيينَ الجُدد نائبا ً وقد يصير وزيرا ً متصرِّفا ً بشؤون مرفق ما في البلد ، ما دامَتْ المحاصصة واقتسام العوائد النفطية وغيرها هي السائدة بيننا والمتحكمة فينا ، فتبا ً لهذه القسمة الضيزى وعدم النظر للمؤهلات بعين الأهمية ورعيها عند اقتسام المدخولات والعوائد ، ولا يهمُّ عند هؤلاء أنْ يتحوَّل الإنسان في سلوكه من طبع لآخرَ ضدَّه ، ويستبدل حسب الحاجة والضرورة موقعا ً دينيا ً متـزمِّتا ً بنقيضه الموقع العلماني المنفتح وبالعكس ، فأينَ الثبات على المواقف يا منضوينَ في الشُلل من جميع القوائم الانتخابية ؟ ــ عدا القائمة الكردية التي أجهل أيَّ شيءٍ عنها ــ وأينَ الاستمساك بالقيم (( يا مسرفينَ وإنْ بالحرف يُقتصَد )) ؟ ! .

مهدي شاكر العبيدي
دمشق
MahdiShakerAlobadi@yahoo.com

شاهد أيضاً

هايل علي المذابي: كلمة السر!!

الحياة مواقف، ولكل موقف ثمة كلمة سر، قلة قليلة فقط من يعرفونها، إنها معرفة غير …

عبد الرضا حمد جاسم: لنفكر قبل ان نصرخ… ماكرون والرسوم المسيئة (5)

مقدمة: [حال المسلمين اليوم وردودهم حال ترجمتهم للنص البليغ الحكيم العظيم:[…سيماهم في وجوههم من أثر …

فاروق مصطفى: ما رواه الصباح عن الشعر الماطر في القلب

  احب الاصغاء الى الشعر , واحب استظهاره وانشاده , وبالرغم من تشربه بعشرات الحكايات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *